1
انعقد في العاصمة الكينية نيروبي في الفترة من 23 وحتى 25 فبراير عام 2017 لقاءٌ لمجموعةٍ من السودانيين تمّت تسميته حوار العلمانيين والإسلاميين حول العلاقة بين الدين والدولة. شارك في اللقاء أكثر من أربعين مساهماً، ناقشوا خلال أيام اللقاء الثلاثة عدّة أوراقٍ تناولتْ زوايا مختلفة لقضيةِ الدين والدولة.
من الواضح أن قضية الدين والدولة قد شغلتنا في السودان أكثر من غيرنا في الدول الأخرى (وكأننا الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم!)، وأضاع الجدلُ فيها أكثرَ من ستين عاماً من عمر الدولة السودانية. وقد كان موضوع الدين والدولة هو السبب الرئيسي للحرب الأهلية الطاحنة التي راح ضحيتها قرابة مليون سوداني، ولذهاب ثلث بلاد السودان، وربع سكانه. ثم أصبح موضوع الدين والدولة سبباً آخر في اشتعال الحروب الجديدة في هلال السودان الممتد من دارفور، مروراً بجنوب كردفان، وانتهاءً بولاية النيل الأزرق.
2
دعا المؤتمرون في لقاء نيروبي في بيانهم الختامي يوم 25 فبراير عام 2017 إلى مراجعة تجارب السودان لاستخلاص العبر تجنُّباً للأخطاء التي شملت منهج القهر والإقصاء والعزل والاستئصال، مما أضرّ بالمجتمع السوداني الذي يمتاز بالتنوّع والتعدّد والاختلاف.
وقد اتفق المشاركون في لقاء نيروبي على ضرورة الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك الالتزام بمبدأ الدولة التي تقف على مسافةٍ واحدة من جميع الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، وترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون. وقد أكّد المؤتمرون في بيانهم الختامي أن هذه الأصول والمبادئ محل إجماع، وأنها الطريق الصحيح إلى الدولة الوطنية.
وناشد المجتمعون أطراف النزاع السوداني وقف الحرب، وإيجاد حلول لأسبابها الجذرية، وتحقيق السلام الشامل في السودان. كما أكد المجتمعون ضرورة العمل المشترك لصياغة برنامجِ الحدِّ الأدنى باتجاه مشروعٍ وطنيٍ ديمقراطيٍ مُتّفقٍ عليه.
3
ليست هذه هي المرة الأولى التي تلتقي فيها مجموعةٌ من السودانيين لمناقشة قضية الدين والدولة، ومن المؤكّد أنها لن تكون الأخيرة. فقد وافقتْ الأحزاب الشمالية المعارضة (بما فيها الحزبان الرئيسيان – الأمة والاتحادي الديمقراطي) على نفس هذه المبادئ في لقائها في نيروبي في شهر أبريل عام 1993، مع الحركة الشعبية. بمعنى آخر، لقد تمّ الاتفاق على نفس هذه المبادئ، وفي نفس المدينة (وربما في نفس الفندق!)، قبل ربعٍ قرنٍ من الزمان!
وخلال ربع قرن الزمان هذا بين لقاء نيروبي عام 1993 ولقاء نيروبي 2017 التقى السياسيون والمتعلمون السودانيون على اختلاف أحزابهم وتوجّهاتهم ومعتقداتهم السياسية مراتٍ عديدةٍ أخرى، وناقشوا قضية الدين والدولة، واتفقوا على حقوق المواطنة واحترام المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وعلى ضرورة حفظ مسافةٍ بين الدولة والدين. وهي نفس المبادئ التي نادى بها لقاء نيروبي الأول في أبريل عام 1993، ثم لقاء نيروبي الثاني في فبراير عام 2017.
كان اللقاء الثاني بعد لقاء نيروبي الأول عام 1993 هو مؤتمر أسمرا – القضايا المصيرية – في يونيو عام 1995، والذي أكّدت فيه الأحزاب السياسية المعارضة موافقتها على المبادئ التي تضمّنها إعلان نيروبي 1993، بل وقامتْ بتوسيعها.
