1
نشر د. أحمد المفتي مقالاً في صحيفة سودانايل الالكترونية في 25 نوفمبر 2013 بعنوان "سد النهضة الإثيوبي: سرقة الآراء القانونية" يتهمني فيها بسرقة آرائه القانونية حول سد النهضة وذكر أن د. سلمان "قد توغل فى السرقة لدرجة انه قد طالب بـ"تقاسم مياه الرأى" ، وهو ما كنا ندعو له."

لست أدري ما هي "مياه الرأي" التي يتحدث عنها دز المفتي ويطالب بتقاسمها ويتهمنا بالتوغل في سرقتها؟؟  كما أنه لم يتضح لي، حتى بعد قراءة مقال د. المفتي عدة مرات، ما هي الآراء القانونية التي يتهمني بسرقتها منه. فعندما يتهم شخصٌ شخصاً آخر بالسرقة الأدبية فإنه يبدأ بإبراز النص الأصلي الخاص به وتاريخه، ثم يأتي بعد ذلك بالنص الذي يدّعي أنه مسروقٌ منه وتاريخه، ويترك للقارئ الفرصة للمقارنة وللتوصّل لنتيجة السرقة المزعومة. لكن لم يحدث شيءٌ من هذا البتّة في المقال.   
2
لقد ظللتُ منذ أن توليتُ مهامي مستشاراً لقوانين المياه بالبنك الدولي عام 1994 وحتى بعد تقاعدي في نهاية عام 2009، أدعو للتعاون الجاد بين الدول المشاطئة. فقد شاهدتُ في الزيارات الميدانية التي قمتُ بها أثناء عملي لعشرات الأحواض المشتركة في أقطار آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية فوائد التعاون وكيف يؤدّي إلى حماية الحوض، والمشاركة في إدارته، والاستفادة القصوى منه. فهناك على سبيل المثال "سد مانانتالي" المشترك بين السنغال وموريتانيا ومالي وغينيا على نهر السنغال والانتفاع المشترك لهذه الدول في الكهرباء ومياه الري ومحاربة الفيضانات. وهناك "سد إيتايبو" المشترك بين البرازيل وبرغواي على نهر بارانا والطاقة الكهربائية الضخمة التي تستفيد منها الدولتان وتبيعان الفائض منها لدولة الأرجنتين. وتحدثتُ مع سكرتارية مفوضية نهر النيجر التي تضمّ كل دول حوض نهر النيجر التسعة وتدير الحوض إدارة مشتركة وتحميه (وكتبتُ مقالاً عن هذا الحوض). وساهمتُ في تقديم المشورة لدول الجنوب الأفريقي حول بروتوكول المياه المشتركة بينها، وكتبتُ مقالين عن هذا البروتوكول وعن إمكانيات وفرص التعاون بعد الاتفاق على البروتوكول.  
3
وقد أوضحتُ فوائد التعاون في الكتب والمقالات العلمية التي نشرتُها والموجودة جميعها على موقعي الالكتروني:
www.salmanmasalman.org
وسيجد القارئ لهذا المقال في موقعي الالكتروني أحد عشر كتاباً عن قوانين وسياسات المياه قمتُ بكتابتها أو تحريرها باللغة الإنجليزية، منها أربعة كتب صدرت باللغة العربية، وثلاثة بالفرنسية، وثلاثة بالروسية، وواحد باللغة الصينية. كما سيجد القاري قرابة الخمسين مقال كتبتُها ونُشِرتْ في دورياتٍ أكاديميةٍ عالمية عن قوانين وسياسات المياه. وكل هذه الكتابات تدعو للتعاون.
بعض هذه المقالات تتناول قضايا ونزاعاتٍ حول المياه المشتركة التي كنتُ طرفاً في حلّها. أحد هذه المقالات هو ما حدث في نزاع الهند وباكستان حول سد باغليهار، والذي أشرفتُ نيابةً عن البنك الدولي على إجراءات حلّه. وقد نشرتُ المقال عن النزاع وطريقة حلّه في دورية "سياسات المياه" التي يصدرها المجلس العالمي للمياه من الولايات المتحدة الأمريكية.
كما سيجد القارئ محاضرتي بستِّ لغاتٍ عن "تطوّر وتدوين القانون الدولي للمياه" التي قدّمتها للأمم المتحدة والتي تتضمّنها مكتبة موقع الأمم المتحدة للقانون الدولي مع مقالاتٍ أخرى متعدّدة لخبراء القانون الدولي في العالم. وتجادل هذه المحاضرة أن القانون الدولي للمياه هو في حقيقة الأمر قانون التعاون.
وسيجد القارئ أيضاً كل مقالاتي القصيرة عن قضايا النزاعات ودور محكمة العدل الدولية في حلّها في نشرة الإدارة القانونية للبنك الدولي الموجودة على موقعي الالكتروني أيضاً.
