1

بدأنا في هذه السلسلة من المقالات في الردِّ على مقال الدكتور عبد الله علي إبراهيم الذي نشره على عددٍ من المواقع الالكترونية في 11 يوليو 2018 بعنوان "تقرير المصير للجنوب وانفصاله: ولا جميلتنا" يعقّب فيه على مقالاتنا الخمسة بعنوان "مَاذا حَدَثَ لِكِتابِ الإسلاميين عن اتفاقيةِ نيفاشا؟"
وقد كانت مقالاتنا الخمسة ردّاً على مقال الأستاذ خالد موسى دفع الله الذي نشره في 16 مايو عام 2017 (أي قبل أكثر من عام) على عددٍ من الصحف الالكترونية والورقيّة بعنوان "الإسلاميون وانفصال جنوب السودان."


2
وقد أوضحنا في المقالات الأربعة السابقة أن فشل الحكومات المركزية في الخرطوم، خلال العهود المدنية والعسكرية، في التعامل مع قضية الجنوب بجدّية، ورفضها بإصرارٍ وعنادٍ غريبين مطلب الجنوبيين بالنظام الفيدرالي، هو الذي رفع سقف مطالب الجنوبيين إلى حق تقرير المصير، والذي قاد بدوره إلى الانفصال.
وأوضحنا أيضاً أن حق تقرير المصير لم يأتِ من فراغ، ولم تتبرع به بكرمٍ حكومة الإنقاذ والأحزاب الشمالية لشعب جنوب السودان. بل انتزعته الحركة الشعبية وفصائلها المنشقة بذكاءٍ وحنكة أدهشت الكثير من المراقبين. بمعنى آخر – لم يكن حق تقرير المصير "جميلتنا" نحن الشماليين إطلاقاً.


3
سوف نقوم في هذا المقال، وهو الأخير في سلسلة المقالات الخمسة هذه، بالوقوف عند المحطات والوثائق العديدة التي انتزعتْ فيها الحركةُ الشعبية، أو أحد الفصائل المنشقة عنها، حقَّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان من حكومة الإنقاذ أو أحزاب المعارضة – فرادى أو مجتمعة. وسوف نناقش بإيجاز كلَّ وثيقةٍ من تلك الوثائق.


4
أولاً: إعلان فرانكفورت: حكومة الإنقاذ والفصيل المتّحد المنشق من الحركة الشعبية - يناير 1992:
كانت المحطة والوثيقة الأولى التي اعترفت فيها حكومةٌ في الخرطوم بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان هي إعلان فرانكفورت الذي وقّعه الدكتور علي الحاج مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ مع الدكتور لام أكول مُمثّلاً للفصيل المتحد الذي انشق عن الحركة الشعبية الأم. تم التوقيع على الإعلان بمدينة فرانكفورت في 25 يناير عام 1992.
نصّت الفقرة الأولى من إعلان فرانكفورت على مبدأ حقّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وتقرأ كالآتي: "بعد نهاية الفترة الانتقالية يُجرى استفتاء عام في جنوب السودان لاستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسية دون استبعاد أي خيار."
فتح إعلان فرانكفورت القمقم وخرج المارد ولم يعد بإمكان أحدٍ إعادته. وأصبح تقرير المصير منذ ذلك اليوم حقّاً لشعب جنوب السودان بمقتضى اتفاقٍ وقّع عليه أحد كبار المسئولين السودانيين في الدولة والحزب الحاكم والحركة الإسلامية مع حركة جنوبية مقاتلة. كما أصبح إعلانُ فرانكفورت السابقةَ التي ستنبني عليها الاتفاقيات اللاحقة التي تضمّنت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.


