1
بدأنا في هذه السلسلة من المقالات مناقشةَ الاتفاقيات التي عقدها كلُّ حزبٍ من الأحزاب السياسية الشمالية – معارضة وحكومة – مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، يعترف ويوافق فيها على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد ناقشنا في المقال السابق (بعنوان الحزب الاتحادي الديمقراطي وحق تقرير المصير ومسئولية انفصال جنوب السودان) الاتفاقيات التي عقدها الحزب الاتحادي الديمقراطي مع الحركة الشعبية يعترف فيها الحزب بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد أوضح المقال أن الحزب الاتحادي الديمقراطي قد وقّع على أربع وثائق تؤكّد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان (القاهرة يوليو 1994، أسمرا ديسمبر 1994، أسمرا يونيو 1995، ثم القاهرة يونيو 2005). وقد وقّع على هذه الوثائق الدكتور أحمد السيد حمد، والسيد محمد عثمان الميرغني بنفسيهما.
كما شارك السيد محمد عثمان الميرغني، بعد تعيينه رئيساً للتجمّع الوطني الديمقراطي، في إقرار برنامج العمل لمرحلة ما بعد أسمرا، والذي ارتكز على الترويج لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، والعمل على تفعيله. ثم وقّع السيد محمد عثمان الميرغني في يونيو عام 2005 على اتفاقية القاهرة والتي كانت تكراراً في معظم بنودها لاتفاقية السلام الشامل، والتي مهّدت لعودة الحزب إلى السودان في يوليو عام 2005 والمشاركة في الحكومة مع حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية.
ننتقل في هذا المقال إلى الاتفاقيات التي وقّعها ووافق فيها حزب الأمة على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
2
اتسمتْ علاقةُ حزب الأمة والحركةُ الشعبية لتحرير السودان بالتعقيد منذ ميلاد الحركة في عام 1983. فقد ارتكز مانيفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان والذي تمّ إصداره في يوليو عام 1983 على وحدة السودان. وتناولتْ الفقرة الثالثة من المانيفستو مبدأ "السودان الجديد" العلماني، القائم على المواطنة التي تُساوِي في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن العِرق أو الدين أو اللغة أو الثقافة. من الجهة الأخرى فإن برنامج حزب الأمة يرتكز على عروبة وإسلام السودان. عليه فقد وضح التضاد التام بين برنامجي الحركة الشعبية وحزب الأمة منذ ميلاد الحركة.
وقد أنشأت الحركة الشعبية منذ قيامها في مايو عام 1983 تحالفاً وطيداً مع نظام منقيستو هايلي مريم الماركسي في إثيوبيا، وكان هذا تضاداً آخر مع فلسفة حزب الأمة التي قامت على مناهضة الماركسية. وقد قاد حزب الأمة مع جبهة الميثاق الإسلامي قرارَ حلِّ الحزب الشيوعي السوداني عام 1965. ورفض السيد الصادق المهدي، ثم من بعده السيد محمد أحمد محجوب، قرار المحكمة العليا بعدم قانونية حلِّ الحزب.
و لا بُدّ من التذكير أيضاً أن الحركة الشعبية كانت قد اتهمت الجبهة الوطنية (والتي كانت مكونةً من حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي) بأنها كانت وراء تمزيق نميري لاتفاقية أديس أبابا وإعلانه لقوانين سبتمبر إثر المصالحة بين نميري والجبهة الوطنية عام 1977. وقد شاركت الجبهة الوطنية في سلطة نميري، وأصبح السيد الصادق المهدي والسيد أحمد الميرغني إثر المصالحة عضوين في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي – حزب نميري الحاكم.
كما لا بُدّ من إضافة عامل المنافسة على زعامة السودان والتي برزت بين السيد الصادق المهدي والقادم الجديد الدكتور جون قرنق منذ عام 1983. وقد لعبت تلك المنافسة دوراً كبيراً ومحورياً في كثيرٍ من القرارات المتعلّقة بالسودان، ومنها وحدة السودان نفسه. وقد تبادل الرجلان رسائل قاسية خلال عامي 1999 و2000 برزت فيها تلك المنافسة بوضوحٍ، ووصلت الخصومة بينهما درجة الفجور.
