1
فتحتْ زيارة الدكتور محمد مرسي رئيس جمهورية مصر للسودان يومي الخميس والجمعة الرابع والخامس من أبريل عام 2013 أبوابَ النزاع على مثلث حلايب بين مصر والسودان على مصراعيها. فقد أعلن السيد موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية السوداني أن الرئيس محمد مرسي وعد أثناء زيارته للسودان الرئيس عمر البشير بإعادة الأوضاع في مثلث حلايب وشلاتين إلى ما قبل عام 1995 – أي إلى السيادة السودانية. غير أن المعارضة المصرية قررت، فور صدور تلك التصريحات، استغلالها استغلالاً تاماً في هجومها على نظام الرئيس مرسي. فقد أدانها بأسلوبٍ قاسٍ عددٌ كبيرٌ من القيادات السياسية والعسكرية والأكاديمية المصرية. اضطر ذلك الهجوم الكاسح حكومة الرئيس مرسي إلى التراجع ونفي تلك الوعود، وزاد المتحدث باسم الرئاسة المصرية الوضع سوءاً بإعلانه أن منطقة حلايب أراضي مصرية. ونتج عن تلك الإدانات من المعارضة المصرية والنفي من النظام المصري أنْ عَقَدَ السيد موسى محمد أحمد مؤتمراً صحفياً يوم الثلاثاء 9 أبريل أعاد خلاله تأكيد ذلك الوعد من الرئيس مرسي للرئيس البشير.
بدأ النزاع حول مثلث حلايب في يناير عام 1958، وأوشك أن يقود  إلى حربٍ بين السودان ومصر. إلا أن مصر سحبت جيوشها واعترفت بسيادة السودان على حلايب في شهر فبراير من ذلك العام، مُنهيةً بذلك النزاع على المنطقة في شهوره ومراحله الأولى. لكن بعد 37 عامٍ من حسم ذلك النزاع عادت مصر في عام 1995 واحتلت منطقة حلايب، إثر محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا، ناسفةً بذلك كل تعهداتها والتزاماتها السابقة. وقد ظلّ النزاع على منطقة حلايب هو "المسكوت عنه" في علاقة مصر والسودان منذ عام 1995 حتى انفجر أخيراً في أبريل عام 2013.
بنتْ الحكومةُ والمعارضةُ المصرية رفض الانسحاب من حلايب على دعوى أن حلايب أراضي مصرية، وأن مصر لن تفرط في شبرٍ من أراضيها. ولا بد لهذه الدعوى أن تثير مسألة موافقة السودان على إغراق منطقة وادي حلفا و27 من قراها وأراضيها الزراعية، من أجل بناء السد العالي، في كرمٍ وسخاءٍ ليس له سابقةٌ في العلاقات الدولية. فهل كان ذلك تفريطاً من السودان في "أشبار" كثيرة من أراضيه، أم كان بادرة حسن نية تستحق الرد عليها بالمثل، إن لم نقل بأحسن من ذلك؟   
سوف نتعرّض في هذا المقال للقواسم المشتركة والتقاطعات بين حلايب ووادي حلفا ومياه النيل، ونوضّح  أن الشعب السوداني قدّم الكثير من التضحيات للشعب المصري ليبني السد العالي، وأن تلك التضحيات كانت وحدها كافيةً كيلا تثير مصر أي نزاعٍ مع السودان حول مثلث حلايب.
2
تبلغ مساحة مثلث حلايب حوالى 20,580 كيلومتر مربع (حوالى ضعف مساحة منطقة أبيي كما حدّدتها محكمة التحكيم الدولية  بمساحةٍ تبلغ 10,640 كيلومتر)، ويقع المثلث شمال خط 22 شمال مطلاّ على البحر الأحمر. وقد أخذ اسمه من مدينة حلايب، كبرى المدن في المثلث (مع مدينتي شلاتين وأبو رماد).
