1
مرّ نحو الشهر منذ زيارة الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي للخرطوم في الأسبوع الأول من شهر أبريل عام 2013. وقد فجّرت تلك الزيارة النزاع حول منطقة حلايب بين مصر والسودان، بعد أن كان ذلك النزاع هو "المسكوت عنه" منذ دخول القوات المصرية مدينتي حلايب وشلاتين في يوليو عام 1992 (وليس يوليو عام 1995 كما ذكرت التقارير الأخيرة). وكان السيد موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية السوداني قد صرّح في 5 أبريل عام 2013 أن الرئيس محمد مرسي وعد أثناء زيارته للسودان الرئيس عمر البشير بإعادة الأوضاع في مثلث حلايب وشلاتين إلى ما قبل عام 1995 – أي إلى السيادة السودانية.
كنّا قد نشرنا مقالاً سابقاً بعنوان "حلايب ووادي حلفا ونهر النيل: قواسم مشتركة أم تقاطعات؟" في يوم الثلاثاء 16 أبريل عام 2013 في عددٍ من الصحف الورقية في الخرطوم (القرار وإيلاف والأيام)، وعددٍ أكبر من الصحف الالكترونية. وقد أثرنا في ذلك المقال تاريخ النزاع حول حلايب، وكيف كسب السودان في نهاية فبراير عام 1958 الجولة السياسية والقانونية بوضوحٍ وجدارة. شرحنا أنه حدث ذلك عندما تراجعت مصر عند بداية اجتماع مجلس الأمن الدولي في يوم 21 فبراير عام 1958 لمناقشة شكوى السودان حول حلايب، ووافقت مصر بناءاً على بيانٍ تلاه مندوبها السيد عمر لطفي، بالعدول عن قرارها بعقد الاستفتاء، وسمحت في نفس الوقت للسودان بإجراء انتخاباته في حلايب. كما أعلنت مصر سحب فرقتها العسكرية من المنطقة وتأجيل مناقشة الخلاف حول حلايب إلى ما بعد قيام الانتخابات السودانية. لتلك الأسباب فقد قرّر مجلس الأمن حفظ شكوى السودان والاجتماع لاحقاً بناءاً على طلب أيٍ من الطرفين وموافقة أعضاء المجلس.
وكما أوضحنا في ذلك المقال فقد تمّ سحب الفرقة المصرية العسكرية بالكامل من حلايب، وإجراء الانتخابات السودانية. وقد اعتبرت الحكومة السودانية والشعب السوداني تلك النتائج انتصاراً كبيراً في ذلك النزاع، خصوصاً وأن مصر لم تُثِرْ موضوع حلايب مرةً ثانية. كما اعتبر المراقبون حديث مصر عن مناقشة الخلاف بعد الانتخابات ثم الصمت عن الخلاف بعد ذلك محاولةً من مصر لحفظ ماء الوجه بعد اعترافها بسيادة السودان على منطقة حلايب. وهكذا عادت حلايب إلى السيادة السودانية الكاملة في 21 فبراير عام 1958.
2
ما هي التطورات التي حدثت في ملف نزاع حلايب في الخرطوم والقاهرة منذ تفجّر الخلاف قبل نحو شهرٍ في الخامس من شهر أبريل أثناء زيارة الرئيس مرسي للخرطوم وحتى اليوم؟
ظلّت الخرطوم تتعامل مع قضية حلايب بقدرٍ كبيرٍ من الارتباك تمثّل في التصريحات المضّطربة والمتناقضة التي صدرت من عددٍ من المسؤولين في الحكومة والحزب الحاكم. تلازم هذا الارتباك مع الصمت التام لكل أطراف المعارضة السودانية، والتي لم يفتح الله على قادتها (رغم غرام بعضهم بالتصريحات والمؤتمرات الصحفية بمناسبة وبدون مناسبة) بكلمةٍ واحدةٍ عن نزاع حلايب. وقد أثار صمت قادة وأحزاب المعارضة السودانية الكثير من التساؤلات الملحّة والتي ما تزال بلا إجابة (ونأمل أن نعود إلى هذا الصمت الغريب في مقالٍ منفصلٍ في الأسابيع القادمة). من الجانب الآخر فقد تعالت التصريحات من ساسة مصر، علمانييها وإسلامييها، عسكرييها ومدنييها، أكاديمييها وعامتها، تؤكد أن حلايب أرض مصرية، وأن مصر لن تفرّط في شبرٍ منها.
