1
تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى خروج السيد الصادق المهدي من السودان ودخوله إريتريا في 9 ديسمبر عام 1996، وإلى بداية صفحةٍ جديدة في تاريخ التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. فقد عادتْ إلى الواجهة الصراعاتُ القديمة بين السيد الصادق المهدي من جهة، وبين السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق من الجهة الأخرى، ولكن خارج السودان هذه المرّة.
وكما أوضحنا في المقال السابق، فقد تغيّرت استراتيجية السيد الصادق المهدي وحزب الأمة من إسقاط نظام الإنقاذ إلى التفاوض والعمل معه، بعد أشهر قليلة من خروجه من الخرطوم متبنّياً دعوة إسقاط النظام. وقد نتج عن هذا التغيير في الاستراتيجية، كما ناقشنا في ذلك المقال، لقاء جنيف في مايو عام 1999 بين السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي الذي كان الحاكم الفعلي والمطلق للسودان وقتها، ثم اتفاق جيبوتي في نوفمبر عام 1999 بين حزب الأمة وحكومة الإنقاذ.

2
جاءت ردّة فعل التجمع الوطني الديمقراطي لاتفاق جيبوتي عاليةً وواضحةً وغاضبةً في اجتماع كمبالا الذي عٌقِد في 6 ديسمبر عام 1999، وحضرته قيادات كل الأحزاب المشاركة في التجمع عدا حزب الأمة. وقد شارك الدكتور قرنق في ذلك الاجتماع، وألقى خلال اللقاء خطاباً مطوّلاً.
وصف الدكتور قرنق في خطابه في اجتماع كمبالا اتفاقَ جيبوتي بأنه محاولةُ تحالفٍ واضحة بين حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية في اتجاهٍ عرقيٍ وديني، وسيُحدِث مزيداً من الاستقطاب في السودان، وأنه امتدادٌ لمفهوم السلام من الداخل، وطالب برفضه جملةً وتفصيلاً. ذكّر الدكتور قرنق المجتمعين أن الحركة منتدبةٌ من قبل التجمّع لتكون الفصيلَ الوحيد المسموح له بإجراء مفاوضات مع نظام الجبهة منفرداً. أشار إلى أن مخاوف حزب الأمة غير المبرّرة من تدويل مشكلة جنوب السودان، والتدخّل الأجنبي في السودان قد أوصلته لارتكاب خطأ فادح في حق جهود التجمّع المشتركة لإزالة النظام.
وقد فتح خطابُ الدكتور جون قرنق في لقاء كمبالا البابَ واسعاً لما سميناه "حرب الرسائل" بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق، كما سوف نناقش في هذا المقال.

3
في 22 ديسمبر عام 1999، أي بعد أسبوعين من اجتماع كمبالا والكلمة المطوّلة التي ألقاها الدكتور جون قرنق، بعث السيد الصادق المهدي برسالةٍ إلى الدكتور جون قرنق. كانت تلك هي المرّة الأولى التي تبادل فيها الرجلان الرسائل. فقد كان لقاؤهما الأول في يوليو عام 1986 في أديس ابابا قد تمّ الإعداد له بواسطة قيادات حزب الأمة والحركة الشعبية، وبوساطةٍ اثيوبية. وقد انتهى ذلك اللقاء بالفشل، وأوضح عمقَ الخلافات الفكرية والشخصية والتنافسية بينهما، كما ناقشنا من قبل. بل لقد زاد ذلك اللقاء من تعميق تلك الخلافات.

ثم كان اللقاء الثاني، وهو اللقاء المقتضب وغير المتوقّع بين الزعيمين في أسمرا إثر خروج السيد الصادق المهدي من السودان في شهر ديسمبر عام 1996، ودخوله أسمرا، وتواجد الدكتور جون قرنق هناك. ولم يشتمل ذلك اللقاء على أكثر من التحية، وتأكيد السيد الصادق المهدي التزام حزب الأمة بالاتفاقيات الموقّعة، وتحديداً اتفاقية شقدوم ومقررات أسمرا. وقد تضمّنت الوثيقتان حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
عليه فقد كان غريباً أن يقومَ السيد الصادق المهدي بالكتابة مباشرةً للدكتور قرنق والردِّ على خطابه، بدلاً من أن يقوم بالردِّ على ما دار في اجتماع كمبالا وتَضَمّنَه بيان التجمّع الوطني الديمقراطي الختامي الصادر من ذلك الاجتماع.