3
عليه لم يكن مستغرباً أن تتدهور العلاقة بين حزب الأمة والحركة الشعبية بعد سقوط نظام النميري عام 1985 إلى درجة العداء. وقد برز ذلك العداء بوضوح إثر تنصّل حزب الأمة من إعلان كوكا دام بعد أيام من توقيعه عليه في 24 مارس عام 1986. وقد نادى الإعلان بالغاء قوانين سبتمبر التي كان الرئيس نميري قد ابتدعها، ورفض حزبُ الأمة ذلك.
ثم كان اللقاء بين السيد الصادق المهدي والدكتور قرنق في أديس أبابا في شهر يوليو عام 1986 والذي انتهى بتشبيه المراقبين لذلك اللقاء بحوار الطرشان. وقد تصاعدتْ الحرب في جنوب السودان خلال رئاسة السيد الصادق المهدي للوزارة بين الأعوام 1986 و1989، وحدثت في تلك الفترة الحالة الشبيهة بالمجاعة في جنوب السودان. كما وقعت أيضاً مجزرة الضعين التي راح ضحيتها المئات من أبناء قبيلة الدينكا.
4
رغم حالة العداء التام تلك بين حزب الأمة والحركة الشعبية، إلّا أن الوضع بدأ في التغيير بعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989. فقد قام السيد مبارك الفاضل المهدي بالاتصال بالحركة الشعبية ووقّع معها اتفاقيتين في بداية عام 1990 لوقف العدائيات في مناطق التماس بين الشمال والجنوب، والعمل على إسقاط نظام الإنقاذ. تمّ توقيع الاتفاقية الأولى في طرابلس، ليبيا، في 29 يناير عام 1990، وتمّ توقيع الاتفاقية الثانية في أديس أبابا في 22 فبراير عام 1990.
أتتْ هاتان الاتفاقيتان على الرغم من مجموعة الأحداث التي وقعت بين الطرفين خلال فترة الحكم المدني الثالثة. فكما ذكرنا أعلاه فقد انسحب حزب الأمة من إعلان كوكا دام ورفض حتى مبدأ تجميد قوانين سبتمبر. وعمل حزب الأمة كل ما في وسعه لوأد مبادرة سلام السودان (اتفاق الميرغني قرنق) على مدى السبعة أشهر بين توقيعها في 16 نوفمبر عام 1988 وانقلاب 30 يونيو عام 1989.
وقد اتهم وزيرُ الداخلية وقتها السيد مبارك الفاضل نفسُه مجموعةَ المثقفين السودانيين (السادة عدلان الحردلو والواثق كمير ومحمد أحمد محمود ومحمد يوسف أحمد المصطفى ومحمد الأمين التوم ويوسف الياس وطه ابراهيم ومحمد علي المحسي ومحمد زين شداد ومحمد عبد الرحيم شداد) الذين التقوا بالحركة الشعبية في ورشة عمل أمبو (إثيوبيا) في فبراير عام 1989 بالخيانة، وتعامل معهم بخشونةٍ بالغة، وتوعّد بمحاكمتهم بتهة التخابر. ولكن بعد سبعة أشهر فقط عاد السيد مبارك الفاضل وصار أولَ الموقعين بعد انقلاب الإنقاذ على اتفاق تعاونٍ مع الحركة الشعبية.
5
شهد عام 1990 قيام التجمّع الوطني الديمقراطي وانضمام الحركة الشعبية رسمياً له في عام 1991. وقد تمّتْ إجازة مُقترح الانضمام خلال مؤتمر الحركة في توريت في سبتمبر عام 1991. وكما ذكرنا في المقال السابق فقد انعقد ذلك المؤتمر بعد أقل من شهرٍ من الانقسام داخل الحركة الشعبية الذي قاده الدكتور لام أكول والدكتور رياك مشار وكوّنا بعد الانقسام فصيل الناصر، أو الفصيل المتّحد، في أغسطس عام 1991. وقد تبنّى مؤتمر توريت مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان كما أشرنا في المقال السابق.