5
ثانياً: مبادئ الإيقاد - يوليو 1994:
انبنت مبادئ الإيقاد للسلام في السودان والتي صدرت في 20 يوليو عام 1994 على إعلان فرانكفورت الذي أشارت إليه في ديباجتها. وقد تضمّنت الفقرة الثانية من مبادئ الإيقاد إشارةً صريحةً إلى مبدأ حق تقرير المصير ونصّت على الآتي: "يجب التأكيد على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لتحديد وضعه المستقبلي عن طريق الاستفتاء."
وذهبت مبادئ الإيقاد خطوةً أبعد حين أعطت نفس الحق للأقليات الأخرى في السودان إذا تمَّ خرق لمبدأ علمانية الدولة السودانية أو لأيٍ من حقوق هذه الأقليات.
يجب التذكير هنا أن حكومة الإنقاذ هي التي طلبت وساطة منظمة ودول الإبقاد.


6
ثالثاً: اتفاق القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية: يوليو 1994:
وقّع الدكتور أحمد السيد حمد ممثلاً للحزب الاتحادي الديمقراطي، والسيد يوسف كوه مكي ممثلاً للحركة الشعبية على اتفاق القاهرة في 13 يوليو عام 1994، بحضور السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق.
وقد نصّ الإعلان على أنه في حالة الإخلال أو العدول عن المبادئ الأساسيَّة التي يتم الاتفاق عليها في المؤتمر القومي الدستوري، يكون للطرف أو الأطراف المتضرِّرة الحق في تقرير مصيرها، وذلك عن طريق استفتاء للطرف المعني. ويجب الالتزام بنتيجة الاستفتاء.
وأضافت الفقرة الثامنة "يتفق الطرفان أن مشروع إعلان المبادئ المقدَّم من دول "الإيقاد" يعتبر خطوةً إيجابيَّة تُعبِّر عن اهتمام دول الجوار بمشاكل السّودان، بشرط أن تكون الأولوية لوحدة السودان."
ورغم الاستحياء من استخدام تعبير "حق تقرير المصير"، إلا أن الإشارة إلى مبادئ الإيقاد قد بدّدت أي شك في قبول الحزب الاتحادي الديمقراطي لمبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.


7
رابعاً: اتفاق شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية – ديسمبر 1994:
تم التوقيع على الاتفاق بين حزب الأمة والحركة الشعبية في مدينة شقدوم في جنوب السودان بواسطة السيدين عمر نور الدائم ومبارك الفاضل ممثلين لحزب الأمة، والسيد سلفا كير ممثلاً للحركة الشعبية في 12 ديسمبر عام 1994.
وقد نصّت الفقرة الثانية على الآتي: "نقر أن تقرير المصير حقٌ أساسيٌ للناس وللشعوب."
ثم ذكرت الفقرة الثالثة: "نؤكد قبولنا لحق تقرير المصير لسكان جنوب السودان على أن يمارس ذلك الحق عن طريق استفتاء حر تراقبه الأسرة الدولية."
وهكذا انضم حزب الأمة إلى الحزب الاتحادي الديمقراطي في الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، رغم رفضه حتى لاتفاق الميرغني قرنق الذي لم يتضمن غير المؤتمر الدستوري وتعليق تطبيق قوانين سبتمبر.


8
خامساً: اتفاق قوى المعارضة السودانية الرئيسية – ديسمبر 1994:
عقدت قوى المعارضة السودانية الرئيسية اجتماعاً في 27 ديسمبر 1994، بمدينة أسمرا بدولة إريتريا. وقد شارك في الاجتماع السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق، والدكتور عمر نور الدائم، والعميد عبد العزيز خالد.
وقد وقّع القادة الأربعة على اتفاق قوى المعارضة السودانية الرئيسة. شمل الاتفاق الفقرات التالية:
"إجازة حق تقرير المصير لجنوب السودان على أن يُمارس بعد فترة انتقالية يتفق عليها في مؤتمر المعارضة السودانية الموسّع.
تلتزم الأطراف بالعمل سوياً لبناء جسور الثقة خلال المرحلة الانتقالية وبناء السودان الجديد بتنفيذ الاتفاقيات أعلاه حتى يأتي خيار تقرير المصير تعزيزاً لوحدة السودان الجديد الموحّد."
وهكذا أصبح كلٌ من الحزبين "الكبيرين" شاهداً على الآخر.
يُلاحظ غياب الحزب الشيوعي السوداني من هذا اللقاء. وقد استبعدته الحكومة الإريترية بسبب مواقفه المؤيدة لنظام منقيستو هايلي ماريام الماركسي في إثيوبيا، والذي حارب الحركات الإريترية بضراوةٍ وعنفٍ كبيرين.


