1
نقوم في هذه السلسلة من المقالات بالردِّ على ما ورد في ورقة السيد الصادق المهدي "العلاقة بين السودان ودولة الجنوب من الابارتايد إلى الوحدة إلى الانفصال إلى التوأمة" التي قدّمها خلال ورشة العمل عن "آثار الأوضاع بجنوب السودان - الخيارات الاستراتيجية والآفاق المستقبلية" بدار حزب الأمة بأم درمان في 10 أبريل عام 2017. ثم قام السيد الصادق المهدي بنشر ورقته تلك في عددٍ من المواقع الالكترونية. وقد ذكر السيد الصادق المهدي في تلك الورقة:
(1) أن مؤتمر المائدة المستديرة أثمر مشروعاً لحلِّ مشكلةِ الجنوب في أطار التنوّع وإقامة الحكم الذاتي،
(2) أن هذا البرنامج طبّقه نظام 25 مايو 1969 الانقلابي.
سوف نوضّح في هذه السلسلة من المقالات أن مؤتمر المائدة المستديرة فشل فشلاً ذريعاً في حلِّ مشكلة الجنوب، وأن اتفاقية أديس أبابا التي وقّعها نظام مايو تختلف اختلافاتٍ جوهرية عن مقررات مؤتمر المائدة المستديرة. وسوف نوضّح أيضاً أن اتفاقية أديس أبابا نجحت في معالجة الخلافات والإخفاقات الكبيرة في وثيقة مؤتمر المائدة المستديرة بصورةٍ معقولةٍ ومتوازنة.
2
تناولنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات مؤتمر المائدة المستديرة الذي تمَّ انعقاده في شهر مارس عام 1965، وأوضحنا كيف أضاع الساسة الشماليون فرصةً تاريخية لبقاء السودان موحّداً برفضهم النظام الفيدرالي، وكيف تدهور مؤتمر المائدة المستديرة إلى لجنة الاثني عشر.
ثم ناقشنا في المقال الثاني تكوين وعمل لجنة الاثني عشر، والتعثّر الكبير الذي صاحب أعمالها منذ البداية، وانسحاب الحزب الشيوعي وحزب الشعب الديمقراطي منها.
سوف نناقش في هذا المقال بالتفصيل الخلافات بين الجانب الشمالي والجانب الجنوبي حول مقررات لجنة الاثني عشر، وكيف ساهمت الأحزاب الشمالية وحكومات فترة الحكم المدني الثانية في إفشال دور وأعمال اللجنة، وفي وأد الآمال بالحلِّ السلميّ لمشكلة الجنوب.
3
أكملتْ لجنةُ الاثني عشر تقريرَها في 26 يونيو عام 1966، قبل أقل من شهرٍ من سقوط حكومة السيد محمد أحمد محجوب في يوليو عام 1966، وتولِّي السيد الصادق المهدي رئاسة الوزارة. غير أنه بسبب الوضع السياسي غير المستقر فلم ترفع اللجنة تقريرها حتى 26 سبتمبر عام 1966، أي بعد شهرين من وصول السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة. كانت نقاط الخلاف بين الجانب الشمالي والجنوبي داخل لجنة الاثني عشر متعدّدة وشملت كل المسائل الأساسية التي ناقشتها اللجنة.
4
كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية التي واجهت اللجنة هي مسألة إدانة أعمال العنف في جنوب السودان. وقد اختلف الطرفان الشمالي والجنوبي في نقطةٍ جوهريةٍ حولها، وهي: على من تقع مسئولية أعمال العنف؟ فالأعضاء الشماليون جميعاً طالبوا بإدانة أعمال العنف التي تقوم بها "منظمة الأنيانيا الإرهابية." من الجانب الآخر كان رأي الأعضاء الجنوبيين أن أعمال العنف تقوم بها الأنيانيا، كما تقوم بها القوات الحكومية، وطالبوا بإدانة الاثنين معاً، وهذا ما رفضه الأعضاء الشماليون رفضاً قاطعاً. وقد افتُتِحَ التقرير بهذا الخلاف.
