1

تعرّضنا في المقالاتِ الخمسةِ السابقة إلى ادعاء بعض الأصدقاء الكُتّاب والقُرّاء أن كتابَنا "انفصال جنوب السودان" قد قلّل كثيراً من دورِ التدخّلِ الأجني من بعض الدول الغربية والمنظمات الكنسِيّة ودول الجوار الأفريقي ومجلس الأمن الدولي في انفصال جنوب السودان. نفينا بشدّة هذا الادعاء وأوضحنا بالوثائق والوصف والتحليل التفصيلي أن كلَّ محطاتِ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، والتي قادت إلى الانفصال، كانت محطاتٍ سودانية بحتة لا دور فيها لطرفٍ ثالث. وشرحنا أن دور الوسطاء الأفارقة والغربيين كان فقط محاولةَ إلزام حكومة الإنقاذ بما وافقتْ ووقّعتْ عليه هي نفسُها مراراً وتكراراً - حقّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
2
تناولنا في المقال السابق حالة الارتباك التي سادت بين قادة وفود التفاوض المختلفة لحكومة الإنقاذ حول مسألة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وكذلك حول دور الوسطاء. ذكرنا أن الدكتور غازي العتباني قاد وفد حكومة الإنقاذ للجولة الرابعة لحلقة المفاوضات الأولى تحت مظلّة وساطة الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994. وقد نقل الدكتور غازي لسكرتارية وساطة الإيقاد:
أولاً: رفض حكومة الإنقاذ القاطع لحق تقرير المصير الذي كان المكوّنَ الأساسي لمبادئ الإيقاد والتي كانت قد صدرت في 20 يوليو عام 1994. وقد ذكر الدكتور غازي في كلمته أمام سكرتارية التفاوض "إن حق تقرير المصير لجنوب السودان ليس لديه أي سند قانوني أو سياسي .... وإن حكومة السودان هي تبعاً لذلك ملزمةٌ بأن تُسلّم نفس السودان إلى الأجيال القادمة. إن تقرير المصير أو أي تعبير آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية، وإن الحكومة غير مستعدة للتداول حوله."
ثانياً: أعلن الدكتور غازي في نفس الاجتماع في نيروبي انسحاب السودان من وساطة الإيقاد. وقد أوضح الدكتور غازي في مقالٍ لاحق أن "مبادرة الإيقاد أصبحت شركاً كبيراً. فهذه المنظمة التي ترجمتْ اسمَها «السلطة بين الحكومات من أجل التنمية»، والتي لم تكن تملك في رصيدها آنذاك ولا الآن إنجازاً واحداً في التنمية، استُخْدِمتْ واجهةً للولوج إلى عمق الشأن السوداني" (راجع مقال الدكتور غازي العتباني: "قرار الاتحاد الافريقي استنساخ للإيقاد ثم نيفاشا جديدة" المنشور بصحف الانتباهة، والسوداني، والرأي العام، وعددٍ من المواقع الالكترونية في 29 أبريل عام 2012.)
نقل الدكتور غازي هذين القرارين الخطيرين رغم أن حكومة الإنقاذ كانت قد قبلت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان صراحةً في إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992. كما أن حكومة الإنقاذ نفسها هي التي كانت قد طلبتْ وساطة الإيقاد وسعتْ إليها، وبإلحاح.
3
غير أن الدكتور علي الحاج الذي قاد وفد حكومة الإنقاذ لمفاوضات فرانكفورت ووافق ووقّع في 25 يناير عام 1992 على إعلان فرانكفورت الذي انبنى على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان له رأيٌ مختلف تمام الاختلاف عن رأي الدكتور غازي في مسألة وساطة ودور منظمة الإيقاد. فقد كتب الدكتور علي الحاج: "أقول إن دخول الإيقاد لم يكن تآمراً من جهة خارجية أو قوى دولية، كان دخولها برغبتنا وتقديراتنا وحساباتنا نحن وليس غيرنا." وواصل الدكتور علي الحاج القول: "دخول الإيقاد في ملف السلام صنعناه نحن وتورّطنا فيه بأيدينا منذ بداية تأسيس هذه الهيئة مطلع التسعينيات" (انظر: مع علي الحاج في مهجره، الجزء الثاني، جريدة الانتباهة، الثلاثاء 05 يونيو 2012).