4
بدأ السيد الصادق رسالته التي أرسلها للدكتور جون قرنق في 22 ديسمبر عام 1999 بقوله إن قيادة حزب الأمة قد التفتتْ، ومنذ عام 1964، إلى الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية لأزمة السودان القومية المتمثّلة في الحرب الأهلية، وإن الحزب بادر بالاعتراف بالتعدّدية الثقافية، وقيام الحقوق الدستورية على أسس المواطنة، وتضمين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في دستور البلاد المستقبلي. أوضحتْ الرسالة أنه قد قامت علاقةٌ مقدّرة من حيث الاتفاقيات بين حزب الأمة والحركة الشعبية منذ أن اتخذا قرارهما الخاص بالعمل من أجل إقامة السلام والديمقراطية وإعادة هيكلة السودان.
وأشارت الرسالة إلى دور حزب الأمة في ضمّ الحركة الشعبية إلى التجمّع، وتقديم الحركةِ للرأي العام العربي "بوجهٍ يتجاوز الشكوك المتبادلة بين الطرفين." أوضحت الرسالة أن الطرفين قد فشلا مؤخراً في التفاهم في بعض الأمور. عدّدت الرسالة هذه الأمور بمراجعة مبادرة الإيقاد توسيعاً لتشمل الجوانب الناقصة، وأشارت إلى أن الحركة لم تكن متحمّسةً لذلك، وبترحيب الحركة بالمبادرة الليبية المصرية، ثم اتخاذها موقفاً مغايراً حول تلك المبادرة. شملت الأمور الخلافية بين الطرفين، حسب الرسالة، تخوّف حزب الأمة من احتمالات حدوث تدخّلٍ دوليٍ في السودان، وأنه ليس للحركة مثل ذلك التخوّف.

5
كما أشارت الرسالة إلى انتهاكات حقوق الإنسان بواسطة الحركة الشعبية، مثلها مثل نظام الإنقاذ في السودان. أوضحت الرسالة أسباب تحرّك حزب الأمة (لقاء جنيف، واتفاق جيبوتي)، والتي كان من بينها ملاحظة التغيير في لغة النظام، وقبوله المتأخّر بإعلان مبادئ الإيقاد، وبالمواطنة كأساسٍ للحقوق الدستورية، وكذلك توسيع هامش المعارضة السياسية الداخلية، وانكماش فرص العمل العسكري، والمخاوف من أخطار أجندة التدويل.
اتهمت الرسالة الحركة الشعبية بأنها كانت في التجمّع ولكنها لم تكن تعمل بالتجمّع، لأنها احتفظت لنفسها بمسافةٍ تنظيميةٍ وسياسيةٍ، بينما كان حزب الأمة – حسب الرسالة – يحاول انتشال التجمّع من سباته.

6
أشارت الرسالة إلى خطاب الدكتور قرنق في كمبالا ووصفته بأنه يمثل هجوماً مريراً ومُجْحِفاً وشائهاً على حزبٍ يمثل رأي الأغلبية في السودان، كما أن له القدح المعلّى في العطاء بين الأحزاب الشمالية في صياغة السياسات الجديدة لحلِّ قضايا الجماعات السودانية المهمّشة. ذكرتْ الرسالة أن خطاب الدكتور قرنق "حوى لغةً تتبنّى تبنيّاً شاملاً للخطاب السياسي لبعض شُذّاذ الآفاق من المثقفين الشماليين الذين يطمعون في تجنيد الجيش الشعبي ليحارب من أجل أهدافهم البائسة التي ليس لديهم الرغبة ولا الزخم الجماهيري للقتال من أجلها."
اختتمت الرسالة ببرنامج حزب الأمة لحلِّ الأزمة والذي يتمثّل في عقد مؤتمرٍ قومي جامع لمناقشة وحلِّ كل المشاكل القومية، وحكم البلاد بدستورٍ انتقالي ينبني على مسودة الدستور التي أعدّتها اللجنة القومية، وإعلان مبادئ الإيقاد، ومقررات أسمرا لعام 1995، ونداء الوطن (اتفاق جيبوتي)، وتعيين حكومة قومية انتقالية لحكم البلاد حتى يُجْرى الاستفتاء والانتخابات العامة التي تحدّدها اتفاقية الحل السياسي الشامل عبر المؤتمر القومي الجامع.

