1
تتناولُ هذه السلسلةُ من المقالات موافقةَ الأحزاب السودانية الشمالية على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كان المقالان الأول والثاني عن اتفاقيات الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة مع الحركة الشعبية، والتي وافق فيها كلٌّ من الحزبين على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد تناول المقالان الثالث والرابع دورَ الحزب الشيوعي في قضية الجنوب، وموافقته مع الأحزاب الشمالية الأخرى على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من خلال إعلان أسمرا "مؤتمر القضايا المصيرية" في يونيو عام 1995.
وقد أوضح ذلك المقال أن موقف الحزب الشوعي من قضية الجنوب خلال مؤتمر المائدة المستديرة وبعد انتخابات عام 1965 لم يكن يختلف البتّة من موقف الأحزاب الشمالية الأخرى من أنها قضية تمرّد وخروج على القانون والنظام، ويجب التعامل معها بالحسم العسكري.
وقد كان المحاربون الجنوبيون بالنسبة لكلِّ الأحزاب الشمالية، بما فيهم الحزب الشيوعي، هم مجموعة من الخونة والخوارج والمتمردين والإرهابيين والعصابات المسلحة. كما أن كل الأحزاب الشمالية التقتْ خلال مؤتمر المائدة المستديرة في رفضها التام للفيدرالية التي كانت المطلب الأساسي للأحزاب الجنوبية.
سوف نتطرّق في هذا المقال إلى موافقة حزب المؤتمر الشعبي على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وانضمامه بهذه الموافقة إلى بقية الأحزاب الشمالية في هذا المضمار.
2
تفاقمت الصراعات داخل بيت الإنقاذ الحاكم في الخرطوم، مروراً بمذكرة العشرة، وانتهاءً بقرارات الرابع من رمضان (12 ديسمبر 1999). وقد أدّى ذلك الصراع في نهاية الأمر إلى المفاصلة بين جناحي القصر والمنشيّة في ذلك الشهر، وانشقاق مجموعة الإنقاذ الحاكمة، وبروز حزب المؤتمر الشعبي في يوليو عام 2000 بقيادة الدكتور حسن الترابي.
كانت الحركةُ الشعبية قبل هذا الانقسام قد فرغتْ تماماً من انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة. فقد صدر إعلان أسمرا الذي وافقت ووقعت عليه جميع أحزاب المعارضة في يونيو عام 1995، مرتكزاً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وأكّد حزبُ الأمة موافقته على حق تقرير المصير في اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ في شهر نوفمبر عام 1999.
وكانت حكومة الإنقاذ قد قبلتْ رسمياً مبادئ الإيقاد التي تضمّنتْ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية في شهر فبراير عام 1997. ثم وقّعتْ الحكومة في شهر أبريل عام 1997 مع المجموعات المنشقّة عن الحركة الشعبية على اتفاقية الخرطوم التي انبنت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد أكّدت حكومة الإنقاذ بذلك موافقتها على حق تقرير المصير الذي وقّع عليه في إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 الدكتور علي الحاج نيابةً عن حكومة الإنقاذ، والدكتور لام أكول مُمثّلاً للفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية.
3
عليه فقد أصبح الحزبُ الجديد – حزب المؤتمر الشعبي – بعد انشقاقه من مجموعة الإنقاذ الحاكمة، الحزبَ الوحيدَ وسط الأحزاب السودانية الذي ليس طرفاً في اتفاقٍ يقرّ صراحةً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فجميع أحزاب المعارضة وافقتْ على ذلك الحق في اتفاقياتها مع الحركة الشعبية الأم، بينما وافقت الحكومة على ذلك الحق في اتفاقياتها مع الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية، وكذلك بقبولها مبادئ الإيقاد، وفي تضمين حق تقرير المصير في دستور السودان لعام 1998.
عليه فقد رأتْ الحركةُ الشعبية الأم ضرورةَ معالجة ذلك الموقف، وإكمالَ ذلك النقص على وجه السرعة، خصوصاً وأن قادة الحزب الجديد – حزب المؤتمر الشعبي – كفيلون بخلط كافة الأوراق السياسية، وإفساد نجاح الحركة الشعبية الرئيسي المتعلّق بانتزاع حق تقرير المصير من كلِّ الأطراف الشمالية.