ثم قامت مجموعة الإنقاذ الحاكمة في السودان لتعلن في ميثاق السلام الذي وقّعته مع المجموعات المنشقّة من الحركة الشعبية في أبريل عام 1996 أن المواطنة هي منشأ الحقوق والواجبات في السودان في سبيل سيادة العدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان، ولتعلن مجموعة الإنقاذ اعترافها بوضوحٍ بالتنوّع الثقافي في السودان.
ثم عاد حزب المؤتمر الوطني الحاكم ليؤكد في بروتوكول مشاكوس الذي وقّعه في يوليو عام 2002 مع الحركة الشعبية لتحرير السودان موافقته على نفس المبادئ. وأعاد الحزب تأكيده لهذه المبادئ في بروتوكول تقاسم السلطة في 26 مايو عام 2004، ثم في استهلال اتفاقية السلام الشامل في 9 يناير عام 2005.
وقد سار حزب المؤتمر الشعبي بعد أشهر من انشقاقه من مجموعة الإنقاذ الحاكمة عام 2000 في نفس طريق الأحزاب الأخرى. فقد وقّع الحزب الجديد على مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية في شهر فبراير عام 2001 معلناً فيها أن المشاريع الأحادية الرؤى للحكم، وغياب المشروع الوطني المجمع عليه، يشكلان أساس الأزمة الوطنية في السودان.
4
سوف نناقش في هذا المقال موافقة الأحزاب وقياداتها ومتعلمو السودان على هذه المبادئ خلال اللقاءات المشار إليها أعلاه منذ عام 1993. وسوف نحاول تقصّي أسباب النكوص المتواصل عن هذه المبادئ، ونثير التساؤل إن كان لقاء نيروبي الثاني عام 2017 ستكون له أيّة إضافةٍ جديدة لمسألة الدين والدولة منذ إعلان نيروبي الأول عام 1993.
5
انعقد لقاء نيروبي الأول يوم السبت 17 أبريل عام 1993. وقد حضر الاجتماع ممثلون للحركة الشعبية لتحرير السودان، وحزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والحزب الشيوعي السوداني، والاتحاد السوداني للأحزاب الأفريقية، والمؤتمر السوداني الأفريقي، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، وشخصيات وطنية سودانية شمالية وجنوبية. كان ذلك أولَ لقاءٍ للتجمع الوطني الديمقراطي يحضره الدكتور جون قرنق.
ناقش الاجتماع مجموعة قضايا كان أهمها دور الدين في الدولة والسياسة السودانية، والأثر المباشر لذلك على الوحدة الوطنية والجهود المبذولة للوصول إلى سلامٍ عادل ومستدام في البلاد. وقد تمّ التوصل إلى الاتفاق التالي في هذا الشأن ليتمَّ تضمينه في الدستور الانتقالي:
أولاً: ستكون آليات ومواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية جزءاً أصيلاً من قوانين السودان، وسيُعتبر أيُّ قانونٍ يتعارض مع هذه الآليات والمواثيق لاغياً وباطلاً.
ثانياً: ستضمن القوانينُ السودانية المساواةَ الكاملة على أساس المواطنة واحترام الأديان والمعتقدات، دون تمييزٍ يقوم على الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة. وسيُعتبر أيُّ قانونٍ يخالف هذه الأسس لاغياً وباطلاً وغير دستوري.
اتفقت الأطراف المجتمعة على أنه بالوصول لهذه الاتفاقية الفارقة فقد توصّل التجمّع الوطني الديمقراطي إلى توافقٍ كاملٍ على جميع مواد الدستور الانتقالي، وتمّ حسم جميع المواضيع المتعلّقة بهذا الشأن.
وقّع على إعلان نيروبي السادة اليجا مالوك عن الحركة الشعبية، مبارك الفاضل المهدي عن حزب الأمة، أحمد السيد حمد عن الحزب الاتحادي الديمقراطي، التيجاني الطيب عن الحزب الشيوعي، أبدون أقو جوك عن الاتحاد السوداني للأحزاب الأفريقية، عبد الرحمن سعيد عن القيادة الشرعية، وفاروق أبو عيسى وبونا ملوال كشخصياتٍ وطنية.