وفي يناير عام 1992 اتفق الدكتور علي الحاج والدكتور لام أكول على إعلان فرانكفورت الذي أعطى لأولِّ مرّة في تاريخ السودان شعبَ جنوب السودان حق تقرير المصير كما ناقشنا من قبل.
6
في أكتوبر عام 1993 قام السيد هاري جونستون عضو مجلس النواب الأمريكي ورئيس اللجنة الفرعية لأفريقيا بدعوة فصيلي الحركة الشعبية وحكومة السودان والتجمّع الوطني الديمقراطي إلى اجتماعٍ تشاوريٍ في واشنطن في أكتوبر عام 1993. وقد وصل واشنطن وفدان للحركة الشعبية، أحدهما بقيادة الدكتور جون قرنق والدكتور منصور خالد، والآخر بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول. وشمل وفد التجمّع الوطني الديمقراطي الدكتور عمر نور الدائم والدكتور أحمد السيد حمد والدكتور بيتر نيوت كوك والدكتور أمين مكي مدني والدكتور تيسير محمد أحمد علي والسادة التجاني الطيب ومبارك الفاضل وفاروق أبو عيسى وبونا ملوال والتوم محمد التوم والفريق فتحي محمد علي والعميد عبد العزيز خالد. وقد شارك في اللقاء الدكتور كمال عثمان صالح من مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ، وانضم إليه اثنان من دبلوماسيي سفارة السودان في واشنطن.
لم ينجح السيد هاري جونستون في التوفيق بين فصيلي الحركة الشعبية، وبالتالي لم يصدر بيانٌ مشترك عن هذا الاجتماع. وقد أصرّ كلٌ من الفصيلين على أنه يُمثّل الحركة الشعبية الأم. وبسبب ذلك الإصرار فقد أصدر السيد هاري جونستون بنفسه بياناً عن الاجتماع تمّت تسميته "إعلان واشنطن." وقد أشار إعلان واشنطن إلى اتفاق الطرفين الجنوبيين على حق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره، واتفق الطرفان أيضاً على أن يتواصل الحوار والمساعي لتوحيد صفوف الفصيلين.
لكن لم تتمْ دعوة التجمّع الوطني الديمقراطي للتوقيع على إعلان واشنطن. كذلك لم يُشِر الإعلان إطلاقاً إلى التجمع. وقد انتهى الأمر بالتجمّع أن يكون مشاركاً كمراقبٍ لا أكثر في اجتماع واشنطن. غير أن أعضاء وفدي التجمّع والحكومة لا بُدَّ أن يكونوا قد أخذوا علماً واتضح لهم بدون أدنى شكٍ توجّه الحركة الشعبية وكذلك فصائلها المنشقّة نحو حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
7
وهكذا شهد عام 1991 تبنّي الحركة الشعبية الأم لمبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بمقتضى مقررات مؤتمر توريت. وشهد عام 1992 صدور إعلان فرانكفورت بين الحكومة والحركة الشعبية (فصيل الناصر) مُتضمّناً لأول مرّة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وأكد إعلان واشنطن في أكتوبر عام 1993 توجّه الحركة الشعبية بجناحيها نحو تقرير المصير. وقد أخذت الحكومة وأحزاب التجمع علماً بذلك. ثم صدرت مبادئ الإيقاد في شهر يوليو عام 1994 مُرتكزةً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية.
8
من المؤكّد أن هذه التطورات قد هيأت قادة التجمّع الوطني الديمقراطي لقبول مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فقد شهد عام 1994 هجرةً مكثّفةً لأحزاب التجمّع نحو الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
ناقشنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات كيف أصبح الحزب الاتحادي الديمقراطي أولَ حزبٍ شمالي يوقّع اتفاقاً مع الحركة الشعبية الأم يعترف فيه بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. حدث ذلك من خلال إعلان القاهرة الذي تمّ التوقيع عليه في 13 يوليو عام 1994.