4
بدأت الاتصالات بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي بعد أسابيع قليلة من المفاصلة. كانت الحركة ترمي من لقائها بالمؤتمر الشعبي التأكّدَ من أن حق تقرير المصير في مأمنٍ، ولن يتمَّ فتح ملفه بواسطة قادة الحزب الجديد. فلا أحد كان يدري في ذاك الوقت أيّ الفصيلين من البيت الحاكم الذي تصدّع ستكون له الغلبة في نهاية الصراع.
وللحركة الشعبية نفسها تجاربٌ قاسية في الانقسامات وتأثيراتها السالبة على مجرى التفاوض. ويبدو أن الحركة الشعبية قد تخوّفت من غلبة المؤتمر الشعبي على أساس أن أجنحة الآباء هي عادةً أقوى من أجنحة الأبناء.
من الجانب الآخر قصد المؤتمر الشعبي من لقائه الحركة الشعبية إيصال رسالةٍ إلى إخوة الدين والدرب والانقلاب والأمس أنه قادرٌ على فتح جبهاتٍ عدّة مع أعداء الخرطوم، بمن فيهم العدو الأكبر – الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.
5
أثمرت تلك الاتصالات في اللقاء بين المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية في جنيف في 17 فبراير عام 2001، بعد حوالي العام من المفاصلة والانشقاق، وبعد قرابة العامين من لقاء جنيف الأول بين السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي.
وقد شاءتْ سخريةُ القدر أن من جاء يفاوض الحركةَ الشعبية في لقاء جنيف الثاني، معارضاً لنظام الإنقاذ، كان هو نفسه نظام الإنقاذ في لقاء جنيف الأول.
مثّل الحركة الشعبية في ذلك اللقاء السيدان باقان أموم، وياسر عرمان، بينما مثّل المؤتمر الشعبي السيدان المحبوب عبد السلام، وعمر إبراهيم الترابي.
بعد يومين من التحادث والتفاوض وقّع المندوبون الأربعة في 19 فبراير عام 2001 على ما تمّت تسميته بـ "مذكرة تفاهم بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الشعبي” وهو ما عُرِف أيضاً بـ "اتفاق جنيف."
6
لا تختلف مذكرة التفاهم في مسائل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان عن أيّةٍ من الاتفاقيات التي وقّعتها الحركة الشعبية مع أحزاب المعارضة الأخرى حول تقرير المصير، والتي ناقشناها في المقالات السابقة. لهذا السبب فقد يظنُّ القارئُ لأولِّ وهلةٍ أن الطرف الآخر للاتفاق مع الحركة الشعبية يمكن أن يكون التجمّع الوطني الديمقراطي نفسه، أو الحزب الاتحادي الديمقراطي، أو القيادة الشرعية للقوات المسلحة السودانية، أو حزب الأمة، أو الحزب الشيوعي السوداني، وليس حزباً كان قادته حتى قبل أشهر قلائل الآمرين والناهين والحكام الحقيقيين في السودان، بلا رقيبٍ أو حسيب.
7
أشارت ديباجة مذكرة التفاهم إلى أن اللقاء بين الطرفين تمّ في إطار السعي لبلورة إجماعٍ وطنيٍ شامل بين كافة القوى السياسية السودانية كمدخلٍ صحيح لتسويةٍ تاريخية، وحلٍ سلمي شامل للأزمة الوطنية، وكبرى قضايا بلادنا، وفي مقدمتها إنهاء الحرب الأهلية عبر اتفاق سلامٍ عادل، وبناء ديمقراطية حقيقية، وتوحيد السودان على أسسٍ جديدة عبر إرادة أهله الطوعية.
وأوضحت الديباجة أيضاً أن هذا اللقاء يُعدُّ الأول من نوعه في إدارة حوارٍ حرٍ ومفتوح حول القضايا المصيرية السودانية بين تيارين فكريين وسياسيين فاعلين في الساحة السياسية السودانية، يتجاوز أجواء التفاوض السابقة مع النظام.