4
وتواصل الارتباك في مسألة وساطة ومبادئ الإيقاد بعد رفض السودان للاثنين في الجولة الرابعة لمفاوضات الإيقاد عام 1994. فقد عادت حكومة الإنقاذ وقبلت مبادئ الإيقاد (حق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية) عام 1997. حدث ذلك بعد أن وقّعت حكومة الإنقاذ على اتفاقية الخرطوم (السلام من الداخل) مع الحركات المنشقّة عن الحركة الشعبية في أبريل عام 1997. ثم طلبت من الإيقاد إحياء وساطتها التي كانت حكومة الإنقاذ نفسها قد أنهتها وانسحبت منها عام 1994.
قبلت الإيقاد لعب دور الوسيط، وبدأت الحلقة الثانية من حلقات التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية، ودارت الجولة الخامسة من المفاوضات في نيروبي في شهر نوفمبر عام 1997. وقد قاد الوفد الحكومي السيد علي عثمان محمد طه الذي كان وقتها وزيراً للخارجية، وشمل الوفد الدكتور رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية (بعد توقيع اتفاقية الخرطوم بينه وبين حكومة الإنقاذ في أبريل عام 1997)، والدكتور علي الحاج، والسادة محمد الأمين خليفة الأمين العام للمجلس الأعلى للسلام، وأحمد إبراهيم الطاهر، وقطبي المهدي، وأروك طون أروك، وعبد الله دينق، وأنجيلو بيدا. قاد السيد سلفا كير وفد الحركة الشعبية الذي شمل السادة اليجا مالوك، ودينق الور، وجستين ياك، ونيال دينق نيال، وباقان أموم، وسامسون كواجي.
5
برز الارتباك في الموقف الحكومي منذ الساعات الأولى للمفاوضات. فقد طالب السيد علي عثمان رئيس وفد حكومة الإنقاذ بالتركيز على النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين منذ عام 1947، ورفض اعتبار حق تقرير المصير حقّاً إنسانياً ووصفه بانه قرار سياسي. حدث هذا رغم توقيع حكومة الإنقاذ قبل أشهر قصيرة على اتفاقية الخرطوم للسلام التي اشتملت على حق تقرير المصير لجنوب السودان.
أصرّت الحركة على حق تقرير المصير ليس فقط لجنوب السودان بل ليشمل أيضاً ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. رفض الوفد الحكومي ذلك رفضاً قاطعاً، ووجد الوفدُ طلبَ الحركة فرصةً للتراجع عن حق تقرير المصير حتى لجنوب السودان بعد أن ربطته الحركة بمناطق شمالية.
6
يُلاحظ أن حكومة الإنقاذ استبدلتْ عام 1997 الدكتور غازي العتباني الذي قاد وفد السودان لجولة المفاوضات الرابعة التي رفض فيها السودان مبادئ الإيقاد وطالب بإنهاء الوساطة عام 1994، بالسيد علي عثمان محمد طه. كانت تلك أولَ مرّة يشارك فيها السيد علي عثمان في المفاوضات مع الحركة الشعبية. ومن الواضح أن السيد علي عثمان لم يكن مُلمّاً كلَّ الإلمام بما دار في حلقات التفاوض السابقة حتى تلك الجولة، وحاول البدء من نقطة الصفر مما أغضب الوسطاء.