برز الخلاف حول تبعية المثلث لأول مرة في 29 يناير عام 1958 حين أرسلت الحكومة المصرية مذكرة تحتجّ فيها على نيّة السودان عقد انتخابات في منطقة حلايب باعتبار أنها تتبع لمصر بموجب اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899. وقد قامت مصر بإرسال فرقةٍ عسكريةٍ إلى منطقة حلايب بعد إرسال تلك المذكرة. وأعقبتْ مصرُ تلك المذكرة بمذكرةٍ أخرى في 9 فبراير عام 1958 تُعلن فيها نيّتها إجراء استفتاء رئاسة الجمهورية في تلك المنطقة أيضاً.
أعلن السودان رسمياً في 13 فبراير عام 1958 رفضه التام للمذكرة المصرية وللاستفتاء الذي قرّرت مصر إجراءه في حلايب. وأعلن السودان أن المنطقة أراضي سودانية بمقتضى اتفاقية الحكم الثنائي والتفاهمات التي تلتها، وبحكم الإجراءات العملية والإدارية التي قام بها السودان في المنطقة خلال فترة الحكم الثنائي وسنوات الحكم المدني الأول.
في 18 فبراير عام 1958 غادر السيد محمد أحمد محجوب وزير الخارجية الخرطوم إلى القاهرة لمناقشة مشكلة حلايب مع الحكومة المصرية. عند وصوله القاهرة عرضت عليه الحكومة المصرية مقترح الاّ تُجرى انتخابات سودانية أو استفتاء مصري في حلايب، ولكنّ الحكومة السودانية رفضت هذا الحل الوسط وأصرّت على تبعيّة حلايب للسودان دون شروطٍ أو قيد. ورغم الاجتماعات المطوّلة التي عقدها السيد المحجوب مع الرئيس جمال عبد الناصر، فقد فشل الطرفان في حلّ النزاع من خلال التفاوض.
وفي 20 فبراير عام 1958 رفع السودان شكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي. اجتمع المجلس في 21 فبراير، ووقتها تراجعت مصر، بناءاً على بيانٍ تلاه مندوبها السيد عمر لطفي، عن قرارها بعقد الاستفتاء، وسمحت في نفس الوقت للسودان بإجراء انتخاباته في حلايب. كما أعلنت مصر سحب فرقتها العسكرية من المنطقة وتأجيل مناقشة الخلاف حول حلايب إلى ما بعد قيام الانتخابات السودانية. عليه فقد قرّر مجلس الأمن حفظ شكوى السودان والاجتماع لاحقاً بناءاً على طلب أيٍ من الطرفين وموافقة أعضاء المجلس. وقد تمّ سحب الوحدة المصرية بالكامل من حلايب، وإجراء الانتخابات السودانية في موعدها وفي كل أرجاء حلايب.
وقد اعتبرت الحكومة السودانية هذه النتائج انتصاراً كبيراً لها في ذلك النزاع، خصوصاً وأن مصر لم تثر موضوع حلايب مرةً ثانية. كما اعتبر المراقبون حديث مصر عن مناقشة الخلاف بعد الانتخابات ثم الصمت عن الخلاف بعد ذلك محاولةً من مصر لحفظ ماء الوجه بعد اعترافها بسيادة السودان على منطقة حلايب، وتأكيداً لهذا الاعتراف. وهكذا عادت حلايب إلى السيادة السودانية الكاملة.
