قراءة في السيرة الذاتيه للتشكيلي إبراهيم الصلحي

(قبضة من تراب )


الفنان الصلحي كما بدأ لى يبخل كثيراً بذكر تجربته في السجن ويبخل بذكر من وجد يومئذٍ في سجن كوبر! وكان من ضمنهم المئات من الشيوعيين والاسلاميين ومن حزب الامة وغيرهم وكانوا من أفضل من نالوا تعليماً في هذه البلاد  وكانت قياداتهم كلها موجودة بالسجون ، الا ان الكاتب لأمر في نفسه لا نعلمه اكتفى بإسم او بإسمين ثم أعرض عن ذكر تجربته ومناقشاته وملاحظاته مما بدا لى ضعفاً بيناً في سيرته الذاتية لان السجن ورفاق السجن ونقاشات السجن من ما لاشك فيه من أكبر الدروس التى يمكن أن يمر بها فرد دعك عن فنان تشكيلي.
ومن المؤشرات الاخرى التى دللّت على ان الفنان التشكيلي قد هدأت  نفسه كثيراً في السجن وعادت اليه  طمأنينته شروعه في رسم لوحات تشكيلية بالاسود في أوراق جوالات الأسمنت الفارغة وحفظها والاستفادة منها في معارض دولية فيما بعد لشرح أثر السجن على الفنان التشكيلي. وفي ذلك إشادة خفية بالنظام المايوي من حيث يدرى ولايدري .
فالمرء لو حكى لبعض من ذاقوا تجربة السجن في السجون الناصرية او البعثية او القذافية  وأخبرهم ان السجون في العهد المايوي (1969-1985م ) تسمح لنزلائها بممارسة الفن التشكيلي (ولو من وراء حجاب ) لإعتبروا ذلك هزاراً سخيفاً لا يمكن تصديقه.
ثم ان الفنان وبإعترافه ذكر ان السلطات راقبته اياماً بعد خروجه ثم سهت عنه فشرع في الهجرة الى  الخارج دون ان يعترض على ذلك او يمنعه أحد مع العلم انه  شغل منصب وكيل وزارة ومثقف ويمكن أن يثير على النظام مشاكل كثيرة وان  يندّد به في الخارج  وأن يمرمط سمعته ، وكانت المعارضة المسلحة يومئذٍ بقيادة الصادق المهدي  والشريف الهندي والإخوان المسلمين تستعد للزحف على النظام عسكرياً من الجماهيرية الليبية بعد أقل من اشهر  معدودات من الافراج عنه ومن ثم شروعه في الهجر خارج البلاد .
والكاتب يذكر ايضاً في صفحات لاحقة ربما بغير قصد منه ( نتيجة لتنديده  المستمر بالنظام المايوي) انه وجد كل مرتباته ونثرياته محفوظة بالبنك طوال الشهور التى قضاها في السجن ! ويرجعها لعدم انتباه النظام ولا يرجعها لسماحة السودانيين من مراجعين ومحاسبين وزملاء  يومئذٍ وعدم رغبتهم في محاكاة النظام والسير على خطاه في ظلم أخ لهم .
والأغرب من ذلك ذكر التشكيلي انه لما عاد من مهجره في بريطانيا اوائل الثمانينيات  بعد ان ضاقت به الاحوال هناك  نتيجة لصرف كامل مدخراته من دولة قطر في شراء منزل مكون من 4 طوابق في لندن ! وجد ان استحقاقاته من الخدمة المدنية لدى حكومة السودان  متاحة ومتراكمة بالبنك - وهي سنوات خدمة قضاها بالتدريس بالمعهد الفني - كلية الفنون الجميله والتطبيقية  وأنها ساعدته كثيراً في بناء بيته في ضاحية الرياض بالخرطوم ! .
والفنان التشكيلي ابراهيم الصلحي تناول في احد الفصول اللاحقة تجربته بالعمل كوكيل لوزارة الثقافة والإعلام ويقول ان تقشف الدولة وجمود آليات الصرف المالي منعاه من تحقيق كثير من افكاره ومشاريعه الثقافية ، وانه عندما يحاول ان يدخل بند محل بند اخر يتدخل محاسبو الوزارة وينبئوه بشكل واضح عن ذلك التجاوز- في مؤشر مدهش على ان المحاسب السوداني  ليس موظفا فحسب  ولكن قاضي لا يتوانى في  إبداء وجهة نظره لوكيل  الوزارة لو وجد شبهة تجاوز في بنود  أوجه صرف المال يومئذ ! بالرغم من سخرية الفنان من البيروقراطية المالية المتفشية في الحكومة المايوية  وأنها أعاقت العمل الثقافي!.
وبالرغم من كل تلك المحاسن التي عجز التشكيلي عن إخفاءها عن ثورة مايو إلا أنه لا يتوانى  في كثير من صفحات سيرته الذاتية عن التبشيع بمايو والحط من قدرها والاستهانة بالقائمين عليها بسبب السته اشهر التى امضاها في السجن بسبب اللبس الذي حدث عندما قام إبن عمه المقدم حسن حسين بإنقلاب وحضور الصلحي إلي مكاتب الوزارة في صبيحة العطلة الرسمية وعدم حماسه أو إظهار حماسه على الأقل لوضع إمكانيات الوزارة تحت تصرف أنصار ثورة مايو! . ومحاولة ردهم ردا غير حميد فكانت الكارثة .

Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]