أشارت مذكرة التفاهم إلى أن الجانبين استعرضا تجارب البلاد السياسية منذ الاستقلال، والوضع السياسي الحالي، واتفقا على أن المشاريع الأحادية الرؤى للحكم، وغياب المشروع الوطني المجمع عليه، يشكلان أساس الأزمة الوطنية التي تعمّقت ووضعت بلادنا على حافة الانهيار في ظل النهج الشمولي السلطوي للنظام الحالي، والذي استفحل بقرارات 12 ديسمبر 1999، وتماديه في عدم الاعتراف بالازمة الوطنية والبحث عن حلول سلمية له. وأشارت المذكرة إلى أن هذا النهج أجّل الوصول لاتفاق سلامٍ عادلٍ، وبناء ديمقراطية حقيقية تصون الحريات والحقوق الأساسية، وتمكّن من التداول السلمي للسلطة خاصةً في وجه العدوان على الحقوق الأساسية الذي ينتهجه النظام.
وأكّدت المذكرة أنه لا بُدّ من تصعيد المقاومة الشعبية السلمية حتى يتخلّى النظام عن نهجه الشمولي ويتيح الفرصة للبديل الوطني الذي يقرّه الشعب السوداني وقواه السياسية كافة.
8
أكّد الطرفان بعد ذلك مجموعةً من المبادئ، بدءاً من أن السودان بلدٌ متعدّدٌ سياسياً، ومتنوعٌ دينياً وثقافياً، ولا بُدّ من التراضي على عقدٍ اجتماعيٍ جديد لا يسمح بالتمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الإقليم.
كما أكّد الطرفان أن حق تقرير المصير حقٌ إنساني مشروع، وأن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية. وقد أدان الطرفان محاولات النظام التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة.
وأشار الطرفان إلى أن النهج الانقلابي فاقم الأزمة الوطنية، ولم يفلح في الوصول بالسودان للحلِّ الوطني الشامل الدائم، وأن مبدأ المحاسبة على الفساد والجرائم التي ارتُكِبت أمرٌ مشروعٌ وضروريٌ لمستقبل الحياة العامة، ولا بُدَّ منه.
9
اتفق الطرفان على أن السودان بتعدّده وتنوّعه ومساحته الشاسعة لا يمكن إدارته مركزياً، ولا بُدَّ من صيغةٍ لامركزية للحكم تُنهي هيمنة المركز على الهامش، وتتوافق مع حاجة الأقاليم لإدارة نفسها بنفسها، وعبر مواطنيها، مع أداء المركز مهامه الوطنية والتزاماته الخارجية.
كما اتفق الطرفان في الفقرات الأخيرة من المذكرة على أن المشروع الوطني السوداني يرتكز على إنهاء الحرب باتفاقٍ للسلام العادل، وبناء ديمقراطية حقيقية تضع البلاد على اعتاب الاستقرار، وعلى التعاون الإقليمي وعلاقات حسن الجوار والتعاون الدولي. ويرتكز أيضاً على عدم التدخّل في شئون الآخرين، واحترام خياراتهم، والحرص على الاستقرار الإقليمي والدولي.
10
وهكذا تأكّد للحركة الشعبية أن المفاصلة داخل البيت الحاكم في السودان لن تؤثّر على إنجازها السياسي والقانوني التاريخي، وأن الحزب السوداني الوليد قد انضم إلى ركب المعترفين بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بتأكيده، مثلما فعلت كل أحزاب المعارضة، أن حق تقرير المصير حقٌ إنسانيٌ مشروع. كما أكّد الحزب الوليد إدانته محاولات النظام التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة.
عليه لم يعد الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان يستثني أيَّ حزبٍ سياسيٍ شمالي. فقد شمل ذلك الاعتراف بحق تقرير المصير الحزبَ الحاكم، وأحزابَ المعارضة في التجمّع الوطني الديمقراطي، وحزبي المعارضة خارج التجمّع – الأمة، والمؤتمر الشعبي الجديد.
لا بّد أن قادة الحركة الشعبية قد تنفّسوا الصعداء، من هواء بحيرة جنيف الطلق النقي، بعد التوقيع على مذكرة التفاهم تلك.
11
وقد استرسلت مذكرة التفاهم في طرحها السيريالي لقضايا الديمقراطية والحريات والتداول السلمي للسلطة في السودان، وكأنّ أحد طرفيها لم يكن اللاعب الأساسي لما كان يجري في الخرطوم على مدى العشرة أعوامٍ الماضية. وكأنه لم يكن المسئول عن انقلاب 30 يونيو عام 1989، وما جرى إثر ذلك من وأدٍ للديمقراطية، ومصادرةٍ للحريات، ومن اعتقالاتٍ واعداماتٍ وسجونٍ وبيوت أشباح وفصلٍ تعسفي من الخدمة المدنية، وتحويل النزاع في جنوب السودان إلى حربٍ جهادية يغذيها عرس الشهيد وساحات الفداء.
