1

أتقدّم في البداية بخالص الشكر والتقدير لكل الأصدقاء والكُتّاب الذين قاموا بمراجعة كتابي "انفصال جنوب السودان – دور ومسئولية القوى السياسية الشمالية." كان معظم الطرح إيجابياً وجادّاً وتطرّق بوجهٍ خاص إلى الجهد البحثي ووضعِ ذلك القدر الكبير من الوثائق (ومعظمها غير متوفّر) في أيدي الباحثين والقراء.
غير أن البعض أضاف أن الكتاب قد قلّل من شأنِ أمرين ولم يعطِهما الاهتمام الكافي، وهما:
أولاً: دور التدخّل الأجنبي في انفصال جنوب السودان،
ثانياً: دور القوى السياسية الجنوبية في انفصال جنوب السودان.
سوف نقوم في هذه السلسلة من المقالات بالردِّ على هذين النقدين. وسوف نوضّح بالتوثيق أن دور التدخّل الأجنبي في الانفصال كان ثانوياً، وحدث في معظم الحالات بدعوةٍ من القوى السياسية الشمالية، وتركّز في الضغط على حكومات الخرطوم لتلتزمَ وتطبّقَ ما وافقت عليه هي نفسها.
كما سنوضّح أنه لم تكن هناك سلطة للجنوبيين تنبع منها أيّة مسئولية عن الانفصال، وأن رفض مطلب الفيدرالية بواسطة القوى السياسية الشمالية هو الذي ادّى إلى رفع سقف مطالب الجنوبيين إلى حق تقرير المصير، ثم الانفصال.
عليه فإننا سنعضّد بهذه المقالات ما أوردناه في الكتاب من أن مسئولية انفصال جنوب السودان تقع بكاملها على القوى السياسية الشمالية.
وقد أثار بعضُ قادةِ الأحزاب الشمالية أمراً ثالثاُ ادّعوا من خلاله أن الكتاب قد قام بتضخيمِ دورِ أحزابهم في الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بل إن بعض قادة أحد الأحزاب الشمالية ادعوا أن حزبهم ليس طرفاً في أيِّ اتفاقٍ يعترف بحق تقرير المصير لجنوب السودان. سوف نقوم بالردِّ الكامل أيضاً على هذا الادعاء غير الصحيح، بعد الفراغ من الرد على النقدين الأساسيين. وسوف نُورِد ونناقش الاتفاقيات التي وقّعها كل حزبٍ شمالي مع الحركة الشعبية يعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
2
لا بُدّ في البداية من إثارة مسألتين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمسالة التدخّل الأجنبي في قضية الجنوب والشأن السوداني:
أولاً: تحدّث عددٌ من الأكاديميين الجنوبيين في عدّة مناسباتٍ في دور جامعاتٍ ومراكز غربية عن ما أسموه بضغوط دول الجوار العربية والإسلامية على القيادات السياسية الشمالية بأن لا تمنح جنوب السودان النظام الفيدرالي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد أشار هؤلاء الأكاديميون الجنوبيون إلى أن دول الجوار هذه قامت بالضغوط وإقناع القيادات الشمالية أن النظام الفيدرالي سوف يُوقِف الزحف العربي الإسلامي في جنوب السودان، ومن هناك إلى أواسط وشرق أفريقيا. وشدّد هؤلاء الأكاديميون على أن هذه الضغوط كانت السببَ الرئيسي والعاملَ الأكبر في تراجع القيادات الشمالية عن وعدها للساسة الجنوبيين بإعطاء مقترح النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي، ثم نقض ذلك الاتفاق. وأشاروا إلى أن تراجع الخرطوم عن وعدها أدّى إلى رفع سقف المطالب الجنوبية من النظام الفيدرالي إلى حق تقرير المصير. وجادلوا أن هذا التدخّل العربي الإسلامي والضغوط على الخرطوم هو في حقيقة الأمر الذي قاد بعد رفع سقف المطالب إلى انفصال جنوب السودان.
