1

تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى مقال الأستاذ خالد موسى دفع الله الذي نشره في 16 مايو عام 2017 (أي قبل أكثر من عام) على عددٍ من الصحف الالكترونية والورقية بعنوان "الإسلاميون وانفصال جنوب السودان." وقد ابتدر الأستاذ خالد مقاله بالقول:
"يترقب الوسط السياسي قريبا صدور كتاب جامع مانع عن اتفاقية السلام الشامل من افواه صانعيها بعد ان اكتملت فصوله وتحقيقه وتدقيق اللمسات الاخيرة ليضيف للمكتبة السودانية سفرا نوعيا يسد فراغا هاما في التوثيق والادب السياسي المعاصر."
وبعد وصفٍ وإطراءٍ طويلين للكتاب الموعود حاول الأستاذ خالد موسى في مقاله أن يجادل أن إعلان فرانكفورت الذي وقّعته حكومة الإنقاذ مع الدكتور لام أكول عام 1992 لم يمنح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير. ثم زاد على ذلك بالقول إن التجمع الوطني الديمقراطي هو أول من منح الجنوب حق تقرير المصير في مقررات أسمرا عام 1995، وأن كل ما فعلته الإنقاذ هو أنها سارت على درب التجمع في بروتوكول مشاكوس عام 2002، واتفاقية السلام الشامل عام 2005.


2
وقد ذكرنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات أن هذا الكتاب لم يصدر بعد، رغم مرور أكثر من عامٍ على وعد الأستاذ خالد أن الكتاب سيصدر "خلال أسابيع." كما قمنا بالردِّ على مسألتين هما:
أولاً: لماذا تأخّر صدورُ كتابِ الإسلاميين عن اتفاقية نيفاشا رغم وعد الأستاذ خالد موسى قبل أكثر من عام أن الكتاب سيصدر في غضون أسابيع؟
ثانياً: لماذا لا يعتد ويعتمد المؤرخون على كتابات وإفادات الأشخاص الذين ساهموا في صنع الأحداث موضوع الكتاب والمقال؟
وقد ناقشنا في المقال السابق بالتفصيل إعلان فرانكفورت وأوضحنا أنه في حقيقة الأمر أول وثيقةٍ توقّعها حكومةٌ في الخرطوم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.


3
كما ذكرنا في المقال السابق فقد استخدم إعلان فرانكفورت كلمة .Plebiscite
وكما أوضحنا أيضاً فقد حاول الأستاذ خالد موسى في مقاله الذي نقوم بالردِّ عليه في هذه السلسلة من المقالات أن يجادل أن هذه الكلمة تعني "المشاورات غير الملزمة." وخلص من إعطاء هذه الكلمة هذا المعنى إلى أن إعلان فرانكفورت لم يمنح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير. وأضاف الأستاذ خالد "لكن بمراجعة النص الوارد في الإعلان فإن كلمة تقرير المصير او الاستفتاء لم ترد مطلقا في اعلان فرانكفورت و ينسف هذا تلقائيا كل الادعاءات والمزاعم بان اول من أعطي حق تقرير المصير هو الحكومة الحالية." ويبدو أن هذا الزعم الخاطئ هو ما سوف يقوم الكتاب الموعود بالاعتماد عليه والإفاضة فيه.
سوف نقوم بالرد على هذا الادعاء الخاطئ، بل الممعن في الخطأ، في هذا المقال والمقال القادم.


