ملامح الإستراتيجية الإثيوبية تجاه السودان وأهدافها  المستقبلية

1991-2012م

د. المعتصم أحمد علي الأمين

نوفمبر 2012م

ملامح الإستراتيجية الإثيوبية تجاه السودان

وأهدافها  المستقبلية

1991-2012م


د. المعتصم أحمد علي الأمين (*)


مقدمة :
شهدت العلاقات السودانية الإثيوبية استقرارا معقولاً أغلب فترة تسلم الرئيس ميلس زيناوي السلطة في أديس أبابا (1991م – 2012م ) بعد صراع كبير بين  البلدين  طوال فترة حكم الدرق 1974م ، والرئيس منقستو هايلاماريام منفرداً 1977م 1991م.
ويرجع تحسّن العلاقات جزئيا إلى الدعم والمساندة اللذين وجدتهما جبهة تحرير التقراي ومن بعدها الجبهة الثورية لتحرير الشعوب الإثيوبية المكونة أساسا من التقراي  كقوى رئيسية  والأرومو وبعض معارضى الأمهرا من قبل حكومات السودان ، وجاءت كذلك كرد فعل لمساندة إثيوبيا الاشتراكية الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تأسست 1983م . وكانت نشأتها الأولي برعاية مباشرة من إثيوبيا وإشراف لصيق من الأجهزة الأمنية الإثيوبية ، حتى أن مانفستو الحركة الشعبية وبيان تأسيسها الأول كان متشابهاً إلى حد بعيد مع التوجهات السياسية الاشتراكية الشيوعية التي كانت تطبع النظام الإثيوبي المهيمن على السلطة يومئذٍ (1) ، ذلك بالرغم من أن قائد الحركة الشعبية   الدكتور جون قرنق  في قرارة نفسه كان ذا توجهات وميول غربية  وكنسية لا تخفى على أحد بحكم الرعاية والدراسة ، ولكن ربما حدثت تفاهمات ما في تلك الحقبة  بين الغرب ومنقستو لمساندة الدكتور جون قرنق كرئيس وحيد  للحركة ضد خصومه ، على أن تتوفر له رعاية إثيوبية غريبة مشتركة حتى يحقق النجاحات المطلوبة مثلما حدثت تفاهمات إثيوبية غربية قبل هزيمة سياد بري 1977م!  (2) ، كما أن جون قرنق نجح في إخفاء وجهه الغربي بدرجة   من المهارة حتى مكنته الأيام من الخروج عن الوجه الاشتراكي القديم.
وبالتالي يمكن القول أن العلاقات السودانية مع مليس زيناوي وحركته نشأت بحكم الاحتياج المشترك ولم تنشأ نتيجة لتفاهمات وإيديولوجيات ومبادىء مشتركة، وأن ما يجمع بينهما ربما محركه الأساسي أسقاط الرئيس منقستو  هايلامريام أو إضعافه ، وبعد ذلك ربما  لم يفكر الطرفان بأبعد من ذلك  في علاقاتهما المشتركة، وكان ذلك على وجه التحديد في حقبة الرئيس جعفر نميري ( 1969-1985م) ، مثل بعد سقوطه (النميري)   إثر انتفاضة شعبية فيما يبدو أن العلاقات تجّمدت مع السودان بسبب مشكلات وأزمات الحكم الديمقراطي (1986-1989م)  وعدم الاستقرار السياسي ، والصراع بين الأحزاب المختلفة، والمشاحنات المستمرة بين سياسي تلك الحقبة ، كما كانت هناك شكوك حول  جدوى المعارضة المسلحة  .
بيد أن العلاقات لم ُتقطع تماما بين الطرفين بسبب الحرب الذي زاد أوارها متمردو جنوب السودان بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان  مع توالي دعمها ومساندتها  من قبل إثيوبيا حيث جعل البعض في الحكومة السودانية والدوائر العسكرية يفكر جديا في إحياء التحالف القديم مع حركة المعارضة الإثيوبية المسلحة وخصوصا ثوار إريتريا وثوار التقراي  حيث توجد  شخصيات سودانية  لها علاقات   مع ثوار هاتين الجبهتين مثل محمد أبوالقاسم حاج حمد وغازي سليمان وغيرهم ،  بيد أن العلاقة الأوثق كانت مع جنرالات الرئيس نميري السابقين   أمثال عثمان السيد والفاتح عروة وغيرهم ، إلاّ  أن هذين الأخيرين كانا ُمبعدين عن المسرح السياسي والمسرح السوداني على وجه العموم بسبب اشتراكهما في النظام المايوي الذي أسقطه النظام الديمقراطي  وحل محله ، وبالتالي لم يكن مسموحا لهم بالاشتراك في ملف دعم المعارضة المسلحة الإثيوبية مما أضعف العمل المسلح ضد إثيوبيا   ، كما أن الوجود الإثيوبي الكثيف في السودان في تلك الحقبة وحرب الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا والمجاعات  المتتالية جعلت من الملف الإثيوبي في السودان الملف الأقرب للسياسيين والعسكريين بحكم كل تلك الظروف والآثار الجانبية ، غير أن فكرة إسقاط النظام الإثيوبي من جذوره ربما كانت بعيدة عن الأذهان بحكم أن الاتحاد السوفيتي الراعي الرسمي للاشتراكية الدولية بدأ متماسكاً في أواخر الحرب الباردة ولم يبدأ في التفكك  بعد،  كما أن لإثيوبيا حلفاء أقوياء في المنطقة  أمثال الجماهيرية  الليبية واليمن الجنوبي يومئذٍ ، أضف إلى ذلك أن نظام الدرق استطاع أن يهزم أكبر أعدائه ومتحديه في المنطقة وهم الصوماليون بعد حرب 1977م، وأن يجعل منهم أمثولة  بعد أن كانوا أفضل جيوش إفريقيا جنوب الصحراء(3) .
أضف إلى ذلك أن فكرة قدرة المعارضة المسلحة على دك العواصم وانتزاع السلطة عنوة كانت محدودة يومئذٍ وفاشلة  مثل محاولة المعارضة السودانية الاستيلاء على السلطة في 2 يوليو 1976م انطلاقا من القواعد الليبية ، وربما لم تنجح إلا ضد عيدي أمين 1986م، إلا أنها أصبحت فيما بعد   الاتجاه التقليدي المعتمد لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بعد هروب منقستو هايلاماريام في 1991م وحسين هبري في 1990م وسياد بري  في1991م ومعمر القذافي مؤخرا في 2011م .
