أثر انفصال جنوب السودان على مستقبل

الديمقراطية في السودان

الدكتور / المعتصم أحمد علي الأمين

أثر انفصال جنوب السودان على مستقبل

الديمقراطية في السودان


الدكتور المعتصم أحمد علي الأمين*


مقدمـــــة :
لم يكتب  للتجارب الديمقراطية  السابقة التي مرت بها البلاد أن تنمو نمواً طبيعيا وأن تتطور بسبب التعقيدات السياسية المختلفة وعلى رأسها الحرب في جنوب السودان التي بدأت شرارتها الأولى قبيل الاستقلال في 18 أغسطس 1955م، لذلك  تعتبر الحرب الاهلية من اكبر معوقات التجربة الديمقراطية في السودان وسبب أساسي في سيطرة الجيش على السلطة في المرات الثلاثة التي استولى عليها سواء أكان ذلك في 17 نوفمبر 1958م أو25 مايو 1969م أو30 يونيو 1989م (1) ، لذلك يمكن القول إنه وبإنفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م يمكن أن يُكتب للتجربة الديمقراطية فرصة جديدة للنمو والتطور وخصوصا  أن الجماهير السودانية صارت أكثر تجانسا وإنسجاما مع بعضها البعض دينيا وثقافيا ، فالدين الإسلامي يشكل نسبة أكثر من96% من تعداد الشعب  ، كما أن نسبة المتحدثين بالعربية والمتفاهمين بها قريبة من هذه النسبة إن لم تكن تزيد عليها .
أما السبب الآخر الذي يمكن أن يزيد من نسبة نجاح الديمقراطية في المستقبل   فيتمثل في اتفاق المكونات الإقليمية وأنظمة الحكم والجماهير على الاتجاه نحو الديمقراطية بعد سقوط الرئيس حسني مبارك  ومعمر القذافي.. وهما امتداد طبيعي لثورة يوليو التي ظلت تحتكر السلطة منذ العام 1952م أي قبل أن ينال السودان استقلاله ، وكانوا   يعتبرون تجربة يوليو الاشتراكية في الحكم تجربة رائدة  يسعون لنشرها في المنطقة عبر  تيارات عدة وعلى وجه الخصوص في الدول المجاورة لهما وعلي رأسها السودان ، وكانت تجربة مايو 1969م محاكاة لثورة يوليو في بدايتها الأولى(2) ، لذلك وئدت التجربة الديمقراطية السودانية بسبب العداء الإقليمي المجاور، وهذا  العامل بدوره تلاشى مع ثورات الشعوب العربية .
الحرب الأهلية وأثرها على الديمقراطية :
في زمن الحروب يجد العسكريون أنفسهم أكثرحظوة من غيرهم ممن يعملون في المجالات المختلفة سواء أكانوا موظفين أو معلمين أو عمالاً مهرة وذلك لأن فعل الحرب في حد ذاته يحتاج إلى تشجيع وتماسك حتى يتم الانخراط فيه حيث تأباه النفس وتعافه لما فيه من مخاطر جسيمة بالأرواح والأجساد ، لذلك لابد من هبة معنوية في المقام الأول ومن ثم دفعة مادية بتخصيص ميزانية وافية لمقابلة نفقات التمويل والأسلحة والمهمات المختلفة المتعلقة بالجيش . وبذلك يتحصل رجال الجيش على الاهتمام المعنوي زائدا حصولهم على القوة المادية مما يسّهل وصولهم للسلطة عند أول فرصة مواتية(3) .
وفي هذا الصدد فيما يبدو أن الدول المتقدمة بعد أن اكتوت كثيرا بتسلط العسكريين على السلطة من لدن نابليون بونبارت والجنرال فرانكو والجنرال موسوليني عملت على وضع توازن دقيق بين قيام العسكريين بواجباتهم العسكرية وقيام السياسيين بواجباتهم السياسية في الحكم دون وجود تصادم ، مع  السماح بوصول العسكريين للسلطة ولكن بطرق ديمقراطية وبعد أن يخلعوا البزة العسكرية كما في حالة الجنرال ايزانهاور أو الجنرال ديجول أو حتي كولن باول .
أما في دول العالم الثالث ومع الاهتمام المتزايد بالعسكريين أوقات الحروب  المتفشية فإنهم لم يستطيعوا الفصل بين مهام  الجيش في حماية حدود البلاد من الاعتداءات المختلفة ومهام السياسيين في الحكم بطريقة ديمقراطية لذلك فشلت كل التجارب الديمقراطية التي أقيمت في القارة الإفريقية  بعد رحيل الاستعمار في أواسط ستينيات القرن الماضي وعلى رأسها الدول التى كانت مستعمرة من قبل بريطانيا مثل مصر والسودان ونيجيريا ، حيث تركت  الإمبراطورية العجوز أثراً لقيام تجربة ديمقراطية حقيقية إلا أنها لم تستطع أن تتطور بسبب الانقلابات العسكرية .