6
تمّ تأكيد هذه المبادئ بواسطة أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في إعلان أسمرا – مقرّرات مؤتمر القضايا المصيرية – في يونيو عام 1995. فقد أكّد إعلان أسمرا التزام الأطراف التزاماً راسخاً بإنهاءٍ عاجلٍ للنزاع المسلّح في السودان الراهن عبر تسويةٍ عادلة ودائمة، وهو ما يتطلّب أن تتحلّى القيادات بالشجاعة السياسية والحنكة وبعد النظر. وأكّد الإعلان بأن خيار السودان الوحيد هو الوحدة المؤسّسة على التنوّع، والاعتراف بأن السودان بلدٌ متعدّد الأعراق والديانات والثقافات واللغات، وأن تلك الوحدة يجب أن تقوم على حـق المواطنة، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات، وِفْقَ المعايير المضمّنة في المواثيق والمعاهدات العالمية حول حقوق الإنسان. كما أكّد الإعلان كذلك أن وحدة السودان الدائمة لا يمكن أن تستند على القـوة والقهر، وإنما على العدل والقبول الحر من جانب كل المجموعات في السودان لبعضها البعض.
وقد وقّع على إعلان أسمرا قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وتجمّع الأحزاب الأفريقية السودانية، والحزب الشيوعي، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، ومؤتمر البجة، وقوات التحالف السودانية، وممثل للنقابات، وبعض الشخصيات الوطنية.
7
لم يقتصر الاعتراف بتعدّدية السودان وتنوّعه الثقافي والديني والعرقي على الأحزاب والقيادات المعارضة، بل تعداه ليشمل مجموعة الإنقاذ الحاكمة نفسها. فقد وقّعت حكومة الإنقاذ في 10 أبريل عام 1996 مع عدّة مجموعات منشقّة عن الحركة الشعبية الأم على وثيقة تمّت تسميتها "الميثاق السياسي." وقد اتفق الطرفان على الالتزام بعدّة مبادئ، منها اللجوء للحل السلمي والسياسي لمشكلات السودان، والحفاظ على وحدة السودان بحدوده المعروفة، وصيانة كيانه ضد المهدّدات والأخطار الداخلية والخارجية، وبذل كافة الجهود لتحقيق السلام والعدل وسيادة قيم الحق والفضيلة.
أشار الميثاق إلى أن المواطنة هي منشأ الحقوق والواجبات في السودان في سبيل سيادة العدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان. اعترف الميثاق بالتنوّع الثقافي في السودان، وحفّز السودانيين للتعبير بحرية عن قيم هذا التنوّع. كما أكّد الميثاق الالتزام بحرية التدين والاعتقاد، ونادي بتهيئة المناخ المناسب لممارسة التعبّد، ونشر الدعوة والتبشير والوعظ، وأكّد أنه لا يجوز إكراه أيِّ مواطنٍ على اعتناق أيِّ دين أو عقيدة. وقد تمّ تضمين هذه المبادئ في اتفاقية الخرطوم للسلام في أبريل عام 1997.
8
ثم واصل حزب المؤتمر الوطني الحاكم التوقيع على الاتفاقيات التي تتضمّن المبادئ التي وافق عليها في ميثاق السلام واتفاقية الخرطوم، ولكن مع الحركة الشعبية الأم هذه المرّة. فقد وقّع حزب المؤتمر الوطني على بروتوكول مشاكوس مع الحركة الشعبية في 20 يوليو عام 2002، ووافق من خلال البروتوكول على مجموعة مبادئ مماثلة. شملت تلك المبادئ أن وحدة السودان يجب أن تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه والحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطني السودان. وأن هذه الوحدة ستظلُّ هي الأولوية بالنسبة للطرفين، وأنه من الممكن ردّ مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار.