كما أن السودان لم يكن في أفضل حالاته  وقوته جراء النزاع المستمر على السلطة في العهد الديمقراطي وعدم استمرار الحكومة لأكثر من عام في تصريف مهامها، والصراع ضد الحركة الشعبية في الجنوب ، والعجز الاقتصادي المزمن وهجرة الكوادر المؤهلة بمئات الآلاف إلى خارج البلاد ، مما جعل من فكرة التصدي لنظام الدرق الإثيوبي تبدو بعيدة  وخارج نطاق التصور .
العلاقات المشتركة في بدايات عهد الانقاذ
أفضل مفتاح يمكن أن يدلّنا على شكل العلاقات المشتركة  على امتداد عهد الانقاذ هو الاحتياج المشترك والتحالف تحت  سلطان الحاجة ، مع انقسام حاد في الرؤى الإيديولوجية المشتركة ، ولولا   التوجّس والتخوّف من قبل كلا الطرفين  ومعرفة بعضهما البعض  بالقدرة التي يستحوذانها وإمكانية  إلحاق الضرر  بالآخر  والرغبة في تحسين العلاقات لإغلاق هذا الباب الذي له جذوره التاريخية منذ عهد عيزانا الأكسومي مرورا بالسلطان بادي والخليفة عبدالله وهايلاماريام لشهدت العلاقات المشتركة تأزما كبيرا ربما شابه تأزم العلاقات السودانية الإريترية أو العلاقات السودانية اليوغندية .
وفيما يبدو أن التخطيط الإثيوبي تجاه السودان كان يبنى على  توجه إستراتيجي معلوم وخطط موضوعة يسير على هداها النظام الإثيوبي الذي أعقب سقوط نظام الدرق في 1991م ، ولم تكن سياسة ارتجالية وليدة اللحظة .
وربما لا نندهش لو عرفنا فيما بعد أن اتجاه العلاقة مع  السودان لم يكن إسهاما اثيوبيا خالصا وإنما  ساعدت  فيه قوى   خارجية ودولية ومراكز بحوث مشهود لها بالكفاءة والقدرة على تحسس مفاجآت المسقبل ،  بسبب الإصرار علي إبقاء العلاقات  في حالة من الهدوء بالرغم من أختلاف الرؤى وتصادم المصالح، والغرض من ذلك  ربما حماية إثيوبيا المسيحية من الزوال في حالة سقوط  الدولة مثلما حدث للصومال في تلك الحقبة تقريبا ،  بالرغم من أن الدولة الصومالية أكثر تماسكا أثنياً وعقدياً  ولغوياً من إثيوبيا ، لأن من شأن ذلك أن يسهم في وقوع النظام الإثيوبي لأول مرة ربما في أيدي مسلمي إثيوبيا أيا كانت اتجاهاتهم المذهبية، مما  يهدد بزاول الهيمنة المسيحية التي ظلت مسيطرة على هذا الجزء من العالم ربما لأكثر من ألف وخمسمائة عام ، وظلت تلهم المسيحيين في شتى أنحاء المعمورة بقدرة المسيحية علي الصمود وسط بحار من المسلمين الذين يحيطون بها من كل جانب(4).
لذلك لا بأس من دعم الرئيس الإشتراكي منقستو هايلاماريام من قبل الغرب ضد خصمه محمد سياد بري حتى في عز الحرب الباردة وانتماء الطرفين للمنهج الشيوعي طالما أن السلطة في قبائل الأمهرة المسيحية أو التقراي المسيحية أيضا  أي أن السلطة سوف تبقى في البيت السليماني التقليدي أو الأجوي في المستقبل مثلما بقت طوال تلك القرون الماضية  .
وفي حالة تدهور العلاقات مع السودان والسلطة الإثيوبية في بداية عهدها وتبدو هشة  بفعل عوامل كثيرة فإن من شأن ذلك أن يضعف السلطة الجديدة ، لأن السودان كان على صلة وثيقة ببداياتها الأولى ويعرف الكثير من تفاصيل وصولها إلى سدة الحكم وهي تكاد لا تشكل أكثر من 7% من أجمالي تعداد إثيوبيا إن لم يكن قد لعب الدور الأكبر في وصولها للسلطة (5)  .
كما أن إنهيار الدولة في الصومال مع بداية وصول النظام الجديد إلي سدة السلطة 1991م يعني ذلك أن ثوار الأوجادين المطالبين بالإتحاد مع الدولة الصومالية الأم يمكن أن يقاتلوا  دون أن يجدوا من يعطل قدرتهم على الحرب بعد أن سقطت الدولة ولم يعد أحداً يعني بالتحكم  بالحدود بشكل متكامل ، مما يهدد على المدى البعيد بتحرير كامل أراضي الأوجادين من إثيوبيا ، وربما يستطيعوا أن يتحركوا أبعد من ذلك في حالة إقامة تحالفات مع جماعات إثنية أخرى مثل الأرومو أو العفر أو حتى الأمهرا الذين تم طردهم من السلطة من قبل أقلية صغيرة جدا  ، وبالتالي لم يكن هناك خيار أمام الحكومة الجديدة سوى  تحسين العلاقات مع السودان بالرغم من الصوت الايديولوجي الإسلامي العالي الذي ظل  يتردد من الخرطوم طوال العقد الأول من التسعينيات ، وكان لذلك الصوت مخاوف دفينة في إثيوبيا منذ أن استطاع أن يقضي على الدولة المسيحية السودانية التوأم في 1505م ويخرّب عاصمتها (سوبا) ويمحى كنائسها التي قدرت أعدادها بأكثر من خمسمائة (6) في عصرها الذهبي  .
وبالرغم من دخول النظام السوداني في عداء   مع كل دول الجوار تقريبا بسبب علو الصوت الأيديولوجي  وبعض الدول الخارجية كذلك  مثل أوربا  والولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة في الحرب الباردة يومئذٍ والباحثة بشدة عن عدو خارجي تبرر به الميزانيات الضخمة للعسكرية  الأمريكية وأجهزة مخابراتها  الممتدة على طول العالم ، فكان الإسلام هو العدو الجديد وخصوصا بعد حادثة تفجير برجي التجارة العالمية  في 1992م واتهام الشيخ الضرير  عمر عبدالرحمن ، مرورا بتفجير المصالح الأمريكية في الخارج 1998م  وانتهاء بأحداث الحادي عشر من سبتمبر في 2001م حيث أعلن صراحة أن الحرب القادمة ستكون بين المسيحية وأنصار المسيح وبين الإسلام (7).