فقد طالبت المذكرة بإلغاء القوانين المقيّدة للحريات وعدم سنِّ أيِّ قوانين أخرى جديدة، ورفع حالة الطوارئ، وإتاحة الحرية للنشاط السياسي، وحرية الصحافة والتعبير، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. وحيا الطرفان وقوف القوى السياسية في مواجهة القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.
12
يبدو أن الحزب الوليد – المؤتمر الشعبي – كان يأمل أن يستغل مذكرة التفاهم تلك ليضغط بها على إخوة الدرب والدين القدامى في المؤتمر الوطني، وليؤكّد قادتُه لكل الأحزاب السودانية والمراقبين الآخرين أنهم ما يزالون قوّةً فاعلةً في ميدان السياسة السوداني، سواءٌ من داخل أسوار الحكومة، أو من مقاعد المعارضة. قد يكون هذا هو المقابل الذي كان المؤتمر الشعبي يتوقّعه من اتفاقه مع الحركة الشعبية.
ولكن يبدو أن الحركة الشعبية قد وعدتْ من فاوضتهم في جنيف بأكثر من هذا. فقد أشارت المادة الثامنة من مذكرة التفاهم إلى أن الحركة الشعبية "ترحّب برغبة المؤتمر الشعبي في إجراء حوارٍ بنّاء مع القوى السياسية الأخرى سعياً إلى أرضيّة مشتركة معها."
وهكذا قرّرتْ الحركةُ الشعبية أن تكون أيضاً وسيطاً بين من كان ألدَّ أعدائها ومن لايزال أقرب أصدقائها، حتى قبل أن تجسَّ نبضَ رفاقِ التجمّع الوطني الديمقراطي القُدامى حول القادم الجديد، وتحكي لهم قصةَ لقاءِ جنيف الثاني واتفاقه، والتي لم يسمع أحدٌ منهم عنها شيئاً حتى تلك اللحظة.
ترى هل هي عبثيّة المسرح السياسي السوداني، أم ذكاء الحركة الشعبية، أم الاثنان معاً؟
13
رغم أن موقف المؤتمر الشعبي في جنيف لم يختلف عن موقف المؤتمر الوطني في مسألة تقرير المصير لشعب جنوب السودان، إلاّ أن ردّة فعل الحكومة كان حاداً. فقد تمّ اعتقال بعض قادة الحزب، ووصف بعض القادة الحكوميين اتفاق جنيف بأنه "حلفٌ سياسي لمحاربة الدولة بوسائل غير مشروعة لأنه وُقِّع مع حركةٍ تقاتل الدولة والمجتمع منذ 18 عاماً."
بعد عامٍ على هذا التصريح عاد وفد حكومة الانقاذ للتفاوض مع الحركة الشعبية ووقّع على بروتوكول مشاكوس الذي هو أكثرُ خطورةٍ بلا شك من اتفاق جنيف.
14
قد ينظر البعض إلى اتفاق جنيف على أنه لم يؤخِّر أو يُقدّم في مفاوضات الحركة الشعبية مع أحزاب المعارضة، أو يضِفْ إليها شيئاً. غير أن الاتفاق، كان في الوقت الذي تمّ التوقيع عليه، صمامَ الأمان، وورقةَ تأمينٍ ثمينةٍ للحركة الشعبية.
فقد كانت الحركة تخشى أن يعلن الحزب الجديد عدم التزامه بالاتفاقات التي منحتْ الجنوب حق تقرير المصير، رغم أن عدداً من قادة الحزب الجديد وقّعوا على تلك الاتفاقات أو شاركوا فيها (الدكتور علي الحاج الذي وقّع على إعلان فرانكفورت، السيد محمد الأمين خليفة الذي لعب دوراً كبيراً في مبادرة السلام من الداخل، خاصةً اتفاق الخرطوم للسلام، والدكتور حسن الترابي الذي أعدّ بنفسه ولوحدِه دستور السودان لعام 1998 مُتضمّناً حق تقرير المصير).
