صحيفة الأخبار - ٧ يناير ٢٠١٨

يقال إنه في ظل الاستعداد لغزوة بدر الكبرى، مر الرسول الكريم وأول الخلفاء الراشدين بشيخ اسمه سفيان الضمري لم يكن يعرف هوية السائليْن ولا نواياهما، فأرادا معرفة بعض المعلومات منه، وسألاه عن قريش من ضمن ما سألاه..
فابتدرهما بقوله أنه لن يكشف المعلومات إلا إذا أخبراه بهويتهما - وكأنهما يملآن استمارة التعريف وطلب المعلومة !
فوافقا، واستعجل الشيخ نقل المعلومة مثل تعجل وسائط اليوم الاجتماعية، ولكنه كان دقيقا في قوله العاجل (منقووووول) !
حيث ذكر لهما أنه لو صدق الذي أخبرني، فإن قريش لأنها خرجت يوم كذا، فاليوم ستكون في مكان كذا وكذا... وواصل استنتاجاته بناءً على معلومات صحيحة لديه، فقد كان يمتلك أدوات تحليل المعلومات !
فلما انتهى، سألهما: فمِمّن أنتما ؟
فقال رسول الله الكريم: نحن من ماء ! ثم انصرفا عنه، ليحميا ظهر المسلمين، وفي رؤاه آية الخالق: (ألم نخلقكم من ماء مَهين).

لدينا في السودان مشكلة كبيرة جزء منها متعلق بالحكومة والنظم الإدارية، وجزء متعلق بالصحافة وبالرأي العام، وجزء منها متعلق بنوعية محددة من المعارضين لا يهمها تخريب الوطن عبر مدخل المعلومات طالما أن في ذلك تخريب لحظوظ الأحزاب المشاركة في الحكومة، دون تمييز بين الوطن والوطني.

وفي مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات، تمت إجازة قانون حق الحصول على المعلومات في البرلمان بتاريخ 13 يناير 2015، وتلك كانت أول مرة في تاريخ السودان -ومنذ الاستقلال- يصير فيها مثل هذا القانون Information Access Law ! ولا زال الأمر مجهولا لكثير من المواطنين والصحفيين، بل وربما لمنظمة الشفافية الدولية نفسها Transparency International !! رغم وجود ما يشير لهذا الحق الوطني فعليا كمادة يتيمة من مواد قانون الصحافة كما أشار نقيب الصحفيين السابق محيي الدين تيتاوي ذات مرة، في زمان قد مضى.

كان أول تصريح صحفي لي بعد انتخابي كرئيس لمجلس تنسيق إعلام قطاع الحكم والإدارة قبل عامين وقبل مغادرتي، هو حول هذا القانون المطمور، وهذا مقتبس تنويري من خبر وكالة السودان للأنباء (سونا) آنذاك:
"ويهتم مجلس التنسيق الإعلامي بتوحيد الخطاب الإعلامي، وإلغاء التضاربات في التصريحات الرسمية، وتمليك المعلومات للرأي العام، كما يعنى بالتخطيط الإعلامي للناطقين في كل قطاع، وبالإدارة الإعلامية للأزمات التي تواجه البلاد.
وأكد رئيس لجنة إعلام قطاع الحكم والإدارة المهندس أبي عزالدين فى تصريحات صحفية بضرورة إحكام التنسيق بين الجهات المعنية بالتعامل مع الرأي العام، ومحاربة الشائعات المضرة بصورة البلاد، وتمليك المعلومات الصحيحة للجمهور ولوسائل الإعلام، التزاما بقانون حق الحصول على المعلومات الذي أجازه البرلمان دون تجاوز لخطوط الأمن القومي، حفظا لمصالح البلاد العليا.".. انتهى.

من الغريب والمثير والمجهول للعامة أنه كانت في مسودة القانون الذي أجيز ضرورة تكوين مفوضية مختصة بتمليك المعلومات لكل الناس وليس للصحفيين فقط، وإقامة عقوبات لكل المؤسسات الحكومية التي تمتنع عن تقديم المعلومات المطلوبة خلال اسبوعين فقط من تاريخ الطلب القانوني مستوفي الشروط !

إن السودان من الدول المتأخرة زمنيا في إجازة مثل هذا القانون، وهناك دول وصلت مرحلة أن يتضمن القانون بندا يحفظ هذا الحق للأجنبي كذلك بشرط المعاملة بالمثل !! كما أن دولا مثل المملكة الأردنية الهاشمية وصلت مرحلة أن يشكو رئيس مجلس وزرائها الأسبق من عدم تقدم أي صحفي أو مواطن بملء استمارة طلب المعلومات رغم مرور فترة على إجازة القانون ! وكان ذلك التصريح منه وكأنه محاولة تثقيف حكومي للمواطنين بحقوقهم، وتذكيرهم بها.

ورغم القناعة التامة بضرورة توفير الوزارات والمؤسسات الحكومية لكافة لمعلومات التي يطلبها الإعلاميون، ورغم كفالة القانون لذلك، ولكن ينبغي وضع بعض الضوابط إلى حين نضج الوزارات بدايةً في شأن التعامل مع المعلومات ومع الإعلام ومع الرأي العام، ثم بعدها يأتي نضج الوسط الإعلامي بعد أن يخرج من طور مراهقة السبق الصحفي، وسقطات الإثارة في مرحلة النمو هذه!