كما أكّد البروتوكول أيضاً أن الدين، والعادات، والتقاليد هى مصدر القوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني، وأن شعب السودان له تراثٌ وطموحاتٌ مشتركة. وعلى ذلك يوافق الطرفان على العمل سوياً من أجل مجموعة من الأهداف تشمل إقامة نظامٍ ديمقراطى للحكم يأخذ في الحسبان التنوّع الثقافي والعرقي والديني والجنس واللغة، والمساواة بين الجنسين لدى شعب السودان. وتشمل الأهداف إيجاد حلٍّ شامل يعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ويستبدل الحرب ليس بمجرد السلام، بل أيضا بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحترم الحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية لجميع الشعب السوداني.
9
ثم أكّد الطرفان – حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية – هذه المبادئ في اتفاق اقتسام السلطة الذي تمّ التوقيع عليه في يوم 26 مايو عام 2004. أشار اتفاق اقتسام السلطة إلى بروتوكول مشاكوس وأُسسِ وهياكلِ الحكم التي تضمّنها البروتوكول، شاملةً مبادئ الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، وحكم القانون. تضمّن الاتفاق التزام الحكومة بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة المبنيّة على المعاهدات الدولية والإقليمية، وأسس العدالة واحترام استقلال القضاء، والسعي لتحقيق الحكم الرشيد، والخضوع للمساءلة والشفافية والديمقراطية، وسيادة القانون على كافة أصعدة الحكم لتحقيق السلام الدائم.
وألزم الاتفاق جمهورية السودان، بما فيها كافة مستويات الحكم في جميع أرجاء القطر وبصفةٍ كاملة، على احترام تعهداتها بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي هي طرفٌ فيها، أو التي ستصبح طرفاً فيها. ويشمل ذلك العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقيات الدولية لإزالة جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية الاسترقاق لعام 1926 في صيغها المعدلة، والاتفاقية الملحقة المتعلّقة بها، والاتفاقية الدولية بشأن منع ومعاقبة جريمة الفصل العنصري، والاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري في الرياضة، والاتفاقية المتعلّقة بوضع اللاجئين، والبروتوكول المتعلّق بها، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
كما اتفق الطرفان على بدء عملية مصالحة وطنية شاملة وتضميد الجراح في جميع أرجاء القطر كجزءٍ من عملية بناء السلام. وتتولّى حكومة الوحدة الوطنية صياغة آلياتها وأشكالها. ويبدو أن الطرفين كان في ذهنيهما إجراءٌ مماثلٌ لما تمّ في دولة جنوب أفريقيا بعد انتهاء فترة حكم التمييز العنصري هناك عام 1994.
10
وقد أعاد استهلالُ اتفاقية السلام الشامل التي وقّعتها حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 يناير عام 2005 تأكيد المبادئ الواردة في بروتوكول مشاكوس وفي اتفاق اقتسام السلطة والمتعلّقة بالتعدّد والتنوّع وحقوق المواطنة في السودان.
فقد أكّد الاستهلال التزام الطرفين بإيجاد تسويةٍ متفاوضٍ عليها لإقامة نظام حكمٍ ديمقراطي يعترف من ناحية بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير، وجعل الوحدة جذابة خلال الفترة الانتقالية، وفي ذات الوقت يقوم على أساس قيم العدل والديمقراطية والحكم الراشد، واحترام الحقوق الأساسية وحريات الأفراد، والتفاهم المشترك والتسامح والتنوّع داخل الحياة في السودان.
11
وقد عكس دستور السودان الانتقالي لعام 2005 جميع هذه المبادئ التي تضمّنتها اتفاقية السلام الشامل، وتضمّنها إعلانا نيروبي الأول والثاني. فقد نصّت المادة الرابعة من الدستور على أن "التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة." ثم نصّت المادة السادسة من نفس الدستور على احترام الدولة "للعبادة والتجمع وفقاً لشعائر أي دين ..."، بينما نصّت المادة السابعة على أن "تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين."