ورغم أنني لم أعثر خلال بحثي على ما يؤيّد أو ينفي هذا الادعاء، إلا أن هذا الادعاء الخطير يشير إلى أن الحديث عن التدخّل الأجنبي هو في حقيقة الأمر طريقٌ لاتجاهين، وليس حكراً على السياسيين والأكاديميين والصحافيين الشماليين. فإذا كان البعض في الشمال يعتقد أن هناك من كان يدير للجنوبيين شئونهم السياسية ويدفعهم في اتجاه الانفصال، فهناك في الجنوب من يؤمن أن الشمال لم يكن سيدَ أمره، وأن قوىً أجنبية عربية إسلامية فرضت عليه رفض مقترح الفيدرالية الذي أدّى إلى رفع سقف المطالب الجنوبية، وقاد للانفصال.
3
ثانياً: لقد كان تقرير المصير هو الطريق الوعر والطويل الذي قاد في نهاية الأمر إلى بروتوكول مشاكوس، ثم اتفاقية نيفاشا، وانفصال جنوب السودان. وعند النظر إلى المحطات الأساسية والرئيسية في طريق تقرير المصير، فإننا سنجد أنها محطاتٌ سودانيةٌ بحتة، لا دخل أو دور فيها لدولةٍ أجنبية أو طرفٍ ثالث من قريبٍ أو بعيد .
كانت المحطةُ الأولى والأكثرُ خطورةً هي مدينة فرانكفورت. فقد التقى الدكتور علي الحاج مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ بالدكتور لام أكول رئيس الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية، ووقّعا معاً على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ السودان التي توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
تمّ ذلك اللقاء بدون وساطة أو حتى حضور طرف ثالث. كان الوفدان الشمالي والجنوبي هما الوحيدان في غرفة التفاوض على مدى ثلاثة أيام. تمثّل كلُ الدورِ الألماني في منح أعضاء الوفدين التأشيرات للذهاب إلى ألمانيا بعد أن تأخرتْ تاشيراتُ الدخول لبريطانيا لعقد الاجتماع في لندن كما كان الطرفان قد قررا في بداية الأمر. عليه فلا يمكن لأحدٍ أن يتحدث أو يدّعي أن إعلان فرانكفورت نتج عن الضغوط والتدخّل الأجنبي. كان إعلان فرانكفورت عملاً سودانياً بحتاً لم يشارك فيه طرفٌ ثالث.
4
ثم جاءت الاتفاقيات التي وقّعتها أحزاب المعارضة الشمالية مع الحركة الشعبية الأم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بدأت تلك الاتفاقيات بإعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في يوليو 1994، ثم امتدت لاتفاقية شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. تلى ذلك اتفاق الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994.
صبّت هذه الانفاقيات في مقررات اسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) والتي وافقتْ فيها كل أحزاب ومنظمات وأطراف المعارضة الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يونيو عام 1995.
ثم انضمَّ حزب المؤتمر الشعبي (بعد انشقاق الإنقاذ إلى حزبين) إلى هذا الجمع عند توقيعه اتفاق جنيف مع الحركة الشعبية في 9 فبراير عام 2001 معترفاً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
لم يكن هناك طرفٌ ثالث أو تدخّلٌ أجنبي أو حتى وسيط. بل لم يكن هناك خلافٌ في وجهات نظر الأطراف أصلاً ليتطلّب تدخّلَ طرفٍ ثالث في أيّة اتفاقية من هذه الاتفاقيات.
5
ثم جاءت مبادرة السلام من الداخل واتفاقية الخرطوم في أبريل عام 1997 والتي وافقتْ فيها حكومة الإنقاذ مع الحركات الجنوبية المنشقّة عن الحركة الشعبية، وتلك التي لا تنتمي إلى الحركة، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلى فترةٍ انتقالية قدرها أربعة أعوام تسبق الاستفتاء. لقد تباهتْ حكومة الإنقاذ وتفاخرتْ أن مبادرة السلام من الداخل هي مبادرة سودانية بحتة ولا دور أو مجال فيها لأيّ طرفٍ ثالث. وقد أقرّتْ اتفاقية الخرطوم وجود جيشين، وتقاسم عائدات النفط في جنوب السودان بين الشمال والجنوب، وأعطت الاتفاقيةُ حكومةَ الجنوب صلاحيات إدارية واسعة. لم يكن هناك طرفٌ ثالث ليملي تلك التنازلات الكبيرة وغير المسبوقة على حكومة الإنقاذ.