5
ولا بد من التمعّن في هذه النقطة والتوقّف عندها، لأنها تعكس جوهر النزاع الشمالي الجنوبي. فبالنسبة للسياسيين الشماليين على اختلاف مواقعهم في الساحة السياسية في ذلك الوقت – إسلامي وعلماني، أو يساري ويميني، أو عسكري ومدني – فإن ما كان يحدث في الجنوب هو عمليات إرهابية تقوم بها مجموعاتٌ متمرّدة يجب ردعها بكافة الوسائل، وإعادة القانون والنظام. بالنسبة للساسة الشماليين الذين ظلّوا مهيمنين على الساحة السياسية بلا مساءلة، فإن الجيش الحكومي يمكن أن يرتكب مجزرتي جوبا وواو وغيرهما من المجازر، ويعدم 15 من السلاطين الجنوبيين أمام أسرهم، وهو بهذا يؤدّي دوره وواجبه الوطني لإعادة القانون والنظام. لم يَعِرْ أيٌ من هؤلاء الساسة أدنى اعتبار لحقوق هؤلاء المواطنين الأبرياء ولا لمطالبهم ومظالمهم.
لذا يبدو مطلب الجانب الجنوبي لإدانة العنف من طرفي النزاع منطقياً ومتناسقاً مع ما كان يجري في الجنوب كما أكّدته المحكمة العليا في الخرطوم فيما يتعلق بمجزرتي جوبا وواو.
6
كانت نقطة الخلاف الثانية بين الجانبين الشمالي والجنوبي تتعلّق بمسألة إعادة الأحوال إلى طبيعتها في الجنوب، والتي تعني في المقام الأول إعادة الأمن وحكم القانون. ولكن زوايا النظر المختلفة لمسألة إعادة النظام وحكم القانون لم يمكن التوفيق بينها، وبرز رأيان متضادان: هل إعادة النظام وحكم القانون خطوةٌ تسبق بالضرورة تنفيذ القرارات كلّياً أو جزئياً كما رأى وأصرّ الأعضاء الشماليون؟ أم أن الأصح أن تنفيذ القرارات هو السبيل الوحيد لإعادة النظام وحكم القانون كما رأى الأعضاء الجنوبيون؟
7
أوصى تقرير اللجنة بتحويل عددٍ من الصلاحيات، بما فيها الحكم المحلي، إلى كلٍ من مديريات الجنوب الثلاثة، وإنشاء مجلس تشريعي محلي لإجازة القوانين المحلية ومراقبة السلطة التنفيذية والتي سيرأسها شخصٌ تختاره الحكومة المركزية والمجلس التشريعي. أوصى التقرير كذلك بالسماح للجنوب بتطوير لغاته وثقافته.
غير أن مجالات الخلاف بين الأعضاء الشماليين والجنوبيين داخل اللجنة في هذه التوصية كانت كبيرة وواسعة، ويمكن تلخيصها في ثلاث مسائل جوهرية (بالإضافة إلى الخلافات في مسألة المسئولية عن العنف، وكذلك مسألة إعادة الأحوال إلى طبيعتها في الجنوب، واللتين ناقشناهما أعلاه).
8
كانت نقطة الخلاف الأولى تتعلّق بالتقسيم الجغرافي لجنوب السودان. فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن تكوّن مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) إقليماً واحداً، لأن أيّ تقسيمٍ للسودان يجب أن يبدأ بالشمال والجنوب كوحدتين وذلك للاختلافات في العرق الثقافة والدين واللغة. وقد جادل الجنوبيون أن الجنوب يعتبر نفسه وحدةً قائمةً بذاتها.
رفض الشماليون في اللجنة هذا الطلب بإصرارٍ وعنادٍ شديدين، وجادلوا بأن بقاء الجنوب إقليماً واحداً سيساعد على إبقاء حالة المواجهة بين الشمال والجنوب، ولذا لا بُدَّ من بقاء تقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات أو أقاليم كما كان الوضع في ذلك الوقت.
9
دارت نقطة الخلاف الثانية حول طريقة اختيار الشخص الذي سيرأس السلطة التنفيذية في الجنوب أو في أيةٍ من مديرياته. فقد أصرّ الأعضاء الشماليون على أن تقوم الحكومة المركزية في الخرطوم بتعيين هذا الشخص بعد التشاور مع المجلس التشريعي المحلي.
من الجانب الآخر فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن يتم انتخاب هذا الشخص انتخاباً مباشراً بواسطة سكان الإقليم. وقد رفض الأعضاء الشماليون حتى مقترح الأعضاء الجنوبيين الوسط بأن يقدّم المجلس التشريعي في الجنوب مرشحين تختار الحكومة المركزية أحدهما.