9
سادساً: إعلان أسمرا – التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية - يونيو 1995:
عقد التجمع الوطني الديمقراطي اجتماعاً موسّعاً في العاصمة الإريترية وأصدر في 23 يونيو عام 1995 إعلان أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية - قـرار حـول قضيـة تقـريـر المصيـر). وقد وقّع على إعلان أسمرا كلٌ من حزب الأمة، الحزب الاتحادي الديمقراطي، الحزب الشيوعي السوداني، الحركة الشعبية لتحرير السودان، القيادة الشرعية للقوات المسلحة، قوات التحالف السودانية، النقابات، مؤتمر البجا، تجمع الأحزاب الأفريقية السودانية، وبعض الشخصيات الوطنية.
وقد نص إعلان أسمرا على الآتي:
"أولاً: إن حق تقريـــر المصير حقٌ إنسانيٌ ديمقراطيٌ أساســـيٌ للشعوب يحـــق لأيّ شعب ممارسته في أيّ وقت.
ثانياً: الاعتراف بأن ممارسة حــق تقريــــر المصير توفّر حلاً لقضية إنهاء الحـــرب الأهلية الدائرة وتُيسّر استعادة الديمقراطية في السودان وتعزيزها.
ثالثاً: إن شعب جنوب الســـــودان (بحدوده القائمـــة في أول يناير 1956) سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية."
وهكذا حسمت أحزاب المعارضة أمرها فيما يتعلق بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وقبلته صراحةً ودون أي شروط. ولا بُدَّ من التذكير أن هذه هي نفس الأحزاب (ومعظمها بنفس القيادات) هي التي رفضت من قبل حتى النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
تُرى هل هي سيريالية وعبثية المسرح السياسي السوداني، أم ذكاء الحركة الشعبية، أم الأثنان معاً؟


10
سابعاً: الميثاق السياسي بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية - أبريل 1996:
بعد مفاوضاتٍ قصيرة بين حكومة الإنقاذ وبعض الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية، وقّع على الميثاق السياسي اللواء الزبير محمد صالح ممثلاً لحكومة الإنقاذ مع ممثلي حركة استقلال جنوب السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان "مجموعة بحر الغزال." وقد تم التوقيع في الخرطوم في 10 أبريل عام 1996.
وقد نصت الفقرة الثالثة من الميثاق على الآتي:
"بعد تحقيقٍ كاملٍ للسلام والاستقرار، وتحقيق قدرٍ معقول من التنمية الاجتماعية في جنوب البلاد، وفي نهاية الفترة الانتقالية، يُجرى استفتاء بين مواطني الولايات الجنوبية وذلك لتحقيق التطلعات السياسية للمواطنين."
كان الميثاق السياسي هو الوثيقة الثانية بعد إعلان فرانكفورت التي توقّعها حكومة الإنقاذ مع الحركات المنشقة من الحركة الشعبية تعترف فيها الإنقاذ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.


