1
ظلّت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 من أكثر الأمور التي يكتنفها الغموض في السودان. فقد سمعتُ مراراً وتكراراً من مجموعاتٍ من المتعلّمين السودانيين أن الاتفاقية سرّيةٌ ولا وجود لها في دور الوثائق أو المكتبات. وهذا بالطبع ادّعاءٌ غير صحيح. فالاتفاقية موجودةٌ في عشرات الكتب والدوريات باللغتين العربية (الأصل) والانجليزية، وقد قامت مصر بتسجيلها لدى الأمم المتحدة في نيويورك في 7 فبراير عام 1963. سمعتُ أيضاً عن بنودٍ سرية تمّ الاتفاق عليها في اتفاقيةٍ جانبية لاتفاقية عام 1959. ورغم أنني لم أكن بدايةً مصدقاً لهذا الزعم إلا أنني  قررتُ أن أتحراه. وقد نفى بحثي والذي دام أكثر من ثلاثة أعوام وشمل دور الوثائق والمكتبات في أربع عواصمٍ في العالم هذا الادعاء أيضاً.
كما سمعتُ عن أن المفاوضات لم تدمْ أكثر من أيامٍ، وأن اللواء محمد طلعت فريد كان على عجلةٍ من أمره للعودة للسودان خوف محاولات الانقلاب المتكرّرة وقتها بالسودان، وأنه لم يكن على درايةٍ  بأمور التفاوض. وقد أوضحنا أن المفاوضات دامت أربعة أسابيع وشارك فيها عشرةٌ من المدنيين الفنيين السودانيين كان بينهم مهنسون (السادة محمود محمد جادين مدير وزارة الري، والرشيد سيد أحمد نائب المستشار لشئون الري، وصغيرون الزين نائب مدير وزارة الري) وقانونيان،( السيدان محمد ابراهيم النور نائب رئيس القضاء ومهدي شريف النائب العام بالانابة).
غير أن أكثر الادعاءت التي تفتقر إلى الصِحّة وتحتاج إلى توضيح هي أن حكومة الفريق ابراهيم عبود ووفدها المفاوض بقيادة اللواء محمد طلعت فريد هي التي وافقت على بناء السد العالي وترحيل أهالي منطقة وادي حلفا. الحقيقة التي أوضحناها في هذه السلسلة من المقالات هي أن الموافقة على بناء السد العالي وترحيل أهالي حلفا قد تمّت على يد السيد خضر حمد عندما قاد وفد السودان للتفاوض في القاهرة في أبريل عام 1955. وقد كان مطلب ذلك الوفد التفاوضي الذي شمل عدداً من مهندسي الري (السادة بشير عبد الرحيم وكيل وزارة الري، وسيد عمر العوض نائب مدير الري، ومحمود جادين، وصغيرون الزين) هو التعويض العادل لأهالي حلفا كما ناقشنا في المقالات السابقة. وقد قبل السيد ميرغني حمزة مبدأ قيام السد العالي وترحيل أهالي حلفا عندما خلف السيد خضر حمد وزيراً للري في فبراير عام 1956.
كتب لي عددٌ من القراء يقولون أن المدنيين الذين كانوا أعضاء بوفد مفاوضات مياه النيل في القاهرة عام 1959 كانوا بلا حيلة، وأن اللواء محمد طلعت فريد هو الذي اتخذ كل القرارات خلال فترة التفاوض. وهذا إدعاءٌ يصعب قبوله، فأعضاء الوفد المفاوض كانوا في قمة الهرم في الخدمة المدنية في السودان، وإن صحّ أنهم كانوا فعلاً على خلافٍ مع رئيس الوفد فقد كان عليهم توضيح موقفهم، أو التنحّي من الوفد، أو حتى الاستقالة من الوظيفة نفسها. كما أننا لم نسمع من أيٍ منهم خلال الـ 53 عاماً منذ توقيع الاتفاقية عن أي صوتٍ ناقدٍ لها أو على الطريقة التي سارت بها المفاوضات.
2
أثرنا في المقالات السابقة مرجعية وتفويض السيد خضر حمد في قبول السد العالي وترحيل أهالي وادي حلفا خلال جولة المفاوضات الثالثة في شهر أبريل عام 1955، وتساءلنا هل جاءت تلك المرجعية والتفويض من الحكومة السودانية، أم من الحزب الوطني الاتحادي الحاكم، أم من علاقة السيد خضر حمد الوطيدة بالسيد اسماعيل الأزهري رئيس الوزراء وقتها؟ لم نجد إجابةً واضحةً على هذا التساؤل رغم بحثنا المضني في آلاف الوثائق وعشرات الكتب. 