وسوف نلاحظ هذا المنحى مرةً ثانية عندما استبدلتْ حكومة الإنقاذ الدكتور غازي العتباني بالسيد علي عثمان لرئاسة وفدها إثر تعثّر مفاوضات نيفاشا في أغسطس عام 2003. وقد استمر السيد علي عثمان رئيساً لوفد السودان لمفاوضات نيفاشا حتى انتهاء التفاوض، وقام بالتوقيع على اتفاقية نيفاشا في 9 يناير عام 2005. وقد أكّدت وتوسّعت اتفاقية نيفاشا في مسألة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، رغم تحفّظات السيد علي عثمان التي أثارها في جولة المفاوضات الخامسة في عام 1997، ورفضه حق تقرير المصير في تلك الجولة.
7
لكن لا بد من التذكير أن الدكتور غازي العتباني الذي كان قد اتهم التدخلَ الأجنبي عام 1994 باستخدام الإيقاد كواحهة للولوج في الشأن السوداني، وأعلن انسحاب السودان من وساطة الإيقاد، عاد أيضاً وقبل وساطة الإيقاد، ووقّع هو بنفسه في 20 يوليو عام 2002 على بروتوكول مشاكوس الذي انبنى على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
8
غير أنه رغم قيادة السيد علي عثمان لوفد التفاوض الحكومي في المرحلة الثانية لمفاوضات نيفاشا عام 2003، وتوقيعه عام 2005 على اتفاقية السلام الشامل، وافتخاره وتباهيه بذلك الإنجاز وبالسلام الذي حقّقته الاتفاقية، فقد عاد السيد علي عثمان ليشير إلى التدخّل الأجنبي في قضية الجنوب.
فقد تحدّث السيد علي عثمان في مقابلة مع صحيفة الرأي العام السودانية (الخميس 6 نوفمبر عام 2014، العدد 6107، الصفحة الثالثة) عن "الضغوط الكبيرة" التي تعرّضت لها حكومة الإنقاذ من أمريكا والدول الأوروبية لتوقيع اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية.
ولكن لا بد من التساؤل عن تلك الضغوط وماذا تضمّنت. فقد وافقت حكومة الإنقاذ في إعلان فرانكفورت عام 1992 على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. ثم عادت وأكّدت موافقتها على حق تقرير المصير في اتفاقية الخرطوم عام 1997، ثم في دستور السودان لعام 1998. وقد وافقت حكومة الإنقاذ في اتفاقية الخرطوم على فترة انتقالية مدتها أربع سنوات تسبق الاستفتاء. وفصّلت الاتفاقية مسألة وجود جيشين ومكاتب اتصال وتقاسم السلطة وعائد نفط الجنوب. فما الذي تبقّى لتتعرّض حكومة الإنقاذ لضغوط كبيرة للموافقة عليه؟
لقد كانت تلك الضغوط التي أشار إليها وتحدّث عنها السيد علي عثمان هي أن تلتزم حكومة الإنقاذ بالتزاماتها السابقة، والتي كانت توافق وتوقّع عليها اليوم ثم تحاول التنصّل منها في الغد، مثلما حدث مع اتفاق فرانكفورت، وحتى اتفاقية الخرطوم نفسها، ولم تكن إطلاقاً ضغوطاً من أجل فرضِ حلولٍ مختلفة، أو انتزاع تنازلاتٍ جديدة من حكومة الإنقاذ.