امتدّت المنافسة التقليدية بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي لتشمل التعاون مع الحركة الشعبية ومحاولة كسبِ ودِّها. ففي ديسمبر عام 1994، أي بعد أقل من خمسة أشهرٍ على اتفاق القاهرة زار وفدٌ من حزب الأمة مدينة شقدوم بجنوب السودان والتي كانت تحت سيطرة الحركة الشعبية. التقى وفدُ حزب الأمة والذي ضمّ السيدين عمر نور الدائم ومبارك الفاضل (واللذين حضرا لقاء واشنطن) وفدَ الحركة الشعبية هناك بقيادة السيد سلفا كير. بعد أيامٍ من النقاش (والإقامة على ضيافة الحركة) وقّع الطرفان في 12 ديسمبر عام 1994 على ما سُميّ بـ "اتفاقية شقدوم."
9
أكّد الطرفان التزامهما بمقتضى اتفاقية شقدوم بوضع حدٍّ فوريٍ للنزاع المسلّح في السودان عن طريق تسويةٍ نهائيةٍ وعادلةٍ تقوم على إرادة أهل السودان الحرة، وبالسلام العادل والديمقراطية والوحدة الوطنية.
أكّد الطرفان أيضاً قبولهما لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان على أن يمارس ذلك الحق عن طريق استفتاءٍ حرٍ تراقبه الأسرة الدولية قبل نهاية فترة الانتقال التى تبدأ بعد إزالة الحكم الحالي فى السودان. واتفقا على أن تكون مدة الفترة الانتقالية بين عامين إلى أربعة أعوام، يُحكم السودان خلالها بعلاقةٍ كونفيدرالية مع الجنوب، وتظل قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان خلالها تحت قيادتها في الولاية الكونفيدرالية. وأوضحت الاتفاقية خيارات الاستفتاء بالنظام الفيدرالي والكونفيدرالي والاستقلال. وقّع على الاتفاقية الدكتور عمر نور الدائم الأمين العام لحزب الأمة، والسيد سلفا كير عن الحركة الشعبية.
وهكذا خطتْ الحركةُ الشعبية خطوةً معتبرة في اتجاه تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فهاهو حزب الأمة الذي رفض بشدّة النظام الفيدرالي لجنوب السودان، وانسحب من إعلان كوكا دام، وقام بكل ما في وسعه لوأد اتفاقية الميرغني قرنق لعام 1988، يوافق بوضوحٍ ودون شروطٍ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، بما في ذلك حق الاستقلال.
ويُلاحظ أن اتفاقية شقدوم استعملت كلمة "استقلال" التي تُستعمل عادةً في حالة الشعوب التي ترزح تحت الاستعمار، ولم تستعمل كلمة "الانفصال" التي تُستعمل في حالة انشطار الدولة إلى دولتين أو أكثر.
10
كانت الخطوة التالية للحركة الشعبية هي تضمين حق تقرير المصير في وثيقةٍ قانونيةٍ واحدة تجمع حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي. وقد حدث ذلك بعد أسبوعين فقط من اتفاقية شقدوم. فقد تمّ عقد اجتماع لما سُمّي بـ "قوى المعارضة السودانية الرئيسية" يوم 27 ديسمبر عام 1994 في أسمرا. وقد شارك في الاجتماع السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق والدكتور عمر نور الدائم والعميد عبد العزيز خالد قائد قوات التحالف السودانية. أصدر المجتمعون الأربعة ووقّعوا في 27 ديسمبر عام 1994 على بيانٍ أسموه "إعلان اتفاق سياسي."