وقد يزعم أحدهم أن التجربة الديمقراطية التي أوجدها المستعمر كانت فاشلة منذ نشأتها الأولى بسبب  ميلادها وصناعتها في العهد الاستعماري وبالتالي  تهدف في آخر الأمر إلى الحفاظ على المكاسب الاستعمارية ولاتهتم كثيرا بكيفية الحكم في المستقبل! ، كما أنها لم تعتمد على الجماهير بقدرما اعتمدت على الطبقات الارستقراطية و الطرق الصوفية والرجال ذوي الخلفية الدينية الطاغية بعدما شجّعتهم الإدارة البريطانية على الاستحواذ على اهتمام الناس من خلال  طرقهم الدينية أولا والتسهيلات المالية الهائلة التي  صبّت في مصالحهم الزراعية والتجارية (4) المختلفة لذلك كان  لابد لهذه التجربة أن  تفشل لأنها لم تكن ديمقراطية في نفسها ،  كما أن مصادر تمويلها كانت غير معروفة مما تسبب في دخول رجال أعمال ومغامرون ودول أجنبية داخل تركيبتها  الذاتية مما تسبب في انهيار التجربة بُعيد رحيل الاستعمار  . يمكن أن نقول  إن ذلك صحيح  بيد أنه من الصعب الزعم  بأن التجربة الديمقراطية المبرأة من كل العيوب يمكن أن تنهض بين يوم وليلة من دون تضحيات وأخطاء وصبر طويل عليها كما فعل من نجحوا في تثبيت التجربة الديمقراطية في بلادهم ، أما فيما يختص باحتكار رجال الطرق الصوفية للشارع العريض فإنهم مجبورون مع مرور السنوات على تعديل تفكيرهم حتى يتواءم مع الديمقراطية أو يتم تجاوزهم من الشارع  المثقف بعد أن يزيد وينمو عوده بفضل التعليم والصحافة الحرة والمنتديات المختلفة ، أما الزعم بأن التجربة الديمقراطية  ولدت وهي تحمل جينات فشلها  ومن ثم يتم   وأدها من قبل العسكريين فإن هذا الأمر قمين بأن يرجع بالتجربة الديمقراطية سنوات طويلة للوراء .
والذي شجّع على وأد الديمقراطية في السودان على وجه الخصوص وبقية القارة الإفريقية نجاح بعض العسكريين في الوصول إلى السلطة أثناء أو بعد خروج الاستعمار من القارة الإفريقية كما في حالة ثورة يوليو 1952م من دون أن يسمح للديمقراطية بالنمو ، حيث عُرفت تلك الحقبة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بحقبة الانقلابات العسكرية في القارة الإفريقية حيث نجح حوالي 70 انقلابا عسكريا(5) بينما أخفقت مئات الانقلابات الأخرى في طور التنفيذ أو قبيل الإعداد النهائي لها أو في طور الفكرة والتخطيط النظري.
لذلك لم يعد غريبا في تلك الحقبة أن تتفاجأ القارة بانقلاب عسكري جديد كل شهر على مدار أعوام طويلة ولم يعد أحد يستنكر ذلك الاتجاه الموغل في اللجوء لسلاح الانقلابات لحسم الخلافات السياسية ، بل وأصبحت الأحزاب السياسية تشارك بفاعلية في الانقلابات  العسكرية فحزب الأمة على سبيل المثال  متهم بأنه كان وراء أنقلاب الفريق ابراهيم عبود في نوفمبر 1958م ، كما أن الحزب الشيوعي السوداني أو بعضا منه يقف خلف إنقلاب الرئيس جعفر نميري ، والجبهة الإسلامية القومية كماهو معروف علي لسان أمينها العام السابق الدكتور حسن الترابي كانت تقف خلف إنقلاب الفريق عمر حسن البشير! (6) .
ومن جهة أخرى نجد أن للحرب الأهلية تأثيرات سالبة على الحياة السياسية في البلاد بغض النظر عن سماحها للعسكريين بزيادة نفوذهم وتدخلهم في الحياة السياسية العامة عبر الضغط مثلا على تحصيل كل ميزانية ومخصصات الحرب بصورة شاملة حتى تقوم بواجباتها المختلفة أو إجبار بعض السياسيين على سلوك بعض المواقف على غير رغبة منهم كما في  حالة السيد الصادق المهدي الذي تم إجباره عن طريق مذكرة الجيش في نوفمبر 1988م على الموافقة على  تفاهم الميرغني – قرنق (أو إتفاقية السلام السودانية) بالرغم من تحفظه عليها في أول أمره ورفض البرلمان لها بواسطة أعضائه من حزب الأمة والجبهة الإسلامية القومية ، ومن ثم تشكيل حكومة مع حزب الجبهة الإسلامية القومية .. إلا أنه أجبر على تغيير مواقفه بفعل ضغوط جنرالات القوات المسلحة (7) .
ففي أجواء الحرب الأهلية يكون الجو السياسي غير معافى ، وتتطاير الاتهامات بالتفريط والخيانة والعمالة ، ويرغب كل طرف أو حزب سياسي في الحصول على أكبر مكاسب من الحرب الدائرة  (على بشاعتها)  حتى يكسب الانتخابات المقبلة ، وفي ظل تنامي الحريات الإعلامية المختلفة لايتورع البعض في الذهاب بعيدا لتحقيق أجندته الخاصة ولو على حساب التجربة الديمقراطية مما يدفع العسكريين إلى الاستيلاء على السلطة بعد أن يتضح للبعض منهم أن بعض السياسيين غير حريصين على مستقبل البلاد وازدهارها.
وفي ظل الحرب كذلك تتراجع التنمية  الاقتصادية والخدمات العامة من تعليم ، وصحة ، زراعة ، وصناعة بسبب تركز الجهود على الصرف على الحرب وتمويلها مما يسهم في إخفاق التجربة الديمقراطية وتفخيخها بمشكلات كبرى تؤدي إلى  إجهاضها آخر المطاف .. صحيح أن نفس المؤثرات تظهر إبان الحكم العسكري  إلا أن وحدة الصفوف  ظاهرياً بسبب التخويف والإرهاب وكتم أصوات الإعلام  وإبعاد المعارضين وتجاهل مشاكل الخدمات العامة كفيل بأن  يجعل من تأثير الحرب الأهلية في العهد العسكري أقل عن تأثيرها في العهد الديمقراطي ، بالرغم من أن كشف الحقائق للجماهير قد يكون مؤلما في بدايته الأولى ويؤدي إلى احتجاجات إلا أن ذلك قد يؤدي إلى معالجتها في آخر المطاف والتصدي لها بجدية عوضا عن تجاهلها حتى تستفحل وتؤدي آخر الأمر إلى الإطاحة بالحكومة العسكرية القائمة  كما حدث لفترة حكم الفريق عبود في 21 أكتوبر 1964م والمشير جعفر نميري في 6ابريل 1985م .