وكان من المتوقع أن يدخل النظام الإثيوبي في مواجهة   مع النظام السوداني نتيجة  لتشجيعه الحركات الإسلامية في المنطقة مادياً ومعنوياً ، وللرغبة الغربية في ذلك وهم حلفاء أوفياء للنظام الإثيوبي حيث ظلّت الولايات المتحدة الأمريكية تمد النظام الإثيوبي بأكثر من مليار دولار سنويا كمساعدات خارجية بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي الذي يدفع نفس  المبلغ سنويا زهاء العشرين عاما الأخيرة لتطوير الاقتصاد الإثيوبي على الرغم من احتجاجات منظمات حقوق الإنسان  واتهام النظام بالديكتاتورية واحتكار السلطة من قبل أقلية صغيرة لا تمثل أغلبية  الشارع الإثيوبي ، واستعمالها أساليب عنيفة  للاحتفاظ بسلطتها القابضة ، بيد أن ذلك لم  يثني من عضد أمريكا والاتحاد الأوربي في  تقديم المساعدات المليارية للنظام الإثيوبي وكثير من التسهيلات الاقتصادية الأخرى  .
بالإضافة إلى ذلك فإن مبررات العداء كانت موجودة مع السودان وخصوصا عقب محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس ابابا 1995م ، واتهام السلطات المصرية صراحة النظام السوداني بدعم تلك المحاولة والتخطيط لها.
وبالفعل أخذت العلاقات المشتركة في التدهور السريع بعد ذلك وخصوصا بعد إقدام إثيوبيا على احتضان قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان مرة أخرى بعد أن أسهمت  في إخراجها من الأراضي الإثيوبية عقب وصولها للسلطة 1991م بدعوي مساندتها لنظام الدرق المنهار .
بيد أن إثيوبيا لم تذهب بعيدا في اتجاه معاداتها للسودان مثل قطع العلاقات أوطرد السفير أوالإعلان عن رغبتها صراحة  في إسقاط النظام   مثلما فعلت جارتها إريتريا وأوغندا   ، وربما يرجع هذا الأمر إلى تخوفها من فتح أكثر من جبهة للصراع مع الإسلاميين في كلٍ من الصومال والسودان ، أو ربما شعرت أن الحكومة المصرية تسعى لتوريطها في حرب ضد السودان والبقاء بعيدا بالرغم من أن المستهدف  رئيسها محمد حسني مبارك،  أضف إلى ذلك أن مندوب مصر في الأمم المتحدة رفض بشدة  حظر السلاح ضد الحكومة السودانية(8)، ربما كل ذلك  جعل إثيوبيا حذرة من دخولها في مواجهة مفتوحة مع السودان،  وفيما يبدو أن الإستراتيجية الإثيوبية كانت حريصة على عدم السماح بتحالف سوداني مصري ضدها ، ولا ننسى أيضا أن بوادر الإرهاصات المكتومة للصراع مع إريتريا أخذت في التداعي  مع التضيق الإريتري للواردات الإثيوبية في ميناء عصب الإريتري والإصرار على إنشاء عُملة جديدة تسمى (النقفة) بدلا من (البر) الذي إتفق الطرفان عليه إلى أن تفجّرت حرب غير متوقعة في مايو 1998م.
كل هذه المؤشرات تدلل على أن القيادة الجديدة في إثيوبيا كانت لها إستراتيجيات معينة تسير  علي هداها وموجهات مخطط لها بخصوص السودان، حيث تحرص على عدم الدخول في مواجهة معه مهما كانت درجة العداء والخلاف الإيديولوجي (في هذه المرحلة من المراحل على الأقل)   تسعى فيها   إلى  الخروج من وهدتها الاقتصادية واحتفاظ المسيحية بالسلطة في أديس أبابا وسط تزايد في أعداد مسلمي إثيوبيا حتى  تعدوا 60% من تعداد  السكان الكلي .
تأثيرات الحركة الشعبية على العلاقات المشتركة :
مرت علاقات إثيوبيا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بعدة أطوار  بداية من محاربتها وطردها من  جنوب غرب إثيوبيا مع بدايات وصول الجبهة الثورية للشعوب الإثيوبية للحكم في أديس أبابا في  مايو1991م بسبب شكوك حول علاقة الحركة بنظام الحكم المنهار، لأن الحركة أصلا قامت برعاية مباشرة من هذا النظام ، وعلى أسسٍ فكرية وأيديولوجية مشابهة له في ظاهر الأمر على الأقل ، وقد مكنّ نظام الدرق الإثيوبي قيادة الحركة  ممثلة في د. جون قرنق من الاستفراد بالساحة الجنوبية بعد أن قام بتصفية العديد من القيادات المناوئة للعقيد،(9)   كما ساند الحركة عسكرياً في هزيمة مناوئيها من فصائل الجنوبيين حتى تستفرد بالساحة الجنوبية بأكملها ( أنانيا  2 مثلاً) ومن ثم البدء  من بعد ذلك  التفرغ لمحاربة الشمال ، بل وربما ذهبت أبعد من ذلك حينما ساندتها في إخلاء ساحة منطقة جنوب كردفان ( جبال النوبة) من القادة المستقلين المعبرين عن صوت المنطقة لصالح قيادات نوبية وغير نوبية مرتبطة بتنظيم الحركة الشعبية لتحرير السودان (10) .