اكّد البيان بوضوح "إجازة حق تقرير المصير لجنوب السودان على أن يُمارس بعد فترةٍ انتقالية يُتفق عليها في مؤتمر المعارضة السودانية المُوسّع." وأشاد المجتمعون بجهود دول الايقاد لوقف الحرب وإحلال السلام والاستقرار وأعلنوا تأييدهم ومساندتهم الكاملة لإعلان مبادئ دول الايقاد.
وهكذا أزال بيان قوى المعارضة السودانية الرئيسية أيَّ شكٍ في موافقة أطرافها الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وأكّد تأييدها لمبادئ الايقاد، وأصبح كلُّ حزبٍ شاهداً على الحزب الآخر.
صارت الخطوة المُتبقّية للحركة الشعبية هي تأكيد حق تقرير المصير بواسطة اجتماعٍ عام للتجمّع الوطني الديمقراطي بكل أحزابه وتنظيماته. ولكن بات واضحاً أنه بعد موافقة الحزبين الكبيرين واللذين عارضا بشدّة هذا الحق في الماضي، وعارضا حتى النظام الفيدرالي، فإن المسألة أصبحت إجرائية لا أكثر ولا أقل.
11
تمّت موافقة أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في اجتماع أسمرا الذي تمّت تسميته "مؤتمر القضايا المصيرية." وصدر في 23 يونيو عام 1995 "قرار حول قضية تقرير المصير" أو ما عُرِف بـ "إعلان أسمرا." وقد تضمّن الإعلان عدّة فقراتٍ عن حق تقرير المصير، منها أن حق تقرير المصير حقٌّ إنسانيٌ ديمقراطيٌ أساسيٌ للشعوب يحقّ لأيّ شعبٍ ممارسته في أيّ وقت. و يقرّ الإعلان بأن ممارسة حق تقرير المصير تُوفِّر حلّاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية وتُيسّر استعادة الديمقراطية وتعزيزها. وأكّد الأعلان أن شعب جنوب السودان سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية، وأن الخيارات التي ستُطرح للاستفتاء في الجنوب هي الوحدة (بما في ذلك الكونفيدرالية والفيدرالية) والاستقلال.
واختتم قادة التجمّع بيان أسمرا بتأكيد اعترافهم مرّةً ثانية بأن ممارسة حق تقرير المصير بجانب كونه حقّاً ديمقراطياً وإنسانياً أصيلاً للشعوب فإنه أيضاً أداةٌ لوضع نهاية فورية للحرب الأهلية ولإتاحة فرصة فريدة وتاريخية لبناء سودانٍ جديدٍ قائمٍ على العدالة والديمقراطية والاختيار الحر.
وقد وقّع على إعلان أسمرا قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وتجمّع الأحزاب الأفريقية السودانية، والحزب الشيوعي السوداني، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، ومؤتمر البجه، وقوات التحالف السودانية، وممثل للنقابات، وبعض الشخصيات الوطنية.
12
وهكذا توّجت الحركة الشعبية بإعلان أسمرا نجاحاتها في انتزاع حقّ تقرير المصير من كلِّ أحزاب وتنظيمات المعارضة معاً، وفي وثيقةٍ واحدة لا غموض أو لبس فيها، وقّع عليها قادة هذه الأحزاب والتنظيمات أنفسهم دون وساطةٍ أو ضغوطٍ من طرفٍ ثالث. بل إن الوثيقة نفسها أشارت إلى مواطني جنوب السودان كـ "شعب جنوب السودان"، واتفقت بإن هذا الشعب "سيمارس حقه في تقرير المصير."
لم تعد المسألة إعطاء شعب الجنوب هذا الحق بل أصبحت ممارسته لهذا الحق. كما يُلاحظ أيضاً الربط في إعلان أسمرا بين حقوق الإنسان والديمقراطية وشعار السودان الجديد من جهة، وحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير من الجهة الأخرى.