وهنا نجد أوجه شبهٍ كبيرة بين قرار قبول السد العالي وترحيل أهالي حلفا الذي وافق ووقّع عليه السيد خضر حمد في شهر أبريل عام 1955، وقرار حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان الذي وافق ووقّع عليه الدكتور علي الحاج في إعلان فرانكفورت في شهر يناير عام 1992. فقد فتح كلٌ من القرارين الباب الذي قاد إلى اتفاقيةٍ كانت لها آثارها الوخيمة على السودان، وفي الحالتين فقد خرج ماردٌ من القمقم ولم يكن بالإمكان إعادته.
وقد تساءلنا في سلسلة مقالاتٍ سابقة (بعنوان مسؤولية انفصال جنوب السودان) عن مرجعية وتفويض الدكتور علي الحاج، وهل جاءت من حكومة الإنقاذ، أم من الحزب الحاكم والحركة الإسلامية، أم من علاقة الدكتور علي الحاج الوطيدة بالدكتور حسن الترابي الذي كان وقتها الآمر والناهي في السودان؟ أم أن الدكتور علي الحاج قد اتخذ القرار بمفرده في فرانكفورت؟ إننا نأمل أن يجيب الدكتور علي الحاج على هذا التساؤل ويكسر دائرة الصمت التي لاذ بها لأكثر من عشرين عام، رغم الأسئلة الملحّة له في هذه المسألة. 
3
أوضحت المقالات الثلاثة عشر السابقة كيف أن جولات التفاوض الخمسة الأولى خلال فترة الحكم المدني الأول قد تداخلت مع العوامل السياسية وتشابكت مع مشروع وحدة وادي النيل وتعقيداته، وكذلك مع القضايا الأمنية ومشكلة حلايب.
وقد برز تداخل المسائل الأمنية مع مفاوضات مياه النيل في توقيف وزير الري السيد خضر حمد بواسطة الأمن المصري في القاهرة في قضية تصوير قصيدة الأستاذ الشاعر أحمد محمد صالح "إلى نجيب في عليائه" واستجوابه واتهامه بتوزيع منشوراتٍ ضد الحكومة المصرية، وتداعيات تلك الحادثة على الجولة الثالثة من المفاوضات في أبريل عام 1955. كما برز التداخل أيضاً في دور الأمن المصري الذي كان يلعبه السيد عبد الفتاح أبو الفضل في السودان وفي مفاوضات مياه النيل كما وصفه هو بنفسه في كتابه "كنت نائباً لرئيس المخابرات" والذي ناقشناه في المقال الثاني من هذه السلسلة من المقالات.  
ولا بُدّ أن القارئ قد اندهش كثيراً للموقف المتشدّد الذي اتخذته مصر تجاه تقاسم مياه النيل مع السودان في الوقت الذي كانت مصر تسعى بكل ما لديها من إمكانياتٍ لنيل ودّ السودان لكي تصير الوحدة خياراً جاذباً للسودانيين - قيادةً وشعباً - وتتحقّق وحدة وادي النيل. فقد صرفت مصر أموالاً طائلة وجهداً كبيراً وقضى السيد صلاح سالم جلَّ وقته خلال الأعوام 1952 و1955 في السودان (بما في ذلك جنوب السودان الذي شهد رقصته المشهورة) يحاول أن يقنع الشعب السوداني وقيادته بوحدة وادي النيل. ولكن رغم ذاك المال والجهد فقد رفضت مصر رفضاً قاطعاً تليين موقفها التفاوضي مع السودان في مسألة اقتسام مياه النيل. بل لا بُدّ من إضافة أن موقف مصر المتشدّد أثناء جولات التفاوض الأربعة الأولى خلال عامي 1954 و1955 كان في رأيي هو أحد الأسباب التي أدّت إلى فشل مشروع وحدة وادي النيل.
ولا بُدّ من إضافة أن وزيري الري في فترة الحكم المدني الأول – السيدين ميرغني حمزة وخضر حمد – واللذين قادا مفاوضات مياه النيل مع مصر من عام 1954 وحتى استيلاء الفريق ابراهيم عبود على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958 كانا من أقطاب الحزب الوطني الاتحادي الذي كان على علاقةٍ طيبةٍ بمصر وكان ينادي في البداية بوحدة وادي النيل. لكن رغم هذه العوامل فقد انتهت فترة الحكم المدني الأولى في السودان بالفشل التام في الوصول لاتفاقٍ مع مصر حول مياه النيل رغم التنازلات الكبيرة التي قدّمها الوفد السوداني المفاوض.
