1
بدأنا في المقال السابق مناقشةَ مسألةَ التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان، والردَ على الادعاء أنه كان السببَ الرئيسي لانفصال الجنوب. أوضح المقال أن المحطّاتِ الرئيسية التي وافقتْ فيها الأحزابُ الشمالية، حكومةً ومعارضة، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، كانت محطاتٍ سودانيةٍ بحتة لا دور فيها للتدخّل الأجنبي أو للضغوط الغربية أو من دول الجوار.
2
وقد أشرنا إلى أن المحطةَ الأولى والأكثرَ خطورةً في مسألة تقرير المصير كانت مدينة فرانكفورت. فقد وقّع الدكتور علي الحاج مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ والدكتور لام أكول ممثّل الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ السودان التي توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. تمّ ذلك اللقاء بدون وساطة أو حتى حضور طرفٍ ثالث. كان إعلان فرانكفورت عملاً سودانياً بحتاً.
3
ثم جاءت الاتفاقيات التي وقّعتها أحزاب المعارضة الشمالية مع الحركة الشعبية الأم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بدأت تلك الاتفاقيات بإعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في يوليو 1994، ثم امتدت لاتفاقية شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. تلى ذلك اتفاق الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. صبّتْ هذه الاتفاقيات في مقررات اسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) والتي وافقتْ فيها كل أحزاب ومنظمات وأطراف المعارضة الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يونيو عام 1995. لم يكن هناك طرفٌ ثالث أو تدخّل أجنبي أو حتى وسيط. بل لم يكن هناك خلافٌ في وجهات نظر الأطراف أصلاً ليتطلّب تدخّل طرفٍ ثالث.
4
ثم جاءت مبادرة السلام من الداخل واتفاقية الخرطوم في شهر أبريل عام 1997 والتي وافقتْ فيها حكومة الإنقاذ مع الحركات الجنوبية المنشقّة من الحركة الشعبية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. لقد تباهتْ حكومة الإنقاذ وتفاخرتْ أن مبادرة السلام من الداخل هي مبادرةٌ سودانيةٌ بحتة ولا دور أو مجال فيها لأيِّ طرفٍ ثالث. بل إن اتفاقية الخرطوم نفسها طلبت من منظمة الإيقاد والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة أن ترسل مندوبين لمراقبة الاستفتاء.
ثم جاء دستور السودان لعام 1998 الذي صاغه الدكتور حسن الترابي بنفسه ولوحده ليؤكّد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
عليه فإن محطات حق تقرير المصير التي قادت إلى إنفصال جنوب السودان كانت كلها محطاتٍ سودانية بحتة لا دور فيها لدولٍ أجنبية أو لمجلس الأمن أو للمنظمات الكنسيّة العالمية.
سوف نتعرّض في هذا المقال والمقال القادم لدور منظمة الإيقاد في مفاوضات السلام السودانية، ونوضّح أن حكومة الإنقاذ هي التي سعتْ لوساطة الإيقاد في حلقات التوسّط الثلاثة التي رعتها منظمة الإيقاد. كما سنوضّح مباركة وموافقة الأحزاب الشمالية المعارضة لذلك الدور، ولمبادئ الإيقاد دون تأخيرٍ أو تردّد. عليه فسوف يواصل هذا المقال تأكيد موقفنا من أن انفصال جنوب السودان هو مسئولية القوى السياسية الشمالية، وأن الدور الأجنبي هو دورٌ ثانويٌ فقط.
5
كما فصّلنا في المقال السابق، فقد انهارت الوساطة النيجيرية ومفاوضات أبوجا في عام 1993. فقد أصرّ الوفد الحكومي لمفاوضات أبوجا أن حكومة الإنقاذ وافقتْ على حق تقرير المصير في فرانكفورت مع الفصيل المنشق عن الحركة الشعبية، وليس مع الحركة الشعبية الأم. عليه فليس على الحكومة التزام تجاه الحركة الشعبية الأم. وقد أدهش هذا المنطق الوسطاءَ النيجريين الذين حاولوا إقناع الوفد الحكومي أن الحق هو لشعب الجنوب وليس لفصيلٍ أو آخر.