أضواء على مستقبل الديمقراطية بعد الانفصال :
لعل أهم سؤال يمكن أن نطرحه هنا ما الذي يمكن أن يتغير ويؤثر على التجربة الديمقراطية بعد انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م ، وهذا سؤال قد تبدو إجابته سهلة ولكنه ينطوي على تعقيدات كثيرة لعل من أهمها اعتبار أن  انفصال جنوب السودان يعني نهاية الحرب الأهلية  !  وقد يعتبر ذلك وهم  باعتبار أن الحرب الأهلية سرعان ما ولُدت مرة أخرى  في جبال النوبة والنيل الأزرق بالإضافة إلى دارفور التي لم تتوقف الحرب فيها بصورة شاملة بالرغم من خفوتها  كثيرا عن السابق .
وللإجابة عن هذه التساؤلات يمكن  القول صحيح أنه تجدّدت الحرب الأهلية في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة إلا أن ميادينها يمكن أن نبرهن أنها تقلصّت كثيرا بعد انفصال الجنوب وأصبحت مساحاتها الجغرافية محدودة   مما يسمح بوضع حد سريع لها سواء بالتفاهمات السياسية والاتفاقيات الملزمة وهذا ما يتطلع إليه الكثير أو حتى عبرحسمها عسكرياً في حالة فشل الجهود الدبلوماسية ، وهنا يجب أن لا ننسى أيضاً أن الجبهة الداخلية للبلاد ربما تكون موحدة أكثر من السابق حول قيادتها  الحالية  بسبب تحقيق رغبة الجنوبيين الجارفة للانفصال عبر الاتفاق السياسي في أول حالة من حالات الانفصال وتغيير الحدود الاستعمارية في القارة الإفريقية ، لذلك تتطلع الجبهة الداخلية لسلام طويل بعد الحروب الأهلية التي استمرت أكثر من خمسين عاما ،  لذلك حينما تتجدد الحرب الأهلية بعد التضحية الغالية بالرضاء بانفصال جنوب السودان فإن الجبهة الداخلية سوف تكون موحدة  ومنظمة ربما خلف قيادتها السياسية ومعادية بشدة لبؤر التوترات الجديدة في أطراف البلاد لأن من شأن التساهل مع التمرد الجديد أن يهدد بتقسيم السودان إلى عدة دويلات متصارعة، كما أن تعداد سكان هذه المناطق لن يكون كبيرا مثل الجنوبيين الذين كانوا يشكلون حوالي ربع سكان البلاد، هذا إذا افترضنا أن غالبية سكان تلك المناطق يؤيدون الحركة الشعبية !وهذا افتراض بعيد لذلك من المتوقع أن تكون نهاية الحرب الجديدة سريعة ، كما أن الاختلافات الدينية والثقافية أكثر وضوحا في حالة جنوب السودان عنها في مناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق حيث يجد العديد من السكان أنفسهم  في حالة اتصال حقيقية مع مكونات الداخل السوداني دون حساسيات كبيرة .
أما في حالة توسع الحرب وشمولها دولة جنوب السودان بالإضافة إلى مناطق التوتر الأخرى فإن من شأن ذلك أن يزيد من الحميّة الوطنية وإلتفاف الجماهير مع القيادة بسبب ما يُعتقد أنه أطماع خارجية في أراضي دولة السودان مما يسمح بنجاح  ميلاد وحدة وطنية يمكن أن تتحول إلى حكومة وحدة وطنية لحين إنجلاء  الحرب ، وهذا الاتجاه ليس بالأمر المستحدث في الدول  التي كثيرا ما تلتقى أحزابها في حكومة واحدة للتصدي للغزو الخارجي، وقد حدث ذلك في بريطانيا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية 1945م، كما أن التجربة الديمقراطية الهندية ظلت مستمرة ومزدهرة منذ 1948م (تاريخ الاستقلال) حتى يومنا هذا بالرغم من اشتعال الحرب مع باكستان تارة ومع الصين تارة أخرى مع العلم أن مكونات المجتمع الهندي معقدة  أكثر من أي مكونات أخرى  في انحاء العالم حيث تجمع بين أديان سماوية ووضعية وسلالات سكانية مختلفة واتجاهات غاية في الحداثة وأخرى غاية في التقليدية وربما في نفس الحي والشارع وكلها تتعايش مع بعضها البعض دون انفصام .
والحرب مع الدول المعادية   قد يكون فيها أحيانا بعض الفوائد  المفيدة التي تغيب عن المراقبين ( بالرغم من مأساوية الحرب وبشاعتها) ولعل أول هذه الفوائد توحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة ونبذ الخلافات الداخلية والاتحاد من أجل تحقيق هدف الفوز والانتصار عبر بذل الجهود المضنية في مختلف المجالات خلف تلك الغاية ، وقد رأينا أن أمماً كثيرة وشعوباً لم تتوحد بشكل فعلي إلا بعد أن صهرتها نيران الحروب وجعلت منها كيانا يخشاه الجميع ويتهيبه ، رأينا ذلك أثناء الحرب العراقية ضد إيران حيث اعتقد البعض في القيادة العراقية أن إيران قد تكون ضعيفة بعد أن حققت ثورتها الانتصار على نظام الشاه محمد رضا بهلوي في 1979م ، لذلك فضلوا تمزيق إتفاقية الجزائر في العام 1973م والدخول في مواجهة عسكرية ضد إيران لاستخلاص الأقاليم التي ترى القيادة العراقية أنها ملكا لها فكان أن وحّد ذلك التدخل العراقي الجبهة الداخلية الإيرانية وأخذت تزيد من قدرتها الذاتية المفككة  حتى انتصرت في الحرب آخر المطاف ، ثم لم تكتف  بعد ذلك بهذا الانتصار ولكن أخذت تبني في قوتها الذاتية شيئا فشيئا حتى أصبحت اليوم من ضمن مجموعة الدول القليلة التي تمتلك التقنية النووية ! (8).