4
لمعرفة معنى كلمة Plebiscite فيمكن ببساطة شديدة الرجوع إلى القواميس الإنجليزية، وحتى العربية أيضاً. وسنصل إلى أن معنى الكلمة هو الاستفتاء وليس المشاورات غير الملزمة كما زعم الأستاذ خالد. وكما ذكرنا من قبل فإنه لا مجال للاجتهاد في معنى كلمةٍ من لغة أجنبية.
أولاً: يعتمد أساتذة وباحثو وطلاب القانون في كل العالم على "قاموس أكسفورد للقانون" لمراجعة معاني الكلمات الإنجليزية ذات المضون القانوني. فكيف عرّف ذلك القاموس تلك الكلمة؟ لقد عرّف القاموس الكلمة كالآتي:
Plebiscite means “A public referendum or vote by the population of a territory to determine its choice of sovereignty or secession of the territory” Oxford Dictionary of Law.
ويمكن ترجمة هذه الجملة كالآتي "تعني كلمة Plebiscite الاستفتاء الشعبي أو التصويت بواسطة سكان إقليم لتحديد خيارهم في السيادة او انفصال الإقليم."
وهذا نصٌّ واضح ولا غموض فيه، ولا يحتاج للشرح، ولا مكان فيه للاجتهاد. الكلمة تعني ببساطة وبوضوح الاستفتاء.
ثانياً: عند الرجوع إلى قاموس المورد (عربي – إنجليزي) الصادر من دار العلم للملايين في بيروت سيجد القارئ أن كلمة استفتاء في اللغة العربية تقابلها في اللغة الإنجليزية الكلمات: referendum – plebiscite - poll
وهذا يعني أنها كلمات مترادفة تحمل نفس المعنى – الاستفتاء.
ثالثاً: بالرجوع إلى ترجمة قوقل على الموقع الإسفيري سوف يجد الباحث أن كلمة plebiscite معناها استفتاء.
عليه فلا بُدَّ من التساؤل: من أين استمد الأستاذ خالد المقدرة على محاولة تغيير معنى كلمة ثابت ومتفق عليه، ومن لغةٍ أجنبية، ليحاول تبرئة إخوة الدين والدرب والسياسة؟
رابعاً: بعد أسابيع من توقيع الدكتور علي الحاج والدكتور لام أكول على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 بدأت مفاوضات أبوجا. وقد أثار الجنوبيون مسألة حق تقرير المصير التي منحهم لها إعلان فرانكفورت. لم يحاول أعضاءُ وفد حكومة الإنقاذ المفاوض الجدلَ أن الإعلان لم يمنح الجنوب حق تقرير المصير كما يحاول الأستاذ خالد أن يجادل الآن. بل كان ردّهم مرتبكاً ومتعثّراً وأغضب الوسطاء النيجيريين وساهم في إنهاء وساطة نيجيريا التي اقتنعت بعدم جديّة حكومة الإنقاذ، كما سنناقش أدناه.


5
كما ذكرنا في المقال السابق فقد اتفق الطرفان بموجب إعلان فرانكفورت على حضور جولة المفاوضات المقترحة القادمة في أبوجا.
كان الرئيس البشير قد التقى السيد إبراهيم بابنجيدا رئيس جمهورية نيجيريا خلال مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية في أبوجا في يوليو عام 1991 وطلب منه وساطة نيجيريا للمساعدة في حلِّ النزاع في السودان. كانت الحكومة السودانية لا تثق في دول الجوار السودانية (إثيوبيا وكينيا ويوغندا)، وتعتقد أنها لا يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً في النزاع بحكم علاقتها الوطيدة بالحركة الشعبية، وبحكم العلاقات الجغرافية والتاريخية والثقافية والعرقية التي تربطها بشعب جنوب السودان.
إضافةً إلى هذا كانت الحكومة السودانية تعتقد أن نيجيريا التي واجهتْ محاولة انفصال إقليم بيافرا وهزمتها في الستينيات ستكون أكثر تعاطفاً مع السودان الذي يواجه وضعاً مماثلاً في الجنوب. كما أن هناك أوجه شبهٍ كثيرة، حسب رؤية الحكومة السودانية، بين نيجيريا والسودان في الشمال المسلم والجنوب المسيحي أو الوثني في كليهما، والذي نتج عنه قيام نظامٍ فيدرالي في نيجيريا له تجربة في قضايا اقتسام السلطة والثروة بين الإقليم والمركز. كما أن تولّي السيد بابنجيدا رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية ذاك العام كان سيعطي وساطته السلطة القانونية والسياسية والمعنوية المطلوبة للنجاح.
غير أن وساطة نيجيريا تأخّرت بعض الوقت بسبب المشاكل والانقسامات التي تعرّضت لها الحركة الشعبية في أغسطس عام 1991، ثم بسبب محاولات الحكومة السودانية استثمار وتعميق ذلك الانقسام، ثم اتصالاتها ومفاوضاتها مع فصيل الناصر التي أخذت عدّة أشهر. وقد نتج عن تلك المفاوضات إعلان فرانكفورت في شهر يناير عام 1992، والذي اعترف، كما ناقشنا من قبل، بحق تقرير المصير لشعب الجنوب. وقد أشار إعلان فرانكفورت إلى مفاوضات أبوجا وضرورة انعقادها في أقرب وقتٍ ممكن.