لذلك كان من الطبيعي أن  تظهر شكوك كبيرة حول علاقة الحركة بالنظام المنهار، ومن هنا حدثت المواجهات في جنوب غرب إثيوبيا وجرى على أثرها إبعاد الحركة الشعبية عن تلك المناطق ،  بيد أننا لا نستطيع أن نجزم أن ذلك الاتجاه كان رغبة حقيقية من قبل النظام الجديد بتصفية الحركة الشعبية داخل إثيوبيا أم أن الأمر حدث نتيجة  تحمّس قادة عسكريين ثوريين إثيوبيين في تلك الجهات وشعورهم بخطورة الوجود العسكري للحركة، أم أن ذلك كان بتعليمات من قيادات الدولة الجديدة للتخلص الحركة الشعبية وأبعادها إلى داخل حدود السودان ،  الراجح في الأمر أن تلك المواجهات العسكرية  ربما تمت من دون تخطط مسبق ومن دون توجيهات من القيادة ، وربما غضت القيادة الطرف عنها بسبب الخطورة العسكرية والرغبة في التأمين ، ذلك أن القيادة الإثيوبية الجديدة كانت تحمل رؤى واستراتيجيات واضحة قبل وصولها إلى السلطة ، وأن رؤاها هذه   من أعانتها بالوصول للسلطة ولولاها ما تمكنت من ذلك بسهولة وهي التي لاتمثل إلا حوالي 7% من عدد سكان إثيوبيا بالإضافة إلى الحلفاء الآخرين مثل الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وغيرها، وعلى الرغم من المساندة السودانية لهذه الحركات إلا أن الاجتماعات الأخيرة حدثت في مدينة لندن ولم تكن بعيدة عن أعين الفاعلين الأخرين في المنطقة مثل البريطانيين والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وربما الموساد الإسرائيلي ، ومما لاشك فيه انهم اتفقوا على إزالة النظام الاشتراكي الشيوعي من جذوره وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قبل عام من ذلك التاريخ أي في 1990م ، واتفقوا أيضا على منح إريتريا حق تقرير المصير مقابل تسهيلات ربما في الموانيء البحرية للإثيوبيين ، ولم يكن هذا الأمر ينطوي على تعقيدات كبيرة لأن شعب التقراي في كل من إثيوبيا وإريتريا   كان يدير المعارضة المسلحة يومئذٍ ، واتفقوا أيضا على إبقاء التوجهات الدينية المسيحية المهيمنة على الهضبة الإثيوبية منذ قرون طويلة بالرغم من معارضة المسلمين للأنظمة السابقة ، وكانوا أول من رفع السلاح في وجهها مثل إبراهيم عواتي وغيره (11).
بيد أننا لا نستطيع أن نجزم أنهم اتفقوا على تصفية  الحركة الشعبية من الهضبة الأثيوبية ، ونستبعد ذلك لأن الغرب بصورة عامة ربما ظل يرعى فكرة انفصال جنوب السودان منذ وقت مبكر ، وما كان ليوافق على خسارة هذا الحليف الإستراتيجي في هذه المنطقة بسهولة وخصوصا وأنه كان قد حقق نجاحات كبيرة في جنوب السودان والمنطقة الشمالية المحيطة به ، أو حتى دعمه ورعايته   ، وكانت قمة نجاحاته في الفترة  الديمقراطية من 1986- 1989م ، حيث لم يعد للحكومة السودانية سوى مناطق محدودة في جنوب السودان أبرزها المدن الثلاثة الكبرى ، كما أن الحركة استطاعت أن تتمدد شمالا في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. .
ومع مجيء ثورة الإنقاذ الوطني في 1989م وسقوط نظام الدرق بعد عام من ذلك وحدوث مواجهات بين النظام الجديد والحركة الشعبية في جنوب غرب إثيوبيا لم تتواصل العمليات العسكرية  للقضاء على فلول الحركة الشعبية تماما في المنطقة، مما يرجح فكرة الاشتباك المحدود العفوي بين الطرفين  في أول الأمر، اضف إلى ذلك أن الحركة الشعبية سرعان ما انشقت  نصفين في تلك الفترة مما جعل قسما منها يتجه للتحالف مع الحكومة السودانية وهم المتاخمون للحدود السودانية الإثيوبية وأغلبهم من قبائل النوير بقيادة رياك مشار  ، بينما اندفع القسم الآخر جنوبا إلى توريت وإلى حزام الحدود السودانية الكينية اليوغندية بقيادة جون قرنق  .
وبالتالي يمكن القول مشكلة الحركة الشعبية في إثيوبيا صفّت نفسها بنفسها في تلك السنوات الأولى من عمر النظامين السوداني والإثيوبي ووفرت عليهما مشقة الخلاف والإحراج مع أطراف خارجية أخرى وخصوصا لوكانت هذه الأطراف مهيمنة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وإسرائيل.
بيد أن قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان ما لبثت أن أعادت علاقتها مجددا مع إثيوبيا بعد أقل من عامين من تاريخ وصول السلطة الجديدة إلى أديس أبابا ، وربما يرجع ذلك الأمر جزئيا إلى السياسات الخارجية   التي سلكتها الحكومة السودانية من خلال إعلامها  المتتالي  بأنها تسعى إلى قيام وحدة إسلامية شاملة في المنطقة وبناء إمبراطورية إسلامية جديدة   ، ومناهضة السياسيات الغربية ، ودعم التنظيمات الإسلامية السلمي منها والمتطرف ، مما أدخلها في مواجهات مع كل دول الإقليم تقريبا وقد زاد من توتر العلاقات موقفها من حرب الخليج  الثانية مع دخول القوات العراقية الكويت في 2 أغسطس 1991م.
وبالتالي فإن موقف الحكومة الأثيوبية تجاه الحركة الشعبية أخذ في التغير منذ ذلك التاريخ وحتى انفصال جنوب السودان في 2011م حيث شهدت العلاقة بين الطرفين تنسيقاً واضحا وإن خفت حدة التأييد العسكري الظاهر وانحصرت في المساندة  الدبلوماسية واللوجستية  إلا في فترات قليلة مثل تلك التي أعقبت محاولة اغتيال حسني مبارك في 1995م بأديس أبابا .
هذا الاتجاه يدلل على أن للحكومة الإثيوبية سياسة واضحة تجاه السودان تتمثل في تصفية أجواء الخلاف بين الطرفين بقدر ما تستطيع  مع الاحتفاظ بتحالف وثيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان   تغلب عليه المساندة الدبلوماسية وتوفير فرص الاتصال بالعالم الخارجي من خلال عاصمتها النشطة دولياً، ولعل القصد من ذلك أن تبقى الحركة الشعبية كمضاد لمشروع السودان في المنطقة والذي ،  وان نجح، سيكون شاملا مسلمي إثيوبيا والقرن الإفريقي بأكمله وهذا ما لا تستطيع أن تسمح به، كما أنها لاتستطيع الدخول  في مواجهة مع السودان مع  تورطها في مواجهات تارة مع القبائل الصومالية وتارة أخرى مع الحركات الإسلامية الصومالية وأخيرا مع الجارة والحليف السابق إريتريا في 1998م .