سنتناول في هذا المقال حالتي الارتباك السودانية والتعنّت المصري حول حلايب بالشرح والتعليق، وسوف نسلّط بعضاً من الأضواء على الوضع القانوني السوداني حول تبعية حلايب للسودان، ومسألة إحالة النزاع للأجهزة العدليّة.
3
بدأت حالة الارتباك في السودان بعد صمتٍ دام عدة أيام على التصريحات المصرية المتشدّدة بأن حلايب مصرية، وأن مصر لن تفرّط في شبر منها. وقد برزت حالة الارتباك في التصريحات والتطورات التالية:
أولاً: برز النزاع  حول حلايب بعد تصريح السيد موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية السوداني في 5 أبريل عام 2013 أن الرئيس محمد مرسي وعد أثناء زيارته للسودان الرئيس عمر البشير بإعادة الأوضاع في مثلث حلايب وشلاتين إلى ما قبل عام 1995 – أي إلى السيادة السودانية. وقد علت أصوات الإدانات والنفي المصرية لتلك التصريحات بعد ساعاتٍ قليلة من صدورها. نتج عن تلك الإدانات من المعارضة المصرية والنفي من النظام المصري أنْ عَقَدَ السيد موسى محمد أحمد مؤتمراً صحفياً يوم الثلاثاء 9 أبريل أعاد خلاله تأكيد ذلك الوعد من الرئيس مرسي للرئيس البشير حول حلايب.
ثانياً: في يوم 14 أبريل عام 2013 (أي بعد أقل من أسبوعٍ من المؤتمر الصحفي للسيد موسى محمد أحمد) أوردت وكالات الأنباء أن الدكتور وليد سيد رئيس مكتب حزب المؤتمر الوطني السوداني بالقاهرة أوضح أن الرئيس محمد مرسي "لم يَعِدْ بإعادة حلايب وشلاتين إلى السودان". وأتبع الدكتور سيد: "الرئيس مرسي وعد بإعادة العلاقات المصرية السودانية لما قبل توتر عام 1995 واتهام بعض السودانيين في محاولة اغتيال حسني مبارك." وقد جاء ذلك التصريح خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "في الميدان" الذي يُذاع على قناة التحرير المصرية. وشدّد الدكتور سيد على أنه لن يتم السماح لأزمة حلايب وشلاتين بأن تكون "حجر عثرة في طريق المشاريع التنموية بين مصر والسودان،" موضّحاً أن الرئيس مرسي وعد بإزالة الخلافات بين البلدين.
ثالثاً: في 18 أبريل عام 2013، أي بعد أربعة أيامٍ من تصريحات الدكتور وليد سيد، قال الدكتور حسن عبد القادر هلال وزير الدولة السوداني لشؤون البيئة إن الرئيس المصري محمد مرسي، أبدى استعداده لعودة حلايب وشلاتين إلى السودان، خلال اللقاء الأخير الذى جمعه مع الرئيس السوداني عمر البشير، حتى لا تؤدّى تلك الأزمة إلى مشكلة بين البلدين. وقد أشار إلى أن ذلك جاء على عكس النظام المصري السابق الذى لم يكن مستعداً لإرجاع تلك المنطقة التى استمر الحديث عنها منذ عام 1995 إلى السودان . وأضاف الدكتور هلال خلال تصريحاتٍ صحفية له على هامش مؤتمر «التغيير المناخي العالمي والتنوّع البيولوجي والاستدامة» الذى نظّمته الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية، أنه يأمل أن تعود حلايب وشلاتين إلى السودان، إداريًّا، على أن تبقى الحدود مفتوحةً ومشتركةً بين مصر والسودان، كمنطقة للتمازج السكاني والمرور التجاري، والتعاون الاقتصادي المشترك.