بل إن اتفاقية الخرطوم نفسها طلبتْ من منظمة الإيقاد والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة أن ترسل مندوبين لمراقبة الاستفتاء.
ثم جاء دستور السودان لعام 1998 ليؤكّد في بنوده بوضوحٍ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
كيف يمكن بعد كل هذا أن يجادل أحدٌ أن حق تقرير المصير قد تمّ فرضه على الشمال وحكومة الإنقاذ بواسطة التدخل الأجنبي ودول الاستكبار ومجلس الأمن الدولي؟
6
لقد كان الدور الأكبر للوسطاء في مشاكوس في شهري يونيو ويوليو عام 2002 هو تذكير حكومة الإنقاذ بما وافقتْ ووقّعتْ عليه في اتفاقيتي فرانكفورت والخرطوم، ودستور السودان – حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وشمل دور الوسطاء وقف محاولات الحكومة المتكرّرة التنصّلَ من هذه الاتفاقيات. فهل يعتبر هذا حقاً تدخّلاً في شئوت السودان وفي فرض الحلول؟ أليست هذه هي الحلول نفسها التي وافقتْ عليها الحكومة والمعارضة دون وساطة أو حتى مراقبين؟
بل إن الدعوات للمراقبين والوسطاء للمساعدة في حلِّ النزاع الشمالي الجنوبي تمّت وعلى مدى الخمسين عاماً الماضية بدعوةٍ من حكومات الخرطوم المختلفة لهؤلاء المراقبين والوسطاء، ودعوتهم بإلحاح كما حدث في معظم الأحيان، كما سنناقش أدناه.
7
بدأت حكوماتُ السودان المتعاقبة الاستعانةَ بدول الجوار والمنظّمات الإقليمية والدولية بغرض الوصول إلى اتفاقٍ مع الحركات المسلحة والأحزاب الجنوبية منذ عام 1965. فبعد أسابيع قلائل من انتصار ثورة أكتوبر اقترح رئيس حزب سانو السيد ويليام دينق، في رسالةٍ بعث بها إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة الانتقالية، عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة مشكلة جنوب السودان. رحّبت الحكومة بالمقترح وبدأ النقاش بين الطرفين في التفاصيل. اقترحتْ الأحزابُ الجنوبية عقدَ المؤتمر خارج السودان وأن يحضره مراقبون دوليون. رأت الحكومة عقد المؤتمر بالخرطوم مُشيرةً إلى التغييرات السياسية الإيجابية في البلاد، وتحفّظت في البداية على حضور مراقبين على أساس أن هذا مؤتمرٌ سودانيٌ بحت.
بعد نقاشٍ ومكاتبات، تراجعت الحكومة عن رفض حضور المراقبين مقابل موافقة الأحزاب الجنوبية عقد المؤتمر في الخرطوم. وأضافت الحكومة إلى المراقبين الأفارقة الذين اقترحهم الجنوبيون مراقبين من دول عربية وإسلامية. وهكذا توصّل الطرفان إلى هذا الحلِّ الوسط، وتمّت دعوة كلٍ من كينيا ويوغندا وتنزانيا ونيجيريا وغانا ومصر والجزائر لإرسال مراقبين إلى مؤتمر المائدة المستديرة. كانت حكومة السودان هي التي وجّهتْ الدعوات واستقبلتْ المراقبين وقامتْ باستضافتهم واحتفتْ بهم، وأضافتْ للقائمة أصدقاءها العرب المسلمين من مصر والجزائر.
8
وهكذا انفتح بابُ استعانة السودان بالدول الأخرى لحل مشكلة الجنوب، وبدأت هذه الاستعانة بطلبٍ من الحكومة نفسها. عليه لم تكن هناك صعوبة أن تنعقد المفاوضات بين حكومة العقيد جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو في أديس أبابا في فبراير عام 1972، وسُمّيت الاتفاقية التي وقّعها الطرفان في مارس من ذاك العام "اتفاقية أديس أبابا." وقد وقّع على اتفاقية أديس أبابا (بجانب الحكومة وحركة تحرير جنوب السودان) ممثلون لامبراطور إثيوبيا، ومجلس الكنائس العالمي، ومجلس الكنائس الأفريقي. وهكذا امتدّ دور دول الجوار من مراقبين إلى شهودٍ على الاتفاقية، ودخلت الكنيسة العالمية والأفريقية حلبة النزاع السوداني بموافقة، بل وفي حقيقة الأمر بدعوة، الحكومة السودانية.