9
وتواصل ارتباك السيد علي عثمان في نفس المقابلة عند حديثه عن الهوية الإسلامية للسودان، وثوابت الإنقاذ، وقوله إن تلك المسألة ليست قابلة للنقاش، وما أسماه رفض الحركة الشعبية لذلك. فقد ذكر السيد علي عثمان في نفس المقابلة الصحفية:
"شيءٌ واحد كان مطلوباً منّا وتأخّرنا عنه، وسنظل نتأخّر عنه، لأنه فوق قناعتنا بالدولة القطرية، وهو هويتنا. والشيء الوحيد الذي ربما يُقنِع الجنوبيين بالاستمرار في الوحدة هو أن يتخلّى الشمال عن هويته الثقافية الإسلامية والعربية ويقبل بالدولة المدنية العلمانية الأفريقية التي ليست لها جذور. وهذه من القضايا التي كان يثيرها إخواننا الجنوبيون. وغير هذا أنا لا أرى أنه كان هناك ما يمكن أن يبرّر أو يعضّد الاتهام بأن الحكومة تأخّرت أو قصّرت في تقديم ما يقنع الجنوبيين بالبقاء تحت سقف بلدٍ واحد. "راجع جريدة الرأي العام السودانية، الخميس 6 نوفمبر عام 2014، العدد 6107، الصفحة الثالثة.)
10
غير أنه لا بُدَّ من التصحيح هنا أن الحركات الجنوبية جميعها، بما في ذلك الحركة الشعبية، ، وعلى مدى فترة الصراع في السودان، لم تطالب بالدولة المدنية العلمانية الأفريقية، كما ذكر السيد علي عثمان. فقد طالبت الرسالة التي أرسلها حزب سانو بقيادة السيد ويليام دينق إلى رئيس الوزراء السيد سر الختم الخليفة في 8 نوفمبر عام 1964 تقترح عقد مؤتمر المائدة المستديرة:
"التسليم بأن السودان دولة أفريقية عربية، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمر لا يرتبط بأي شكل بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمورٌ حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة. فالوحدة في نطاق التعدّدية هي الحل لمشكلة الجنوب. وهو الحل الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي."
11
كما أن مانفيستو الحركة الشعبية الذي تمّ إصداره عام 1983 أشار بوضوح في الفقرة 3.7 إلى أن "رؤية السودان الجديد لا تنطوي، بأي حالٍ من الأحوال، على مضامين عرقية أو عنصرية أو انفصالية. بل هي بالأحرى إطارٌ لمشروعٍ قومي يستهدف بناء دولة المواطنة الحقّة والمستدامة والقادرة على استيعاب المجتمع السوداني بكافة تنويعاته العديدة والمختلفة."
كما أن قيادات الحركة الشعبية ظلّت تكرّر بانتظام ما ذكره الدكتور جون قرنق مراراً، والمقتبس من مانيفستو الحركة:
"فلنقبل أنفسنا كسودانيين أولاً وقبل كل شيء. العروبة لا تستطيع توحيدنا. الأفريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا. الإسلام لا يستطيع توحيدنا. المسيحية لا تستطيع توحيدنا. لكن السودانوية تستطيع توحيدنا."
أما عن العلمانية التي ذكر السيد علي عثمان أنه ليس لها جذور، فلا بُدّ من التذكير أن حكومة الإنقاذ كانت قد قبلت في عام 1997 مبادئ الإيقاد، والتي انبنت على حق تقرير المصير لجنوب السودان، وعلمانية الدولة السودانية. ثم عادت حكومة الإنقاذ وأكّدت ذلك القبول عندما طلبتْ من الإيقاد الوساطة للمرة الثالثة في عام 2002.
12
كان حديث الدكتور غازي قد انصبَّ على ما أسماه استخدام الإيقاد كواجهة للولوج في الشأن السوداني. ثم جاء حديث السيد علي عثمان عن ادعاءاته عن الضغوط الكبيرة من الدول الغربية التي تعرّض لها وفده. من الجانب الآخر فقد أكّد الدكتور علي الحاج أن دخول الإيقاد في ملف السلام "صنعناه نحن وتورّطنا فيه بأيدينا منذ بداية تأسيس هذه الهيئة مطلع التسعينيات."