6
تمّ لقاء أبوجا في الأسبوع الأخير من شهر مايو عام 1992، بعد أربعة أشهر من إعلان فرانكفورت. وقد شاركت في المفاوضات التي بدأت في يوم 26 مايو ثلاثةُ وفودٍ مثّلت الحكومة السودانية، والحركة الشعبية الأم، وفصيل الناصر. قاد وفد الحكومة الذي تكون من خمسة عشر عضو السيد محمد الأمين خليفة، وشمل الدكتور علي الحاج كناطقٍ رسميٍ باسم الوفد، والدكتور عبد الله ادريس، والعميد كمال علي مختار اللذين شاركا في مفاوضات أديس أبابا ونيروبي، والسيدين جورج كنقور أروب، وبيتر شارلمان من أبناء الجنوب. شمل الوفد أيضاً الدكتور حسين سليمان أبو صالح وزير الرعاية الاجتماعية. قاد وفد الحركة الشعبية الأم السيد ويليام نون بانجو، وشمل السادة أليجا مالوك، ونيال دينق نيال، ودينق ألور، وجستين ياك، وكذلك السيد عبد العزيز الحلو. أما وفد فصيل الناصر فقد قاده الدكتور لام أكول وشمل بين أعضائه السيدين جون لوك، وتعبان دينق.
وقد كان اهتمام الحكومة النيجيرية بالمفاوضات كبيراً إذ افتتح الجلسة السيد وزير الخارجية النيجيري. والتقى السيد إبراهيم بابنجيدا برؤساء الوفود الثلاثة كلٍ على حدة، واتفقت هذه الوفود على أن تترأس نيجيريا الجلسات، وقد قام الدكتور تونجي أولاقونجو، وزير الداخلية بذلك. كما أن وفداً نيجيرياً رفيعاً، شمل المبعوث الخاص لرئيس جمهورية نيجيريا، السيد أولا سانو، حضر جلسات المفاوضات.


7
بدأت الخلافات منذ الساعات الأولى للاجتماعات عندما طالب وفد فصيل الناصر بإضافة حق تقرير المصير إلى الأجندة التي لم تشمل ذلك البند. وقد اعترض الوفد الحكومي على ذلك بحجة أنه لم يكن هناك اتفاق على تضمين ذلك البند في الأجندة. أشار فصيل الناصر إلى إعلان فرانكفورت والذي فوجئت به الحكومة النيجيرية التي لم تكن على درايةٍ به وبخلفياته ومضمونه.
دار جدلٌ حول إلزامية الإعلان، وأثار وفد حكومة الإنقاذ أن الحركة الشعبية الأم ليست طرفاً فيه، وعليه لا يمكن أن يكون جزءاً من أجندة المفاوضات. وتواصل الجدل في هذه المسألة طيلة اليوم الأول للمفاوضات.
مثّل حق تقرير المصير النقطة الجامعة لوفدي الحركة الشعبية - الأم وفصيل الناصر - إذ سرعان ما أعلنا أنهما قد توحّدا في وفدٍ واحد حول برنامجٍ تفاوضي مشترك. كان ذلك الإعلان خبراً مفاجئاً وغير متوقّع وغير سار للوفد الحكومي الذي رهن تحركاته واستراتيجيته التفاوضية على الإنقسام داخل الحركة.
هنا أصرّت الحكومة على الحصول على صورة من هذا البرنامج المشترك، ولكن رفض الوفدان ذلك ووافقتها سكرتارية المفاوضات النيجيرية. بعد مداولاتٍ ورفعٍ للجلسات ثم استئنافها، شكّلت الحركة الشعبية الأم وفصيل الناصر وفداً تفاوضياً واحداً برئاسة السيد ويليام نون، وأصبح الدكتور لام أكول نائباً لرئيس الوفد.


8
حاول وفد الحكومة المفاوض التنصّل من حق تقرير المصير وأدّعى أن الحكومة وقّعت على إعلان فرانكفورت مع فصيل الناصر، وبما أن هذا الفصيل لم يعد له وجودٌ قانونيٌ منفصل في المفاوضات فهي في حلٍّ منه. اعترض وفد الحركة الموحّد على ذلك وتعثّرت المفاوضات بسبب هذه المسألة.
تواصلت المفاوضات بعد تدخّل الوسيط النيجيري الذي اقترح البدء بالأجندة المتفق عليها والعودة لاحقاً إلى إعلان فرانكفورت.
وافق الطرفان على ذلك وتواصل النقاش حتى 4 يونيو عام 1992 عندما اتفق الطرفان ووقّعا على البيان المشترك. لم يكن ذلك البيان سوى اتفاقٍ على الاتفاق على مواصلة الجهود الرامية للتوصّل إلى التسوية السياسية الشاملة وضرورة خلق جوٍ ايجابي للمفاوضات بالعمل نحو إجراءاتٍ مؤقتة، لخلق جوٍ من الثقة بين الطرفين. كما شمل البيان الاتفاق على الاجتماع مرةً أخرى في وقتٍ لاحق تحدّده الحكومة النيجيرية لمواصلة النقاش في الإجراءات المؤقتة.
يلاحظ أن وفد حكومة الإنقاذ لم يحاول أن يجادل، كما حاول الأستاذ خالد موسى في مقاله، أن إعلان فرانكفورت أعطى جنوب السودان فقط حق المشاورات غير الملزمة، وليس حق تقرير المصير. ارتكز جدل وفد الحكومة على أن إعلان فرانكفورت كان مع الفصيل المتحد الذي لم يعد له وجود، وعليه فحكومة الإنقاذ في حلٍّ من هذا الاتفاق. وقد كان رد الوسطاء النيجريين أن إعلان فرانكفورت منح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وليس لفصيلٍ في الحركة الشعبية، لذا لا يمكن التراجع عنه. وقد أبدت نيجيريا دهشتها وغضبها أن الحكومة التي طلبت وساطتها لم تكن أمينةً وتخبرها عن إعلان فرانكفورت.