وقد ازدادت دهشة الوسطاء عندما قرّر وفدا الحركة الشعبية التوحّد في وفدٍ واحد في اليوم الثاني لمفاوضات أبوجا. عندها أعلن وفد حكومة الإنقاذ للمفاوضات أن الحكومة منحتْ حق تقرير المصير للفصيل المنشق. وبما أنه لم يعد هناك وجود قانوني لذلك الفصيل، فإن هذا سيعني بدوره أنه لا وجود أو إلزام على الحكومة في مسألة حق تقرير المصير الذي كانت قد وافقت عليه في فرانكفورت.
وقد كان ذلك المنطق الغريب السبب الرئيسي لتوقّف نيجيريا عن التوسّط بعد أن وضح لها عدم جدّية الوفد الحكومي. وقد أنهت نيجيريا وساطتها قبل أشهر من انتهاء أمد حكومة السيد إبراهيم بابنجيدا في 27 أغسطس عام 1993، وليس بسبب نهاية ولاية السيد بابنجيدا كما يدّعي البعض.
6
وكانت مجموعةٌ من اللقاءات قد تمّت بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية بعد انقلاب يونيو عام 1989، وشملت لقاءاتٍ ومفاوضات في أديس أبابا، ونيروبي وكمبالا. وقد فشلت كل تلك اللقاءات. كان الاتفاق الوحيد الذي وقّعته حكومة الإنقاذ هو إعلان فرانكفورت الذي اعترفت فيه بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يناير عام 1992.
مع بداية غروب شمس عام 1993 كانت محاولات الدول الفرديّة لحل مشكلة جنوب السودان بواسطة كلٍ من إثيوبيا وكينيا ويوغندا ونيجيريا قد وصلت إلى طريقٍ مسدود. وكان كلُّ ما نتج من اتفاقٍ خلال هذه المفاوضات هو إعلان فرانكفورت الذي كانت الحكومة السودانية تواصل الإدعاء والإصرار على أن الحركة الشعبية الأم ليست طرفاً فيه، ولهذا السبب فهي ليست ملزمةً بمناقشته مع الحركة. عليه فقد ظلّت كل الخلافات عالقةً بين الحكومة والحركة الشعبية الأم، وكان على الأطراف البحث عن وسيطٍ آخر ومبادرةٍ جديدة.
7
انعقد في نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر عام 1993 في مدينة أديس أبابا اجتماع رؤساء دول منظمة "إيقاد" والتي يتمّ الإشارة إليها بـ "الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية." والإيقاد منظمة تمّ إنشاؤها عام 1986 بواسطة دول شرق أفريقيا (إثيوبيا وجيبوتي وكينيا ويوغندا والسودان والصومال) لمواجهة التصحّر والجفاف في الإقليم. وقد عدّلت هذه المنظمة أهدافها لِتُركّز على التنمية، وقد انضمت إليها إريتريا عام 1993، ثم دولة جنوب السودان في عام 2011. وليس لهذه المنظمة دورٌ أو إنجازٌ يُذكر سوى اتفاقية السلام الشامل السودانية لعام 2005، والتي ساعدها للعمل فيها ما سُمِّي بمجموعة شركاء الإيقاد من الدول الغربية والتي دفعت جلّ تكاليف المفاوضات من فنادق وطعام وشراب وسفر ومطبوعات، كما سنناقش لاحقاً.
كانت العلاقات بين النظام الإثيوبي الجديد بقيادة السيد ميليس زيناوي الذي وصل إلى السلطة في 28 مايو عام 1991، ونظام الإنقاذ في الخرطوم قد استطالتْ وقويتْ. فالخرطوم كانت قد ساعدت الجبهة الديمقراطية الثورية بقيادة السيد زيناوي في هزيمة نظام السيد منقيستو هايلي ماريام واستلام السلطة في أديس أبابا عام 1991. وكان نظام السيد ميليس زيناوي قد عزّز قبضته على السلطة في أديس أبابا. وهدأت المعارضة بعد انفصال إريتريا عن إثيوبيا في عام 1993. عليه فقد رأى السودان بعد فشل الوساطة النيجيرية أن يلجأ إلى حليفه الجديد للوساطة بينه وبين الحركة الشعبية، واثقاً أن نظام السيد ميليس زيناوي سوف يقفُ في صفِّ نظام الإنقاذ.