10
تمثّلت نقطة الخلاف الثالثة في طلب الأعضاء الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حق إنشاء حرس محلي لمساعدة قوات الأمن. رفض الأعضاء الشماليون هذا المقترح بشدّة، وأصرّوا على أن تلك مسئولية الجيش النظامي فقط ولا يمكن تفويضها لأيّة جهةٍ أخرى، وأن سيادة السودان لا تسمح بها.
11
كانت الخلافات الثلاثة خلافاتٍ جوهرية. غير أن النظرة المتأنيّة لها ترجّح كفة الجانب الجنوبي في المنطق والموضوعية في الخلافات الثلاثة.
فمسألة إدارة الجنوب كإقليمٍ واحد أو كثلاثة أقاليم كان يجب أن تكون مسألةً داخلية تخصّ ساسة وقادة الجنوب وحدهم، فهم على درايةٍ بمناطقهم وأهلهم واحتياجاتهم.
غير أن الساسة الشماليين فقدوا كل مقومات المنطق عندما أصرّوا على أن يكون رئيس السلطة التنفيذية معيّناً بواسطة الخرطوم، وليس منتخباً بواسطة السكان الذين سيحكمهم، أو بواسطة جهازهم التشريعي، كما طالب الجنوبيون في اللجنة. الغريب في الأمر أن الحكومة والأحزاب التي تفاخر بأنها قد جاءت للسلطة بالانتخاب الحر المباشر رفضت إعطاء ذلك الحق الديمقراطي لأبناء الجنوب.
12
كما أن مطلب الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حقَّ إنشاء حرسٍ محليٍ لمساعدة قوات الأمن يبدو مطلباً منطقياً ومعقولاً. فالجيش السوداني قد ارتبط في ذهن المواطن الجنوبي بالتسلّط والقتل منذ عام 1955، ولا يجب أن يتوقّع الشماليون أن ينسى الجنوبيون ذلك، وينسوا أيضاً مجزرتي واو وجوبا اللتين قتل فيهما الجيش الحكومي حوالي خمسمائة جنوبيٍ معظمهم نساء وأطفال، وكذلك مجزرة السلاطين الخمسة عشر.
لذا يبدو طلب الطرف الجنوبي بإنشاء وحدة حرس محليّة لحفظ القانون والنظام في مدن الجنوب منطقياً، خصوصاً وأن مسألة استيعاب الأنيانيا في الجيش السوداني لم تكن واردةً.
13
غير أن كل ذلك النقاش لم يعد مُجدياً بعد أن قامت الجمعية التأسيسية وحكومة السيد محمد أحمد محجوب بتصعيد العمل العسكري في الجنوب لاستعادة القانون والنظام، وأطلقت يد الجيش بلا قيود أو ضوابط لتحقيق هذا الهدف. وكان السيد محمد أحمد محجوب قد انتقد مراراً وتكراراً لجنة الاثني عشر وأعلن أنها قد فشلت في مهمتها.
وقد واصل السيد الصادق المهدي سياسات تصعيد الحرب في جنوب السودان التي سنّها السيد محمد أحمد محجوب، وغرق بسرعةٍ فائقةٍ في مشاكل السودان المعقّدة والمتزايدة.
14
أضاف السيد الصادق المهدي تعقيداً آخر لأعمال لجنة الاثني عشر في مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية الذي عُقِد لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر. افتتح السيد الصادق المهدي المؤتمر بوصفه رئيساً للوزراء في 17 أكتوبر عام 1966، وأعلن أن عقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر لا يغني عن تحويل الأمر للجنة الدستور. وطالما أن لجنة الدستور كانت ستطبخ دستوراً إسلامياً عربياً للسودان، فقد كان واضحاً أن الغرض من هذه المناورة الجديدة هو أن لا تكون مقررات لجنة الاثني عشر ملزمةً للجنة الدستور.
15
دار جدلٌ آخر حول هل سيناقش مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية كلَّ توصيات لجنة الاثني عشر، أم سيتقتصر النقاش على نقاط الخلاف فقط. أصرّ الدكتور حسن الترابي على نقاش المؤتمر لكل توصيات لجنة الاثني عشر واعتبر أن المؤتمر من حقّه قبول أيةٍ من هذه التوصيات أو رفضها. لم يكن واضحاً الغرض من هذه المناورة علماً بأن الدكتور الترابي كان ممثل جبهة الميثاق الإسلامي في لجنة الاثني عشر.