كما أنها تخشى من تقارب مصري سوداني بالقرب من حدودها الغربية وخصوصا وأن هناك خلافات عميقة حول مياه النيل ، وتعرف أن لها طموحات اقتصادية كبرى تتمركز أصلا حول إنشاء سدود بالقرب من الحدود السودانية ، وأن تحالف البلدين يمكن أن يؤثر في  تطلعاتها ، كما أنها لا تجهل أن الحكومة المصرية والإريترية تعمل على هزيمة حلفاء إثيوبيا في الصومال حتى لو كان ذلك عبر دعم الجماعات الإسلامية الجهادية التي يخشاها الطرفان ، ولكن في سبيل وقف الطموحات الإثيوبية يمكن اتخاذ أي خطوات حتى وإن لم تكن محسوبة على المدى البعيد مثلما فعلت أمريكا بدعمها الجماعات الإسلامية الجهادية إبان الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي في 1979م وحتى انسحاب وسقوط الشيوعية بأكملها عام 1990م.
السودان من ناحيته  كان يستطيع أن يضغط على إثيوبيا أكثر لوقف مساندتها للحركة الشعبية لتحرير السودان لو كانت المسألة ثنائية  فقط ولكنه لا يستطيع ذلك بالرغم من أياديه  على النظام الإثيوبي بسبب توتر علاقته مع العرب الأغنياء والدول الإفريقية المحيطة به والغرب على السواء ،  ولم يكن أمامه إلا أن يغض الطرف عن هذه العلاقة ويسعى لتصويبها لتصب في صالح السلام ، وأن يتفرغ لدعم المعارضة المسلحة للدول المجاورة التي تعلن  صراحة أنها تسعى لإسقاط النظام السوداني مثل يوغندا وإريتريا وتشاد بينما يتجاهل الدعم الدبلوماسي واللوجستي من قبل إثيوبيا وكينيا وليبيا وهو مضطر لذلك .
أما الملفات الأخرى في العلاقات الثنائية  مثل الحدود والملف الأقتصادي فقد شهدا تقدما ملموساً وأن لم يحل ملف الحدود تماما بالرغم من الأصرار الحكومي السوداني ، ربما هدفت إثيوبيا لإبقاء الضغوط حول ملفات أخرى ، ومن ثم فتحه إذا اضطرتها الأمور لذلك، وماأكثر الصراعات العسكرية  في القارة الإفريقية بسبب  الحدود، وهذا    ملمح آخر على أن تحرك إثيوبيا تجاه السودان لم يكن عفويا وإنما نتيجة لتخطيط  مسبق ، وأن الإستراتيجية الإثيوبية تجاه الخرطوم  قد ُرسمت ربما لمئة عام قادمة ، ولعل أبرز ما فيها  الحيلولة دون قيام تحالف سوداني مصري حقيقي ، وعدم قطع حبل  العلاقات بين الطرفين مهما كانت أسباب الخلاف ، والإبقاء على علاقة وثيقة مع خصوم الخرطوم ، ومساندة قيام دولة جنوب السودان ، والفصل مابين إسلامي السودان وإثيوبيا ومابين إسلامي السودان والصومال ، ومحاولة دمج السودان في محيط القرن الإفريقي ومشكلاته المتعددة والابتعاد به عن قضايا الشرق الأوسط  ومصر ، ويلاحظ في ذلك أن هذه الإستراتيجية  تشترك مع استراتيجيات أخرى في المنطقة ومن خارجها .
أما إذا ما فشلت هذه الإستراتيجية  فلا أحد يعرف ما هو التخطيط الإثيوبي تجاه السودان ، هل تخطط مثلا إلى التوسع الديمغرافي في دولة جنوب السودان بتعداد سكانها الذي يقترب من المئة مليون نسمة ، هل  لها مخططات حول  السهول الطينية الغنية في جنوب شرق السودان ، وماذا يمكن أن يحدث لو تم إحياء تحالف إثيوبي إريتري جنوبي في المنطقة مع رعاية غربية  إسرائيلية  بعد أن يتم تجاوز خلافاتهما المشتركة . وما هو التخطيط الإثيوبي بعد الانتهاء من قيام سد الألفية الذي أصبح واقعا بعد أن شارف على الانتهاء ؟ ، وهل وصول الإسلاميين للحكم في المنطقة وخصوصا مصر وليبيا  يمكن أن يلغي خططها التوسعية تجاه السودان ؟  .
السياسة الإثيوبية بعد مليس زيناوي
استطاع الرئيس مليس زيناوي  من خلال شخصيته القوية وسيطرته  الحازمة على السلطة في أديس ابابا زهاء عشرين عاما أن يجعل من المصالح الاثيوبية هي من تقود سياسته الخارجية بغض النظر عما تريده القوى العظمى، فهو كما رأينا يقيم علاقة متوازنة مع السودان لسنوات طويلة ، ولا يتردد في دعم الرئيس السوداني ضد محكمة الجنايات الدولية ، وفي نفس الوقت يقيم علائق إستراتيجية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل تحقيق السلام ، وأثناء الفترة الانتقالية( 2005م – 2011م) وبعد استقلال جنوب السودان ، ولا يتردد كذلك في دعوة ثوار دارفور إلى القدوم إلى أديس أبابا وعرض قضاياهم المختلفة والإيحاء للحكومة السودانية بأن بمقدار إثيوبيا أن تفعل الكثير للسودان في حالة قيام تحالف مصري سوداني ضد المشاريع الاقتصادية الأثيوبية المتعلقة بمياه النيل ( سد الالفية والسدود المقترحة الأخري ) ، كما أنه يعلم أن إسلامي الهضبة الإثيوبية  خصوصا من قبائل  الأرومو والعفر والأوجادين يتطلعون في اهتمام للتجربة الإسلامية السودانية ، وإنها يمكن أن تشكل منطلقاً لتحقيق بعض أحلامهم المتعلقة بالحكم الذاتي والمشاركة في حكم البلاد بعيدا عن هيمنة  البيتين  الأمهري والتقري.
وبالتالي وبرحيل الرئيس ميلس عن القيادة تكون الاتجاهات المستقبلية الإثيوبية غامضة حيث لايعرف أحداً من هي القيادة الجديدة التي تستطيع أن تّسير إثيوبيا في نفس طريق  حفظ مصالحها  بعيداً عن خضوعها للآخرين مهما كانت متطلباتها وإحتياجاتها، وهناك شكوك كثيرة حول هوية القادم الذي يمتلك مفاتح القوة لإدارة الامور ، وخصوصا وفيما يبدو أن قيادة رئيس الوزراء الجديد هايلاماريام ديسلين الجديدة تبدو مؤقتة في الظاهر وذلك لقلة الخبرة التي يتمتع بها رئيس الوزراء  بالإضافة إلى أنحداره من قبيلة صغيرة( الولايتا) التى  تقع على الحدود الجنوبية لإثيوبيا، بالإضافة إلى المذهب الديني الذي ينتمى إليه وهو البروتستانتية عوضا عن الارثوذكسية القبطية التي طالما هيمنت على أيديولوجيا الحكم في الهضبة الإثيوبية ،  كما أن خبرته في قيادة الجيش أو حرب العصابات التي تميز بها سلفه معدومة .