12
لم يتأخر حزب المؤتمر الشعبي حال انشقاقه من نظام الإنقاذ عام 2000 عن الانضمام لركب الموافقين على مبادئ المواطنة ولرفض الرؤية الأحادية للحكم. فقد التفى حزب المؤتمر الشعبي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنيف في 17 فبراير عام 2001. مثّل الحركة الشعبية في ذلك اللقاء السيدان باقان أموم، وياسر عرمان، بينما مثّل المؤتمر الشعبي السيدان المحبوب عبد السلام، وعمر إبراهيم الترابي.
بعد يومين من التحادث والتفاوض وقّع المندوبون الأربعة في 19 فبراير عام 2001 على ما تمّت تسميته بـ "مذكرة تفاهم بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الشعبي” وهو ما عُرِف أيضاً بـ "اتفاق جنيف."
لا تختلف مذكرة التفاهم في مسائل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان والمواطنة وحق تقرير المصير عن أيّةٍ من الاتفاقيات التي وقّعتها الحركة الشعبية مع أحزاب المعارضة الأخرى. فقد أشارت مذكرة التفاهم إلى أن الجانبين استعرضا تجارب البلاد السياسية منذ الاستقلال، والوضع السياسي الحالي، واتفقا على أن المشاريع الأحادية الرؤى للحكم، وغياب المشروع الوطني المجمع عليه، يشكّلان أساس الأزمة الوطنية التي تعمّقت ووضعت بلادنا على حافة الانهيار في ظل النهج الشمولي السلطوي للنظام الحالي.
وأشارت المذكرة إلى أن هذا النهج أجّل الوصول لاتفاق سلامٍ عادلٍ، وبناء ديمقراطية حقيقية تصون الحريات والحقوق الأساسية، وتُمكِّن من التداول السلمي للسلطة خاصةً في وجه العدوان على الحقوق الأساسية الذي ينتهجه النظام.
13
عليه فيمكن القول أن لقاء نيروبي الثاني عام 2017 لم يفعل أكثر من إعادة تعبئة الإعلانات والاتفاقيات السابقة المتعلّقة بالدين والدولة وحقوق المواطنة والمعاهدات الدولية، والتي بدأت بإعلان لقاء نيروبي الأول عام 1993، قبل ربع قرنٍ من الزمان، وانتهت بدستور السودان لعام 2005.
غير أن هذه الإعلانات والاتفاقيات أوضحت وأكّدت، في رأينا، مجموعةً من الحقائق التاريخية المتعلّقة بالمسار السياسي السوداني منذ الاستقلال، منها:
أولاً: إن برامج الأحزاب السودانية واتفاقاتها وبياناتها عندما تكون خارج السلطة شيءٌ، وما تنادي به وتطبّقه عند وصولها السلطة شيءٌ آخر. فقد وصفتْ القيادات السياسية جميعها قوانين سبتمبر عندما أصدرها الرئيس نميري عام 1983 بأنها لا تسوي الحبر الذي كُتِبت به. وعندما وصلتْ تلك القيادات السياسية إلى السلطة عامي 1985 و1986 تراجعتْ عن ذلك الوصف، بل وتبنت الأحزاب السياسية الرئيسية برنامجاً مُعضّداً لتلك القوانين، وتمسّكت بها، مما أطال أمدَ الحرب الأهلية، وأدى إلى انقلاب الإنقاذ، ثم انفصال جنوب السودان، ثم إلى حروب اليوم.
ثانياً: بناءً على الفقرة أولاً أعلاه فمن الواضح أن للأحزاب السياسية وقياداتها برنامجاً عندما تكون في المعارضة، وبرنامجاً آخر يناقض ذلك البرنامج عندما تصل السلطة. فالمعارضون يحتاجون للعون الدبلوماسي والمادي من العالم الخارجي، وهم يعلمون أن ذلك العون لن يأتي إلا إذا تبنّوا برنامجاً ديمقراطياً مبنيّا على الاعتراف بالتنوّع الثقافي والديني والعرقي والحريات الأساسية. غير أن يومَ الوصول للسلطة هو يومٌ آخر لهذه الأحزاب.