ومن آثار الحرب الإيجابية حسم الخلافات العالقة بين البلدين المختلفين   والتي عجز السياسيون عن حلها ، فإذا عجز السلاح عن حلها فإن ضغوطات المجتمع الدولي والرأي العام في كلا البلدين والدول الإقليمية كفيل بحل هذه القضايا عبر الضغوط على كلا الطرفين حتى يتم التوصل إلى حلول معقولة، وكان مثل هذا الإتجاه  قبل الحرب غير متوافر بسبب الكبرياء الوطني وعجز السياسيين ورفض بعض المكونات الداخلية  ومعارضتها لأي تسوية سياسية معقولة .
والحرب تعجّل بحل مشكلة الحدود السياسية وهي من المشكلات المعقدة في القارة الإفريقية حيث يهدد  عدم حلها سريعا بوضع البلاد في حالة نزاع دائم قد يهدأ أحيانا ولكن كثيرا ما ينفجر ليسبب خسائر في الاستقرار السياسي والتنمية السياسية على المستوى المتوسط والبعيد ، كما يحرم الدولة من استغلال خيراتها المعدنية والمائية التي بالقرب من الحدود بسبب النزاع مع الدولة المجاورة (9) .
وكل ذلك يؤثر تأثيراً بالغا على التجربة الديمقراطية واستمراريتها وذلك في حالة المماطلة وعدم حسم الأمور ، ولعل التجربة الإريترية بالرغم من مأساويتها إلا أنها حاسمة في هذا الخصوص حيث استطاع الأريتريون تعيين حدودهم مع اليمن بدقة كبيرة حول جزر البحر الاحمر بعد التحكيم الدولي ،  كما استطاعوا أن يحددوا كذلك حدودهم مع دولة إثيوبيا بفضل التحكيم الدولي الذي سبقته حروب طاحنة وحدّت الجبهة الداخلية نوعا ما خلف القيادة السياسية بالرغم من بعض الانشقاقات المحدودة بدليل أن الازمات الاقتصادية التي ظلت تتعرض لها إريتريا لم تتبعها احتجاجات واسعة ، وبالطبع فإن القمع وحده ( وهو معمول به ) لايمكن أن يحد من تحركات الجماهير المحتجة على غلاء المعيشة .
و قد يشكك البعض في أن التحكيم الدولي في مسألة الحدود الإثيوبية الإريترية لم يحسم الخلاف حتى الآن بين الطرفين إلا إننا نقول إن الخلاف حول الحدود قد  حُسم ، وإن رفض إثيوبيا لنتائج التحكيم الدولي لا  معني له لأنه ملزم للطرفين وقد رضيت به عند اللجوء للتحكيم الدولي ،  وإن مسألة الرفض مجرد كبرياء سياسي إثيوبي يتعلق بقطعة  أرض يعتقد تجراي إثيوبيا المسيطرون على الحكم  أنها لهم وأنها تعنيهم بصورة مباشرة لأنها داخل حدودهم القبلية المحضة ، بيد أن تغيير النظام الإثيوبي أو تصالحه مع النظام الإريتري أو الوصول إلى تفاهم ما بين الطرفين كفيل بأن ينهي هذا الملف الذي ُحسم قانونيا ، لذلك تعتبر الحدود الإريترية اليوم من أكثر الحدود وضوحا فيما يتعلق بجيرانها الإثيوبيين واليمنيين .
ومن هنا  يعتقد البعض أن الحرب (علي شرورها الكثيرة ) إن وقعت بين الشمال والجنوب فإنها يمكن أن تحسم كثيراً من القضايا العالقة التي يمكن أن تشكل تهديدا لكلا البلدين  في المستقبل وعلى رأسها مسألة الحدود ، وبالتالي حسمها بصورة عاجلة بعد أن كانت من المفترض أن تحسم عبر التفاوض قبل أن ينال الجنوب استقلاله من دولة السودان، كما أن تواجد ملايين من  مواطني دولة جنوب السودان في الشمال مصدر خطر محتمل في المستقبل للدولة الشمالية  نتيجة لعدم حل الخلافات العالقة ،أضف إلى ذلك أن عدم حسم أخطر الملفات  فيما يختص بتواجد حزب سياسي مسلح في دولة السودان وعلى حدوده الجنوبية في جبال النوبة والنيل الأزرق باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان  كفيل بأن يهدد استقرار السودان  إذا لم يحسم هذا الأمر سريعاً . وفي حالة الوصول لحلول لمثل هذه الخلافات قبل التجربة الديمقراطية فإن من شأن ذلك أن يضمن للتجربة الديمقراطية القادمة  بدايات مبشرة  ويضيف إليها المزيد من عوامل النجاح التي افتقدتها في السابق بل وأدت إلى نهايتها بفعل التصعيد العسكري   .
القضايا العالقة في ظل تجربة ديمقراطية جديدة :
من الصعب التنبوء بكيفية سير الأحداث في ظل تجربة ديمقراطية جديدة من دون أن تحسم الخلافات العالقة بين دولة السودان ودولة جنوب السودان الوليدة، مثل: الديون ،والأصول ،والحدود ،والجنسية ،والمناطق الثلاثة، وتصدير النفط عبر الشمال ،والموقف من الدين، وفلسفة الحكم والعلاقات مع الدول المجاورة ودولة إسرائيل على وجه التحديد ،وتأثير ذلك على الأمن القومي السوداني ،واتفاقيات مياه النيل والمشاريع المقترحة لزيادة حصة بلدان دول حوض النيل من المياه وغيرها من قضايا .