8
أثار الرئيس البشير هذه المسألة مع السيد زيناوي عندما التقيا أثناء اجتماعات الإيقاد في أديس أبابا في السادس من سبتمبر عام 1993. رحّب الرئيس الإثيوبي بطلب الرئيس السوداني، ولكنه اقترح أن تقود الوساطة منظمة الإيقاد وليس إثيوبيا لأن ذلك سيعطي الوساطة وزناً أكبر، خصوصاً وأن علاقة إثيوبيا مع الحركة الشعبية لم تكن قد تحسّنت بعد. فقد قام نظام ميليس زيناوي بطرد الحركة الشعبية من أراضيه وأوقف عونه العسكري لها. رحّب الرئيس السوداني بهذا التعديل وطلب من بقية دول الإيقاد الوساطة. وافقت دول الإيقاد على القيام بالوساطة في النزاع السوداني، وفوّضت لجنة رباعية تكوّنت من كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا للقيام بهذا الدور. اتفقت هذه الدول أن تكون كينيا مقرّاً لوساطة الإيقاد، وأن يشرف عليها رئيس جمهورية كينيا السيد دانيال أراب موي.
9
دارت جولة المفاوضات الأولى في وزارة الخارجية الكينية في 21 مارس عام 1994. قاد وفد الحكومة السودانية السيد محمد الأمين خليفة، وشمل الدكتور علي الحاج، والدكتور نافع علي نافع، والدكتور عبد الرحمن إبراهيم. وقاد وفد الحركة الشعبية السيد سلفا كير، وشمل السادة دينق الور، وباقان أموم، وجستين ياك، بينما قاد وفد الفصيل المتحد الدكتور ريتشارد مولا، وشمل القاضي جون لوك، والسيدة الاكير ملوال. وقد عيّنت الإيقاد سكرتارية لإدارة عملية التفاوض برئاسة وزير خارجية كينيا.
كان وفد الحكومة السودانية مُصِرّاً على أن تبدأ المفاوضات من حيث انتهت الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا، وأن يتركّز التفاوض على مصادر التشريع واستثناء الولايات التي بها أغلبية غير مسلمة من تطبيق الشريعة الإسلامية، ومسائل تقسيم الثروة والوضع الدستوري. من الجانب الآخر كان رأي جناحي الحركة الشعبية أن تتركز المفاوضات على حق تقرير المصير والاجراءات الانتقالية التي ستسبق الاستفتاء. استمع الوسطاء للأطراف الثلاثة وقرّروا إنهاء الجولة الأولى لإجراء مزيدٍ من التشاور، على أن تُعقد الجولة الثانية من المفاوضات في شهر مايو عام 1994.
10
في تلك الأثناء اتصلت سكرتارية الإيقاد بعددٍ من الدول المانحة للمساهمة المالية في تغطية تكاليف التفاوض، والتي شملت تكلفة إقامة الوفود في الفنادق، وإيجار قاعات الاجتماعات، وتكاليف السكرتارية والطعام والمشروبات. وقد قرّرت مجموعةٌ من الدول من بينها بريطانيا وهولندا والنرويج والولايات المتحدة إرسال مراقبين للمساعدة في دفع المفاوضات، وساهمت هذه الدول في تغطية تكلفة المفاوضات. وقد استخدمت سكرتاريةُ الإيقاد للمفاوضات مبدأ المشاركة في مراقبة المفاوضات مقابل المساهمة المالية في تكلفتها استخداماً جيداً، خصوصاً والإيقاد نفسها ليست أحسن في الوضع المالي من الدول الأعضاء فيها. من الجانب الآخر فقد استغلّت هذه الدولُ الإيقاد ومبادرتها للتسريع بحل مشكلة الجنوب بدون أن تكون طرفاً مباشراً في عملية التفاوض، بل وأن تُظهر عملية التفاوض على أنها شأنٌ أفريقيٌ بحت تقوم هي فقط بدعمه.
