بعد ما تحدثنا عن مطالبتنا لوزارة الخارجية السودانية بأن تقاضي الصحيفة النيويوركية والقناة النيويوركية المحلية واللتان أبرزتا وجها قبيحا من وجوه نيويورك وإعلامها الأصفر، يظهر لنا من نفس نيويورك العظيمة رجل اسمه جيكوب لو (الشهير بالمحامي جاكلو).

مستر جاكلو لا يشبه كثيرا من اقتصاديي دول العالم الثالث، فهو لم يكن طالبا ضعيف القدرات قد دخل الجامعة بنسبة مئوية ضعيفة، وإنما تم قبوله في جامعة هارفارد، ولم يكن محاسبا ترقى في عالم المال والعمولات ليصبح مليونيرا أو وزيرا !
وإنما بدأ هذا المحامي خريج الآداب والمتخصص في القانون حياته العملية ككبير مستشاري السياسات Senior Policy adviser، ثم ترقى في الثلاثينات من عمره ليصبح مستشارا خاصا لإدارة بيل كلينتون، بعد أن صار عضوا في الحزب الديمقراطي ثم في لجنة صنع السياسات في الحزب، وخصوصا في القطاع الاقتصادي !

عمل جيكوب في إدارة كلينتون، وغادر الحكومة بخسارة حزبه للانتخابات لصالح الحزب الجمهوري في زمن جورج بوش الإبن، وذهب لإحدى الجامعات ليعمل بها، والتي قامت بتقدير مجهوداته لها فأعفته من مئات آلاف الدولارات التي كانت قد دفعتها له الجامعة لتساعده في دين الرهن العقاري لمنزله الخاص.

وعاد مرة أخرى لكراسي الحكم والتمكين بعودة أوباما والحزب الديمقراطي، فوصل منصب وزير الخزانة وهو المنصب الخامس بروتوكوليا في الترتيب بعد الرئيس، وهو المعني بالسياسات المالية والنقدية، وليس السياسات الاقتصادي، فبالتالي هو المنصب المشابه لوزير المالية (وليس وزير التخطيط الاقتصادي) في دولتنا الفتية ! رغم جمعنا هنا بين الأختين المعاقتين.

قال جيكوب مقولته المشهورة: (إن الموازنة ليست تجميعا لأرقام، وإنما هي تعبير عن قيمنا وآمالنا). كما يقول: (إذا لم تحدد المشكلة، فلن تصل إلى حل مرضي).

من المعلوم في أبسط التعريفات أن (الميزانية هي تقرير) العام الماضي، وأن (الموازنة هي خطة) العام التالي. الواضح للجميع أن التخطيط الاقتصادي للسودان، (منسوف) الأساس ! فلم يسمع أحد بأي نقاشات عن تقرير العام 2017، ولم يذكر الإعلام الحزبي أو التنفيذي شيئا عن ميزانية 2017 قبل الولوج في 2018، ولم يراجع البرلمان وعود الاقتصاديين التي وعدوها في نهاية 2016 العام الماضي تحت مسمى موازنة 2017 !!
ولو فعل البرلمانيون ذلك وقارنوا، لما أجازوا للاقتصاديين أن يطرحوا فكرة مناقشة ما سنفعله في 2018 !

ربما يجدر التذكير كمثال بأنه في ديسمبر من العام الماضي 2016 كان التضخم 24 %، وذكر أباطرة الاقتصاد أنه سيصلون به في نهاية 2017 إلى عدد فردي أقصاه 9 %.
اليوم تنتهي 2017 ونجد أن التضخم هو 34 % بما يعني فشل خطة الاقتصاديين جملة وتفصيلا.

واليوم يبشروننا بأن موازنة 2018 ستصل بالتضخم إلى 19 %، ونسأل الله أن يصدقوا ولو مرة. ومن غريب الأمر أنهم يقارنون بين نسب النمو العالمية المتوسطة، ويخفون عن المواطنين وعن المسؤولين السياسيين نسب التضخم العالمية المقبولة.

ويبدو من اللافت للنظر أن السياسيين صاروا مؤخرا أكثر وعيا لكثير من التضليل الذي يمارسه الاقتصاديون وأهل المال عليهم، وخصوصا بعد تجاربنا معهم في تصريحات الأزمة المالية العالمية ثم في الاستعداد لانفصال جنوب بلادنا بموارده وفي وعود البرنامجين الثلاثي والخماسي، ثم في رفع الحصار الأمريكي الجائر، وفي تكرار الوعود المضللة لمن ليس في كنانتهم ما يقدمونه للسودان سوى تكرار كلمتي "رفع الدعم".

وما يستدعي تنبيه المسؤولين أن موازنة 2018 كان ينبغي أن تُبنى على ميزانية 2017 وأن تُطرح للنقاش المستفيض في البرلمان وغير البرلمان.

إننا اليوم في منتصف البرنامج الخماسي الذي كان يريد أن يصل بتسع سلع إلى دعم إنتاجها لدرجة الوصول لتصديرها، أو كما يسمونه إحلال الواردات وزيادة الصادرات.. ولم يتم النجاح سوى في الذهب الذي يتم تهريبه، وفي الثروة الحيوانية التي نبيعها حية ! من غير جهد منا في هاتين الثروتين.

إن الناظر لآليات تقييم البرنامج الخماسي الذي جاء بعد فشل البرنامج الثلاثي الإسعافي، يرى خمسة مؤشرات رئيسية فشلت كلها دون أن يحاسبهم أحد، بل يتم نقل أباطرة الفشل من الجهاز الحاكم إلى الحزب الحاكم.

نطالب بمراجعة تدقيقية وتفصيلية وإعلامية للبرنامج الخماسي، والبحث بجدية في البدائل، هل هي إمكانية تصحيح مساره، أم نحتاج لإرادة سياسية قوية تقرر إلغاءه والبحث عن بديل أفضل وأنسب للمرحلة، أم أننا سنثير سخرية العالم فينا بإعلان برنامج إسعافي جديد نزرعه في جسم البرنامج الخماسي، ونسميه كمثال بالبرنامج الفوري لإنقاذ الجنيه وإنقاذ المواطن الذي صار يعيش معنا حياةً زنبركية !

عُرِف جيكوب-لو بتوقيعه المثير للسخرية والأشبه بالزنبرك، وبهذا التوقيع رسخ في ذاكرة العملة الأمريكية، ومن المثير للضحك أن أوباما سخر ذات مرة من توقيع وزيره، وقال: لو كنت أعلم أن لديه مثل هذا التوقيع الذي سيوضع على عملاتنا، لقمت بسحب ترشيحي له ! فقام الوزير بأبرز حركة تكسير تلج في أمريكا، ووعد بتغير توقيعه لإرضاء رئيسه ! وبالفعل وعد فصدق !

ربما لو حضر باراك أوباما للسودان، فسيجد في معظم المسؤولين عن التخطيط لاقتصادنا وماليتنا (و جنيهنا) ما يثير تعليقاته الساخرة، فيضطرون لتغيير سياساتهم إرضاء لأوباما، طالما أنهم لم يفعلوا شيئا بعد أن وصفهم قائد الإصلاح سيادتو بكري بأن قطاعهم الاقتصادي هذا قد فشل.

نودعكم بآخر مقالات 2017، ونلتقيكم في 2018 بإذن الله.

صحيفة الأخبار - ٣١ ديسمبر ٢٠١٧

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.