4
لا بُدّ من ملاحظة أن حزب الأمة كان قد ترك ملف مفاوضات مياه النيل بأكمله للحزب الوطني الاتحادي. فقد عهد السيد عبد الله خليل عندما استلم رئاسة الوزارة في يوليو عام 1956 بهذا الملف إلى السيد ميرغني حمزة الذي كان نائبه ووزير الزراعة والري. وعندما تدخّل السيد محمد أحمد محجوب في المفاوضات عام 1958 (كان وقتها وزيراً للخارجية)، كان تدخّله لرفض إلزامية اتفاقية مياه النيل لعام 1929 على السودان، ولإخطار مصر بذلك القرار. وكان ذلك  الموقف القانوني الصارم متناسقاً مع موقف السيد عبد الله خليل المتشدّد من نزاع حلايب، والذي استطاع من خلاله حسم النزاع في نهاية الأمر لصالح السودان بصورةٍ واضحة بعد أن صعّد الأمر وأوصل شكوى السودان الرسمية ضد مصر إلى مجلس الأمن عام 1958.
عليه فقد كان أمراً مدهشاً أن يرسل السيد عبد الله خليل برقيةً يوم 10 نوفمبر عام 1959 من لندن حيث كان يتعالج وقتها يؤيّد فيها اتفاقية مياه النيل ويهنئ الفريق ابراهيم عبود بنجاح المفاوضات ويشير في البرقية إلى أن الفضل كان لحسن قيادة الفريق عبود مما سيعود على البلدين بالخير والرفاهية، ويتمنى له التوفيق في كل ما فيه مصلحة السودان ورفعته.
وتزداد الدهشة عندما نقرأ بيان السيد الإمام الصديق المهدي الذي أصدره يوم 16 نوفمبر عام 1959 ورحّب فيه بالاتفاقيات التي عُقِدت بين البلدين الشقيقين (بما فيها اتفاقية مياه النيل)، وجاء فيه أيضاً أنه سبق أن أكّد رغبته الدائمة وحرصه الأكيد على إقامة أطيب وأقوى العلاقات بين البلدين وعلى توثيق عرى التضامن والتعاون بينهما مما حدا به لمباركة مبدأ الاتفاق منذ أن بدأ السعي إليه.
تمّت هذه التهنئات والترحيبات رغم التنازلات الكبيرة التي قدّمها السودان لمصر خلال جولات مفاوضات مياه النيل والتي بدأت عام 1954.
5
عند تتبعنا لمسار التفاوض بين مصر والسودان حول مياه النيل بين الأعوام 1954 – 1959 فلا بدّ من ملاحظة أن الجانب السوداني قد قدّم مجموعةً كبيرة من التنازلات خلال تلك الفترة، وأن الجانب المصري نجح نجاحاً كبيراً في استراتيجيته التفاوضية. وقد بدأت هذه التنازلات مع بداية التفاوض عام 1954، وليس فقط في مفاوضات أكتوبر عام 1959.
ففي الجولة الأولى من المفاوضات في سبتمبر عام 1954 فاجأت مصرُ السودانَ بالربط بين خزان الروصيرص والسد العالي. وقد رفض السيد ميرغني حمزة في البداية هذا الربط بعد إصرار مستشار الري السيد همفري موريس على ألا علاقة بين السدّين.
تغيّر هذا الموقف في الجولة الثالثة من المفاوضات في أبريل عام 1955 والتي قاد وفد السودان لها السيد خضر حمد وزير الري وقتها. فقد قَبِل السودان في تلك الجولة الربط بين السدّين شريطة أن يتمَّ تعويض أهالي حلفا تعويضاً عادلاً. كان قبول مبدأ ترحيل أهالي حلفا تنازلاً كبيراً من السودان، ونقطة تحولٍ كبيرةٍ ورئيسيةٍ في المفاوضات ورثها ومشى على دربها السيد ميرغني حمزة عندما آلت اليه وزارة الري مرةً ثانية في شهر فبراير عام 1956. وأصبح التركيز بعد هذا التنازل الكبير في أبريل عام 1955 على مبلغ التعويضات لأهالي وادي حلفا. وواضحٌ أنّ هذا التنازل كان بلا مقابل.