وتواصل ويتواصل هذا الارتباك. فقد أعلن السيد الدرديري محمد أحمد أحد قيادات الإنقاذ وعضو وفدها لمفاوضات نيفاشا أن اتفاقية السلام الشامل هي "مفخرة التجربة السياسية في السودان"، وأن "خطأ نيفاشا الكبير أنها تأخّرت خمسين عاماً" (صحيفة اليوم التالي السودانية، العدد 353، بتاريخ 11 فبراير عام 2014، الصفحة السابعة).
13
لم يوضّح السيد الدرديري لماذا أخذت هذه "المفخرة السودانية" ستة عشر عاماً من الحرب والقتل والدمار تحت قيادة حكومة الإنقاذ – الحرب التي كان وقودها الجهاد، وعرس الشهيد، وساحات الفداء، وكانت إحدى نتائجها عشرات الآلاف من القتلى من شباب الشمال، ومئات الآلاف من أبناء الجنوب.
كما لم يُشِرْ السيد الدرديري، من قريبٍ أو بعيد، إلى دور الحركة الإسلامية (بمسمياتها المختلفة منذ عام 1964) في تصعيد الحرب، ورفضها لكل المقترحات والإعلانات والاتفاقيات لحلِّ مشكلة الجنوب (منذ عام 1965 وحتى تاربخ انقلابها العسكري في 30 يونيو عام 1989)، علماً بأنه لم تتضمّن أيّةٌ من تلك الإعلانات و الاتفاقيات مبدأ تقرير المصير أو خيار الانفصال.
ارتكزت مقترحات القوى السياسية الجنوبية منذ الخمسينيات على مطلب الفيدرالية الذي رفضته جبهة الميثاق الإسلامي رفضاً قاطعاً خلال مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965. ثم تبناه الدكتور علي الحاج عام 1992 عند لقائه الدكتور لام أكول. غير أن الوفد الجنوبي أخبره أن الزمان قد تجاوز الفيدرالية بحوالي ربع القرن من الزمان.
وكانت الحركة الإسلامية قد تبنّتْ، عندما كانت جزءاً من نظام نميري، مسألة تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقليم ممزقةً بذلك اتفاقية أديس أبابا التي انبنت على قيام جنوب السودان كإقليمٍ واحد. وأدّى ذلك مع خروقات نميري الأخرى، ومع قوانين سبتمبر التي خرجت من رحم الحركة الإسلامية، إلى ميلاد الحركة الشعبية ببرامجها ومقدراتها العسكرية وعضلاتها السياسيية والدبلوماسية. وهو ما أدّى إلى انتزاع حق تقرير المصير الذي قاد إلى انشطار السودان وذهاب جنوبه، وإلى الأبد.
14
أوضح الشرح والتحليل أعلاه غياب العامل الأجنبي كسببٍ لانفصال جنوب السودان. ليس هذا فقط، ولكن أوضح المقالُ التناقضات والارتباك التام وسط قيادات الحركة الإسلامية التي فاوضت الحركة الشعبية ومنحتها (أو انتزعت منها الحركة الشعبية) حق تقرير المصير. فمن هؤلاء القادة من اتهم منظمة الإيقاد بالتواطؤ ضد السودان، ثم عاد وعمل تحت مظلّتها ووقّع على حق تقرير المصير نتيجة وساطتها. ومن هؤلاء القادة من نفى نفياً قاطعاً أي دورٍ للإيقاد، مؤكداً إن دخول الإيقاد لم يكن تآمراً من جهة خارجية أو قوى دولية، "كان دخولها برغبتنا وتقديراتنا وحساباتنا نحن وليس غيرنا."
ثم عاد السيد علي عثمان الذي تباهى لسنوات طويلة باتفاقية نيفاشا باعتباره الأب السياسي لها ليحدّثنا عن الضغوط الغربية على السودان ليوقّع على الاتفاقية. لم تكن تلك الضغوط غير محاولة إلزام حكومة الإنقاذ بما وقّعت عليه عدّة مرات من قبل، ثم حاولت التنصّل منه.