ولكن من المؤكد أن بعض هذه القضايا سيسهل التعامل معها في عهد ديمقراطي حقيقي بينما هناك بعض القضايا من الصعب حسمها إلا في عهد سيطرة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان  الحزبين الحاكمين في كلا البلدين وذلك ببساطة لأن كثيراً من التفاهمات والاتفاقيات قد ُصممت في ظل تلك الإدارات ومن الصعب إعادة التفاوض حولها في عهد ديمقراطي جديد مثل الترتيبات الأمنية !، كما أن هناك بعض القضايا لايحسن فيها التسويف والمماطلة والجدل الإعلامي  والمناورات الحزبية المعروفة في العهود الديمقراطية مثل وجود جيش وطني واحد في دولة السودان وضرورة خضوع مختلف الأحزاب  السياسية لسيادة قانون واحد ، وبالتالي تخلي حزب الحركة الشعبية في شمال السودان عن سلاحه، وأن تكون علاقته مع حزب الحركة الشعبية في جنوب السودان تحت مراقبة دقيقة لكي يتأكد شعب  السودان أن جميع أحزابه السياسية تضع مصلحته الخاصة ونماءه وتطوره فوق كل اعتبار آخر أو علاقة أخرى ، لذلك يُعتقد أن حسم مثل هذه الخلافات قبل الاتجاه نحو تجربة ديمقراطية جديدة مهم للغاية ، وفيما يبدو أن هذا الأمر أصبح من الأولويات وأن عجلة الأحداث أخذت في الاتجاه نحو تصفية الجيوب المسلحة لحزب الحركة الشعبية في جنوب النيل الأزرق وفي مناطق جبال النوبة من قبل .
أما القضايا التي يستحسن حلها في ظل تجربة ديمقراطية معافاة فتتمثل في قضايا المصالحة الشعبية والتاريخية بين مواطني شمال وجنوب السودان وبين مواطني الداخل  المتأثرين بالحرب ، وذلك من خلال تفاهمات معمقة في ظل ظروف سياسية مواتية بعيدا عن أجواء الصراع القديم، وحبذا أن تكون التجربة الديمقراطية موجودة في كلا البلدين ، حيث من شأن ذلك أن يزيد من متانة العلاقات بين الطرفين على أن تكون العلاقات الاقتصادية صاحبة حظوة كبرى في هذا الأتجاه ، وذلك لأن معظم المصالحات والعلاقات بين الدول الإفريقية ُتبنى عادة على أساس عاطفي وجداني أكثر من كونها علاقات مبنية على تفاهمات اقتصادية متينة تفيد كلا البلدين،كما أنها تمنعهم من فصم هذه العلاقة عند أول طريق يحدث فيه خلاف ما ، ولعل المصالح الاقتصادية  التي  تربط بين دولة السودان وجنوب السودان أكبر من أي    مصالح أخرى على المستوى الإقليمي.. وذلك لوجود  مقومات اقتصادية هائلة مثل  حقول النفط الرئيسية موجودة حتى الآن في الحدود المشتركة بين البلدين ، كما أن هذه الحدود تعتبر الأطول على مستوى القارة الإفريقية ويقطن من حولها ربما أكثر من عشرة ملايين نسمة حيث تتميز بثروة حيوانية وزراعية هائلة بالإضافة إلى رابط النيل العظيم الذي يتمدد على طول تلك الحدود . ومن هنا  فمن المعتقد أن فتح صفحة جديدة من للتعاون بين الشمال والجنوب يمكن أن يترتب عليه  فوائد جمة، على أنه من المستحسن أن تتم في ظل تجربة ديمقراطية يشارك فيها الشعب عبر ممثليه وفاعلياته المختلفة بحرية تامة .
أما في حالة استمرار الخلاف وعدم حسم الملفات العالقة في ظل تجربة ديمقراطية جديدة  فإن دولة جنوب السودان تفقد كثيراً من عوامل ضغوطها على السودان وذلك بفعل عدة عوامل لعل من أهمها أن الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا الضغوط الدولية الهائلة على حكومة الخرطوم بسبب اتهامها بالشمولية وانقلابها على الديمقراطية وإقصاء الآخر وتجاربها المريرة في دارفور ، ومع الإعلام الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية التي سهل عليها الحديث عن السودان بكل ما تحب وتشتهي سواء كان ذلك   صدقا أو كذبا من دون أن تجد معارضة بعد أن انطبعت الصورة الذهنية للدولة بصور  الحرب الأهلية والعنف وإقصاء الآخر وهيمنة بعض الجماعات الإثنية على النفوذ والسلطة دون الآخرين، ومحاولة فرض ثقافتها ولغتها بل وربما شعائر دينها على الآخرين بالقوة المجردة(10) .
هذه الصورة الذهنية في الإعلام الغربي قد تتلاشى مع ميلاد تجربة ديمقراطية جديدة وعندئذ تجد دولة جنوب السودان  وبعض المنظمات صعوبة في تسويق أجندتها القديمة للعالم الخارجي وبالتالي سوف تكون ملومة  في أي احتكاك آخر بسبب إصرارها على الأقل على دعم حزب سياسي في الشمال يتبع لها عسكريا ولوجستيا من اجل فرض رؤاه  على الآخرين عبر فوهة البندقية ، وعدم خضوعه فيما يختص بالسلاح على وجه الخصوص لقوانين الدولة السودانية وربما قوانين العالم أجمع التي تحظر على الأحزاب السياسية التسلح من أجل الدفاع عن قضاياها ووجهة نظرها ، وكانت في السابق تقول إنها  تفعل ذلك من أجل حماية نفسها ضد حزب عقائدي استولى على السلطة بقوة السلاح ، وهي لا تأمن على نفسها في حالة تجريدها من السلاح  وكان البعض يتعاطق معها في رؤيتها هذه.