13
رغم انسحاب حزب الأمة من التجمع الوطني الديمقراطي بعد عقده اتفاق جيبوتي مع نظام الإنقاذ في 25 نوفمبر عام 1999، إلّا أن اتفاق جيبوتي نفسه قد أكّد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وكان اتفاق جيبوتي قد جاء بعد أشهر قليلة من لقاء السيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي في جنيف في شهر مايو عام 1999. ورغم أن لقاء جنيف لم ينتج عنه اتفاقٌ مكتوب، إلا أن السيد الصادق المهدي أشار إلى اتفاقٍ شفهيٍ تم بينه وبين الدكتور حسن الترابي لعقد اجتماعٍ شاملٍ لكل القوى السياسية السودانية لمناقشة قضايا السودان.
بالطبع لم يتم ذلك الاجتماع الشامل الذي ادّعى السيد الصادق المهدي الاتفاق عليه شفاهةً في جنيف.
14
بعد ستة أشهرٍ من لقاء جنيف، تم لقاء واتفاق جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999. شمل لقاء جيبوتي السيد الصادق المهدي والرئيس عمر البشير. وقد رافق السيد الصادق المهدي السيد مبارك الفاضل المهدي، والدكتور صديق بولاد. ورافق الرئيس البشير السادة مصطفى عثمان إسماعيل، ونافع علي نافع، وعبد الباسط سبدرات، والدكتور لام أكول. وقّع الطرفان في نهاية اليوم الثاني للقاء على اتفاقٍ تمّت تسميته "نداء الوطن" ويُشار إليه أيضاً بـ "اتفاق جيبوتي."
أشار الاتفاق إلى عدّة مبادئ من بينها أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات الدستورية، وألّا تنال أيّةُ مجموعةٍ وطنية امتيازًا بسبب انتمائها الديني أو الثقافي أو العرقي، مع الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والعرقية في السودان، وأن تُراعى المواثيق الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان، وتكون مُلْزِمةً. كما نصّ الاتفاق على المشاركة العادلة في السلطة بكافة مستوياتها واقتسامٍ عادل للثروة، وإزالة آثار الحرب الأهلية، وبناء الثقة بين أهل السودان بما يفضي للوحدة الطوعية.
أشار الاتفاق إلى إكمال هذه الإجراءات في فترةٍ انتقالية مدتها أربعة أعوام يُسْتفتى شعب جنوب البلاد في نهايتها ليختار بين وحدة طوعية بسلطاتٍ لامركزية سيتم الاتفاق عليها، أو الانفصال.
أهم ما يمكن أن يقال عن اتفاق جيبوتي إنه أولُ اتفاقٍ بين طرفين شماليين يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فلم تكن الحركة الشعبية أو أيٌّ من الفصائل المنشقّة عنها طرفاً في ذلك الاتفاق. وقد حدّد الاتفاق الفترة الانتقالية بأربعة أعوام، ونصَّ صراحةً على خياري الوحدة الطوعية والانفصال.
غير أن حظَّ اتفاق جيبوتي لم يكن أفضلَ من حظ اتفاق جنيف الشفهي.
15
رغم الفشل الذي لازم تطبيق اتفاق جيبوتي، وقبله اتفاق جنيف الشفهي، فقد تواصلت مساعي السيد الصادق المهدي للتصالح مع نظام الإنقاذ. وتواصلت أيضاً محاولاته لوضعِ بصماتِه على اتفاقية السلام الشامل التي تمّ التوقيع عليها في 9 يناير عام 2005، وعلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقّع السيد الصادق المهدي في 20 مايو عام 2008 اتفاقاً آخر مع حزب المؤتمر الوطني، تمّت تسميته التراضي. جاء اتفاق التراضي مطوّلاً ومفصّلاً (على عكس اتفاق جيبوتي)، واشتمل على ديباجة، وستة أبواب عن: الثوابت الوطنية، تهيئة المناخ، دارفور، السلام، الانتخابات، والحريات.