7
قام الدكتور جون قرنق بالرد على رسالة السيد الصادق المهدي في 31 يناير عام 2000، أي بعد خمسة أسابيع من تاريخ الرسالة. كان ردُّه طويلاً وقاسياً، استهله مخاطباً السيد الصادق المهدي بقوله: "لقد كنتَ رئيساً للوزراء، مرتين منذ عام 1964، ولم تتح الفرصة لأي زعيمٍ سياسي أو حزبٍ سوداني مرتين خلال تاريخنا الحديث لتصحيح الأوضاع في البلاد، وبدّدها، مثلما فعلتْ. وحقيقةً، لو كان ما ذكرته صحيحاً، لما تورطت البلاد في حربين لعينتين."
أشارت الرسالة إلى نصيب السيد الصادق المهدي من المسئولية فيما يجري في السودان ووصفته بأنه ضخمٌ وكبير، لأنه هو "من نظّم ودبّر مع حسن الترابي الدعوة الخطيرة، لأول مرة في تاريخ السودان الحديث لقيام دستورٍ إسلاميٍ في بلد متعدّد الأديان والثقافات مثل السودان... ومنذ ذلك الوقت انتكست مسيرة السياسة السودانية وانحدرت حتى وصلت إلى قاع الجحيم مع وصول سلطة الجبهة الإسلامية الفاشية عام 1989. إن الشعب السوداني يتوقع منكم الاعتذار والتكفير عن مسئوليتكم في الكارثة التي نعيشها اليوم، بدلاً من الأكاذيب والدعاوى غير الصحيحة عن أن حزبكم ظل يعترف بالتعدّد الثقافي والديني في السودان."

8
اتهمت الرسالة السيد الصادق المهدي بأنه نادى بلا خجلٍ وبالمفتوح بضرورة تعريب وأسلمة جنوب السودان، وأشارت في هذا المجال إلى بحثه المعنون "مستقبل الإسلام والعروبة في السودان." كما اتهمته بتدريب وتسليح المليشيات القبلية عندما كان رئيساً للوزراء، ذاكرةً "أنه لم يكن هناك عهد في تاريخ الحرب الأهلية في السودان شهد تصعيداً للنزاعات بين قبائل التماس لدرجة يصعب التحكّم فيها، مثل ما حدث في عهدكم، وقد كانت تلك هي بداية المذابح المنظمة التي لم تتوقف. إن المليشيات القبلية، التي يطلق عليها الضحايا من الجنوبيين اسم «المرحلين»، هي من صناعة حكومتكم. وما فعلته الجبهة الإسلامية، وببساطة، هو أنها واصلت سياسة المليشيات القبلية الحكومية، التي بادرت بها حكومتكم، وسمّتها القوات الصديقة."
أشارت الرسالة إلى تنصّل حزب الأمة من إعلان كوكا دام عام 1986، وتعويق اتفاقية مبادرة السلام السودانية الموقعة في 16 نوفمبر عام 1988 (اتفاف الميرغني قرنق).

