قراءة في السيرة الذاتية للتشكيلي إبراهيم الصلحي

(قبضة من تراب )


جاء في السيرة الذاتية للصلحي أنه تزوج من الأمريكية إيف الصلحي في عام إستقلال السودان في 1956م ، وكانت تدرس معه في مدرسة الإسليد للفنون بجامعة لندن، ثم إنه لايحدثنا عنها إلا أحاديث عابرة مختصرة مثل إنه رُزق منها بأربع أطفال وإنها عاشت ردحا من الزمان في حي العباسية بامدرمان ، وأنه طلقها بالتراضي في العام 1973م ومن ثم تزوج ببريطانية  هي كاترين أنجب منها أربع أطفال آخرين، ولازال فيما يبدو  من سياق سيرته يعيش معها حتى الآن 2013م ، مع وجود بعض الصور المتناثرة  لزوجتاه وأبناءه في ثنايا الكتاب .
وهذا لعمرك طريقة مقتضبة جدا  لتناول سيرة ذاتية فيما يخص أسرة مرتبطة عضويا بالمؤلف  خصوصا  أن هذه الاسرة لم تكن تقليدية تحمل نفس الثقافة والأفكار  والتوجه الذي يحمله أهل البلاد حيث يتوقع حياة تقليدية قد جمعت بين الطرفين وسارت بهما دروب الحياة  بتعاريجها المختلفة ولا حاجة لإدخال القاريء في تفاصيل لا داعي لها لا تضيف جديدا . وكنت قد قرأت مثل هذه السيرة المقتضبة عند اللواء مزمل سلمان غندور زميل الصلحي في مدرسة وادي سيدنا العليا الذي ذكر أنه متزوج من  حي العرضة بأمدرمان وأنه حرص علي أن يتعلم ابناءه ببريطانيا لأن بها بعض العلوم لازالت بريطانيا تحسن تعليمها ؟ فلم نشعر بأننا في حاجة إلي إضافة جديدة.
أما أن يذكر الصلحي أنه تزوج من فنانة تشكيلية مختلفة الثقافة بجامعة لندن ثم يعرض صفحا عن ذكر التفاصيل فذلك نقصٌ في سيرته الذاتية لأننا لانعرف مثلا كيف لهذه الزوجة التي عاشت ردحا من الزمان في نيويورك ولندن تقبلّت ببساطة أن تعيش في العباسية بأمدرمان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ! وسط بنايات الجالوص وانعدام الكهرباء والمواصلات والرعاية الطبية مقارنة ببيئتها الأولى ! ، وأن تنجب فوق ذلك أربعة أطفال فلا نعرف وجهة نظرها  في حياتها الجديدة ولاندري من جهة آخرى لماذا أوقفت نشاطها الفني وكرّست وقتها للأطفال وخدمة الصلحي  ؟  وكيف كان المجتمع التقليدي ينظر لهذه المرأة البيضاء في حواري امدرمان التقليدية ! وإن كانت موضة سائدة يومئذٍ عند كثير من الطلاب الذين سافروا للخارج للدراسة من لدن عبدالله الطيب وسعد الدين فوزي  وإبن خاله الدكتور ياجي الذي تزوج الفرنسية أمينة ياجي  فكانت سببا في تعليم أجيال اللغة الفرنسية بجامعة الخرطوم.
ثم أن الكاتب لايحدثنا عن نشأة أطفاله الباكرة وسط تجاذب ثقافي بين ثقافة إسلامية عربية تقليدية وثقافة أوروبية غالبة ! وكيف أثر ذلك في مستقبلهم وحدد خياراتهم  وميولهم المختلفة؟ وإلي أي جانب ارتاح الأطفال وجدانياً ؟ خصوصا بعد وقوع الطلاق وذهابهم للعيش نهائياً في لندن بلا أب  بعد أن اختار الصلحي قطر مهجراً بديلاً؟. ولم يعرفتا ايضا كيف كانت إتصالاته تتم مع أطفاله بعد أن افترق عن أمهم؟ وكيف كان يعتني بهم روحيا وماديا ؟ وهل حدث إختلال من بعد ذلك الشق الهائل في الحياة الزوجية التي ربطت بين الزوجين الفنانين وماذا عن فترة المراهقة في لندن وماذا ينصح الشباب الراغب في الزواج من ثقافات أخرى.
كذلك في زواجه الثاني لم يخبرنا لماذا اختار أن يتزوج من أوربية بيضاء مرة أخرى بالرغم من تجربته الفاشلة ؟ ولماذا لم يجرّب الزواج من سودانية مثلا لعل وعسى يجد  اختلافا عن تجربته الأولي؟ ، أما أن يختار الزواج من أوروبا مرة أخري ويصر عليه فذلك أمر كنا نود أن نعرف وجهة نظره فيه !.
كذلك لم يعرّفنا الكاتب بمهنة زوجته الثانية ودراستها الأكاديمية على عكس الأولي التي عرّف بأنها تشكيلية وإن أعرض تماما عن ذكر  أنشطتها الفنية وأغلب الظن أنها اعتزلت الفن التشكيلي وتفرّغت لتربية أبناءها في حي العباسية الامدرماني لعقد وأكثر من الزمان .
وفيما يبدو ايضا وهذا مجرد استنتاج أن أبناء وبنات الصلحي ربما لم يكونوا ممن  يميلون للتشكيل أو  يشغفون به بدليل أن الكاتب ذكر أن أولاده تضجروا جدا من تراكم لوحاته الفنية داخل بيته في الريف الإنجليزي بعد أن تعدت المرسم المخصص لها وزحفت حتي وصلت صالات الإستقبال !، وهذا غريب لأن جرثومة الفن  كانت تجرى في عروق أبويهم الإثنين وأعمامهم وعماتهم فلا كثير إهتمامهم ويتضجرون منها !.
كذلك لم يعرفنا الكاتب بمهن وميول أولاده  وقد تجاوز أكثرهم سن الاربعين وهذا سن يمكن أن يقيّم فيه الرجل أو المرأة وقليل منهم من يبدأ بداية جدية ناجحة بعد هذه السن على عكس إخوانه الذين ذكر في ثنايا سيرته مهنهم وميولهم المختلفة بتشويق نادر.
والأغرب من ذلك أن الكاتب لم يتطرق إطلاقا إلي اكثر اللحظات المؤثرة عاطفياً في حياة أي منا ونقصد بها وفاة الوالد والوالدة ولو بسطر واحد ، وكنا نود لو فعل .
المهم أن الصلحي كان شحيحاً جدا بالجانب الأسري في سيرته الذاتية.. فطالما أنه أنبري بتسجيلها ُمدخلا القاريء في تفاصيلها فلا يبخل عليه بجوانبها المختلفة وخصوصا وإن كانت بعض هذه الجوانب بها شخصيات وزوجات من ثقافات متنوعة جديرات بالإهتمام عشن ردحا من الزمان في السودان ورسمّن صورة ما عنه فى مخيلتهن من حق القارئ أن يطلّع على جزءٍ منها طالما أن هذا الأمر  رأي ولا إساءة فيه لأحد وحرية الرأي مكفولة للجميع ، وكيف واجهن صعوبات الحياة وتعقيداتها  في بيئة مختلفة عن بيئتهن وبالرغم من ذلك تطاولت عليهن السنين في السودان وخصوصا كبراهن أيف الصلحي  ونسى زوجهّن أن يذكر إشراقاتهن وعلاقاتهن مع السودانيات من أمثالهن .  

Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]