9
ثم بدأ الدور الإثيوبي ينمو ويتعاظم بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا وقيام الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983. فقد أنشأت الحركة الشعبية منذ قيامها في مايو من ذاك العام تحالفاً وطيداً مع نظام منقيستو هايلي مريم، وأصبحت أديس أبابا مصدراً رئيسياً للعون العسكري والمادي للحركة، وصارت أراضي إثيوبيا المتاخمة للحدود مع ولاية أعالي النيل في جنوب السودان، وولاية النيل الأزرق في الشمال، ميداناً للتدريب والاجتماعات للحركة الشعبية ومعسكراتٍ للاجئين.
10
ولكن علينا أن نتذكّر أن ذاك العون الإثيوبي الضخم للحركة الشعبية كان محاولةً من الحكومة الإثيوبية لردِّ الصاع صاعين للسودان. فمنذ قيام الثورة الإريترية في ستينيات القرن الماضي كان السودان هو المصدر الأول للعون العسكري والمادي والسياسي والمعنوي للثوار الإريتريين. وقد أصبح السودانُ البلدَ الثاني للإريتريين بعد موطنهم الأصلي.
هل توقّفنا لحظةً لنسأل أنفسنا إن كان ما قمنا به في اريتريا هو تدخّل في الشأن الإثيوبي؟ هل جادل الإثيوبيون أن انفصال إريتريا كان بسبب التدخّل السوداني؟ بل هل يصدق الإريتريون أنفسهم أنهم نالوا استقلالهم بسبب تدخّل السودان؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة، في رأيي هي لا. فلا أحد من القيادات السياسية أو من الأكاديميين الإثيوبيين أو الإريتريين يشير إلى التدخّل السوداني، ويعطيه أي دور، أكثر من الدور المؤيد والمساعد، في استقلال اريتريا.
11
بل المُلاحظ أن كل المتعلمين والسياسيين السودانيين كانوا يرون أنهم، بوقوفهم مع الثورة الإريترية، إنما يقفون مع الحق والعدالة والإنصاف، وضد الظلم والقمع، وأن مواقفهم لا تمثّل تدخّلاً في الشأن الإثيوبي. وهذا بالطبع موقفٌ صحيحٌ وسليمٌ وتقدّمي. ولكن الغريب في الأمر أن معظم هؤلاء المتعلمين والسياسيين الشماليين كانوا يرون أن ما يحدث في جنوب السودان هو تمرّدٌ على القانون والنظام، يغذّيه ويموله التدخّل الأجنبي ممثّلاً في الصهيونية والامبريالية العالمية ودول الاستكبار، ويجب التعامل معه بالحسم العسكري. حدث ويحدث هذا رغم تشابه وتطابق الموقفين - السوداني من القضية الإريترية، والإثيوبي من قضية جنوب السودان.
12
واصلت إثيوبيا لعب دورٌ جوهري في قضية الجنوب بمبادرة الأطراف السودانية نفسها. فبعد سقوط نظام نميري في السودان التقى مندوبون للأحزاب والتنظيمات السودانية التي قادت انتفاضة أبريل مع قيادات الحركة الشعبية في إثيوبيا. تمّ هذا اللقاء في منتجع كوكا دام في إثيوبيا وسُمِّي الإعلان الذي صدر في 24 مارس عام 1986 بـ "إعلان كوكا دام."
لم تفرض أية دولة على الأحزاب والمنظمات السودانية الذهاب إلى أديس أبابا. بل إن التحضيرات للقاء كوكا دام كانت تتمُّ عبر سفر الوفود الشمالية إلى أديس أبابا. كما أن الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء حكومة الانتفاضة، ووزير دفاعها اللواء عثمان عبد الله، عرضا على الدكتور جون قرنق اللقاء في أي مكانٍ لمناقشة مشكلة الجنوب. وكان متوقّعاً أن يتم اللقاء في أديس أبابا، غير أن هذا اللقاء لم يتم.