11
ثامناً: اتفاقية الخرطوم للسلام بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقة من الحركة الشعبية - أبريل 1997:
اعتبرت الأطراف الموقّعة على الميثاق السياسي تلك الوثيقة بأنها إعلان مبادئ وقررت التوسّع فيها باتفاقية الخرطوم التي وقّعها الفريق الزبير محمد صالح ممثلاً لحكومة الإنقاذ مع عددٍ من الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية في 21 أبريل عام 1997. وقد شملت قائمة الموقعين من أبناء الجنوب الدكتور رياك مشار والقائد كاربينو كوانين.
تضمّنت اتفاقية الخرطوم للسلام تفاصيل دقيقة لحق تقرير المصير، والفترة الانتقالية، وتقاسم السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، ودمج قوات الفصائل في القوات المسلحة السودانية.
ونصت الفقرة "ب" من اتفاقية الخرطوم على الآتي:
"1. يكون لجنوب السودان خلال سنوات الفترة الانتقالية الأربعة وضع خاص بالمعنى الوارد في هذه الاتفاقية.
2. يسبق التدابير الانتقالية إعلان عن وقف دائم لإطلاق النار وإعلان العفو العام.
3. يمارس مواطنو جنوب السودان حق تقرير المصير من خلال استفتاء شعبي."
وقد شملت اتفاقية الخرطوم نصوص مفصلة عن الاستفتاء ومن يحقُّ له المشاركة فيه، وطريقة إجرائه ومراقبته دولياً، وخياري الوحدة والانفصال.


12
تاسعاً: اتفاقية فشودة بين حكومة الإنقاذ والفصيل المتحد المنشق من الحركة الشعبية – سبتمبر 1997:
انضم إلى اتفاقية الخرطوم للسلام الدكتور لام أكول رئيس الفصيل المتحد المنشق من الحركة الشعبية، عبر اتفاقية فشودة التي وقّعها معه السيد موسى المك كور ممثلاً لحكومة الإنقاذ في 20 سبتمبر عام 1997. وقد أضافت اتفاقية فشودة ثلاثة بنود جديدة لاتفاقية الخرطوم تتعلق بتعديل الاتفاقية ومجلس تنسيق الولايات الجنوبية.


13
عاشراً: دستور السودان لعام 1998:
في 28 مارس عام 1998 أجاز المجلس الوطني دستور السودان لعام 1998، ووقّع عليه السيد رئيس الجمهورية، ودخل حيّز التنفيذ في 30 يونيو عام 1998. وهذا أول دستورٍ للسودان منذ انقلاب 30 يونيو عام 1989، وأشرف على وضعه الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس الوطني وقتها. وقد عُرِف أيضاً بـ "دستور التوالي."
نصّت المادة 137 من الدستور على استمرار العمل بالمرسوم الدستوري الرابع عشر (تنفيذ اتفاقية الخرطوم للسلام) لسنة 1997 على أن ينتهي نفاذه عند انتهاء الفترة الانتقالية المذكورة فيه. كما تضمّنت المادة 139 من الدستور إشارةً واضحة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان حيث نصّت تلك المادة: "إن لجنوب السودان نظاماً انتقالياً لأجل يكون فيه اتحادياً وتنسيقياً وينتهي بممارسة حق تقرير المصير."
وهكذا أعطت هاتان المادتان من الدستور اتفاقية الخرطوم للسلام صفةً دستوريةً متكاملة.
كما أن الدستور قد كسر حاجز الاستحياء والخوف من استعمال مصطلح "تقرير المصير" وأزال أي ادعاء قد يثيره البعض بغموض النصوص المتعلقة به.


14
حادي عشر: اتفاق جيبوتي – نداء الوطن – حزب الأمة وحكومة الإنقاذ - نوفمبر 1997:
تأتي أهمية اتفاق جيبوتي بين حزب الأمة وحكومة الإنقاذ أنه أول اتفاقٍ شمالي – شمالي يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد شارك في اجتماع جيبوتي الرئيس عمر البشير والسيد الصادق المهدي، ووقع على الاتفاق السيدان مبارك الفاضل ومصطفى عثمان إسماعيل في 25 نوفمبر عام 1999.
نصت الفقرة "ط" من اتفاق جيبوتي على الآتي:
"إكمال تلك الاجراءات في فترة انتقالية قدرها أربعة أعوام، في نهايتها يُستفتى جنوب البلاد بحدوده عام 1956 ليختار بين وحدة طوعية بسلطات لامركزية يتفق عليها، أو الانفصال."
وقد شملت الإجراءات التي أشارت إليها الفقرة أعلاه إزالة آثار الحرب الأهلية وإقامة نظامٍ فيدرالي.