رابعاً:  في 21 أبريل عام 2013، أي بعد ثلاثة أيامٍ من تصريحات الدكتور هلال، أدلى السيد علي كرتي  وزير الخارجية السوداني بتصريحٍ قال فيه إن النقاش حول تبعية مدينة حلايب الحدودية مع مصر قد تمّ تركه للأجهزة العدلية بين الخرطوم والقاهرة للبت فيه، وأن الحديث حول المنطقة في الوقت الراهن محل حوار وتوافق بين قيادتي البلدين. وقال وزير الخارجية السوداني علي كرتي للصحافيين إن التصريحات بشأن منطقة حلايب لا تخدم المصالح المشتركة بين الخرطوم والقاهرة.
خامساً: في يوم 22 أبريل عام 2013، أي بعد يومٍ واحدٍ من تصريحات السيد علي كرتي أدلى السيد أحمد بلال عثمان وزير الإعلام السوداني بدلوه في بحر التصريحات العكر. ونفى السيد الوزير إثارة السودان لملف حلايب خلال زيارة الرئيس مرسي بشكلٍ رسمي، وقال إن حديث موسى محمد أحمد مع مرسي حول حلايب تمّ بصفته رئيس حزب وليس بوصفه مساعداً لرئيس الجمهورية. ولفت إلى أن قضية حلايب لم تكن على يد مرسي.
4
إذا كنّا نبحث عن  معنى لكلمة "ارتباك" فمن المؤكد أننا لن نجد معنى أكثر اكتمالاً وشمولاً من ذلك الذي نقلته  التصريحات االسودانية الخمسة أعلاه. لا بد أنّ هذا الارتباك الكبير في الموقف السوداني قد أسعد الجانب المصري كثيرأ. فقد توالت التصريحات النارية من كل الأطراف المصرية، بما في ذلك الحكومة وحركة الإخوان المسلمين الحاكمة، إضافةً إلى المعارضة والعسكر والأكاديميين.   
فقد أعلن السيد عبد الستار المليجي القيادي الإخواني أن الحاكم الذي يتنازل عن جزءٍ من أرضه يجب أن يُحاكمَ من شعبه قبل أن يُحاكمَ من القانون، وأن الشعب المصري سوف يحاكم مرسي لو فتح ملف حلايب مع السودان.
وأخذت بعض التصريحات المصرية طابعاً استفزازياً. فقد ذكر اللواء ممدوح عزب، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن منطقة حلايب وشلاتين هي أرض مصرية خالصة حتى وإنْ أدارتها حكومة السودان لفترةٍ بسبب قربها الجغرافي لها، وأضاف "مع العلم أن السودان نفسها كانت تابعة للإدارة والسيادة المصرية." (يُلاحظ أن الإخوة المصريين يشيرون إلى السودان دائماً بصيغة المؤنث وليس المذكر!). ويبدو أن اللواء عزب قد نسي أن مصر نفسها كانت تحت الإدارة البريطانية عندما قادت بريطانيا غزو  السودان عام 1898. كما وأن محمد علي باشا ألباني الجنسية، وقد جاء إلى مصر حاكماً تحت مظلة الدولة التركية العثمانية.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق صدقي صبحي أوصل، أثناء زيارته للخرطوم يومي 28 و29 أبريل عام 2013، رسالةً للمسؤولين السودانيين تؤكد أن «حلايب وشلاتين» أرض مصرية خالصة، ولا تفريط فيها. وأكّد الفريق صبحي أن مصر لن تتنازل بأى حالٍ من الأحوال عن هذه المنطقة، وأن هذا الأمر «منتهٍ تماماً»، ويجب عدم التطرق له مستقبلاً، للحفاظ عل العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين.