11
بدأت الجولة الثانية لمفاوضات الإيقاد في 18 مايو عام 1994، ومثّل الأطراف الثلاثة نفسُ الشخصيات التي حضرت الجولة الأولى. دار نقاشٌ مطول بين الأطراف الثلاثة مع سكرتارية المؤتمر المكوّنة من وزراء خارجية الدول الأربعة (كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا). كرّر كل طرفٍ من أطراف التفاوض موقفه السابق. وبعد نقاشٍ استمر طوال اليومين الأولين أصدرت لجنة الوساطة مسوّدة لما اسمته إعلان المبادئ، وتضمن عدّة نقاط أهمها أن النزاع في السودان لا يمكن حلّه عسكرياً، لأن الحلّ العسكري لن يحقّق سلاماً قابلاً للاستمرار. تضمّن الإعلان تأكيد حق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم عبر الاستفتاء، مع إعطاء الأولوية لوحدة السودان، وإنشاء دولة علمانية وديمقراطية تسود فيها حرية الاعتقاد والتعبّد، وفصل الدين عن الدولة. شمل إعلان المبادئ نصوصاً عن التفاوض حول ترتيبات الفترة الانتقالية وإجراءات وقف إطلاق النار.
12
عليه فقد أصدرت السكرتارية مسودة إعلان المبادئ في 20 مايو عام 1994، في اليوم الأخير من الجولة الثانية من المفاوضات، وأصبحتْ الموقفَ الرسمي لوسطاء الإيقاد. وقد اعترضت الحكومة السودانية على عدّة نقاط في مسوّدة المبادئ من بينها حق تقرير المصير، وعلمانية الدولة، بينما رحب بها وفدا الحركة الشعبية. إزاء هذه الخلافات أعلن رئيس لجنة الوسطاء السيد كولونزو مسيوكا، وزير خارجية كينيا، انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات الإيقاد، على أن تُعقد الجولة الثالثة في 19 يوليو عام 1994، أي بعد شهرين من تلك الجولة، لإعطاء الوفود مزيداً من الوقت لدراسة المسودة.
13
بدأت الجولة الثالثة في موعدها المحدد لها في 19 يوليو عام 1994، وأعلنت سكرتارية مفاوضات الإيقاد تمسّكها بالمسودة كما هي، بينما أكّد الوفد الحكومي رفضه للإعلان. وأعلنت الحركة الشعبية قبولها مسودة الإعلان. واصبح التفاوض والنقاش والجدل في حقيقة الأمر بين سكرتارية مفاوضات الإيقاد والوفد الحكومي.
وقد ذكّرت سكرتارية مفاوضات الإيقاد الوفد السوداني باتفاقية فرانكفورت وحق تقرير المصير الذي تضمّنته تلك الاتفاقية. ولكن الوفد الحكومي أثار مسألة قدسيّة الحدود بموجب ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، وركّز على رفض مسألة علمانية الدولة مشيراً إلى أن أغلبية أهل السودان المسلمة هي التي أقرّت مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية. لكن سكرتارية الوساطة كانت قد حسمت أمرها. فقد صدر إعلان مبادئ الإيقاد للسلام في 20 يوليو عام 1994، كما رسمت خطوطه العريضة المسودة التي تمّت مناقشتها في الجولة الثانية للمفاوضات في مايو عام 1994.
وقد أصبح إعلانُ مبادئ الإيقاد الذي انبنى على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية، الموقفَ الرسمي للإيقاد في مفاوضات السلام السودانية. وقد أشارت ديباجة إعلان مبادئ الإيقاد إلى إعلان فرانكفورت الذي أقّر حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وتضمّنت الفقرة الثانية إشارةً صريحةً إلى مبدأ حق تقرير المصير ونصّت على الآتي: "يجب التأكيد على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لتحديد وضعه المستقبلي عن طريق الاستفتاء."