15
ثاني عشر: مذكرة تفاهم بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي - فبراير 2001:
بعد انقسام الحركة الإسلامية الحاكمة في السودان عام 1999 إلى حزبي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، أصبح حزب المؤتمر الشعبي هو الحزب الوحيد في الساحة السياسية السودانية الذي لم يوقّع على اتفاقٍ يعترف فيه بحق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره.
لكن لم يمض وقتٌ طويلٌ على المفاصلة حتى انضم المؤتمر الشعبي إلى القائمة الطويلة للأحزاب الشمالية التي اعترفت بحق تقرير المصير لجنوب السودان. فقد التقى وفد المؤتمر الشعبي المكون من السيدين المحبوب عبد السلام وعمر إبراهيم الترابي بوفدٍ من الحركة الشعبية مكونٍ من السيدين باقان أموم وياسر عرمان في جنيف بسويسرا. وقّع الطرفان في 19 فبراير عام 2001 على مذكرة تفاهم عُرِفت بـ "اتفاق جنيف."
وقد نصت الفقرة الرابعة من مذكرة التفاهم على الآتي:
"يؤكد الطرفان أن حق تقرير المصير حقٌ إنساني مشروع وأن وحدة السودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية، وقد أدان الطرفان محاولات النظام التنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة."
وكما حدث مع الأحزاب الشمالية الأخرى وحكومة الإنقاذ فقد كانت المزايدات والمكايدات السياسية هي السبب الرئيسي الذي دفع بحزب المؤتمر الشعبي إلى الاتفاق مع الحركة الشعبية.


16
ثالث عشر: بروتوكول مشاكوس بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية - يوليو 2002:
ظلّت حالة التوازي في الاتفاقيات الخاصة بحق تقرير المصير هي السمة الرئيسية لتلك الاتفاقيات. فحكومة الإنقاذ كانت قد وقّعت كل اتفاقياتها التي اعترفت فيها بحق تقرير المصير مع الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية. من الجانب الآخر كانت اتفاقيات التجمع الوطني الديمقراطي وأحزابه مع الحركة الشعبية الأم.
غير أن تلك الروافد من الاتفاقيات جميعها، من الحكومة والمعارضة معاً، صبّت في بروتوكول مشاكوس الذي وقّعه الدكتور غازي العتباني ممثلاً لحكومة الإنقاذ مع السيد سلفا كير ممثلاً للحركة الشعبية الأم في 20 يوليو عام 2002 في منتجع مشاكوس في كينيا.
خلال التفاوض، وعندما حاول وفد حكومة الإنقاذ المراوغة والتنصّل من حق تقرير المصير، قام وسطاء الإيقاد بوضع صورٍ من كل تلك الاتفاقيات على طاولة التفاوض، مما ألجم الوفد الحكومي وأحرجه، واضطره إلى التوقيع على بروتوكول مشاكوس.
نصّت الفقرة 1 -3 من بروتوكول مشاكوس على الآتي:
"شعب جنوب السودان له الحق في تقرير المصير وذلك، ضمن أمورٍ أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً."
كما نصت الفقرة 2 -5 من البروتوكول عل الآتي:
"عند نهاية الفترة الانتقالية التي مدتها سِتُّ (6) سنوات، يكون هناك استفتاء لشعب جنوب السودان تحت رقابة دولية، يتم تنظيمه بصورة مشتركة بواسطة حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان لكي: يؤكد وحدة السودان عن طريق التصويت لاعتماد نظام الحكم الذي تمّ وضعه بموجب اتفاقية السلام، أو التصويت للانفصال."
وهكذا حسم الطرفان الرئيسيان النزاع الشمالي الجنوبي بالتوقيع على بروتوكول مشاكوس، وأنهيا بذلك الجدل حول حق تقرير المصير. تمَّ التوقيع على البروتوكول تحت أضواء الكاميرات، وبحضور ومشاركة عدّة وسطاء، ودول أفريقية وعربية وغربية، وشخصيات عالمية، وبمباركة مجلس الأمن الدولي.


