قراءة في السيرة الذاتيه للتشكيلي إبراهيم الصلحي

(قبضة من تراب )



هذا الباب من أهم ابواب السيرة الذاتية للفنان التشكيلي ابراهيم الصلحي     يتناول فيه  تجربة السجن لمدة ستة اشهر إعتبارا سبتمبر 1975م حيث  تناوله  بتأثر واضح وجعله ذروة سنام سيرته الذاتية الحافلة ، وكان يشغل يومها الوكيل الدائم لوزارة الثقافة والإعلام .
وقد حرص الكاتب على ان تكون فترة السجن وما وجده فيه في معاناة  سنام عقدة ازمته في السودان وسبب هجرته فيما بعد لعشرات السنين . وبالرغم من تجربة السجن المريرة والتداعيات التى حدثت فيها والآلام التى مرت به وتعاطف القاريء معه إلا انه فيما بدأ  انه لم يكن مقنعا  بشكل كافي  لكي يبرر سخطه من السودان كما أنه لم يكن منصفا مع الطرف الآخر فتساوي الإثنان في الظلم . وقد حاول في هذا الباب  إستجداء عطف القراء ولفت نظرهم للقهر الذي مر  به بطريقة تشويقية درامية شديدة الإثارة أعترف في احياناً كثيرة بتعاطفي معه وهو الفنان  المرهف . إلا  المطلّع بعمق لهذا الباب  يجد ان النظام له  مبررات كذلك حاول الكاتب طمسها والتعدي عليها  لمجرد ظلم شمله ومن ثم  بقاءه  في السجن لستة اشهر حسوماً .
الكاتب الفنان ابراهيم الصلحي يعرفّنا اولاً انه ابن عم مباشر للمرحوم المقدم حسن حسين قائد المحاولة الانقلابية المشهورة في سبتمبر 1975م ضد الرئيس جعفر نميري  حيث  نجح في الإستيلاء على السلطة لساعات قبيل فشل انقلابه .
والكاتب يعرفّنا أيضاً انه كان يشغل وكيل وزارة الثقافة والاعلام وانه ذهب في صبيحة يوم الانقلاب (أي يوم الجمعة )الى الوزارة وجلس في مكتبه مدعياً عدم معرفته بالمحاولة الانقلابية ،  وأنه لايعرف السياسة اصلاً وغير مهتم بها ونحن نصدقه في ذلك ، ولكن علاقته الوثيقة بقائد الانقلاب وقدرة التشكيلي على تأييد الانقلاب عبر منصبه وامكانيات الوزارة كان مثيراً للإنتباه والريب يومئذٍ  ولا ننسى حضوره الغريب بمباني الوزارة صبيحة العطلة الرسمية يوم الإنقلاب! .وفوق ذلك وحين قدِم انصار الرئيس جعفر نميري متظاهرين ومؤيدين للوزارة وطلبهم من الوكيل الدائم إخراج سيارات الوزارة المزودة بالميكرفونات لإخراج الجماهير تأييدا لثورة مايو أخذ المؤلف موقفاً سلبياً من ذلك (بإعترافه ) وذكر لهم بالنص انه لا دخل له بالسياسة وهو يشغل وظيفة حساسة في ظل ثورة مايو التى مضى تسنيمها الحكم قرابة الست سنوات! مما أسخط جماهير مايو  المستثارة أصلا بفعل الانقلاب ، وإن لم تكن تعرف صلته بقائد الانقلاب ساعتئذٍ فضربوه بفروع النيم كما ذكر الفنان ضرباً مبرحاً وأن آلامه المعنوية أكبر .
وعلى الأسف الذي نالنا جراء تعرض التشكيلي  لمثل هذا الموقف المهين إلا ان ظروف الانقلابات العسكرية  والتظاهرات والفوضي تولّد بالعادة ضحايا يسقطون في مثل هذه الظروف كُثر .. ومنهم من تعرض لأسوأ من ذلك ودونكم  مذبحة قصر الضيافة التى حدثت قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ .
ثم انه وبعد ايامٍ قلائل من  الانقلاب والتحقيقات التى أجرتها السلطات اتضح للسلطة أن ابن عم قائد الانقلاب (وكيل وزارة الثقافة والإعلام) كان موجوداً في وزارته يوم العطلة الرسمية ورفض او لم يساعد على وضع امكانات الوزارة تحت تصرف الجماهير  المؤيدة لمايو ومن هنا كان من الطبيعي ان تثار من حوله الشكوك وأن يُعتقل وإن كان بريئا بسبب سؤ التفاهم وهو سوء تفاهم كبير كما نرى . وهذا امر طبيعي   في مثل هذه الظروف المضطربة . فزّج به في السجن لمدة سته اشهر لحين مراجعة السلطة موقفها سواء بمحاكمته أو إخراجه  من السجن. وقد كان الخيار الأخير هو الراجح نتيجة لوساطات كما ذكر المؤلف او نتيجة لاقتناع السلطة ببراءته .
المهم انه وفي خلال الستة اشهر التي ظل فيها قابعا في السجن لم يذكر انه تعرض لتعذيب بدني   (من ضرب وخلافه) مما نسمع به كثيراً  لدى حكومات تلك الايام مثل نظام البعث في سوريا او العراق او النظام الليبي البائد.
كما انه ذكر انه وُضع في قسم خاص بالسياسيين ولم يُوضع مع المجرمين من القتله واللصوص والنصابين ، وانه قابل افراداً  من خيرة مثقفي البلاد ذكر منهم البروفسير ابراهيم احمد عمر وصحبه ، وذكر انهم كثيراً ما كانوا يتلون القرآن في وقار وسكينة وأنهم هنأوه على خروجه من النظام الظالم . وان البعض منهم نصحه بالتمسك بأهداب الدين والتوكل على الله وان لا تكون هذه المحنة سبباً في خسران عقله .. فهدأ وعادت اليه سكينته بعد الاسابيع الاولى التى كاد ان يفقد صوابه فيها جراء تجربة السجن المؤلمة أو كما ذكر .

Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]