9
أوضحت الرسالة أن حزب الأمة والحركة الشعبية تمتّعا بعلاقة عمل جيدة داخل وخارج التجمّع، ونسبت التدهور في العلاقات بين الاثنين إلى خروج السيد الصادق المهدي من السودان، ومحاولته إعادة صياغة كل مواثيق ومؤسسات التجمّع، ومحاولة جرِّ التجمّع ليوافق على المصالحة مع نظام الجبهة القومية الإسلامية.
سخرتْ الرسالة من قول السيد الصادق المهدي أن حزب الأمة يمثل رأي الأغلبية في السودان ذاكرةً "فقبل مغادرتك الخرطوم للانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي في عام 1996، كان التبرير الذي يقال لنا عن ضعف حجم عملية التجنيد في حزب الأمة هو وجودك رهينةً لدى نظام الخرطوم. وعندما خرجتْ أخيراً من السودان ووجهت نداء الهجرة لأنصارك ليلحقوا بك، لم تحدث أية زيادة تذكر في حجم التجنيد. كما تعلم فأنا رئيس القيادة الموحّدة لقوات التجمّع الوطني الديمقراطي، والواقع يقول إن لواء السودان الجديد يضم بين صفوفه أعداداً من أبناء شمال السودان يفوق حجم كل قوات حزب الأمة، هذا بدون أن نذكر الجنوبيين، والذين افترض أنهم سودانيون أيضاً."

10
أشارت الرسالة أن ما ينقص مبادئ الإيقاد ليس القضايا ولكن الأطراف، وأن قيادة التجمّع كانت قد اتخذت قراراً في مارس عام 1998 يطالب بإشراك التجمّع في مفاوضات الإيقاد. لكن الرسالة أوضحت أيضاً أن قرار ضمّ التجمّع من اختصاص ثلاثة أطراف هم طرفا التفاوض (الحكومة والحركة) والوسطاء، وأشارت أن حلفاء السيد الصادق المهدي الجُدد هم الذين ما يزالون يلوذون بالصمت حول هذا الموضوع. لكن الرسالة أوضحت موقف الحركة من المبادرة الليبية المصرية برفضها وجود مبادرتين متزامنتين، وضرورة التنسيق بينهما.

11
رفضت الرسالة اتهامات السيد الصادق المهدي للحركة الشعبية بانتهاكات حقوق الإنسان، وأشارت إلى جنود الحركة الذين تمّ إعدامهم، ومجازر جوبا وواو والسلاطين الجنوبيين، إبان فترة تولي السيد المهدي رئاسة الوزارة، ومقتل السيد ويليام دينق حليف السيد الصادق المهدي، وتساءلت لماذا تمّ تقديم قتلة الإمام الهادي المهدي للمحاكمة في عهد حكومة السيد الصادق المهدي ولم يحدث ذلك لقتلة السيد ويليام دينق؟

12
اختتمت الرسالة بتذكير السيد الصادق المهدي أن الحركة قد عقدت مع الجبهة القومية الإسلامية وحدها "أكثر من عشر جولات تفاوضية مختلفة. لهذا، فنحن نعرف، أكثر من الآخرين، طبيعة هذا الوحش، وبالتأكيد لسنا على استعداد لقبول افتراضاتك المثيرة للسخرية، خاصة عندما يتعلق بالصورة الخداعة لنظام الجبهة «المعدّل» التي يروج لها بعض اللاهثين من أجل استعادة سلطة وهمية."

13
تواصلتْ حرب الرسائل، وقام السيد الصادق المهدي بالردِّ على رسالة الدكتور قرنق في أول مارس عام 2000. على عكس الرسالة الأولى فقد كانت هذه الرسالة مطولةً وأشارت إلى أن رسالة الدكتور قرنق قد أتاحت الفرصةَ واسعةً "لبحث كل القضايا بالوضوح والصراحة. رب ضارةٍ نافعة."
شمل الرد 26 حاشية ومراجع، وتناول العديد من القضايا بدءاً بالثورة المهدية، وكيف – كما ادّعت الرسالة - شدّت مواقفُ الثورة المعادية للاستعمار الكثيرَ من قبائل الجنوب، وتحدّث عن المهدية المتجدّدة، وعن حزب الأمة. أوضح الرد أن حزب الأمة لم يحكم منفرداً بل كان دائماً يحكم مؤتلفاً، وعليه لا يمكن إلقاء كل الأخطاء في حكم السودان عليه. وأعطى مسألة تطبيق إعلان كوكا دام كمثال، حيث كان الحزب الاتحادي الديمقراطي رافضاً الإعلان.