وقد كان صدور إعلان مبادئ الإيقاد نصراً كبيراً للحركة الشعبية الأم التي لم تكن تريد الاعتماد على إعلان فرانكفورت وتعطي شرفَ انتزاع حق تقرير المصير للدكتور لام أكول. عليه فقد بدأت الحركة الشعبية الأم الاعتماد التام منذ تلك اللحظة على مبادئ الإيقاد ولم تُشِر إطلاقاً إلى أعلان فرانكفورت.
14
كان واضحاً أن حكومة الإنقاذ قد خسرتْ خسارةً فادحةً رهان وساطة الإيقاد التي كانت تؤمّل أن تخرجها من مأزق فرانكفورت. فبالإضافة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان فقد منح إعلانُ مبادئ الإيقاد نفسَ الحق للأقليات الأخرى إذا تمّ خرقٌ للحقوق الأساسية المضمّنة في الإعلان لهذه الأقليات. وكأن هذا لا يكفي فقد أكّد الإعلان علمانية الدولة السودانية.
كان تكوين لجنة الوساطة من إثيوبيا وإريتريا وكينيا ويوغندا يحمل في طياته بذور مثل هذا الإعلان. فإثيوبيا تحت نظام السيد ميليس زيناوي كانت قد وافقتْ على حق تقرير المصير لإريتريا، ولم تضع أيَّة عراقيل في وجه الاستفتاء لشعب إريتريا. وفي حقيقة الأمر فقد كانت إثيوبيا أولَ دولةٍ تعترف بإريتريا عندما صوّت شعبها لصالح الانفصال. وقد تضمّن دستور إثيوبيا الجديد حق تقرير المصير لكل المجموعات العرقية في إثيوبيا. عليه فلم يكن متوقّعاً أن تقف إثيوبيا في وجه حق تقرير المصير لجنوب السودان. ولا يعقل أن تقف إريتريا التي حاربتْ لنحو أربعين عاماً لتنال حق تقرير المصير في طريق مجموعةٍ أخرى ظلّت تحارب من أجل نفس الحق لفترةٍ أطول من حرب إريتريا نفسها. وقد كان السودان يعرف جيداً موقف كينيا ويوغندا المتعاطف مع جنوب السودان منذ أن نالت هاتان الدولتان استقلالهما في بداية الستينيات. لذا كان غريباً أن تعهد حكومة الإنقاذ إلى هذه الدول الأربعة بمهمة التوسّط لحل النزاع في السودان، وتتوقع منها قراراتٍ غير تلك التي تضمّنها الإعلان.
15
كما أن حكومة السودان نفسها كانت قد وافقتْ على حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت عام 1992. وقد أشار الوسطاء مراراً وتكراراً إلى إعلان فرانكفورت وظلّوا يُذكّرون الوفد السوداني به. ولم تفلح محاولات الوفد السوداني خلال جولتي المفاوضات في أبوجا في التنصّل من إعلان فرانكفورت. بل إن المتابع لعملية التفاوض يجدُ أنه كلما حاول السودانُ التنصّلَ من الإعلان، كلما زادت قناعة الوسطاء بعدالة موقف الحركة الشعبية التي ظلّت تشكو من نقض العهود بواسطة الحكومات السودانية المختلفة منذ الاستقلال، وبعدم جدّية الحكومة السودانية. وقد أشار وسطاء الإيقاد أنهم لم يفعلوا أكثر من إعادة تضمين التزام حكومة السودان بحق تقرير المصير المضمّن في إعلان فرانكفورت.
16
لقد كان إعلانُ فراكفورت مأزقاً تاريخياً أدخلتْ حكومةُ الإنقاذ السودانَ فيه دون دراسةٍ ووعيٍ بالتبعات التي كانت ستنتج عنه. وزادتْ محاولاتُ التنصّل منه الوضع سوءاً للسودان. لقد أخرج الإعلانُ ماردَ تقرير المصير من قمقمه في 25 يناير عام 1992 في مدينة فرانكفورت الألمانية، وأصبحت مسألة إعادة هذا المارد إلى قمقمه أمراً مستحيلاً.