انسحبت جبهة المثاق الإسلامي إثر ذلك من المؤتمر. وكان حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي قد انسحبا من لجنة الاثني عشر كما ناقشنا من قبل.
حاول مؤتمر الأحزاب (أو ما تبقّى منها) حلَّ المسائل العالقة. دار النقاش في الخلاف الأول واقترحت الأحزاب الشمالية أن يتقدّم المركز بقائمة تحتوي على ثلاثة أسماء على الأقل للإقليم ليختار منها رئيساً. وفي حالة لم يتم قبول أيٍ من هذه الأسماء يتم التقدّم بقائمةٍ أخرى. تحفّظت جبهة الجنوب على هذا المقترح، ورفضه حزب سانو الذي عاد وأصرّ على الانتخاب المباشر لهذا المنصب. ولم يتم الاتفاق على مسألة الإقليم الواحد أو الثلاثة أقاليم إثر إصرار كلٍ من الفريقين على موقفه. وأكّدت الأحزاب الشمالية رفضها بشدّة لمقترح الجنوبيين بإنشاء وحدة حرس محليّة للمساعدة في حفظ القانون والنظام في مدن الجنوب.
16
اختتم مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية جلساته في العاشر من أبريل عام 1967، وأكمل تقريره في 2 مايو عام 1967. ولم يحدث تقدّمٌ في أيّة مسألة من مسائل الخلاف. غير أن حكومة السيد الصادق المهدي سقطت في ذلك الشهر، بعد عشرة أشهر في الحكم، وعاد السيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزارة في 15 مايو عام 1967، أي بعد أقل من عام من فقدانه لمنصبه. بقي السيد محمد أحمد محجوب رئيساً للوزراء لمدة عامين، حتى الانقلاب العسكري في 25 مايو عام 1969. كان عدم الاستقرار السياسي هذا سبباً آخر لحالة الارتباك والتخبّط التي سادت التعامل مع تقرير لجنة الاثني عشر، بالإضافة إلى التصعيد العسكري في الجنوب.
17
وصل عدم الجدّية السياسية قمّته عندما قام مجلس السيادة في 7 فبراير عام 1968 بحلِّ الجمعية التأسيسية بعد أن اتضح له أن حكومة السيد محمد أحمد محجوب سوف تسقط بسحب الثقة عنها، وتحلُّ مكانها حكومة برئاسة السيد الصادق المهدي. وقد انبنى قرار الحل على استقالة تسعين نائباً، وفقدان الجمعية بذلك للأغلبية المطلوبة لإجازة الدستور.
قام السيد الصادق المهدي وحليفه الدكتور حسن الترابي برفع قضية دستورية أمام المحكمة العليا. وهي نفس المحكمة التي رفض الرجلان حكمَها في قضية حلِّ الحزب الشيوعي، ووصف السيد الصادق المهدي حكمها بأنه "تقريري." وسخر الدكتور حسن الترابي في كتيبٍ أصدره عن حلِّ الحزب الشيوعي من الحكم ومن المحكمة العليا، وهاجم فيه بشدّة المحكمة التي عاد ليلجأ إليها لتفصل في قرارِ حلِّ الجمعية التأسيسية.
18
جرت الانتخابات لجمعيةٍ تأسيسية جديدة في أبريل عام 1968. وخسر بعض قادة الأحزاب مثل السيد الصادق المهدي، والدكتور حسن الترابي الانتخابات، ولكنهما واصلا وجودهما ورئاستهما لحزبيهما ومحاولاتهما الهيمنة على الساحة السياسية، والحديث عن الديمقراطية، وكأن شيئاً لم يكن. وكان حزب الأمة قد انشقَّ إلى حزبين بسبب إصرار السيد الصادق المهدي على فصل الزعامة الدينية عن السياسية.
كان التسجيل للانتخابات في جنوب السودان ضعيفاً للغاية رغم توجيهات الخرطوم لأفراد الجيش والتجار الشماليين في الجنوب بالمشاركة. فاز عددٌ من الشماليين في الدوائر الجنوبية، وبأصوات هزيلة. وقد فاز السيد عبد الحكم طيفور، مرشح حزب الأمة جناح السيد الصادق المهدي، في دائرة "توريت شمال – لاتوكا" بعشرين صوتاً من أصوات الثلاثين شخصاً الذين تمَّ تسجيلهم في تلك الدائرة، ونال منافسه الأصوات العشرة المتبقّية. تم إعلان فوز السيد عبد الحكم طيفور بـ 67% من الأصوات!