3
في 8 نوفمبر عام 1959، أي بعد أقل من عامين من اندلاع نزاع حلايب وانتهائه، قام السودان بتقديم أكبر تنازلاتٍ وتضحياتٍ في تاريخ البشرية تقدّمها أية دولةٍ لدولةٍ ثانية في مشروعٍ مائيٍ يخص تلك الدولة الثانية وحدها. ففي ذلك اليوم وقّع السيد زكريا محي الدين واللواء محمد طلعت فريد على اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وافقت الحكومة السودانية بمقتضى تلك الاتفاقية على قيام السد العالي وعلى إغراق مدينة وادي حلفا ومعها 27 قرية شمال وجنوب المدينة تحت بحيرة السد، وعلى التهجير القسري لحوالى خمسين ألف من السودانيين النوبيين، وعلى إغراق منازلهم ومزارعهم ومتاجرهم وقبور أحبائهم وضرائح أوليائهم وجزءاً كبيراً من تراثهم وتاريخهم. كما غرقت في بحيرة السد مع كل ذلك قرابة 200,000 فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، وقرابة مليون شجرة نخيل وحوامض في قمة عطائها. وافق السودان أيضاً أن تمتد البحيرة لمسافة 150 كيلومتر داخل أراضيه، وأن تندثر تحت تلك البحيرة وإلى الأبد آثارٌ تاريخيةٌ لحضاراتٍ نمت واستطالت في فجر البشرية، وهي آثارٌ لا يمكن أن تُقدّرَ بثمن. واندثرت مع كل ذلك معادنٌ لم يكن أحد قد قدّر كميتها وقيمتها، ويدور الحديث منذ العام الماضي عن كمياتٍ ضخمةٍ من الذهب والحديد دُفِنتْ تحت البحيرة. كما دُفِنتْ تحت البحيرة شلالات دال وسمنه التي كان يمكن أن تولّد قدراً كبيراً من الكهرباء يفوق 650 ميقاواط.
وقد كلّف ترحيل وإعادة توطين أهالي منطقة وادي حلفا الخزينة السودانية مبلغ 37 مليون جنيه، بينما كان التعويض الذي دفعته مصر للسودان مبلغ 15 مليون جنيه فقط. قدّم السودان كل تلك التضحيات والتنازلات الجسام حتى يتسنّى لمصر أن تبني السد العالي وتنال كلَّ فوائده وحدها.
بدأ العمل في السد العالي في يناير عام 1960، بعد شهرين فقط من توقيع اتفاقية مياه النيل، واكتمل بعد عشرة أعوام ونصف في يوليو عام 1970 بتكلفةٍ قاربت الـ 600 مليون دولار. يبلغ طول السد 4,000 متر وعرضه 1,000 متر، بينما يبلغ ارتفاعه 110 متر، وتبلغ سعة البحيرة التخزينية للسد 162 مليار متر مكعب من المياه (أي ما يساوي حوالى ضعف حمولة نهر النيل السنوية المقدّرة عند أسوان بـ 84 مليار متر مكعب). ويبلغ طول البحيرة وراء السد (والتي سُمّيت بحيرة ناصر في مصر) 550 كيلومتر (حوالى 150 كيلومتر منها داخل الحدود السودانية وتُعرف بإسم بحيرة النوبة)، وعرضها 35 كيلومتر، مع مساحة سطحية تُقدّر بحوالى 5,250 كيلومتر مربع. وقد كان السد العالي عند اكتماله عام 1970 أكبر سدٍّ في العالم، وكان وما يزال أكبر سدٍّ على نهر النيل، ولكن سوف يتفوّق عليه سد النهضة الاثيوبي عند اكتماله.
ظلّ السد العالي منذ اكتماله خط الدفاع القوي لمصر ضد الفيضانات التي كبّدت مصر عبر التاريخ الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات. كما أصبح السد شهادة تأمينٍ ضد الجفاف الذي كانت آثاره قاسيةً على مصر في سنوات شحّ الأمطار في الهضبة الاثيوبية. وصار السد المنظّم الأول لعمليات الري الشاسعة في مصر، والتي جعلت مصرَ في سبعينيات القرن الماضي تزرع كلَّ ما تحتاجه من المحصولات. وأصبحت بحيرة ناصر مصدراً كبيراُ للثروة السمكية التي توالدت بصورةٍ غير عادية. كما أن السد يُولّد حوالى 1,200 ميقاواط من الطاقة الكهربائية والتي غطّت حاجة مصر من الكهرباء وقتها. وينظّم السد ويسهّل الملاحة على نهر النيل داخل مصر كل شهور السنة.  