إنني آمل أن يجد د. المفتي الشجاعة والصبر للإطلاع على هذه الكتب والمقالات. ولنا أن نسأل د. المفتي: كم نشرَ هو من الكتب من دور نشرٍ عالمية؟ وكم نشرَ من المقالات في الدوريات الأكاديمية العالمية؟
4
من هذا المنطلق ظللتُ أدعو منذ أن قدّمتُ أولَ محاضرةٍ لي عن مياه النيل في السودان قبل عدّة سنوات إلى التعاون بين دول حوض النيل. وقد أوضحتُ في كل تلك المحاضرات وفي المقالات الصحفية والأكاديمية أن المشكلة التي تقف في طريق التعاون هي اتفاقية مياه النيل لعام 1959. فمصر والسودان تحتكران بمقتضى هذه الاتفاقية كلَّ مياه النيل وتطالبان الدول الأخرى بتقديم طلبٍ لهما إن كانت أيٌ من هذه الدول تريد استخدام أي قدرٍ من مياه النيل ليقررا في ذلك الطلب. كما أن الاتفاقية تعطي مصر والسودان حق رفض الطلب، وإذا وافقتا عليه تحديد كمية المياه لتلك الدولة ومراقبة عدم تجاوزها بواسطة الهيئة الفنية المشتركة الدائمة القائمة بينهما. وقد أوضحتُ أن هذه النصوص قد ولّدتْ غبنا كبيراً بين دول الحوض، كانت نتيجته النزاع الحالي الحاد في حوض النيل وحول اتفاقية عنتبي وسد النهضة في اثيوبيا وسد كارُوما في يوغندا والمشاريع الآحادية الأخرى في دول المنبع. وجادلنا أن هذه الاتفاقية تقف حجر عثرة في طريق التعاون الحقيقي والجاد بين دول الحوض. من الجانب الآخر ظل د. المفتي يدافع عن هذا الاتفاقية بشدّة. إن أي قانوني يعرف أن إلزامية أي اتفاقية لاتتعدّى أطرافها إلا ّإذا قبلتها الدول الأخرى صراحةً أو ضمناً. وقد رفضتْ دول حوض النيل الأخرى اتفاقية عام 1959 كتابةً عشرات المرات، بل وظلّت تسخر منها بانتظام.  
5
في مقالنا الأخير بعنوان "ماذا بعد فشل اجتماع نوفمبر الوزاري الثلاثي بشأن سد النهضة؟" كنا قد توسّعنا في شرح  الأسباب التي نرى أنه يتعيّن بمقتضاها قبول العرض الإثيوبي بشأن مشاركة السودان ومصر مع إثيوبيا في تمويل وبناء وإدارة وملكية سد النهضة. وقد أوضحنا في ذلك المقال أن هذه الخطوة تمثل البداية لتعاونٍ حقيقيٍ بين الدول الثلاثة. وكنا قد أوردنا الأسباب لقبول العرض الإثيوبي في مقالٍ سابق بعنوان "ما هي خيارات السودان بعد أن أصبح سد النهضة حقيقةً واقعة؟" وقد كرّرنا هذه الأسباب في عدّة ندوات في الخرطوم في الأشهر الأخيرة.
غير أنه لا بُدَّ من التوضيح أن عرض المشاركة في تمويل وإدارة وملكية سد النهضة ليس جديداً، ولم يأتٍ هذا العرض مني أنا، أو من د. المفتي لأقوم بسرقته منه. فقد عرضتْ إثيوبيا نفسها هذا المقترح عدّة مرات خلال العامين الماضيين، وكان آخرها هو ما ورد على لسان وزير الموارد المائية الإثيوبي في مؤتمره الصحفي في 7 نوفمبر عام 2013 في الخرطوم. وقد أوردت الصحف السودانية ما دار في ذلك المؤتمر الصحفي. وقد بنينا مقالنا الأخير ومقترحنا بقبول العرض الإثيوبي بناءأ على ما دار في ذلك المؤتمر الصحفي.
ولن يحتاج د. المفتي للهمس في أذني عن نوايا إثيوبيا، لأنه إذا قرّر السودان المشاركة في إدارة وملكية سد النهضة فبين يديه ما عرضه الوزير الإثيوبي بنفسه، ومن مؤتمره الصحفي في الخرطوم. وعلى السودان وضع شروطه ومطالبه خلال التفاوض مع إثيوبيا، وليس من خلال الكتابات في الصحف والهمس في الآذان.