19
فاز الحزب الاتحادي الديمقراطي بمائة وواحد مقعداً، وفاز حزب الأمة جناح الصادق بستةٍ وثلاثين مقعداً، بينما فاز حزب الأمة جناح الإمام الهادي بثلاثين مقعداً. أما الأحزاب الجنوبية فقد فاز حزب سانو بخمسة عشر مقعداً وجبهة الجنوب بعشرة مقاعد. لم تسمح الحكومة للحزب الشيوعي بالمشاركة في الانتخابات رغم قرار المحكمة العليا التي قضت ببطلان حلّ الحزب. وقد شارك مرشحوه في الانتخابات تحت عدّة مسميات، وفاز سكرتيره الأستاذ عبد الخالق محجوب في دائرة أم درمان الجنوبية التي كان قد فاز فيها السيد إسماعيل الأزهري في انتخابات عام 1965.
استمر الحزبان – الأمة والاتحادي الديمقراطي – في ائتلافهما، وشكّلا الحكومة في يونيو 1968 برئاسة السيد محمد أحمد محجوب، وظلّ عدم الاستقرار والتخبّط سيّدي الحياة السياسية في السودان حتى اختطاف العسكر للسلطة في مايو عام 1969، بعد عامٍ من الانتخابات وتشكيل الحكومة الرابعة في فترة الحكم المدني الثانية.
20
الشيء الغريب في تكوين الحكومة بعد انتخابات أبريل عام 1968 أن رئاسة الوزارة لم تذهب للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي فاز بأكثر من مائة مقعد. بل آلت رئاسة الوزارة بمقتضى اتفاق تقاسم السلطة بين الحزبين إلى حزب الأمة جناح الإمام الذي فاز بثلاثين مقعداً فقط. فرضت ضرورة استمرار السيد إسماعيل الأزهري رئيساً لمجلس السيادة ذلك الوضع لأنه لم يكن ممكناً للحزب الاتحادي الديمقراطي الجمع بين الأختين – رئاسة مجلس السيادة ورئاسة الوزارة. وقد نتج عن تلك المعادلة الغريبة حكومةٌ يرأسها حزب الأمة، بينما يوجّه سياستها بحكم أغلبيته البرلمانية الحزب الاتحادي الديمقراطي، مما زاد الحكومة ضعفاً على ضعف، وارتباكاً على ارتباك.
21
لا بُدَّ أن الأحزاب الجنوبية التي فازت بخمسةٍ وعشرين مقعداً في الانتخابات كانت تنظر إلى تشكيلة الحكومة الجديدة بحسرةٍ وغضب. إذ كيف يمكن لحزب الأمة، جناح الأمام الهادي، الذي نال ثلاثين مقعداً فقط أن يحصل على رئاسة الوزارة ونصف عدد الوزارات في الحكومة، بينما لا تستطيع الأحزاب الجنوبية التي تكاد مقاعدها تساوي مقاعد ذلك الحزب الحصولَ حتى على وزارةٍ سيادية واحدة؟ من المؤكد أن هذا الوضع قد نتجت عنه طبقةٌ أخرى من طبقات الغبن الجنوبي التي كانت تزداد تراكماً يوماً بعد يوم على المعاملة الشمالية الظالمة لهم.
22
استمرت الأحزاب الشمالية في محاولاتها فرض التوجّه والوجه الإسلامي العربي للسودان، وظلّ كلٌ من القادة السياسيين يؤكد ويكرّر ذلك الوجه والتوجّه. فقد ألقى السيد الصادق المهدي خطاباً أمام الجمعية التأسيسية في أكتوبر عام 1966، عندما كان رئيسا للوزراء، وأكّد أن هويّة السودان هي هويّةٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ، وأن الأمة السودانية لن تستطيع تعريف هويّتها، وتحتفظ بهيبتها وعزِّها، بغير إحياء الإسلام.
وقد ذهب الدكتور حسن الترابي أبعد من هذا عندما أعلن في استخفافٍ كبير أن جنوب السودان يعيش حالة فراغٍ ثقافية لا بُدَّ من ملئها بالإسلام والعروبة. انضم السيد علي عبد الرحمن نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي (الذي اندمج فيه حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي عام 1967) إلى ذلك الركب، وأعلن أن السودان بلدٌ عربيٌ إسلاميٌ ومن لا يستطيع أن يتعايش مع هذه الحقيقة فعليه أن يحزم أمتعته ويغادر السودان.