4
ماذا جنى السودان من السد العالي؟ إنه لم ينل حتى جزء يسير من الكهرباء والتي كانت أبسط مقومات رد الجميل والشكر للسودان. لقد ظلّ المفاوض المصري يكرّر دون انقطاع منذ عام 1954 أن السد العالي لمصلحة مصر والسودان معاً، وأن نصيب السودان من مياه النيل مخّزن في بحيرة السد العالي، وأنه لولا السد العالي لما أصبح نصيب السودان من مياه النيل متاحاً. ويبدو أن بعض السياسيين والمهندسين السودانيين قد صدّق تلك المقولة الساذجة من كثرة تكرارها، وتمّ تضمينها في اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وقد أصبح نهر النيل بموجب تلك المقولة واتفاقية مياه النيل لعام 1959 يجري لأول مرة في تاريخه من الشمال إلى الجنوب. كما وافق السودان نتيجة قبوله تلك المقولة على تحمّل فاقد التبخر في بحيرة السد والبالغ عشرة مليار متر مكعب مناصفةً مع مصر.
لقد كان نصيب السودان من السد العالي، في حقيقة الأمر، هو الكارثة التي حلّت بالسودانيين النوبيين. فقد تمّ تهجيرهم قسريأ وبدون أبسط مقومات المشورة إلى بيئةٍ تختلف اختلافاً تاماً عن بيئتهم، وفي منطقةٍ تبعد أكثر من 700 كيلومتر من موطنهم الأصلي. ووجدوا أنفسهم فجأةً بين مجموعاتٍ قبلية تختلف اختلافاً كبيراُ عنهم، ولم يكن لهم تداخل أو معرفة بها، وفي طقسٍ ماطرٍ راعدٍ لم يكونوا على درايةٍ به أو بآثاره إطلاقاً. وقد تعرّضوا بسبب الطقس لمشاكل صحية وأمراض لم يكونوا على معرفةٍ بها من قبل. وقد قلّت المساحة التي كانت تُروى من خزان خشم القربة في مشروع حلفا الجديدة الزراعي بصورةٍ كبيرة بسبب كميات الطمي الضخمة التي يحملها نهر عطبرة كل عامٍ من الهضبة الاثيوبية. كما زادت الشكوى من أن أراضي المشروع (سهل البطانة) هي أراضي رعيٍ ولا تصلح للزراعة، ومن علاقات الانتاج السلطوية المركزية الجديدة التي لم يعتادوا عليها عندما كانوا مزارعين أحرار في وادي حلفا. عليه فقد أصبح لزاماً على الكثير من المهجّرين البحث عن وسائل كسب عيشٍ أخرى غير الزراعة. وكان على الشعب السوداني أن يتحمّل أكثر من 60% من تكلفة إعادة التوطين.
كما كان نصيب السودان من السد العالي أيضاً تحمّله فاقد التبخّر في بحيرة السد العالي البالغ عشرة مليار متر مكعب سنوياً مناصفةً مع مصر. وقد جعل هذا بدوره  نصيب السودان من مياه النيل يقلّ بخمسة مليار متر مكعب سنوياً.
5
كان السد العالي أول سدٍ في العالم تبنيه دولةٌ ويخلّف تلك الآثار الكارثية في دولةٍ أخرى. وقد سبقه خزان جبل أولياء الذي تمّ بناؤه في السودان في ثلاثينيات القرن الماضي لمصلحة مصر دون أية فائدة للسودان. وقد نتج عن بناء خزان جبل أولياء الترحيل القسري لآلاف السودانيين وإغراق أراضي زراعية ضخمة المساحة وخصبة التربة. لكنّ التهجير القسري بسبب السد العالي كان أكبر حجماً، وكانت آثاره أكثر كارثيةً على السودان وعلى أهالي منطقة وادي حلفا. وهكذا قدّم شعب السودان تضحياتٍ جسام لصالح الشعب المصري تمثّلت في الآثار الكارثية لبناء سدين لمصلحة مصر وحدها.