ثم خلط السيد الدرديري محمد أحمد أوراق الإنقاذ خلطاً كبيراً عندما أخبرنا أن نيفاشا هي مفخرة السياسة السودانية. بالطبع لن يريد السيد الدرديري أن يقاسم الإنقاذَ أحدٌ (خصوصاً دول الاستكبار) تلك المفخرة. لكن هذا يضعه في تناقضٍ حاد مع السيد علي عثمان والدكتور غازي العتباني، وحتى مع الدكتور علي الحاج.
15
نخلص من هذه السلسلة من المقالات الستة إلى الآتي:
أولاً: إن المحطات الرئيسية لحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان (بدءاً بفرانكفورت 1992، ومروراً باتفاق السلام من الداخل 1997، ثم دستور السودان لعام 1998) كانت جميعها محطاتٍ سودانيةٍ بحتةٍ، لا دور أو مجال فيها على الإطلاق لدول الغرب أو دول الجوار أو المنظمات الكنسية أو مجلس الأمن الدولي.
ثانياً: إن تدخّل الدول الغربية ودول الجوار كان من أجل إقناع حكومة الإنقاذ والضغط عليها للالتزام بالاتفاقيات والتعهّدات التي وقّعتْ وصادقتْ عليها هي بنفسها، والمتمثّلة في قبول حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
ثالثاُ: ليس هناك اتفاقٌ حتى داخل قيادات حكومة الإنقاذ التي فاوضتْ ووقّعتْ على الاتفاقيات التي تضمنتْ حق تقرير المصير إنْ كان هناك فعلاً تدخلٌ من أيةٍ من الدول الأخرى. بل إن نيفاشا أصبحت عند بعضهم مفخرة السياسة السودانية.
رابعاً: إن كل أحزاب المعارضة الشمالية وقّعتْ مع الحركة الشعبية على اتفاقياتٍ وافقتْ فيها كلٌ من هذه الأحزاب على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
خامساً: هناك عدد من الأكاديميين والسياسيين الجنوبيين الذين يعتقدون أن التدخّل من بعض الدول العربية والإسلامية وضغوطها على السياسيين الشماليين هي التي أدّت إلى تراجع الخرطوم عن وعد الفيدرالية لشعب جنوب السودان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد ادّعى هؤلاء الأكاديميون أن ذلك التراجع أدّى إلى رفع سقف مطالب الحركات الجنوبية، ثم إلى انفصال جنوب السودان. عليه فإن الحديث عن التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان هو طريقٌ لاتجاهين.
سادساً: هناك البعض ممن يعتقدون أن الحركة الإسلامية العالمية ممثلةً في المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي أنشأه وتزعّمه الدكتور حسن الترابي عام 1991 كان هو من ضغط على حكومة الإنقاذ لتمنح جنوبَ السودان حقَ تقرير المصير في إعلان فرانكفورت عام 1992، حتى تتوقّف الحرب وتتفرّغ الحركة الإسلامية العالمية والسودانية وقياداتها إلى مواجهة وإضعاف وإسقاط الأنظمة العربية العلمانية واستبدالها بأنظمة إسلامية. وهذا يدلُّ أيضاً أن الحديث عن التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان هو طريقٌ لاتجاهين.
16
ننهي بهذا المقال السادس سلسلة مقالات التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان.
وسوف تتناول المقالات الستة القادمة دور كلٍ من الأحزاب الشمالية (الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة، الحزب الشيوعي، والحركة الإسلامية) وموافقتها في اتفاقيةٍ (أو اتفاقياتٍ) مع الحركة الشعبية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
ثم سننتقل بعد ذلك لمناقشة ما أسماه بعض الكُتّاب دور القوى السياسية الجنوبية في انفصال جنوب السودان. وسوف نوضّح أن هذا الادعاء لا يختلف عن الادعاء بالتدخل الأجنبي، وأنه بلا مقوماتٍ سياسية أو قانونية أو منطقية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org