ثم قام رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي بلقاء رئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في أديس أبابا أيضاً في يوليو عام 1986. بعدها التقى السيد محمد عثمان الميرغني مع الدكتور قرنق ووقّعا على مبادرة السلام السودانية في أديس أبابا في 16 نوفمبر عام 1988. وتبع ذلك الاتفاق ورشة عمل شارك فيها مجموعةٌ من المثقفين الشماليين وعددٌ من مثقفي وقادة الحركة الشعبية، في شهر فبراير عام 1989 في مدينة أمبو الإثيوبية أيضاً. وهكذا أصبحت إثيوبيا هي نقطة اللقاء والتفاوض بين الشمال، حكومةً وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني، وبين الجنوب مُمثَّلاً في الحركة الشعبية.
تمّ لقاء رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي بالدكتور جون قرنق، ثم لقاء السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في أديس أبابا بمبادرة الحكومة السودانية وأحزابها السياسية، وعبر سفر وفودها إلى أديس أبابا. فهل يعتبر هذا تدخلاً من إثيوبيا في الشأن السوداني؟
13
انفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتماعات والمفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية خارج السودان مباشرةً بعد انقلاب 30 يونيو عام 1989، وتوالت المبادرات الواحدة بعد الأخرى، وفي حالات كثيرة الواحدةُ متزامنةً ومتنافسةً مع الأخرى في نفس الوقت. وأصبحت مشاكل السودان مسألةً مفتوحةً للتدخّل والوساطة، ليس فقط لدول الجوار، وإنما لكل دولةٍ ترغب في تعيين مبعوثٍ خاص، أو تكليف أحد دبلوماسييها للقيام بهذه المهمّة. وكان ذلك بترحابٍ تام من الحكومة، إن لم نقل بطلبٍ منها في كثيرٍ من الحالات.
فقد سافر أولُ وفدٍ من الحكومة الجديدة في أغسطس من عام 1989 لمقابلة أعضاء الحركة الشعبية في أديس أبابا، ولكن اللقاء لم ينتج عنه أيُّ اتفاق. تبعتْ ذلك وساطة الرئيس السابق السيد جيمي كارتر التي رحّبت بها الحكومة السودانية، واجتمع الطرفان في نيروبي في أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر عام 1989، لكن الوساطة فشلت. توالت الاجتماعات السرّية والعلنية في هاتين المدينتين، وفي عنتبي خلال عامي 1990 و1991.
14
وفي أكتوبر عام 1991 التقى في مدينة نيروبي الدكتور علي الحاج مُمثِّلاً لحكومة الإنقاذ بالسيد جون لوك مُمثلاً لفصيل الناصر الذي كان يقوده الدكتور لام أكول والدكتور رياك ماشار. وفي يناير عام 1992 انتقلت اللقاءات والاجتماعات إلى أوروبا حيث التقى ذاك الشهر الدكتور علي الحاج مع الدكتور لام أكول في ألمانيا، وأصدرا معاً إعلان فرانكفورت الذي أخرج مارد تقرير المصير من القمقم، كما ناقشنا أعلاه. ورغم أن حكومة ألمانيا لم تقترح أو تقُدْ أيّة وساطة، إلاّ انها سهّلت لقاء الطرفين هناك. فهل يُعتبر ذلك تدخلاً من المانيا؟
15
خلال عامي 1992 و1993 انتقلت الاجتماعات والتفاوض إلى غرب أفريقيا، واستلمت نيجيريا ملف السودان بطلبٍ من الحكومة السودانية للرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا الذي كانت بلاده تترأس منظمة الوحدة الأفريقية ذاك العام. كانت الحكومة السودانية تعتقد أن نيجيريا التي واجهت مشكلة انفصال بيافرا وهزمتها سوف تنحاز إلى حكومة الإنقاذ وتُعينها. كان هناك أيضاً التشابه بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي/الوثني في كلا الدولتين. ولكنّ الحماس النيجيري سرعان ما خمد بعد سلسلةٍ من الاجتماعات (مفاوضات أبوجا) التي لم ينتج عنها اتفاق. قرّرت نيجيريا أن الإرادة السياسية غائبة من جانب الحكومة التي رفضت حق تقرير المصير في أبوجا بعد أن كانت قد وافقت عليه في فرانكفورت العام الماضي. أنهتْ نيجيريا وساطتها وغسلت يديها، وتمنّت للطرفين التوفيق في حل نزاعهما.