17
كانت سكرتارية وساطة الإيقاد قد أوضحتْ بعد تسليم نسخٍ من الإعلان إلى جميع الأطراف أن الجولة الرابعة للمفاوضات ستبدأ في 5 سبتمبر عام 1994، وأشارت إلى أنها سوف تواصل اتصالاتها بالأطراف لتقريب وجهات النظر حول الاستفتاء وإجراءاته وترتيبات الفترة الانتقالية. عليه فقد تجاوزت سكرتارية الإيقاد مسألة حق تقرير المصير لجنوب السودان في 20 يوليو عام 1994 وأصبحت نقاط التركيز بعد ذلك التاريخ هي تفاصيل الاستفتاء وترتيبات المرحلة الانتقالية.
18
تغيّرت استراتيجية حكومة الإنقاذ بعد جولة المفاوضات الثالثة إلى الرفض التام لمبادئ مبادرة الإيقاد التي سعى السودان لوساطتها بدايةً، وتغيرّت معها تشكيلة الوفد المفاوض. عهدت الحكومة برئاسة الوفد المفاوض للجولة الرابعة لمفاوضات الإيقاد إلى الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، وشملت عضوية الوفد الدكتور نافع علي نافع، والدكتور مطرف صديق. وصل الوفد نيروبي في 5 سبتمبر والتقى سكرتارية الوساطة في يوم 6 سبتمبر عام 1994 ونقل إليها رفض السودان القاطع والنهائي لمبادئ الإيقاد وللمبادرة نفسها. وانتهى الاجتماعُ والجولةُ الرابعة للمفاوضات في أقلِّ من ساعة.
19
كان السبب الرئيسي لهذا التغيير الحاد في موقف الحكومة هو الانتصارات العسكرية التي حقّقتها الحكومة مع بداية النصف الأول من عام 1994. فقد نجحت القوات المسلحة في استرداد معظم المدن التي كانت في قبضة الحركة الشعبية، بما في ذلك مدينة توريت ذات التاريخ الخاص للحركة. وقد سمّت الحكومة عملياتها العسكرية "صيف العبور"، وأطلقت على عام 1994 "مسك الختام."
أعطى هذا الوضعُ اليدَ العليا لصقور حكومة الإنقاذ الذين قرّروا أنهم سوف يستطيعون حسم مشكلة الجنوب عسكرياً ونهائياً، مثلما حسموا مسألة صراع السلطة في الخرطوم عبر البندقية.
20
وهكذا أنهتْ حكومةُ الإنقاذ مبادرةَ الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994 برفض إعلان المبادئ الصادر في 20 يوليو والذي نادى بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. تمَّ هذا الرفض رغم أن حكومة الإنقاذ نفسها كانت قد وقّعت على إعلان فرانكفورت الذي وافقت فيه على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في 25 يناير عام 1992، ورغم أنها هي التي سعت إلى وساطة الإيقاد.
21
لكنَّ حكومةَ الإنقاذِ نفسَها عادتْ عام 1997 وقبِلتْ إعلانَ المبادئ الصادرَ من منظمة الإيقاد في 20 يوليو عام 1994، والتي كانت قد رفضته في 6 سبتمبر عام 1994. بل وطلبتْ حكومةُ الإنقاذ من منظمة الإيقاد إحياءَ مبادرتها وبدء الحلقة الثانية من المفاوضات تحت مظلة ورعاية الإيقاد.
سوف نناقش في المقال القادم الأسباب التي دفعتْ حكومة الإنقاذ إلى تغيير موقفها، وإلى دعوة منظمة الإيقاد إلى العودة إلى التوسّط بينها وبين الحركة الشعبية مرةً ثانية. وسوف نتعرّض بالتفصيل لما دار خلال جولات التفاوض في حلقة مفاوضات الإيقاد الثانية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org