14
كذلك حاول الخطاب الرد على مجموعة النقاط والاتهامات التي أثارها خطاب الدكتور جون قرنق من تسليح للقبائل في الجنوب، وعدم فتح ملف اغتيال السيد ويليام دينق، والتنصّل من إعلان كوكا دام وتعويق مبادرة السلام السودانية، وانتهاءً بالتصالح مع نظام الجبهة القومية الإسلامية عبر اتفاق جيبوتي.
وذكّرت الرسالة الدكتور قرنق أن كل الحركات المسلحة تضطر لإيجاد دعم أجنبي يمكّنها من مواجهة دولة مؤسسة، وأضافت "إن الفرق بين قوة حركة أنيانيا التي كان يقودها الجنرال جوزيف لاقو، والجيش الشعبي الذي تقوده أنت لا يرجع للفرق بين قدراتكما الشخصية. لقد حظيت أنت بدعمٍ أجنبي كبير إذ تبنّاك حلف عدن في 1983، ولكنه لم يحظ بدعمٍ مماثل." واتهم الخطاب الدكتور جون قرنق بأنه كان أسيراً لنزعات حليفه الماركسي منقيستو هايلي مريم الذي لم يكن يسمح له بأيّةِ خطواتٍ جادة نحو السلام.

15
تعرّض الخطاب بعد ذلك لقضايا التهميش، والسودان الجديد، والدين والدولة، والديمقراطية، والتدويل، واختتم بقوله "إننا لا نستطيع أن نجزم بحقيقة نوايا النظام ولا قدرته على الوفاء بالسلام العادل والتحوّل الديمقراطي الحقيقي، ولكن إذا تقاعس عن الوفاء فإنه حتماً سيواجه جبهة وطنية، إقليمية، دولية لا مهرب من حصارها. نحن أمام فرصة تتيح لشعبنا وقضيته العادلة إحدى الحسنيين، فرصة تشكّل إضاعتها خذلاناً للوطن واكتساباً للعنة التاريخ."

16
لم يقم الدكتور جون قرنق بالرد على هذا الخطاب، وتوقّفت حرب الرسائل.
لكنّ حرب التصريحات التي أكدّت الفجور في الخصومة تواصلت من الطرفين على مدى الخمس سنوات اللاحقة. لم يلتق الرجلان خلال فترة الثلاثة أسابيع التي عمل فيها الدكتور قرنق نائباً أول لرئيس الجمهورية، أثناء تواجده بالخرطوم لبعض الوقت من 9 يوليو حتى مقتله في نهاية يوليو عام 2005.

17
وإذا كانت حربُ الرسائل قد توقّفت في أول مارس عام 2000، بعد أربعة أشهر من اندلاعها، فإن حدّة حرب المبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق كانت قد ازدادت اشتعالاً، وحلّت، دون شك، محلَّ حرب الرسائل. بل يمكن القول أن حرب المبادرات كانت امتداداً ومواصلةً لحرب الرسائل.

18
اندلعتْ حرب المبادرات تلك بين المبادرة الليبية المصرية التي تبنّاها السيد الصادق المهدي ودفع بها إلى طاولة التفاوض، وبين مبادرة الإيقاد التي شقّتْ بها الحركة الشعبية طريقها ونجحت من خلالها في انتزاع حق تقرير المصير من جميع أحزاب المعارضة الشمالية، بما فيها حزب الأمة. وقد أصبحت مبادرة الإيقاد حصنَ ودرعَ الدكتور جون قرنق لحق تقرير المصير، مثلما غدتْ المبادرة الليبية المصرية المرهمَ السحري الذي سيحلُّ كلَّ مشاكل السودان بالنسبة للسيد الصادق المهدي.

19
كانت حربُ المبادرات تلك حرباً قاسيةً وشاقةً للطرفين – السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. وكانت أطولَ بكثير من حرب الرسائل. فقد امتدت حربُ الرسائل لأربعة أشهر، بينما استمرت حرب المبادرات لأكثر من ثلاث سنوات، كما سنناقش في المقال القادم - الثالث والأخير - في هذه السلسلة من المقالات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org