15
حملت الحركة الشعبية كل اتفاقياتها مع الأحزاب الشمالية، بما في ذلك اتفاق جنيف، وكذلك تلك التي وقّعتها الحكومة مع الفصائل المنشقّة عن الحركة، في حقائبها، ومعها مبادئ الإيقاد، إلى مفاوضات مشاكوس في شهر مايو عام 2002. وعندما رفض الوفد الحكومي السوداني في بداية المفاوضات مسألة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، كما كان متوقّعاً، وكما فعل مراراً في الماضي، ذكّره وسطاء الإيقاد وشركاؤها الأوروبيون والأمريكيون بكل الاتفاقيات التي تضمّنت مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحذّروا الوفد أنه لايمكن النكوص أو التنصّل عن تلك الالتزامات. من المؤكّد أن اتفاق جنيف كان أحد تلك الاتفاقات التي كانت في حقائب الوسطاء وحقائب الحركة الشعبية.
16
ساهم اتفاق جنيف، مع عوامل أخرى كثيرة، في دفع الخرطوم نحو تفاوضٍ جادٍ مع الحركة الشعبية. فبعد انهيار مشروع السلام من الداخل الذي استثمرتْ فيه الحكومة الكثير من الجهد والوقت والمال والإعلام، أصبح واضحاً لنظام الإنقاذ في الخرطوم أن الاتفاق الحقيقي والجاد لوقف الحرب والوصول إلى السلام يجب أن يكون مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، بقيادة الدكتور جون قرنق. ووضح لها أيضاً أن كل الحركات الأخرى هي مجرد مجموعاتٍ محدودة القوة العسكرية والسياسية والعدد والتأثير، وأنها في الغالب ليست أكثرَ من قياداتٍ عسكرية بدون جنود.
كما وضح لها أن أعداءها يتكاثرون كل يومٍ ويتناسخون ويتناسلون، وأنه قد آن الأوان لعقد اتفاقٍ شاملٍ وكاملٍ مع العدو الأم – الحركة الشعبية لتحرير السودان - أكبرِ الأعداء وأقواهم وأكثرهم عِدّةً وعتاداً.
17
عليه فقد التقى في عام 2002 المساران اللذان بدآ للوهلة الأولى وكأنهما متوازيان:
كان المسار الأول هو اتفاقيات أحزاب المعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي) مع الحركة الشعبية والتي اعترفت فيها كل أحزاب المعارضة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وكان المسار الثاني هو اتفاقيات حكومة الإنقاذ مع الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية والتي اعترفت فيها الحكومة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
التقى هذان المساران في 20 يوليو عام 2002 عندما وقّعت حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان على بروتوكول مشاكوس الذي وافقت فيه الحكومة في نهاية المطاف وبوضوحٍ، وتحت بصر وسمع العالم والوسطاء، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد أيّدت أحزابُ المعارضة جميعها بروتوكول مشاكوس، الذي قاد إلى اتفاق السلام الشامل، والذي أفضى بدوره لانفصال جنوب السودان.
18
كانت جميع تلك الأحزاب الشمالية – معارضةً وحكومةً - كما ذكرنا مراراً وتكراراً، قد رفضتْ بعنادٍ وغطرسة منذ خمسينيات القرن الماضي، مطلبَ الأحزاب الجنوبية بالنظام الفيدرالي، وواصلتْ وصفها للحركات الجنوبية المسلحة بالمتمردين، والخوارج، والخونة، والعملاء، والإرهابيين، وقطّاع الطرق.
كان سبب رفض النظام الفيدرالي كما ورد في مذكرة الأحزاب الشمالية مجتمعةً لمؤتمر المائد المستديرة عام 1965 هو: "إن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة، لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري."
19
يبدو مدهشاً أن الأحزاب السياسية الشمالية جميعها، والتي رفضتْ في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات بشدّة النظام الفيدرالي لجنوب السودان لأنه خطوةٌ نحو الانفصال، عادتْ ووافقتْ بتلك السهولة في التسعينيات على حق تقرير المصير الذي شمل خيار الانفصال، دون أن يكون لديها تخوّفٌ من أن حق تقرير المصير قد يقود إلى انفصال جنوب السودان.
20
تُرى هل كان السودانُ سينشطر إلى دولتين إذا كانت الأحزابُ الشمالية قد أوفتْ بوعدِها عام 1955 بالفيدرالية لجنوب السودان، وطبّقتْ ذلك الوعدَ بأمانةٍ وإخلاصٍ ووطنيّة؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org