وكأن هذا لا يكفي، فقد وافق السودان عام 1976 على شقِّ قناة جونقلي التي كانت كل مياهها الإضافية ستكون لمصلحة مصر لأن السودان فشل خلال الخمسين عام الماضية في استعمال نصيبه من مياه النيل، ولم يكن عملياً في حاجةٍ إلى مياه جديدة. وكانت تلك أيضاً بادرة إخاءٍ وحبٍّ لمصر وشعب مصر كلّفت السودان جزءاً من أراضيه والكثير من ماله، رغم أن الحركة الشعبية أوقفت العمل في القناة في فبراير عام 1984 قبل أشهرٍ ومسافةٍ قصيرة من اكتمالها.
6
بعد ساعاتٍ من إعلان السيد موسى محمد أحمد أن الرئيس محمد مرسي وعد بإعادة الأوضاع في مثلث حلايب وشلاتين إلى ما قبل عام 1995 تعالت التصريحات من مصر تنتقد وتدين الرئيس مرسي وتؤكد بصورةٍ قاطعة تبعية حلايب لمصر. وانتقلت تلك التصريحات والانتقادات من المعارضة إلى الحكومة نفسها وإلى حركة الإخوان المسلمين الحاكمة. وقد قامت جماعة الإخوان المسلمين المصرية بالتراجع عن تبنيها وعود الرئيس مرسي، وغيّرت خريطة مصر على موقعها لتشمل مثلث حلايب، وأعلنت صراحةّ أن حلايب أراضي مصرية. وزاد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة السيد إيهاب فهمي الطين بلةً بنفيه وعود الرئيس مرسي وتأكيده السيادة المصرية على حلايب.
وفي هذا الصدد فقد شنَّ المرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق هجوماً لاذعاً على الوعود المنسوبة للرئيس مرسي بتسليم تلك المنطقة الحدودية للسودان، حيث قال إن التنازل عن هذا الشريط الحدودي يمسّ الأمن القومي المصري وسيادة البلاد، وإذا فعل الرئيس ذلك سيلقنه الشعب ''درساً لا يُنسى''، كما أنه لا يملك حق التفريط فيها.
وانضمّ الإخوان المسلمون المصريون أنفسهم إلى نادي المنتقدين لرئيسهم. فقد أعلن السيد عبد الستار المليجي القيادي الإخواني أن الحاكم الذي يتنازل عن جزءٍ من أرضه يجب أن يُحاكمَ من شعبه قبل أن يُحاكمَ من القانون، وأن الشعب المصري سوف يحاكم مرسي لو فتح ملف حلايب مع السودان.
على نفس هذا المنوال فقد صرّح اللواء محمد رشاد وكيل جهاز المخابرات العامة السابق أنه ليس مسموحاً لأي رئيس ولا لأي مسؤولٍ في الدولة أن يتنازل عن أي جزءٍ من الوطن. وتوالت التصريحات من الخبراء العسكريين، فقد ذكر اللواء ممدوح عزب، الخبير العسكري والاستراتيجي أن منطقة حلايب وشلاتين هي أرض مصرية خالصة حتى وإنْ أدارتها حكومة السودان لفترةٍ بسبب قربها الجغرافي لها، وأضاف "مع العلم أن السودان نفسها كانت تابعة للإدارة والسيادة المصرية."
ولم يتأخر الأستاذ هانئ رسلان رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات عن اللحاق بهذا الركب. فقد ذكر في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة أخبار مصر- البديل ونُشِرتْ في موقع سودانايل في 13 أبريل عام 2013 رداً على سؤالٍ عن التحكيم حول المنطقة: "الموقف المصرى لايناقش او ينظر الى التحكيم الدولي على السيادة المصرية لمنطقة حلايب، فكل شبر فيها مصري بالكامل، فمساحتها التي تبلغ 20 ألف كيلومتر مربع تقريبا، هي داخل الحدود المصرية بما لا يقبل التأويل طبقًا لاتفاقية 1899، التي تقول بأن خط العرض 22 شمال خط الاستواء هو الحد الفاصل بين البلدين، واذا نظرنا لحلايب نجدها تقع بالكامل شمال هذا الخط."