أضف إلى ذلك أن التجربة الديمقراطية الحقيقية تسمح بالتعبير عن قيم المجتمع وتظهر قياداته الفعلية ، والطرق التي يجب أن يسلكها في مجال الحكم والإدارة عبر انتخاب ممثليه الذين يثق فيهم ، وهذا الأمر لايسمح لأي جماعة أو حزب سياسي باختطاف صوت الجماهير وتجنيده لصالحه باعتبار  أنه يمثل الشعب  أو جماعات منه وخصوصا الذين يُعتقد أنهم منبوذون ومهمشون  عبر الإصرار والتآمر من قبل السلطة الحاكمة !، ومثل هذه الادعاءات تسمح باختطاف أصوات بعض المناطق في دولة السودان ، بيد أن تطبيق تجربة  ديمقراطية حقيقية يسمح بوأد مثل تلك الاتجاهات التي استشرت كثيرا   طوال العقدين الماضيين حتى أنها أصبحت  عند البعض مثل الحقائق الثابتة   بفعل التكرار والإصرار عليها ، ويمكن القول إنها أدت في مرحلة من المراحل إلى أن تنحاز أعداد كبيرة من الجنوبيين لصالح الانفصال، وتهدد إيمان جماعات أخري  ضمن التركيبة السودانية بعدم جدوى الوحدة الوطنية في ظل هيمنة جماعة إثنية واحدة على السلطة والثروة في البلاد.
غياب قضايا جنوب السودان وأثرها على الديمقراطية :
إذا استثنينا المسألة العسكرية وأثرها على الديمقراطية والتي كانت متركزة حول جنوب السودان وأطرافه نجد أن من أكبر القضايا التي شغلت الرأي العام والأحزاب السياسية والمجتمع الإقليمي والدولي مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية حيث عُدت في عرف قيادات الحركة الشعبية من أكبر أسباب اشتعال الحرب في جنوب السودان واستمراريتها (11) . بالرغم من أن مثل هذه المزاعم بها خلط للمراقب المتابع .. و يتمثل في معرفة أن إنشاء الحركة الشعبية لتحرير السودان وجناحها العسكري كان في شهر يونيو من العام 1983م بينما كان إعلان الرئيس جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية في 9 سبتمبر 1983م ، وبذلك يسبق إنشاء الحركة الشعبية إعلان التشريعات الإسلامية إلا أنها اعتبرت إحدى مسببات قيام الحرب في جنوب السودان !! ، المهم أنه وبعد انفصال جنوب السودان أصبحت مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية خارج نطاق المداولات السياسية بعد أن صار المسلمون يشكلون أكثر من 96%من تعداد سكان السودان ، ولم تعد مسألة تجميد أو إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية واردة في ظل عهد ديمقراطي حقيقي يعبرّ عن الناس  ، وقد كانت في السابق مهددة (الشريعة )  في حقبة الديمقراطية الثالثة 1986م – 1989م بالإلغاء  بالرغم من رفض الأحزاب السياسية الكبرى وعلى رأسها حزب الأمة القومي  تجميد العمل بقوانين الشريعة التي وضعت في العهد السابق إلا أنها واجهت كثيراً من  الانتقاد لانتقائية نصوصها وإغفالها لجوانب مهمة في الدين  واستبعادها لكثير من اجتهادات العلماء الكبار وعدم استشارتهم عند تطبيقها على أرض الواقع .
بيد أن التأثير الكبير على مستقبل الديمقراطية بعد إنفصال جنوب السودان سوف يكون على الأحزاب السياسية الكبرى التي طالما ركّزت برامجها السياسية على الدفاع عن الشريعة الإسلامية وقضايا الإسلام سواء بالحق أو   لجذب تعاطف الناس ! لأن مثل هذا الاتجاه  لن يكون متاحا بعد أن يتواضع الناس على أن قضايا إسلامية الدولة والشريعة الإسلامية من ثوابت الأمة ،  وأن الجماهير المسلمة هي من تحرسها بمساعدة الجيش والسلطة القضائية والتشريعية ، كما أن كثيراً من الدول الأوربية ارتضت التعامل مع الإسلاميين على مضض ، وبالتالي سوف تتنافس الأحزاب السياسية من بعد ذلك على خدمة الناس ، وعلى تحقيق برامج اقتصادية فاعلة وعلى ممارسة الديمقراطية داخل أحزابها وعلي تفانيها في خدمة قضايا المجتمع المختلفة ، ومن هنا سوف يزول حاجز ضخم طالما أعاق الديمقراطية في السودان وهو عدم اتفاق مكونات أساسية في المجتمع السوداني على كيفية الحكم وبأي قوانين تسيّر الأمة ، لأنه في حالة الاختلاف حول هذه الجزئية تحديدا لايمكن للديمقراطية أن تنمو وأن تتطور ، كما أن سمات الاختلاف تكون عنيفة ويتم حسمها في الغالب الأعم بواسطة القوة العسكرية المجردة ، لذلك نجد أن كل التجارب الديمقراطية الناجحة  في دول العالم المختلفة كان الناس ومكونات المجتمع يتواضعون على دستور واحد يحترمه الجميع ويخضع لسلطانه الجميع، ومن هنا يتجه اهتمام الأحزاب السياسية لتحقيق رغبات الناس المختلفة وعلى رأسها الاقتصاد ،  مما يسمح بوصول المرشحين الأكثر قدرة على خدمة قضايا الاقتصاد والمجتمع .