17
رابع عشر: اتفاقية السلام الشامل بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية - يناير 2005:
تواصلت المفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية على بقية القضايا العالقة. وتم في 9 يناير عام 2005 توقيع اتفاق السلام الشامل (أو اتفاقية نيفاشا) بين الطرفين. تضمّنت الاتفاقية البروتوكولات الستة التي اتفق الطرفان عليها (مشاكوس، الترتيبات الأمنية، تقاسم السلطة، تقاسم الثروة، أبيي، ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق).
وقّع على اتفاقية السلام الشامل السيد علي عثمان محمد طه ممثلاً لحكومة الإنقاذ، والدكتور جون قرنق ممثلاً للحركة الشعبية، وعددٌ كبيرٌ من الشخصيات العالمية كشهود.


18
وهكذا انقضت حقبة المفاوضات الطويلة المتعثرة، وبدأت الفترة الانتقالية والتي انتهت بتصويت شعب جنوب السودان عام 2011 بما يشبه الإجماع لخيار الانفصال من السودان تحت مظلة حق تقرير المصير التي انتزعها جنوب السودان بجدارةٍ واستحقاق.


19
لقد ذَكَرَ القادةُ الشماليون للساسةِ الجنوبيين في يونيو عام 1958 أن لجنة الدستور قد أعطت مقترح النظام الفيدرالي لجنوب السودان "الاعتبار الكافي"، وقرّرت أنه لن يكون النظام المناسب للسودان.
لا بُدّ أن لسان حال الساسة الجنوبيين كان يقول لأولئك القادة الشماليين إن أبناء وبنات الجنوب قد أعطوا بدورهم مقترح الوحدة الجاذبة "الاعتبار الكافي" وقرّروا في 9 يناير عام 2011، بما يشبه الإجماع، أنه لن يكون النظام السياسي المناسب لجنوب السودان.
عليه فقد انقلب السحرُ على الساحر، وأصبحت عبارة "الاعتبار الكافي" التي سئم منها الجنوبيون وأحبطتهم منذ عام 1958، قاربَ النجاة في يناير عام 2011 من الحرب والموت والظلم والعهود المنقوضة من القوى السياسية الشمالية.


20
كان مطلب القيادات السياسية الجنوبية الأساسي منذ أربعينيات القرن الماضي هو إقامة نظامٍ فيدرالي بين شطري البلاد. وقد كان ذلك المطلب متواضعاً ومنطقياً وعملياً في ضوء التباينات الثقافية والدينية والعرقية واللغوية بين طرفي البلاد. لكن جميع الأحزاب الشمالية رفضت بعنادٍ وإصرارٍ غريبين ذلك المطلب العادل.
أدّى ذلك الرفض المتواصل والمتغطرس لمطلب الفيدرالية إلى رفع سقف مطالب الجنوب تدريجياً، وبروز حق تقرير المصير الذي انتزعته الحركة الشعبية بذكاءٍ وحنكةٍ فائقتين من حكومة الإنقاذ، ثم من كل الأحزاب الشمالية، ولم يكن "جميلتنا" على الإطلاق.
وقد قاد حق تقرير المصير إلى انشطار البلاد وبروز دولتين مُحمّلتين بكل أثقال النزاع الطويل من بؤسٍ وفقرٍ وتخلّفٍ وانقساماتٍ وحروب أهلية وقبلية واستبدادٍ وفساد.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org