وقد انخفض المبلغ الذي كان السودان يطالب به من 35 مليون جنيه مصري، وقَبِل السودان في نهاية الأمر مبلغ 15 مليون جنيه فقط. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التكلفة النهائية لإعادة توطين أهالي حلفا بلغت حوالي 37 مليون جنيه، كما ناقشنا من قبل.
6
تواصلت التنازلات وقَبِل السودان مبدأ أن السد العالي لمصلحة مصر والسودان وأن نصيبه من مياه النيل في حقيقة الأمر مُخزّنٌ في بحيرة السد العالي كما ورد في الاتفاقية وكما أكّد ذلك وزير الري السيد المقبول الأمين الحاج في المؤتمر الصحفي الذي عُقِد في 3 ديسمبر عام 1959 بعد ثلاثة أسابيع من توقيع الاتفاقية. الأغرب من كل هذا أن هناك الآن من وزراء الري السابقين ممن يعتقدون بصحة هذا الإدعاء، علماً بأن السودان كان يحتاج إلى خزان الروصيرص ليُخزّن ويستعمل حصّته من المياه، وهو الخزان الذي قامت من أجله المفاوضات وقدّم السودان من أجله الكثير من التنازلات.
نتج عن قبول الوفد السوداني المفاوض في أكتوبر عام 1959 أن السد العالي لمصلحة مصر والسودان أنْ وافق السودان على تحمّل فاقد التبخر مناصفةً مع مصر، وكان هذا تنازلاً آخر كبير نتج عنه فقدان السودان خمس مليارات من المياه. جعل هذا التنازل نسبة توزيع مياه نهر النيل المتبقّية بموجب الاتفاقية (14,5 للسودان مقابل 7,5 لمصر) تبدو وكأنّ الاتفاقية قد جاءت لمصلحة السودان، أو كأنّ السد العالي نفسه قد تمّ بناؤه لمصلحة السودان أكثر من مصر. ولكن في حقيقة الأمر فإن نسبة 17,5 من المياه المتبقيّة بعد خصم الحقوق المكتسبة لمصر والسودان ذهبت لمصر، ونال السودان 14,5. وتتغيّر المعادلة أكثر عندما نُضيف إلى نصيب مصر السلفة المائية من السودان البالغة مليار ونصف مليار لتصير النسبة 19 لمصر مقابل 13 للسودان. ولكنّ الأهم من هذا كله أن نصيب السودان من مياه النيل المقاسة في أسوان بلغ في نهاية الأمر حسب اتفاقية عام 1959 لمياه النيل 20% فقط، بينما ارتفع نصيب مصر إلى 80%. وواضحٌ أن المقابل لتنازل السودان كان ضعيفاً.
7
فقد السودان نتيجة امتداد بحيرة السد العالي في أراضيه ليس فقط مدينة وادي حلفا و27  قرية جنوبها وشمالها، ولكنه فقد أيضاُ قرابة 200,000 فدان من الاراضي الزراعية الخصبة، وقرابة مليون شجرة نخيل وحوامض. كذلك فقد السودان شلالات دال وسمنه التي غرقت في بحيرة السد العالي، والتي كان من الممكن أن تُولّد أكثر من 650 ميقاواط من الطاقة الكهربائية، وكذلك الآثار والمعادن في المنطقة. وحسمت الاتفاقية مشكلة المنطقة المتنازع عليها شمال مدينة وادي حلفا (والتي تشمل قرى سره ودبيره وفرس) بعد أن غرقت تلك المنطقة في بحيرة السد العالي، ولم يرد ذكرٌ لهذا الموضوع خلال المفاوضات. ولم يطالب السودان بمدّه ببعض كهرباء السد العالي رغم الحديث عن ذلك في أوساط الحكومة السودانية وقتها.
8
كانت  تلك بعض التنازلات الرئيسية التي قدّمها السودان خلال سنوات التفاوض الخمسة (1954 – 1959) مع مصر. وهي بلا شكٍ تنازلاتٌ كبيرة وجوهرية، ومعظمها بلا مقابلٍ، أو بمقابلٍ ضعيف.
