قراءة في السيرة الذاتيه للتشكيلي إبراهيم الصلحي

(قبضة من تراب )


Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الحقيقة أن موقف الفنان ابراهيم الصلحي غير المتوازن  بالمرة من نظام مايو قد صدمني ويمكن أن يصدم أي شخص آخر كان يتوقع أن يكون الفنان أكثر حيادية خصوصاً وأن صدامه مع مايو مر عليه قرابة الأربعين حولا وكنت قد أعتدت على مثل هذه المواقف الحادة التى لا ترى الا ابيضاً او اسوداً من قبل عامة الناس اما أن اقبلها من فنان تشكيلي مثقف وصل إلي درجة وكيل وزارة الثقافة والإعلام ودرس في الجامعات السودانية والبريطانية والأمريكية ، فهذا امر خطير ربما يمس قدرة السودانيين  بأجمعهم بمثقفهم وجاهلهم  على الحكم الموضوعي المتزن من القضايا المختلفة .
فمن يزعم ان النظام المايوي هو النظام الملائم للسودان  بلا أخطاء أو عيوب  فذلك انحراف بيّن عن جادة الصواب ،  ومن يرى ان النظام المايوي هو الشر بعينه ايضاً انحراف وخطأ كبير ، وكذلك الإنقاذ والديمقراطية وغيرها من أنظمة.
فكل نظام به قدر من الايجابيات وقدر من العيوب وأحياناً تطغى العيوب على الايجابيات واحياناً العكس لذلك الحكم على أي نظام بانه خيرٌ مطلق   او شرٌ مطلق  خطأٌ كبير .
هذا الامر الواضح  يفشل  كثير من السودانيين في استيعابه في مجالسهم المختلفة داخل البلاد وببلاد المهجر بحكم تجربتي المتواضعة ولكن أن يفشل  فيه  مثقف كبير مثل إبراهيم الصلحي  فهذه طامة كبرى .  
أحيانا يُخيل للمرء أن الأستاذ ابراهيم الصلحي اراد في بداية سيرته الذاتية أن يقدم أمر اعتقاله لست أشهر في  السجن حتي يعطي سيرته الذاتية تشويقا  وإثارة ونكهة محببة وأن يجلب تعاطف القراء  ممن سيقرأون كتابه وخصوصا من خارج السودان وهم كثر لأن الأستاذ الصلحي ربما يكون معروفا في الخارج أكثر مما هو معروف في الداخل لهجرته الطويلة التي تكاد تبلغ الأربع عقود هذا بخلاف فترة الدراسة والعمل لحساب حكومة السودان بلندن . بيد  أن فقدان القدرة على التعامل مع هذا الحدث بتوازن ومعقولية على مافيه من الم وصعوبة (تجربة السجن) لأي فرد دعك أن يكون فنانا تشكيليا ذا حساسية عالية أضعف روايته ورؤيته ومن بعدها سيرته الذاتية ، لأن التوازن مطلوب وإنصاف الآخرين كذلك مطلوب ، وأن نتحكم في غضبنا وأن لانطلق أنفسنا على سجيتها لمجرد تعرضنا لظلم ألم بنا،وأن نكن صادقين مع أنفسنا وننصف مناهضينا وأن  ندقق في كل ما أثير عن أنظمتنا الوطنية  كي  لا تكون رؤيتنا  مجافية للذوق والحق والخير والجمال ، لأن من شأن ذلك أن يشكك في القدرة الذهنية للكاتب ومقدرته على الحكم السليم الخالي من العواطف والميول الشخصية.
هذا الجزء من السيرة الذاتية الذي يتعرض فيه الاستاذ إبراهيم الصلحي لثورة مايو سيحزن الكثيرين ممن سيقرأونه لأنه بدأ متجنيا غاية في التجني ضد مايو وأن أحكامه عليها  يمكن أن  تنسف بواسطة أقل الناس دراية عما جرى في ثورة مايو دعك عن الناس الذين عايشوها وهذا الأمر سيفقد القراء  ثقتهم في الأستاذ الصلحي ولن تعتبر على المدى الطويل سيرة ذاتية ذات مصداقية عالية مما يعرضها للنسيان والتجاهل على عكس سيرة الشيخ بابكر بدرى على سبيل المثال .
أما عن الذين لا يعرفون شيئا عن مايو وعن الحكم في السودان وعن المشاكل والعقبات الكبري التي تواجه كل من حمل عبء الحكم والإدارة فسوف  يستمتعون بها إلي حين إكتشافهم عدم حيادية الكاتب  اثناء القراءة لأنها تظل واضحة تلمع من بين السطور.