لا زالت أغلب المؤسسات الحكومية تعاني من عدم تنظيم المعلومات والوثائق بصورة تليق بدولة تعيش في عصر المعلومات وعصر التقنية وعصر المصادر المفتوحة والعولمة وما بعد الحداثة !
لا زال السودان في أسفل أغلب القوائم العالمية، ليس لسبب سوى لعدم توفر المعلومات الصحيحة والمحدثة وتقديمها للجهات المتعددة التي تطلبها في وقت مبكر.

ليس من شك أن علامة N/A والتي تعني عدم توفر معلومة من السودان صارت سمة بارزة لأغلب جداول التصنيف العالمي، وأحيانا يتم استخدام أرقام تقريبية من الدول المشابهة والقريبة من بيئتنا، فيتم ظلم السودان وصب المزيد من (موية النار) التي تشوه وجه السودان في الخارج، دون داع.

ولا زال المركز القومي للمعلومات والجهاز المركزي للإحصاء يحتاجان لدعم من الوزارات والجهات الأخرى بتحديث بياناتهم ومعلوماتهم وتنظيمها بصورة علمية لمصلحة من يخططون لهذه البلاد.

وأما المعارضون، فبعضهم يتمنى استخدام أي معلومة لضرب البلاد وضرب شعبها كي يحقق غرضه في ضرب الحكومة وضرب الأحزاب الحاكمة !
وتختلف نوايا الصحفيين من طلب المعلومات ومن نشرها كأخبار ومن تحليلها قبل النشر، فبعضهم (بل أغلبهم) نواياه صادقة ليعين المسؤولين بتحليل المعلومات، أو بتنبيه القيادة السياسية لما يخفيه عنهم أهل الاقتصاد أو أهل أي قطاع آخر.. ولكن بعضا قليلا من الصحفيين (والصحفيات) لا يميز بين أجندته السياسية الضيقة وبين المصلحة الوطنية، ويظنهما أمرا واحدا متطابقا !

ولكن لأن قوانيننا كعادتها غير واضحة المعالم، وتترك للمنفذين حرية التفسير والمعاقبة كما يشاؤون بناء على تقديراتهم الشخصية وتقديرات مديرهم العام وحامل سوط العنج في الدولة، فإنه ينبغي الذهاب خطوة إدارية (محترمة) للأمام، والبدء في تصنيف المعلومات مثلما تفعل الدول التي تنشد التقدم واستكمال نهضتها ! فيتم تحديد المعلومات السرية بوضوح وربطها بالزمن الذي يتغير فيه تصنيفها، كما ينبغي وضع قوانين تكميلية لحماية الخصوصية الشخصية ومعلومات أفراد الوطن مثل قانون Data Protection Act في بريطانيا، الذي يحمي معلوماتك الموثقة ورقيا أو الكترونيا، والذي كان خير عاصم لنا من سوء استغلال السلطة والنفوذ هناك. ولا نظلم الدول العربية ودول القارتين الآسيوية والافريقية من الشهادة لهم بوجود قوانين حماية البيانات والمعلومات وحماية الخصوصية، إضافة بالطبع لقوانين حماية معلومات الأمن القومي.

ولكن من الضروري الاتفاق على حدود الأمن القومي والخطوط الحمراء وعدم تركها لتقديرات عشوائية أو ظالمة، ومن الناحية الأخرى مثلما أن هناك معلومات اقتصادية أو اجتماعية يمكن لأعدائنا استغلالها لضرب البلاد وصورة شعبها ومجتمعها، فمن المهم كذلك التنبيه لضرورة حصول الصحفي (مثلا) على معلومات اقتصادية عامة مثل أسماء الشركات المتسببة في تدهور سعر الصرف بعد رفع الحصار، أو كم هو إجمالي المال الذي صار بيد وزارة الكهرباء عن غير وجه حق، حتى قرأنا في بعض الصحف قبل أيام عن أنها ستعوض كل من اشترى فاتورة كهرباء في الفترة الماضية ! أو لماذا فشل القطاع الاقتصادي في تخفيض التضخم إلى 9 % كما وعد في موازنة 2017 حتى فوجئت القيادة السياسية بأن التضخم هو 34 % !
وذلك قبل الشروع في رمي المزيد من الوعود التخديرية في موازنة عام جديد.

لا يعرف أحد بالضبط كم هو عدد الأنعام والمواشي والأفدنة الصالحة للزراعة في السودان كمثال ! وكل خطط وزارات القطاع مبنية على أرقام تقديرية قد لا يكون لها أي نصيب من الصحة !

ولو سأل صحفيٌ سائلٌ وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بعذابٍ واقعٍ: ما هو حجم المال الذي قامت الدولة بتوفيره من رفع الدعم في أي عام من أعوام إعلان قطاعهم لذلك، وكثيرٌ مثل ذلك من الأسئلة الأصعب التي ستخرج بالبينات في مقبل الأسابيع ونقدمها لقمة سائغة للصحفيين الاقتصاديين المتخصصين وللصحف الاقتصادية المحترمة مثل (إيلاف) والتي نعتبرها مجازاً "فايننشال تايمز السودان"، بل ولجهات أكاديمية تحتاج لقانون حق الحصول على المعلومات مثل طلاب الجامعات لغرض أبحاثهم الإصلاحية والتطويرية للبلاد، فلن تجد بعد اسبوعين من طرح السؤال على القطاع الاقتصادي إلا سقوط أغلب أباطرته في قبضة الامتناع عن التعاطي مع قانون حق الحصول على المعلومات،
وحينها يغرق في شبر ماء.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.