لكن أكثر التصريحات غير الموفّقة كانت تلك التي صدرت من الأستاذ هانئ رسلان رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات. فقد ذكر  الأستاذ رسلان: "الموقف المصري لايناقش أو ينظر الى التحكيم الدولي على السيادة المصرية لمنطقة حلايب، فكل شبر فيها مصري بالكامل، فمساحتها التي تبلغ 20 ألف كيلومتر مربع تقريبا، هي داخل الحدود المصرية بما لا يقبل التأويل طبقاً لاتفاقية 1899، التي تقول بأن خط العرض 22 شمال خط الاستواء هو الحد الفاصل بين البلدين، واذا نظرنا لحلايب نجدها تقع بالكامل شمال هذا الخط."
سبب قولنا إن هذا التصريح غير موفّق هو أن الأستاذ رسلان يتمتع بعلاقاتٍ طيبة مع الحكومة السودانية. فقد كان ضيف الشرف لمؤتمر الإعلاميين السودانيين الذي نظّمته وموّلته الحكومة السودانية قبل أعوام، إضافةً إلى زياراته الرسمية المتتابعة للسودان والكتابة والظهور بانتظام في وسائل الإعلام السودانية. كما أنه يتمتع بعلاقاتٍ طيبةٍ مع المتعاطفين مع النظام والمعارضين له كذلك. لكل هذه الأسباب فقد كان من المتوقّع أن يلعب الأستاذ رسلان دوراً توفيقياً في نزاع حلايب بدلاً من أن يساهم  في دفق مزيدٍ من الوقود على نيران النزاع، خصوصاً مع وضعه الرسمي كرئيسٍ لوحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات، والتي ظل يديرها منذ حكم الرئيس السابق حسني مبارك.
وكأن هذا لم يكن كافياً، فقد عاد الأستاذ هانئ رسلان ليصف لنا تعبير "إعادة الوضع فى حلايب إلى ما قبل عام 1995" بالغموض. إنه تعبيرٌ في غاية الوضوح ويعني ببساطة إنهاء الاحتلال المصري وعودة السيادة السودانية إلى حلايب.       
5
من التصريحات السودانية الخمسة أعلاه سوف نتوقّف عند تصريح وزير الخارجية السيد علي كرتي فقط، وذلك لسببين. السبب الأول أن السيد كرتي هو الوحيد من ضمن تلك المجموعة الذي يملك وضعاً سياسياً وحزبياً ووزارياً يعطي تصريحاته وزناً وأبعاداً وتمييزاً. السبب الثاني هو التعميم الفضفاض الذي امتازت به تلك التصريحات. إن تلك التصريحات تثير من التساؤلات أكثر مما تجيب عليها. ولابد لكل قارئٍ لتلك التصريحات أن يتساءل: ما هي الأجهزة العدلية التي يتحدث عنها السيد علي كرتي التي أحِيل إليها الخلاف؟ وهل هي جهة مشتركة بين مصر والسودان؟ وإذا كان هذا عملاً مشتركاً فلماذا لم تعلن عنه مصر وتوقف دقَّ طبول الحرب؟ ومتى تمّ ذلك الاتفاق لإحالة النزاع إلى الأجهزة العدلية، ومن وقّع عليه من الطرفين؟ ولماذا لم يُنشر ذلك الاتفاق؟ وما هي مرجعية هذه الأجهزة العدلية وما هو الجدول الزمني لعملها؟ إن تصريحات السيد علي كرتي ليس فيها ما يساهم على الإجابة على أيٍ من هذه الأسئلة.       