9
بعد انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات أبوجا قامت نيجيريا بصياغة مقترحات الإجراءات الانتقالية التي أشار إليها البيان المشترك في يونيو عام 1992، والتي تضمّنت تفاصيل للنظام الدستوري والقانوني الذي سيُحكم بموجبه الجنوب خلال الفترة الانتقالية. وقد انبنت المقترحات النيجيرية على النظام الفيدرالي، مستندةً على التجربة النيجيرية، وشملت تفصيلاً دقيقاً لتوزيع السلطات بين الخرطوم وجوبا، وعلى طريقة تشكيل السلطة التشريعية والتنفيذية في الجنوب، ووقف إطلاق النار، ودمج قوات الحركة الشعبية بجناحيها في الجيش الوطني، مع تكوين شرطة جنوبية منفصلة. وأشارت المقترحات النيجيرية إلى تجميد تطبيق الشريعة الإسلامية في الجنوب، وكذلك على الجنوبيين في الشمال.


10
أغضبت المقترحاتُ النيجيرية الحكومةَ السودانية، خصوصاً مسألة تجميد تطبيق الشريعة الإسلامية. كما احتجّت الحكومة على إرسال المقترحات إلى الحكومة والحركة في وقتٍ واحد، إذ كانت الحكومة تتوقّع مناقشة المقترحات معها قبل عرضها على الحركة، وهو ما أدهش الوفد النيجيري الذي رأى نفسه وسيطاً نزيهاً غير منحازٍ لطرف.
من الناحية الأخرى تركّز ردّ فصيل الناصر على العودة إلى اتفاقية فرانكفورت، ورأى ضرورة التركيز على الاتفاق على الفترة الانتقالية وإجراءاتها، وعلى الاستفتاء الذي سيقرّر بموجبه شعب جنوب السودان نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم دون استبعاد أيِّ خيار.


11
في تلك الأثناء تدخّلت يوغندا وعرضت وساطتها على أطراف النزاع السودانية التي قبلتها بالتوازي مع الوساطة النيجيرية. وتمّ لقاءٌ في كمبالا بين وفدين برئاسة الدكتور علي الحاج والدكتور جون قرنق في فبراير عام 1993، اتفقا فيه على مواصلة الحوار. كانت تلك أول مرّة يلتقي فيها وفد حكومي بقائد الحركة الشعبية.
وكأن تلك المبادرات لم تكن كافيةً فقد قامت كينيا باستضافة لقاء بين السيد علي عثمان محمد طه والقائد ويليام نون في نيروبي في أبريل عام 1993. وقد اتفق الطرفان أيضاً على ضرورة مواصلة الحوار.


12
صبّت مبادرتا يوغندا وكينيا في مبادرة نيجيريا، وأدّت هذه اللقاءات إلى الاتفاق على عقد الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا في نهاية شهر أبريل عام 1993. وقد قاد وفد حكومة الإنقاذ السيد محمد الأمين خليفة، وشمل الدكتور علي الحاج، والدكتور نافع علي نافع، والسيد حسين سليمان أبو صالح، واثنين من أبناء الجنوب هما السيدان بيتر شارلمان، وميثانق ملوال. وقاد وفد الحركة الشعبية السيد سلفا كير، وشمل السادة يوسف كوه مكي، واليجا مالوك، ونيال دينق نيال، ودينق الور، وبونا ملوال.
وقد تغيّب فصيل الناصر عن المفاوضات بسبب إصرار الحركة الشعبية الأم على عدم مشاركة ذاك الفصيل، وكان ذلك مصدر ارتياح وسط الوفد الحكومي الذي لم يكن يود أن يتم فتح ملف إعلان فرانكفورت وتقرير المصير الذي وافق عليه مع فصيل الناصر.