وعدم حسم القانون المنظم للحياة الديمقراطية والتواضع على احترام خيارات الناس العقائدية والروحية واستصحابها كقوانين ملزمة للجميع يسمح لبعض الأحزاب السياسية (إن لم نقل جلها ) باختطاف مطالب الناس الروحية والعقائدية وتجنيدها لخدمة أهداف الحزب ومن ثم الوصول إلى السلطة بمختلف الوسائل سواءاً كانت ديمقراطية أو عسكرية تحت دعاوى الخوف على قيم الناس ومعتقداتهم  الدينية من تأثيرات الخارج والمتحالفين معهم من الأقليات في الداخل وخصوصاً  إذا كانوا ممن يحملون السلاح، ومن الغريب أن بعضاً  من الأحزاب التي تصل للسلطة تحت هذه الدعاوي  ربما تكون بعيدة عن إنزالها على أرض الواقع كأن تتجاهل قضايا الفساد المالي والإداري بالصورة المثلى ! وألاّ تعدل بين الناس  بالقسط عند توزيع الفرص الاقتصادية المختلفة !، مثل أن تكون أكثر تسامحا وتجاوزاً  لمن ينتسبون لها بينما تكون متشددة وقاسية مع من يختلفون معها دون النظر لإعتبارات العدالة والحق، وهذا الأمر يناهض قيم الدين وأهدافه العليا ، ولعل تجربة الجبهة الإسلامية القومية حول هذا الخصوص في العقدين الماضيين أفضل دليل على ذلك    بعد أن ملأت الدنيا وشغلت الناس بضرورة الإحتكام  للقوانين الإسلامية والتحذير المستمر من المخاطر المحدقة بالأمة نتيجة لحرب جنوب السودان وحلفاء الحركة المتضامنين معها في الشمال ! وعند إستلام السلطة قامت  (كما هو معروف) بأكبر عملية إقصاء في تاريخ السودان الحديث بعد أن أبعدت كثيراً من الذين لاينتمون لها فكرياً في أجهزة الدولة الخدمية المختلفة ، وقد اعترف بذلك العديد من القيادات الإسلامية التاريخية مثـل الدكتور الطيب زين العابدين (12) وعبدالوهاب الأفندي والتجاني عبدالقادر وغيرهم ، كما أن الناس لم يشهدوا طوال العشرين عاما السابقة  تحقيقات لمنتمين  كبار للحزب الحاكم في قضايا فساد أو محسوبية أو تواطؤء بإرساء العقودات الحكومية الثمينة لشركات ينتمي أفرادها للحزب الحاكم دون الآخرين بالرغم من تنوع العروض وتوالد المشاريع الاقتصادية المنفذة بأموال حكومية ،ومثل هذه الأمور بالتأكيد تشكك في  اتجاهات  المتحمسين لتطبيق تجربة إسلامية حقيقية في العهود الديمقراطية الماضية ، هذا إذا استبعدنا قضايا هيمنة أفراد قلائل علي السلطة لعقود دون تداول حقيقي أو شوري حتى من بين المنتمين للحزب الحاكم .
وبالتالي فإن التواضع على الالتزام بالقوانين الإسلامية لتحكم بين الناس وإغلاق ملف الدفاع عن قضايا الناس الروحية والعقدية  بواسطة الأحزاب السياسية سوف يجعل التجربة الديمقراطية القادمة أكثر عمقاً وتركزاً حول قضايا الاقتصاد والخدمات والقدرة على توليد فرص  حقيقية للجماهير من أجل النماء والتقدم مما يسمح في آخر المطاف بوجود ممثلين حقيقيين للمجتمع لايؤثرون عليه من خلال عواطفه وأشواقه الدينية ولكن يؤثرون عليه من خلال انجازاتهم الحقيقية على أرض الواقع .
الأحزاب التقليدية والتطور الحتمي للديمقراطية:
الأحزاب التقليدية مثل حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي بمختلف تياراته ملزمة بتطوير برامجها بعد انفصال جنوب السودان من أجل المنافسة الديمقراطية القادمة التي تشير كل التوقعات إلى أن هذه التجربة قد تستمر ويكتب لها النجاح أكثر من سابقاتها بفعل انفصال جنوب السودان واتجاه العالم العربي والإفريقي بصورة عامة نحو الحكم الديمقراطي بعد غياب القطب الاشتراكي القديم الذي طالما دعم الانقلابات العسكرية في العالم الثالث ، كما أن الدعوة للقومية والاشتراكية والانعزالية السابقة أخذت في التلاشي مع ثورة الاتصالات  ،وبنجاح العولمة في خلق مجتمع إنساني موحد صار تقبل الديمقراطية وضرورة الاحتكام لها من المسلمات ، كما لا ننسى أن الدول الديمقراطية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا أخذت في الانكفاء على نفسها مع تراجعها الاقتصادي وظهور منافسين جدد  عقب  الإنهاك الذي أصابها نتيجة لمواجهة الاتحاد السوفيتي أولا والحرب ضد الإرهاب.. وفقدانها موارد اقتصادية مهمة في دول العالم الثالث بفعل التدخل الصيني وغياب المبادرة والروح الخلاقة القديمة وبالتالي لم تعد الديمقراطية صفة مميزة لبعض الدول بقدر ما أصبحت تجربة إنسانية عالمية .
والأحزاب التقليدية السودانية استثمرت نجاحاتها السابقة في الاستجابة لعواطف الجماهير المختلفة في قضايا كانت تلبي أشواقها مثل الاستقلال أو من خلال الطرق الصوفية التي ربطت الناس بقيادتها الروحية ، بيد أن تلك القضايا ومع توالي السنين أخذت تفقد رونقها السابق ولم تعد تهم الكثيرين ممن تلقوا علوما حديثة في المدارس والمعاهد العليا،  وبالتالي وجب على هذه الأحزاب تجديد برامجها وأفكارها وطرقها المختلفة.. مع العلم أن الأحزاب التقليدية لها  لمحات إيجابية عديدة  في البلاد بعد أن وحدّت بين الناس وجمعت بينهم ، ولقد رأينا نتائج انتكاستها وإنكفائها في رجوع الناس للعصبية والقبلية والجهوية  والمناطقية ،  أو حدوث انفجارات من الحروب  الأهلية لم يكن احد  يعتقد أنها يمكن  أن تحدث داخل نسيج السودان المتحد وخصوصا خارج نطاق الإقليم الجنوبي .