أشار الجزء الرابع من اتفاق التراضي، والخاص بالسلام، إلى اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا)، وأوضح "أن اتفاقية السلام الشامل لم تلبي كافة طموحات أيٍ من الطرفين الموقعين عليها." وأضاف الاتفاق "أن حزب الامة أعلن ترحيبه بلبنات اتفاقية نيفاشا وبالإنجازات التي تحققت وما تم من استحقاقات وطنية، وأبدي ملاحظاتٍ حول بعض بنود الاتفاقية وقضايا أخري أغفلتها وأعلن عنها الحزب في وقتٍ سابق، تستوجب المخاطبة بالجدية والإحاطة المطلوبة تفادياً لثغراتٍ قد تفضي لانتكاسة جديدة. وانطلاقاً من ذلك فإن حزب الأمة القومي يؤكد استعداده للدخول في حواراتٍ وطنية مع طرفي الاتفاقية والقوي السياسية الأخري لدعم ما حوته من إيجابيات ولاستدراك تلك التحفظات لمصلحة الوطن وأمنه واستقراره."
16
غير أن حظَّ ومصيرَ اتفاق التراضي لم يختلفا البتّة عن اتفاق جيبوتي، واتفاق جنيف الشفهي، رغم التعبئة الإعلامية الضخمة التي صاحبته، ورغم أن التوقيع على الاتفاق تمّ بواسطة الرئيس عمر البشير والسيد الصادق المهدي بنفسيهما. فقد نسيته حكومة الإنقاذ، مثل عشرات الاتفاقيات التي كانت قد وقّعتها مع أطرافٍ معارضةٍ أخرى، وفي وقتٍ وجيز.
كما أن الحركة الشعبية، طرف اتفاق نيفاشا الآخر، تجاهلتْ اتفاق التراضي، ولم تكلّف نفسها حتى عناء الردِّ أو التعليق على المواد المتعلّقة باتفاقية السلام الشامل فيه.
وقد أصبح واضحاً أن محاولات السيد الصادق المهدي الأخيرة للصعود على قطار اتفاقية السلام وحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، ومحاولة التأثير فيهما وعليهما، قد تلقّت ضربتها النهائية والقاتلة بالموت الطبيعي لاتفاق التراضي، وقرب نهاية الفترة الانتقالية.
17
كما ذكرنا أعلاه وفي المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات، فقد كان الحزبُ الاتحادي الديمقراطي أولَ حزبٍ شمالي يوقّع اتفاقاً مع الحركة الشعبية الأم يعترف فيه بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
غير أن حزب الأمة هو الحزب الشمالي الذي وقّع على أكبرِ قدرٍ من الاتفاقيات تعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد شملتْ تلك الاتفاقيات: اتفاقية شقدوم لعام 1994، واتفاقية القوى السياسية الرئيسية لعام 1994، واتفاق أسمرا للقضايا المصيرية لعام 1995، ثم اتفاق جيبوتي لعام 1999، وأخيراً اتفاق التراضي لعام 2008.
وقّع حزبُ الأمة على كلِّ تلك الاتفاقيات التي اعترفت بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان رغم أن الحزب كان قد رفض رفضاً قاطعاً في الفترة من 1950 - 1989 حتى فكرة قيام نظامٍ فيدرالي بين شمال وجنوب السودان. بل إن حزب الأمة كان قد اعترض بشدة خلال مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 على مقترح الأحزاب الجنوبية أن تكوّن المديريات الجنوبية الثلاثة إقليمياً واحداً، وأصّر على بقائها ثلاث مديرياتٍ منفصلةٍ عن بعضها البعض، بعد رفضه القاطع للنظام الفيدرالي الذي طالبت به الأحزاب الجنوبية خلال المؤتمر. وقد تنصّل حزب الأمة من إعلان كوكا دام بعد أيام قلائل من توقيعه على الإعلان.
18
سوف نواصل في المقالات القادمة عرض ومناقشة الاتفاقيات التي عقدتها الأحزاب الشمالية الأخرى مع الحركة الشعبية تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وسوف يتعرّض المقالان القادمان إلى دور وموافقة الحزب الشيوعي السوداني على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وسوف نختتم هذه السلسلة من المقالات بمناقشة دور وموافقة حزب المؤتمر الشعبي على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org