13
غير أن إعلان فرانكفورت وقضية الاستفتاء ومطلب حق تقرير المصير عادت إلى الواجهة مرة ثانية رغم غياب فصيل الناصر الذي نجح في انتزاع هذا التنازل من الحكومة. كذلك برزت قضية الدين والدولة ومسألة تطبيق القوانين الإسلامية والتي كان واضحاً أن الوفد الحكومي غير مستعدٍ لتقديم أيّة تنازلاتٍ فيها بعد أن أحسّ بفداحة خطئه في الموافقة على حق تقرير المصير في فرانكفورت.
في تلك الأثناء كانت القوات الحكومية قد بدأت في تحقيق انتصاراتٍ على الحركة الشعبية واستعادة بعض المناطق التي كانت الحركة الشعبية قد احتلتها. وقد ساعد على رجحان كفة الحكومة العسكرية انهيار نظام منقيستو في إثيوبيا وفقدان الحركة الشعبية الأم لمصدر السلاح والعون وأراضي التدريب. أعطى هذا الوضعُ الجناحَ المتشدّد داخل نظام الإنقاذ اليد العليا، وبدأ الحديث داخل النظام عن التراجع عن الاتفاقيات والتفاهمات السابقة، خصوصاً إعلان فرانكفورت ومبدأ حق تقرير المصير الذي كانت الحكومة قد وافقت عليه.
عليه فقد انتهت الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا والتي امتدت من 26 أبريل وحتى 17 مايو 1993 بدون اتفاق. صدر بيانٌ من الحكومة النيجيرية المضيفة عقب القرار بإنهاء الجولة الثانية. وقد تضمّن البيان شرحاً مطولاً لأهداف المفاوضات وما تمّ الاتفاق عليه في الجولة الأولى. وقد أوضح البيان نقاط الاتفاق والخلاف بين الجانبين.


14
غير أن نيجيريا كانت قد وصلت إلى قناعة أن حكومة السودان تنقصها الإرادة السياسية للوصول إلى اتفاق، خصوصاً بعد إصرار الحكومة على تطبيق الشريعة الإسلامية، وتأرجح موقفها من إعلان فرانكفورت ومسألة تقرير المصير. وقد أغضب نيجيريا علمها أن وفداً حكومياً آخر كان يفاوض فصيل الناصر في نيروبي في نفس الوقت الذي كانت مفاوضات أبوجا جاريةً، مما اعتبرته عدم جدّية من جانب الحكومة السودانية.
وفي 27 أغسطس عام 1993 أعلن السيد بابنجيدا تنحيه عن رئاسة الجمهورية في نيجيريا. وبعد ثلاثة أشهر من عدم الاستقرار قفز الجنرال ساني أباشا على مقاعد السلطة في أبوجا. وكنتيجةٍ لهذه التطورات وفقدان نيجيريا الثقة في مصداقية حكومة السودان، توقفت وساطة نيجيريا، وانسدل الستار على فصل أبوجا بدون أيِّ اتفاق. وقد انتهت مع مفاوضات أبوجا محاولات نيجيريا التوسّط في النزاع السوداني، وعادت الكرة مرةً ثانية إلى ملعب دول شرق أفريقيا.


15
وقد لعب إعلان فرانكفورت ومحاولة وفد حكومة الإنقاذ التنصّل منه دوراً كبيراً في فشل مفاوضات أبوجا. بل إن الوفد النيجيري كان غاضباً بسبب إخفاء حكومة السودان لإعلان فرانكفورت. وقد سأل الوفدُ النيجيري وفدَ حكومة الإنقاذ عن سبب طلبهم وساطة نيجيريا (أو أيّة دولة أخرى) إذا كانت حكومة الإنقاذ قد وافقت كتابةً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان؟
كما أن وفد حكومة الإنقاذ لمفاوضات أبوجا لم يجادل إطلاقاً (كما يحاول الأستاذ خالد موسى أن يجادل الآن بعد ربع قرن من الزمان على إعلان فرانكفورت) أن أعلان فرانكفورت لم يعطِ شعب جنوب السودان حق تقرير المصير بل أعطاه فقط الحق في "المشاورات غير الملزمة."
إن هذا الادعاء من الأستاذ خالد هو محاولة أخيرة من الحركة الإسلامية للتنصّل من إعلان فرانكفورت. ولكنها محاولة متأخرة وخاطئة وساذجة، ولن يقبلها أي عاقلٍ.

وسنوضّح في المقال القادم كيف قاد إعلان فرانكفورت إلى مبادئ الإيقاد التي تضمّنت نصّاً واضحاً عن حق شعب الجنوب في تقرير مصيره.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.salmanmasalman.org