ثالثاً: يمكن القول أن إعلان نيروبي الأول في 17 أبريل عام 1993 كان محاولةَ اعتذارٍ من الأحزاب الشمالية للحركة الشعبية لتحرير السودان وقائدها الدكتور جون قرنق (الذي حضر ذلك اللقاء) عن فشل الأحزاب الشمالية في إلغاء قوانين سبتمبر خلال فترة الحكم المدني الثالثة. وهو اعتذارٌ أملته حاجة الأحزاب الشمالية الماسة والعاجلة لنيلِ ودِّ وعون الحركة الشعبية التي كانت تملك المالَ والعتادَ والجيشَ والأراضي التي تحت سيطرتها والعلاقات الدولية والأقليمية. وكان هذا ما ينقص أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي جميعها، وما تحتاج إليه لمواجهة نظام الإنقاذ في السودان.
فقد وصل الدكتور قرنق إلى اجتماع نيروبي صباح السبت 17 أبريل عام 1993 على ظهر الطائرة الرئاسية الكينية، وأقام تحت ضيافة وحراسة الحكومة الكينية. حدث ذلك بينما كانت قيادات التجمع الوطني الديمقراطي تبحث في قلقٍ وضيق عن تكلفة تذاكر السفر على الدرجة السياحية لأعضاء وفدها، وعن تكلفة إقامتهم في فنادق متواضعة في نيروبي.
رابعاً: كما ذكرنا أعلاه، فلم يقتصر الاعتراف بتعدّدية السودان وتنوّعه الثقافي والديني والعرقي على الأحزاب والقيادات المعارضة بل تعداه ليشمل مجموعة الإنقاذ الإسلامية الحاكمة نفسها. لِمَ لا ما دامتْ المسألة في نهاية الأمر هي الوعود والادعاءات والاتفاقيات التي لا يتعدّى مفعولُها الورقَ الذي كُتِبت عليه، والحبرَ الذي كُتِبت به؟ ولا يتعدّى زمانُها اليومَ الذي صدرتْ فيه.
خامساً: لا نحتاج، لتأكيدِ مقولتِنا هذه، إلى أكثر من أن ننظر كمثالٍ إلى آراء واتفاقيات وتصريحات قيادات حزب المؤتمر الشعبي في مراحله الثلاثة: (1) عندما كانوا جزءاً من مجموعة الإنقاذ الحاكمة 1989 - 1999، ثم (2) تصريحاتهم واتفاقاتهم بعد المفاصلة عام 1999 وحتى العام الماضي (مثل اتفاقهم مع الحركة الشعبية الذي ناقشناه أعلاه)، ثم (3) تصريحاتهم وتحركاتهم هذه الأيام بعد أن توحّد المؤتمران (لكل الاعتبارات العملية)، وقرّر حزب المؤتمر الشعبي العودة والمشاركة في مقاعد السلطة مع حزب المؤتمر الوطني. كما لا بُدَّ من مقارنة تصريحات وتعليقات السيد علي عثمان محمد طه عندما كان مُمْسِكاً بمفاصل السلطة، وتصريحاته الآن وهو خارج الحلبة، بما في ذلك رأيه الجديد في شعار "الإسلام هو الحل."
14
ليس الغرض من هذا المقال التقليل، بأيِّ شكلٍ من الأشكال، من الجهد الذي بذله المشاركون والمنظّمون والمموّلون للقاء نيروبي الثاني في فبراير عام 2017. بل الغرض هو قراءة تاريخية متأنّية للمواقف الورقية الكثيرة، والإعلانات والاتفاقيات المتشابهة، والتي تناولتْ خلال ربع القرن الماضي من الزمان موضوع الدين والدولة في السودان، ثم عرضها ومناقشتها والتساؤل: لماذا لم تلتزم الأطراف بها، وتُطبِّقها على أرض الواقع السياسي؟
فهل ستساعدنا هذه القراءةُ المتأنيّة في الوصولِ إلى نقطةٍ فاصلةٍ في تاريخ السودان لا تشبهُ فيها الليلةُ البارحةَ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org