لقد استمعتُ للسيد علي كرتي وهو يتحدّث في حفل تدشين الجمعية السودانية للقانون الدولي في بداية شهر أبريل الماضي في "فندق أبّشر" بالخرطوم. كان رده على أحد المعقبين حاداً عندما كرّر السيد كرتي قوله إن القانون الدولي وحده ليس كافيا لحل النزاعات، وأنه لا بد من قوة الدولة بالإضافة لقوة القانون. ألا ينطبق ذلك الوضع على نزاع حلايب يا ترى؟ وهل سيلجأ السودان إلى قوة القانون وقوة الدولة أم سيعتمدعلى الحوار "والمصالح المشتركة بين الخرطوم والقاهرة"؟
6
على افتراض أن هناك "أجهزة عدلية" تبحث وتنظر في نزاع حلايب فإنني أرى أنه من الضروري للجانب السوداني في هذه الأجهزة العدلية أن يبحث ويتحرّى ويدقّق في الآتي:
أولاً: اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899 بين بريطانيا ومصر وما تلاها من تعديلاتٍ وتفاهماتٍ وإجراءات إدارية وتنظيمية خاصة بمنطقة حلايب. ومن المؤكد أن دار الوثائق السودانية الثريّة والتي ساعدت مصر في نزاعها مع اسرائيل على منطقة "طابا" سوف تساعد السودان أكثر في نزاعه مع مصر حول حلايب.     
ثانياً: المكاتبات التي تمّت بين مصر والسودان في شهري يناير وفبراير عام 1958 بخصوص الاستفتاء المصري والانتخابات السودانية في المنطقة. وأفترض أن معظم هذه المكاتبات موجودةٌ في دار الوثائق السودانية وفي إرشيف مجلس الوزراء.
ثالثاً: وقائع اجتماعات السيد محمد أحمد محجوب وزير الخارجية السوداني مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة حول حلايب في يوم 19 فبراير عام 1958. وأفترض أن هذه الوقائع موجودةٌ في إرشيف وزارة الخارجية.
رابعاً: شكوى السودان لمجلس الأمن الدولي ضد مصر حول نزاع حلايب والمؤرخة 20 فبراير عام 1958، والتي أمرت الحكومة السودانية مندوبَ السودان للأمم المتحدة بتسليمها لمجلس الأمن بعد فشل اجتماع السيد المحجوب والرئيس عبد الناصر في 19 فبراير عام 1958.
خامساً: وقائع اجتماع مجلس الأمن الدولي في 21 فبراير عام 1958 وكلمة المندوب المصري السيد عمر لطفي التي اشتملت على قرار مصر وقف إجراءات عقد الاستفتاء المصري والموافقة على عقد الانتخابات السودانية وقرار سحب الفرقة العسكرية المصرية من حلايب، وكذلك كلمة المندوب السوداني، وقرار مجلس الأمن حول النزاع.
من المؤكد أن هذه القائمة ليست شاملة لكل الوثائق، وأن هناك وثائق أخرى كثيرة ستساهم في تعضيد الموقف القانوني للسودان في نزاع حلايب.     
7
أوضحنا في المقال السابق "حلايب ووادي حلفا ونهر النيل: قواسم مشتركة أم تقاطعات؟" الأيادي البيضاء الكثيرة التي مدّها السودان عبر التاريخ الحديث لمصر، بدءأ بالموافقة على قيام السد العالي وترحيل 50,000 من أهالي حلفا وإغراق مدينتهم و27 من قراهم و200,000 فدان من أراضيهم الزراعية الخصبة، ونخيلهم وتراثهم، وآثار لا تُقدّر بثمن وشلالات كانت ستولّد الكثير من الكهرباء ومعادن لا أحد يعرف كميتها. كما أشرنا إلى أن الشعب السوداني قد تحمّل أكثر من نصف التكلفة المالية للتهجير القسري تلك (دفعت مصر 15 مليون جنيه بينما بلغت التكلفة النهائية أكثر من 37 مليون جنيه). لقد قدّم السودان كل تلك التضحيات ليساعد الشعب  المصري في برنامج تنميته الاقتصادي والاجتماعي وحربه على الفيضانات والجفاف والجوع والعطش والظلام، وبدون مقابلٍ للسودان على الإطلاق.