لقد فاوضت مصرُ السودانَ خلال تلك الفترة وهي تحت نفس الحكومة، ونفس معظم أعضاء الوفد الفنيين (بمن فيهم الوزير المهندس أحمد الشرباصي)، بينما فاوض السودانُ مصرَ تحت حكومات السيد اسماعيل الأزهري الثلاثة، ثم حكومتي السيد عبد الله خليل، ثم حكومة الفريق ابراهيم عبود، ومرّ على وزارة الري خمسة وزراء خلال هذه السنوات الخمسة (السيد ميرغني حمزة مرتين، والسادة خضر حمد، وأحمد عبد الله حامد، والمقبول الأمين الحاج). وبينما كانت استراتيجية مصر واضحةً وثابتة، ظلت استراتيجية السودان تتغيّر وتنازلاته تتوالى مع كل حكومة، إن لم نقل مع كل وزير.
كما لا بدّ من ملاحظة أن الصراعات داخل الحكومة السودانية نفسها، وبين الحكومة والمعارضة خلال فترة الحكم المدني الأولى، قد أخذت جزءاً كبيراً من جهد وإمكانيات الحكومة المحدودة أصلاً، وأثّرت بالضرورة على إمكانيات السودان التفاوضية.
9
لقد كان المبرّر لكل تلك التنازلات التي قدّمها السودان هو بدء العمل في ريِّ امتداد المناقل لمشروع الجزيرة. لقد كان المشروع وقتها أكبر وأنجح مزرعة قطنٍ في العالم تحت إدارةٍ واحدة، وكان المورد الرئيسي للعملات الاجنبية للسودان، ومصدر الخير والرخاء والتمويل لمشاريع التنمية من تعليمٍ وصحةٍ وطرقٍ ومياهٍ في كل السودان.
ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي بدأت ملامح الانهيار تضرب أرجاء المشروع وخاصةً بنية الري التحتية فيه، وأصبح العطش، وليس القطن، هو السمة الأساسية للمشروع في السنوات الأخيرة. إضافةً إلى هذا لم يستطع السودان خلال الخمسين عامٍ الماضية استخدام أكثر من 12 مليار متر مكعب في العام بدلاً من الـ 18,5 مليار التي ظل يفاوض من أجل الوصول إليها لمدة خمسة أعوام وقدّم من أجلها كل تلك التنازلات.
لابدّ لهذا الوضع أن يُثير السؤال: أين ذهبت كل تضحيات أهالي منطقة وادي حلفا الجسيمة التي قدّموها قبل خمسين عامٍ من أجل مشروع الجزيرة الذي ينهكه العطش الآن، ومن أجل زيادة حصة السودان من مياه النيل والتي فشل السودان في استعمالها؟   
10
نختتم بهذا المقال الرابع عشر هذه السلسلة من المقالات عن خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959.
لقد امتد البحث الذي انبنت عليه هذه المقالات لأكثر من ثلاثة أعوام واعتمد على معلوماتٍ دقيقةٍ من دور الوثائق الرسمية في واشنطن ولندن والخرطوم، وعلى عددٍ من الكتب النادرة في الخرطوم والقاهرة وواشنطن، وعلى مقابلاتٍ ومكاتباتٍ مع أشخاصٍ ساهم عددٌ منهم بالوقت والمعلومة (فلهم عميق شكري وتقديري).
وقد اتّبعنا أسلوباً أكاديمياً صارماً في إعداد هذه المقالات يتطلّب تعضيد كل معلومةٍ من وثيقة بوثيقةٍ أخرى أو مصدرٍ ثاني. ولم نعتمد على ما استقيناه من المقابلات والمكاتبات إلاّ من أجل توضيح معلومات الوثائق والكتب.
لقد كان الغرض الأساسي لهذه المقالات هو توثيق تفاصيل خفايا وخبايا تطورات التفاوض حول مياه النيل بين مصر والسودان والتي امتدت لأكثر من خمسة أعوام خلال فترتي الحكم المدني الأول (من عام 1954 وحتى عام 1958) والحكم العسكري الأول (من عام 1958 وحتى توقيع الاتفاقية في 8 نوفمبر عام 1959)، وإزالة الغموض الكثيف الذي ظلّ يلازم ويكتنف اتفاقية مياه النيل لعام 1959 والمفاوضات التي دارت حولها، وتمليك هذه المعلومات للقراء وللأجيال القادمة بغرض المعرفة واستخلاص الدروس والعبر.
إننا نأمل أن نكون قد وُفّقنا في هذا الهدف.
ونأمل أيضاً أن تكون هذه المقالات بدايةً لحوارٍ ونقاشٍ علميٍ هادئٍ حول ما أثارته من معلوماتٍ ونتائج.   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.