بيد أن حقائق التاريخ ربما  تبرهن في أحيان  أن من لا يعُتد بهم في بداية أمرهم كحكام بارعين وملهمين  سرعان ما يسيطرون على دفة الحكم بقوة ويبعدوا من قللوا من شأنهم  في أول الأمر، أو حاولوا العمل من خلف ظهورهم بسرية  دون لفت الأنظار ، هذا الأمر تكرر مع أنور السادات وجعفر نميري وربما الرئيس الحالي محمد مرسي ، لذلك لا نستبعد أن يسلك هايلاماريام نفس الطريق وخصوصا وأنه اختيار الرئيس مليس زيناوي،  ومما لاشك فيه أنه لم يختاره إلا لأسباب منطقية جوهرية رأي أنه الأجدر بالحكم من الآخرين ، كما أنه يعتبر مؤهل علمياً وأكاديمياً ومطلعا على مايجري في العالم الخارجي ومحتك به ولايصعب عليه معرفة مايريده الآخرون من الحكومة الإثيوبية ، ومن الأطراف الأخري المجاورة لها ، وأين تتمركز المصالح الإثيوبية الحقيقية ، اضف إلى ذلك أن خروج السلطة لأول مرة من البيتين الأمهري والتقري قد يدفع بالطرفان إلي عقد مصالحة تاريخية فيما بينهما ويزيل حدة المنافسة التي طالما وسمت تاريخ العلاقة المشتركة، وخصوصا وأن هناك أطرافاً أخرى مثل قبائل الأرومو تسعى إلى السلطة بقوة وتمتلك مقوماتها متمثلة في الاتجاه الديني الغالب والوحدة القبلية والكثافة العددية والرغبة المحمومة في تجاوز مراحل التهميش القديمة والمشاركة في السلطة مثلها مثل بقية الطوائف والقوميات الأخرى ، كما أن لها حلفاء ُكثر في الهضبة الاثيوبية تستطيع من خلال التوافق معهم على  حسم صراع السلطة لصالحها ، وبالتالي فإن التقراي والأمهرا يعون ذلك جيدا وربما يكون الانتقال الحالي في السلطة فرصة مواتية لقيام تحالف جديد يدعو إلى الاحتفاظ بالسلطة التاريخية في هذين البيتين ، ومما لاشك فيه أن هذا الحلف الجديد سوف يجد دعم كبير من الخارج وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي واتحاد تجمع الكنائس العالمي  بالإضافة إلي تجمعات الأرثوذكس وغيرهم من طوائف مسيحية .
ولا ننسى من جهة أخرى أن انتقال  السلطة في أديس أبابا قد يشكل سانحة تاريخية لإعادة اللحمة بين إثيوبيا وإريتريا لأن الحرب بينهما بدأت شخصية لحد كبير.. ونعني بذلك خلافات عميقة بين ميلس زيناوي وأسياس    أفورقي وخصوصا  أن أسباب الحرب الحقيقية بينهما لم تعرف حتى اليوم حيث أرجعها البعض إلى تنكر إريتريا لاتفاقيات سرية مع إثيوبيا لاستغلال ميناء عصب عقب الاستقلال (12)  دون التفريط في السيادة الإريترية ودون المغالاة في الأسعار والتشدد في مراقبة الصادر والوارد الإثيوبي ، وأرجعها البعض إلى الخلافات الحدودية بين الطرفين ، بيد أن كل تلك الأسباب تبدو واهية وغير منطقية وخصوصا وأن مايجمع بين الطرفين أكبر بكثير مما  يبدو على السطح ، ونعني بذلك أن قبائل التقراي في إثيوبيا والتجرينجا في إريتريا ما هم إلا أبناء عمومة ، وقد جمعت بينهما سنوات النضال الطويل ضد نظام الدرق ، وكان من المؤمل أن يؤدي ذلك التلازم إلى إعادة الوحدة بين البلدين وعلى أسوأ الفروض  قيام علاقة باردة بين الطرفين ، أما أن تقع حرب  لثلاث سنوات متتالية في 1998م – 1999م – 2000م فذلك ما لم يكن يتصوره المراقبون .
لذلك من المحتمل أن تبدأ العلاقات في التحسن التدريجي بين الطرفين ويمكن أن تتسارع وتيرة التصالح في حالة غياب الطرف الآخر في أسمرا عن سدة الحكم ، مما يمكّن إثيوبيا من العودة مرة أخرى إلى الموانيء الإريترية ،وهذه المرة لن تكون هناك شكوك عميقة من قبل الأمهرا على سبيل المثال حول طبيعة علاقة قبائل التقراي  والتجرينجا  في البلدين بعد مرارات الحرب ، وبعد تأكيد التحالف الأمهري التقراوي ضد إريتريا طوال سنوات الحرب ومابعدها ،  وكانت الحرب ضد إريتريا فرصة عظيمة لإعادة الجيش الإثيوبي القديم  إلى العمل وهو جيش يغلب عليه الوجود الأمهري ، مما عمل على إعادة توازن القوى مرة أخرى في إثيوبيا  والتصالح مع مكونات الداخل، وكانت هذه الخطوة صعبة التحقيق في السابق نتيجة للدماء الكثيقة التي ُسفكت إبان حرب التحرير للتخلص من ديكتاتورية الدرق ، وكان معظم ضحاياها من التقراي بالإضافة إلى أبناء عمومتهم الإريتريين ، ولكن ومع حدوث المواجهة في 1998م اضطرت السلطات الإثيوبية إلى الإستعانة مرة أخرى ببقايا الجيش الإثيوبي الأكثر تأهيلا وإعادته للخدمة وتمكنت من خلاله من مواجهة إريتريا .