فهل نعتبر دعوة الحكومة السودانية لنيجيريا للتوسّط، وقبول نيجيريا ذلك، ثم تنصّل الحكومة من حق تقرير المصير، تدخّلاً نيجيرياً في الشأن السوداني؟
16
في تلك الأثناء قفزت الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع السودانية. وإذا كان الرئيس السابق السيد جيمي كارتر قد قدّم وساطته عام 1989 تحت مظلّة مركزه، فإن مبادرة السيد هاري جونستون ولقاء واشنطن في أكتوبر عام 1993 حملا الصبغة الأمريكية الرسمية. فقد كان السيد جونستون رئيسَ اللجنةِ الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأمريكي وراعي لقاء الأطراف السودانية. وقد حضر لقاءَ واشنطن وفدٌ كبيرٌ من التجمّع الوطني الديمقراطي. ومثّلت حكومة الإنقاذ نفسها بمدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الخرطوم، وحضرته الحركة الشعبية الأم، والفصيل المتّحد المنشقّ عنها. ورغم فشل مبادرة السيد هاري جونستون في توحيد فصائل الحركة الشعبية المتنازعة، إلّا أنها جمعت تلك الفصائل في الاتفاق على مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد أوضح السيد هاري جونستون من بداية لقاء الأطراف الأربعة أن حق تقرير المصير في الوثيقة المقدمة منه للأطراف يستند ويرتكز على اتفاق فرانكفورت الذي وافقت فيه الحكومة السودانية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد أخذت الحكومة والمعارضة علماً بأن حق تقرير المصير قد أصبح حقيقةً معروفةً ومقبولةً على مستوى العالم، وليست سراً مدفوناً في غرفةٍ ما في إحدى غرف فنادق مدينة فرانكفورت الألمانية، كما توهّمت حكومة الإنقاذ.
هل يمكن اعتبار ما تبنّته ووافقتْ ووقّعتْ عليه الحكومة السودانية نفسها تدخّلاً في شئون السودان، ونُحمّل الحكومة الأمريكية مسئولية فرض حق تقرير المصير الذي ابتدرته الحكومة السودانية نفسها؟
17
اندهشتُ كثيراً وأنا أقرأ ادعاء البعض أن لقاءات واجتماعات مجموعة من المثقفين الأمريكيين (ثلاثةٌ منهم من أصول إثيوبية وهندية وسودانية) في إحدى المقاهي في واشنطن لمناقشة مشكلة الجنوب ساهمت في انفصال الجنوب. إن محاولة التأثير على صانع القرار الأمريكي، في مسألة معقّدة مثل قضية جنوب السودان، لا تتم بهذه البساطة والسهولة.
ولا بد من السؤال عن الغرض من التأثير إذا كانت الحكومة والمعارضة السودانية قد قبلتا حق تقرير المصير قبل عدّة سنوات من لقاءات هذه المجموعة؟
18
يتضّح من الشرح أعلاه أن المحطات الرئيسية لتقرير المصير هي محطاتٌ سودانية بحتة. كما يتضّح أن دور الدول الأخرى كان الضغط على الحكومة لكي تلتزم بعهودها واتفاقياتها مع الحركات الجنوبية. فقد بات جليّاً بذاك الوقت لكل العالم نقض الخرطوم المتواصل لعهودها واتفاقياتها مع جنوب السودان منذ عام 1955.
19
سوف نقوم في المقالين القادمين بمناقشة دور منظمة الإيقاد، ونوضّح أن دخول الإيقاد حلبة النزاع السوداني تمّ ليس فقط بدعوةٍ من الحكومة السودانية، بل تحت إلحاح الحكومة نفسها، وترحيب المعارضة الشمالية بذلك.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org