وقد تساءلنا بحرقةٍ وأسى كيف يمكن لمصر وقادتها وشعبها أن ينسوا كل تلك الأيادي البيضاء والفضائل ويدقوا طبول الحرب ضد ذلك الشعب الذي قدّم كل تلك التضحيات من أجلهم في سابقةٍ لا نظير لها في تاريخ  البشرية جمعاء؟   
غير أن هذا الجزء من تاريخ التهجير القسري لأهالي حلفا مهمٌ غاية الأهمية للنزاع حول منطقة حلايب. والسبب في ذلك هو ادعاء مصر أن خط 22 شمال هو الخط الحدودي الدولي المعترف به بين مصر والسودان، وأنه خطٌ أحمر لا يمكن عبوره.
إذا كان خط 22 شمال فعلاً هو الخط الحدودي الذي لا تعترف مصر بغيره فلماذا سمحت مصر بترحيل أهالي قرى "فرس وسره ودبيره" والتي تقع شمال خط 22 (والتي كان السودان يعتبرها ضمن حدوده) إلى منطقة خشم القربة بدلاً من ترحيل سكانها مع المهجَّرين المصريين النوبيين؟ إن ادعاء مصر بقدسية خط 22 شمال كان يتطلّب إصرار مصر على ترحيل سكان هذه القرى الثلاثة مع النوبيين المصريين، وليس مع النوبيين السودانيين.
لقد ظلّت هذه القرى الثلاثة جزءاً من المنطقة الإدارية لوادي حلفا حتى غرقت في بحيرة النوبة عام 1963، بعد أسابيع قليلة من التهجير القسري لسكانها إلى سهل البطانة في شرق السودان. وأوضحت الخرط التي تبادلها الطرفان السوداني والمصري لعملية التهجير القسري لمتأثري السد العالي تبعيتها للسودان دون أدنى اعتراضٍ أو حتى تردّدٍ أو توقّفٍ من الجانب المصري. عليه فإنه من الضروري للأجهزة العدلية السودانية تحرّي هذه المسألة بدقّة لأنها تناقض تناقضاً تاماً ادعاءات مصر حول قدسية خط 22 شمال، وتضعف (إن لم نقل تنسف) حجّتها الأساسية كثيراً.  
8
هناك الكثير من القضايا والنزاعات الحدودية في عالم اليوم، منها ما تمّ حسمه ومنها ما لا يزال قائماً. وقد أخْضِعتْ معظم هذه النزاعات أو ستُخضع للمعايير والقوانين الدولية. ولذا فلن تكون حلايب استثناءاً لهذا الحكم، طال الزمن أم قصر، بغض النظر عن أي دوافع أو أية منطلقاتٍ عاطفيةٍ أو سياسية.
عليه فإن الأرضية القانونية التي يستند عليها السودان في نزاع حلايب مع مصر، رغم صلابتها وتماسكها وقوّة حججها – كما أوضحنا في هذا المقال – يجب أن تتكئ على البحث الدقيق، والتوثيق الصارم، والعمل الجاد بواسطة قانونيين ضليعين في هذا المجال. يعضّد هذا المنحى حديث وزير الخارجية السيد علي كرتي نفسه الذي نادى بضرورة الاعتماد على قوة القانون وقوة الدولة والإرادة السياسية، وليس فقط على شعارات "العلاقات الأزلية والمصالح المشتركة بين الشعبين" أو أن "الحديث حول المنطقة في الوقت الراهن محل حوار وتوافق بين قيادتي البلدين."  
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.