مستقبل العلاقات السودانية الإثيوبية
بغياب الرئيس مليس زيناوي سبتمبر 2012م تدخل العلاقات المشتركة في طور جديد لايعرف كنهه حتى الآن ولكن من المؤكد أن القيادة الجديدة لاتعرف الواقع السوداني وتوزيع القوى في الساحة  السياسية بمثلما كانت تعرف  القيادة السابقة بحكم الوجود الطويل في الأراضي السودانية الذي بدأ منذ العام 1975م وحتي 1990م أي قرابة خمسة عشرة عاما متواصلة داخل الأراضي السودانية ، وبالتأكيد  فإن طول هذه السنوات  سمح لها  بشكل جيد التعرف على السودان، ومعرفة توجهات قادته الحقيقيين ورغبات الشارع العام،  وما الذي يهتم به   وربما ما الذي ينوي فعله  ومقدرته الحقيقية  ، مما وفر للقيادة الإثيوبية فيما بعد  فراسة  وقدرة على التنبؤ باتجاهات السياسة السودانية  وإمكانياتها الحقيقية ، بخلاف ما يظهر  على السطح من  رغبات ربما لاتكون هي المعّبر الحقيقي عن اهتمامات السلطة والجماهير.
اضف إلى ذلك أن القيادة القديمة كانت تشعر في قرارة نفسها  بالتقدير لمن ساعدوها في التخلص من عدوها اللدود وهو نظام الدرق ، وإن كانت تعلم أيضا أن من ساعدوها لهم أهداف من وراء ذلك ، لذلك حاولت بالرغم من الضغوط الدولية أن تقف موقفا مرنا من المطلوبات الخارجية للتعامل مع السودان وخصوصا في بدايات التسعينيات عندما تبنى مواقف أكثر تشددا فيما يختص برؤاه الخارجية ، وعمل على تجميع الحركات الجهادية من شتى أنحاء المعمورة لقيادة ثورة إسلامية جديدة تكون الخرطوم محركها الجديد ! .
لذلك من المحتمل جدا أن تكون القيادة الجديدة في أثيوبيا أكثر طوعا للقوى العظمى فيما يختص بسياساتها تجاه الخرطوم التي لم يطرأ عليها أي تغيير طوال أكثر من عقدين من الزمان في مؤشر واضح على أن الغرب والولايات المتحدة يسعيان بكل عزيمة إلى إحداث تغيير جوهري في النظام السوداني ، بالرغم من أن الاخير حاول جاهدا في سنوات طوال  أن يتعامل مع الغرب بأفكار جديدة ويقنعه بأنه قد تغّير من خلال  عدة مؤشرات مثل طرد الجماعات الأصولية، وإدخال تعديلات ديمقراطية محدودة على النظام ، والتخلص من الجناح الأكثر تشدداً في السلطة ، والتعامل الجديد مع مشكلة جنوب السودان بما في ذلك إعطاء حق تقرير المصير للجنوب ، وكل ذلك فيما يبدو لم ينجح  لأن الغرب يعتقد فيما يبدو   أن النظام السوداني بقي على تشدده السابق ، وأنه لو وجد الفرصة السانحة والقدرة على مناوءته ما تردد في ذلك ، وربما بقوة أكثر من سابقه بعد أن صمد طوال تلك السنوات ، كما أن سقوط النظام بعد كوارث كبيرة مثل  انفصال الجنوب  ،والحرب في دارفور وجنوب النيل الازرق وجنوب كردفان ، والتململ في الشرق ، والأزمة الاقتصادية الخانقة، وتشديد الحصار الغربي عليه يكفي لكي يكون  عبرة لمن يود السير في نفس الطريق الذي اختططه ، وقد تزايد الاهتمام بالشأن السوداني لأن دولاً إسلامية عديدة تسعى لذلك بعد ثورات الربيع العربي ، وفي حالة انكساره بمأساوية يمكن أن يشكل ذلك عبرة لهذه الدول التي تود السير في نفس الأفكار والأيديولوجيات المناهضة للغرب  ، وعلى العكس من ذلك يمكن أن يشكل مثالا يحتذى به في حالة قدرته حسم الصراع الإثني داخله واستقلال ثرواته  المطمورة والاستغناء عن الغرب ومعوناته الاقتصادية .
لذلك ربما تعتبر اثيوبيا في هذا الوقت الحرج هي من تستطيع دعم أو إفشال التوجهات السودانية المناوئة للغرب ، والقيادة الجديدة تستطيع أن  تفعل الكثير في سبيل ترجيح أحد الخيارين .
فإثيوبيا تستطيع أن تقيم تحالفا أكثر قربا مع دولة جنوب السودان وأن تساندها في صراعها مع السودان من خلال دعم زعزة الاستقرار في ولاية جنوب النيل الأزرق ، ولايخفى على الكثيرين أن إثيوبيا بالرغم من عدم تورطها العسكري المباشر في دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوب النيل الازرق إلا أنها معبر مهم لقيادات وجيوش الحركة للتخلص من ضغوطات الجيش السوداني ، كما أن العاصمة أديس أبابا ظلت تشكل منبرا مهماً من منابر مخاطبة الرأي العام الداخلي والخارجي من قبل قطاع الشمال، ومن ثم الانطلاق منها للعواصم الإفريقية والعالمية الأخرى .
وإذا ما زادت من دعمها العسكري لمتمردي قطاع الشمال في عهدها الجديد فإن ذلك سوف يشكل تغييراً مقلقاً للحكومة السودانية ، ولعل  بعض القوى العظمى يمكن أن تقنعها بذلك من خلال الإيحاء إليها بأن الحكومة السودانية لايمكن أن تقدم تنازلات مهمة لحسم الخلاف الجنوبي الشمالي إلا عبر ضغوط هائلة لاقبل لها بها، ولعل تدخل إثيوبيا بقوة في هذا الملف يمكن أن يشكل إضافة حقيقية لهذه الضغوط. ويحفظ لاثيوبيا في المستقبل بأيادى بيضاء كثيرة على دولة جنوب السودان ، لأن مستقبل الاستثمار الحقيقي لإثيوبيا في جنوب السودان وليس في السودان بعد أن ولدت بالفعل ، لأن الجنوب يكاد يخلو من السكان تقريبا  8 ملايين نسمة مقابل مئة مليون مواطن إثيوبي وبه مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية الخصبة،  إثيوبيا في أشد الحاجة لاستغلالها حيث تقدر الأيدي العاملة الإثيوبية بعشرات الملايين من  العاملين ، كما أن به ثروة نفطية محسوسة ، وإثيوبيا أيضا في حاجة إليها ، أضف إلى ذلك أن الايديولوجية الغربية والمسيحية  تهيمن على الطرفين وتجمعهما في روابط وثيقة لا يمكن أن ينفصم عراها   ويتهددهما كذلك الزحف الديمغرافي الإسلامي الذي يكاد يقسم دولتيهما لولا المساندة الغربية. على عكس السودان الذي يحتوى على مساحات صحراوية ، ويعاني من عدم الاستقرار السياسي بالإضافة إلى التنافر بين أيديولوجيته الحاكمة   مع الإيديولوجية الإثيوبية ، كما أن السودان  عند البعض حليف إستراتيجي للدولة المصرية  فمصر عندما صارت فرعونية تأثرت حضارة السودان بالفرعونية وعندما تحولت نحو المسيحية ازدهرت المسيحية في السودان ، وعندما تحولت إلى الحضارة الإسلامية انتشر الإسلام ودويلاته الإسلامية ، وحتى عندما نادت مصر بالقومية العربية أصبحت حكومة مايو 1969م  قومية عربية. ويسعى  للإبقاء على حصص وإتفاقيات مياه النيل على ديمومتها السابقة بالرغم من معارضة كل دول حوض النيل الأخرى عدا مصر ، ومن المحتمل أن تحدث توترات  مستقبلية بسبب المياه بين إثيوبيا ودولة جنوب السودان من جهة وبين مصر والسودان من جهة أخرى ، لذلك ربما يعتقد البعض في إثيوبيا أن تقوية السودان وبث روح الاستقرار فيه ربما ليس من مصلحة إثيوبيا على المستوى البعيد.