7
لقد نسي الإخوة  المصريون أو تناسوا موقف حكومتهم من حلايب، وسحب قواتهم العسكرية منها، ووقف إجراءات الاستفتاء المصري وقيام الانتخابات السودانية فيها عام 1958. ونسوا أيضاً كلّ ما قدّمه لهم السودان على مرِّ التاريخ.، أصبحت حلايب فجأةً مشكلة الأمن المصري الأولى، وأعلن سياسيوها وعسكرها وأكاديميوها أن مصر لن تفرّط في شبرٍ منها. نسي الإخوة ملايين "الأشبار" والتضحيات الجسام التي قدّمها أهالي وادي حلفا خاصةً والشعب السوداني عامةً ليصبح السد العالي حقيقةً وتنتهي هموم ومخاوف وآلام مصر من الفيضانات والجفاف والجوع والعطش والظلام. ونسوا آلاف الكيلومترات من الأراضي السودانية الخصبة وعشرات القرى والآثار والمعادن وشلالات توليد الكهرباء التي غرقت تحت بحيرة السد العالي من أجلهم.
نسوا أيضاً تلك الوقفة النبيلة التي وقفها الشعب السوداني معهم إبان حرب يونيو عام 1967. ونسوا كيف وضع السودان مشاكله في جنوب البلاد على المحك، ودخل الحرب بجانب مصر، وتحمّل كل تبعاتها التي شملت وقوف اسرائيل ودعمها لجنوب السودان بصورة كبيرة بعد تلك الحرب. وقد أعاد الشعب السوداني للرئيس عبد الناصر ابتسامته وثقته بنفسه عندما استقبله في أغسطس عام 1967 في الخرطوم استقبال الأبطال وليس كرئيسٍ مهزوم. نسوا كيف نظّم السودان مؤتمر القمة العربي ذاك الشهر وكيف وفّقَ وقاربَ السودانُ بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل ورؤساء دول الخليج لتنهمر المعونات الاقتصادية والعسكرية على مصر إثر ذلك المؤتمر، وتخفّف كثيراً من الآثار القاسية لحرب يونيو.
نسوا أيضاً كيف كان السودان العمق الأمني لمصر إبان حرب أكتوبر عام 1973، وكيف تمّ نقل الطائرات الحربية المصرية إلى المطارات العسكرية السودانية لتأمينها. نسوا كلّ ذلك ودقّ عسكرهم وسياسيوهم وأكاديميوهم طبول الحرب بسبب أن الرئيس مرسي وعد بفتح ملف حلايب مع السودان.
8
وحتى لو افترضنا جدلاً أن حلايب هي فعلاً أراضي مصرية (وهذا افتراض خاطئ بناءاً على السرد الذي قدمناه أعلاه، ولكن نثيره فقط لأسباب تساؤلات هذه الخاتمة) فقد كان الجميل الذي قدمه السودان لمصر بقبوله إغراق مدينة وادي حلفا وقراها من أجل قيام السد العالي، كافياً لأن يقول هؤلاء الساسة والعسكر والأكاديميون المصريون للسودان: "قد تكون حلايب مشكلةً بيننا، ولكن تقديراً ووفاءاً لوقفة الشعب والحكومة السودانية معنا بقبول بناء السد العالي وإغراق مدينة حلفا وقراها ومزارعها، وتقديراً لمواقف شعب السودان الأخرى تجاه مصر عبر السنين فلن نسمح لمنطقة حلايب أن تكون حجر عثرةٍ في علاقاتنا."
9
يثير الموقف المصري عدّة تساؤلات أهمها: أين ذهبت مسألة العلاقات الأزليّة بين البلدين التي كان يكرّرها الإعلام المصري بانتظام؟ أين ذهبت برامج التكامل الاقتصادي والمائي ومشاريع الوحدة ونهر النيل وقناة جونقلي؟ أين ذهب الوفاء والاعتراف بالجميل؟ بل أين ذهبت مواقف ووعود الحكومة المصرية للسودان بخصوص حلايب في فبراير عام 1958؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.