لا بُدَّ أن وقع هذه الخطابات الإقصائية والاستعلائية كان صاعقاً على أبناء وبنات الجنوب. فقد تزايدت أعداد المغادرين منهم إلى المنفى في دول البحيرات الإستوائية، وأعداد المنضمين منهم إلى الحركات المسلّحة في جنوب السودان. لكن معظم المغادرين كانوا بلا أمتعة.
23
تكوّنت لجنة الدستور في فبراير عام 1967 برئاسة السيد مبارك الفاضل شداد. وقد واصلت تلك اللجنة من حيث انتهت اللجنة السابقة في إعدادها للدستور الإسلامي العربي للسودان المتعدّد الديانات والأعراق والثقافات.
وكما ذكرنا من قبل فقد انسحب السيد بوث ديو العضو الجنوبي الوحيد في لجنة الدستور التي ترأسها القاضي ستانلي بيكر عام 1951 بسبب رفض اللجنة مطلب النظام الفيدرالي للجنوب. وانسحب الأعضاء الجنوبيون بقيادة الأب سترنينو لوهوري أيضاً من لجنة الدستور عام 1958 بسبب رفض النظام الفيدرالي وإجازة اللجنة للدستور الإسلامي.
واصل الأعضاء الجنوبيون الانسحاب من لجان الدستور وفعلوا نفس الشيء بقيادة السيد أبيل ألير من لجنة الدستور عام 1968. كانت مسودة دستور عام 1968 لا تختلف عن مسودة دستور عام 1958. فقد تضمّنت كلٌ من المسودتين نصوصاً لدستورٍ إسلاميٍ عربيٍ للسودان، وكلاهما أقام نظاماً مركزياً للحكم رافضاً بذلك مطلب النظام الفيدرالي للجنوب.
24
كان مؤتمر المائدة المستديرة وقوّة الدفع التي نتجت من ثورة أكتوبر فرصةً تاريخيةً نادرةً وكبيرةً لحلِّ مشكلةِ الجنوب في إطار السودان الموحّد. لكنَّ الساسة الشماليين أهدروا تلك الفرصة الذهبية للحفاظ على وحدة السودان برفضهم مرّةً ثانيةً النظام الفيدرالي، وإصرارهم بغطرسةٍ وعنادٍ على نظامٍ مركزيٍ تحت مظلتي الإسلام والعروبة.
وقد تدهور عمل مؤتمر المائدة المستديرة إلى لجنة الاثني عشر والتي جاءت توصياتها مخيّبةً لآمال الجنوبيين، وكذلك الشماليين الذين اشعلوا ثورة أكتوبر وقدموا الغالي والنفيس من أجل حلِّ مشكلة جنوب السودان. بل لم يكن هناك اتفاقٌ إن كانت توصيات اللجنة للنقاش والتداول بواسطة مجلس الوزراء كما فهمها وتوقّع الكثيرون، أم أنها مجرد توصياتٍ لمؤتمر الأحزاب السياسية، ثم للجنة الدستور، كما صرّح السيدان حسن الترابي والصادق المهدي. وقد كان ذلك خذلاناً كبيراً لأهمِّ شعارات ومطالب ثورة أكتوبر التي نادت بالحلِّ السلمي والعادل لقضية جنوب السودان.
25
قاد عدم الاستقرار والحالة الشبيهة بالفوضى السياسية في السودان، وتصاعد الحرب في الجنوب، وفشل مؤتمر المائدة المستديرة، إلى قفز العسكر بقيادة العقيد جعفر نميري على مقاعد السلطة في 25 مايو عام 1969. كانت مشكلة الجنوب والوعد بحلِّها إحدى أهم الأسباب للانقلاب العسكري، كما أشار البيان الأول للانقلابيين، وكما سنناقش في المقال القادم والأخير في هذه السلسلة من المقالات.
وسوف نناقش أيضاً في ذلك المقال بالتفصيل الفروقات الكبيرة والجوهرية بين مقررات مؤتمر المائدة المستديرة واتفاقية أديس أبابا بين العقيد جعفر نميري والسيد جوزيف لاقو.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org