6
أما بالنسبة لاتفاقية عنتبي وتبنّي آراء د. المفتي عنها فقد نشرتُ مقالين علميين مطولين عنها، أحدهما في عام 2012 في دورية "المياه الدولية" التي تصدرها الجمعية الدولية لموارد المياه في فرنسا، والثاني في كتاب "القانون الدولي والمياه العذبة" والذي نشرته جامعة جنيف بداية عام 2013. وقد حوى الكتاب على عددٍ من المقالات التي تمّ تقديمها في مؤتمر جامعة جنيف عن المياه الدولية والذي انعقد في يوليو عام 2011 وحضره أكثر من مائة خبير عالمي من بينهم عدّة قانونيين من دول حوض النيل، لم يكن د. المفتي من بينهم. والمقالان موجودان في موقعي الالكتروني. ولا اعتقد أن هناك خبيراً واحداً نشر مقالين عن اتفاقية عنتبي في دورية عالمية وفي كتابٍ صادرٍ من جامعةٍ مرموقة حتى الآن. وقد كتبتُ بوضوح في هذين المقالين تحليلي وآرائي في الاتفاقية.
7
في عام 2001 تمّ اختياري بواسطة أكاديمية لاهاي للقانون الدولي في هولندا مديرا لدورة الأكاديمية الدراسية عن "موارد المياه والقانون الدولي." وقد أشرفتُ على إثني عشر طالباً يعدّون بحوثهم باللغة الانجليزية لدرجة الدكتوراه، أو ما بعد درجة الدكتوراه، عن قانون المياه الدولي. كان هناك اثنا عشر طالباً آخرين في نفس الدورة الدراسية يعدّون أبحاثهم باللغة الفرنسية أشرفتْ عليهم البروفيسر لورانس بواسون دي شازورن رئيسة قسم القانون الدولي بجامعة جنيف. لم يكن د. المفتي بين الطلاب الأربعة والعشرين المتخصّصين في القانون الدولي للمياه الذين تمّ اختيارهم بواسطة الأكاديمية لحضور تلك الدورة الدراسية. هناك تقريرٌ كاملٌ عن هذه الدورة والكتاب الذي أصدرناه أنا والبروفيسور لورانس عن الدورة (عنوان الكتاب موارد المياه والقانون الدولي، ويُباع الآن بمبلغ 387 دولار)، مع صور المشاركين والمديرين، في الصفحة الرئيسية لموقعي الالكتروني. وسيرى د. المفتي وجوه بعض القانونيين من بعض دول حوض النيل الذين يعرفهم، شاركوا تحت إشرافي أو إشراف البروفيسور لورانس في تلك الدورة الدراسية.
8
زعم د. المفتي في خاتمة مقاله "... خاصة بعد أن ولى د. سلمان الأدبار مخلفاً اراءه القانونية خلفه." لقد ذهبتُ إلى الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا أستاذاً زائراً بدعوةٍ كريمة من الجامعة، ثم إلى الولايات المتحدة مشرفاً على رسالة ماجستير. وأنا الآن في طريقي إلى اسكوتلاندا ممتحناً خارجياً بجامعة دندي لدرجة الدكتوراه لأحد الطلاب في القانون الدولي للمياه.
9
كما ذكرتُ في بداية هذا المقال لم يوضّح د. المفتي ماذا سرقتُ منه. إن كان يعني اقتراح التمويل والإدارة والملكية المشتركة لسد النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر فهو عرضٌ اثيوبي قديم عمره أكثر من عامين. وقد كرّره وزير الموارد المائية الإثيوبي في مؤتمره الصحفي في الخرطوم في شهر نوفمبر عام 2013.
وقد تناولتُ مسألةَ قبول العرض الإثيوبي في عدّة ندوات في الخرطوم، وشرحت بإسهابٍ في المقالين الأخيرين اللذين أشرت إليهما في هذا المقال الأسباب التي أرى أنه يتعيّن بمقتضاها قبول العرض الإثيوبي. بل إن اللجنة المصرية العليا لمياه النيل والتي يرأسها رئيس الوزراء السيد حازم البيبلاوي كانت قد أعلنت بعد اجتماعها في في 29 أكتوبر عام 2013 أن سد النهضة يمكن أن يكون مصدر خير ورفاهية لدول حوض النيل خصوصاً مصر والسودان. وأتى اقتراح القبول أيضاً من عدّة جهات عالمية كان آخرها من مجموعة المياه في جامعة أبردين في اسكوتلاندا.
10
غير أنه بعد الإطلاع على موقعي الالكتروني وكتبي ومقالاتي العلمية والصحفية هناك فلا بُدَّ أن بعض القراء سوف يتساءلون: من الذي يملك الثروة الفكرية في قانون وسياسات المياه التي يمكن سرقتها؟
وقديماً قالوا: رَحَمَ اللهُ امرءاً عَرِفَ قَدْرَ نَفْسِه.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org


//////////////