أما بخصوص موانىء السودان التي تستغلها إثيوبيا حاليا فهي تغطي منطقة شمال غرب إثيوبيا بالكاد ، ولا تستطيع لمحدوديتها ووعورة الطرق المؤدية إليها أن تمون كل الاراضي الإثيوبية ، وإنها تعاملت معها لغياب الخيار الإريتري المفضل الذي يؤدي إلى العاصمة أديس أبابا مباشرة ، وهذا الخيار ربما يكون في طريقه للعودة مرة أخرى لو تدخلت القوى العظمى للتصالح بين البلدين في العهد الإثيوبي الجديد .

نتائج الدراسة :
1-    تمتلك إثيوبيا استراتيجية ما تجاه السودان  ربما وُضعت بعد سقوط الرئيس منقستو هايلاماريام 1991م ، حيث تعمل الدولة الإثيوبية في عهدها الجديد على إنفاذها برغم المتغيرات السياسية .
2-    أبرز ملامح هذه الإستراتيجية تتمثل في إقامة علاقات  وثيقة مع السودان مع الاحتفاظ بعلاقة متينة أيضا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ودولة جنوب السودان فيما بعد.
3-    تحرص الإستراتيجية الإثيوبية علي عدم وجود تلاقي بين الطوائف الإسلامية الإثيوبية ومسلمي الهضبة الإثيوبية ونظراءهم السودانيين .
4-    تحرص الإستراتيجية الإثيوبية على فصم عري التواصل بين الفصائل الصومالية وخصوصا الإسلامية منها والسودان .
5-    تعمل الإستراتيجية على إدخال السودان ضمن منظومة دول القرن الإفريقي وجذبه بعيدا عن الدول العربية ومشكلات الشرق الأوسط .
6-    تعمل الاستراتيجية الإثيوبية على وجود تواصل وثيق مع متمردي النيل الأزرق (قطاع الشمال داخل الحركة الشعبية)  مع الحرص على عدم تمويل أنشطته العسكرية   في هذه المرحلة على الأقل في تاريخ العلاقات المشتركة والإكتفاء بإحتضانه دبلوماسياً.
7-    تعتبر المشاريع المائية  في حوض النيل الأزرق من اهم  أهدافها المستقبلية وتسعي سلمياً إلي تغيير مواقف مصر والسودان من هذه المشاريع.
8-    تسعى الاستراتيجية الإثيوبية إلى إقامة تكتل إقليمي في حوض النيل لتأييد المساعي الإثيوبية في قبول مشاريعها المائية بمعزل عن موافقة السودان ومصر لو تطلب الأمر ذلك.
9-    تسعى الاستراتيجية الإثيوبية إلي إقامة علاقة وثيقة مع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل لتاييد مساعيها في التنمية الاقتصادية وتحقيق تقدم اقتصادي، وتحرص أن يكون  للمصالح الإثيوبية الدور الأكبر في ذلك الأمر بعيدا عن هيمنة وإملاءات الدول الكبري وقد ساعدها هنا الأمر على إقامة علاقة طيبة مع السودان .

مصادر الدراسة :
1.    لام أكول أجاوين ، الثورة الشعبية لتحرير  السودان(ثورة إفريقية)، ترجمة إسماعيل آدم وبشرى آدم ، مكتبة مدبولي، القاهرة 2009م،، ص 41.
2.    د. الأمين عبدالرازق آدم ، التدخلات الخارجية وأثرها على الاستقرار في الصومال، الناشر سطور للإعلان ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة، الخرطوم  2006م ، ص 126.
3.    المصدر السابق ، ص 134.
4.    د. جمال محمد السيد ضلع ، إثيوبيا الأوضاع السياسية الداخلية والتوجهات الخارجية، الدار الجامعية للنشر والتوزيع والطباعة ، غريان ليبيا  2008م، ص 135.
5.    الزمزمي بشير عبدالمحمود ، المؤثرات السياسية والأمنية على العلاقات السودانية الإريترية 1991م-2007م، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، الخرطوم 2011م ، ص 164.
6.    مصطفي محمد مسعد ، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى ، دار المصورات للنشر ، الخرطوم 2011ن ، ص 187.
7.    د. جلال أمين ، عصر التشهير بالعرب والمسلمين ، نحن والعالم بعد 11 سبتمبر 2001م ، دار الشروق ، القاهرة 2004، ص 73.
8.    د. المعتصم أحمد علي الأمين ، السودان في صحيفة الأهرام  القاهرية، 89-1998م. شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، الخرطوم 2009م، ص186.
9.    لام أكول أجاوين ، الثورة الشعبية لتحرير السودان ( ثورة إفريقية ) مصدر سابق، ص 41.
10.    مصطفي عبدالعزيز البطل ، نوبة الجبال : نضال السخرة والموت بالمجان، مقال منشور بصحيفة الأحداث السودانية ، صفحة الرأي 29/6/2011م.
11.    الزمزمي بشير عبدالمحمود ، المؤثرات السياسية والأمنية على العلاقات السودانية الإريترية 1991م – 2007م ، مصدر سابق ، ص 142.
12.    د. الأمين عبدالرازق آدم ، دور إريتريا في استقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر 1991م – 2002م ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، الخرطوم 2008م، ص 249.


Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]