ومن جهة أخرى نجد أن هذه الأحزاب التقليدية يمكن أن تشكل عامل عدم استقرار واضطراب في حالة عدم  تطورها ، لذلك تجب مساعدتها  في إيجاد برامج حديثة يلتف الناس من حولها حتى تسمع صوتها للآخرين باعتبار أنها تملك إرثاً كبيراً من الصعب أن تفرط فيه ، بالإضافة إلى الأموال وبعض المريدين والعلاقات الخارجية المتينة . ولقد رأينا أنموذجاً بسيطاً لذلك عبر إصرار السيد محمد عثمان الميرغني على الاتفاق مع الدكتور جون قرنق في 1988م من أجل وقف الحرب الاهلية  مهما كانت  التنازلات ، وبالتالي التمكن من الفوز في الانتخابات المقبلة بفضل هذه الاتفاقية الحلم ، وفيما يبدو أن الدكتور جون قرنق أو طاقم مستشاريه قد انتبهوا لهذه الرغبة الدفينة عند الحزب الاتحادي فوصلوا معه لتفاهم قد يؤدي لانشقاق الصف الشمالي الذي كان متوافقا على الحرب  وضرورة التصدي للحركة الشعبية ، ويضم من بين جنبيه حزب الامة القومي والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية ، بدليل أن الحركة الشعبية لتحرير السودان استهدفت طائرة السيد وزير الدفاع عبدالماجد حامد خليل بصاروخ سام 7 في سماء واو غداة توقيع إتفاقية السلام السودانية بين الميرغني وقرنق! في مؤشر واضح على أن الحركة الشعبية   كانت تستهدف التلاعب بأحزاب الشمال وشق صفها  (13) .
ومن هنا وبعد انفصال جنوب السودان فإن الأحزاب التقليدية أمامها خيارات محدودة ومن ضمنها تطوير برنامجها وإشاعة الديمقراطية داخلها حيث لم يعد من المقبول المناداة بالديمقراطية بينما لاتوجد ديمقراطية داخل هذه الأحزاب ، هذا بالإضافة إلى الشفافية المالية التي ربما يركّز عليها قانون تنظيم الأحزاب السياسية الجديد باعتباره مهدداً خطيراً من مهددات الأمن القومي في حالة عدم معرفة مصادر تمويل الأحزاب المختلفة ، أما الخيار الثاني فيتمثل  في تلاشي هذه الأحزاب التقليدية تدريجيا إذا لم تقم بتطوير نفسها وهذا تطور طبيعي باعتبار أن الأحزاب السياسية تقوم لتلبية مطالب محدودة وملحة وفي حالة تلبيتها  وإشباعها أو تجاوزها بفعل الأحداث أو الزمن فإن هذه الأحزاب تبدأ في التلاشي حتي تزول تلقائيا .
اما الخيار الثالث فيتمثل في تحول هذه الأحزاب إلى أحزاب جهوية  تعّبر عن جماعات عرقية معينة مما يسمح لها بإضافة سنوات أخرى إلى عمرها بيد أن ذلك الأمر قد لايكون ناجحا لأن كثيراً من جهات ومناطق السودان الجغرافية قد لاتكون متفقة  تماماً مع مكوناتها المحلية مما يصّعب من مهمة الحزب ، مثلاً  توجد قبائل من أصول عربية وأخرى من أصول إفريقية وحامية ، وقبائل تعتمد على الرعي ،  وأخرى على التجارة ، وأخرى على الزراعة ، وبالتالي يهدد ذلك من سيطرة الحزب على هذه  المناطق الجغرافية ، كما أن كثيراً من الولايات والجهات وبعد تفشي الجهوية تفضل الولاء لممثلين خاصين بها بعيدا عن الهيمنة التقليدية للأحزاب السياسية القديمة .

توصيات الدراســـــة  :
1.    المؤشرات   الإقليمية والدولية تنبىء بأن العالم متجه نحو اعتماد الديمقراطية في الحكم لذلك يجب أن يستعد الجميع للخضوع لسلطان الديمقراطية  باعتبارها أفضل خيار إنساني متاح حتى الآن في أنظمة الحكم.
2.    أسهمت الحرب الأهلية في جنوب السودان فى إجهاض التجارب الديمقراطية الثلاثة الماضية ، وبانفصال الجنوب قد تتكون تجربة ديمقراطية ناجحة في المستقبل القريب  فعلى كل الأحزاب أن تستعد لها ولكن بأسس جديدة. .
3.    هناك كثير من الأحزاب  بنت أفكارها وايديولوجيتها على الصراع مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ، وبتكوين الأخيرة لدولة منفصلة فإن هذه الأحزاب مطلوب منها تجديد برنامجها وتركيزه حول الاقتصاد والتنمية والخدمات.
4.    قيام تجربة ديمقراطية حقيقية سوف يحرم كثيراً من الجهات الناطقة باسم المهمشين  والمحرومين من الاستيلاء على أصواتهم وخيارتهم بعد أن يكونوا قد إرتضوا من يمثلهم ويعبر عن طموحاتهم على أرض الواقع  لذلك من الأفضل عدم توقيع اتفاقيات سياسية مع أي جهة تدعي أنها تمثل الناس إلا في ظل حكم ديمقراطي حقيقي .
5.    ارتبطت الصورة الذهنية للسودان في الإعلام الخارجي بكثير من الجوانب السلبية  في السابق ، ومن المعتقد أن تسمح التجربة الديمقراطية الجديدة بتغيير كثير من المفاهيم السابقة ، لذلك يجب أن يكون التجديد شاملا وينبع من  قناعات داخلية .
6.     على الأحزاب التقليدية أن تجدد من أفكارها وبرامجها الإنتخابية وأن لا تقف أمام الماضي طويلا إلا فإنها وتواجه خطر التلاشي التدريجي والزوال.
7.    قد تؤسس التجربة الديمقراطية الجديدة  لميلاد اتحاد فضفاض أشبه  بالكنفدرالية  بين شمال وجنوب السودان بعد أن تكون مرارات الحروب السابقة قد زالت وارتضى الجميع احترام خيارات الآخرين في فلسفة الحكم والإدارة ، لذلك يجب أن لايُستبعد مثل هذا الخيار ، وأن فكرة إعادة الوحدة واردة  ولكن في ظل تجربة ديمقراطية حقيقية  .

مصادر الدراسة :
1-    الخير عمر أحمد سليمان ، القرار السياسي في السودان : دراسة مقارنة مابين النظم البرلمانية والرئاسية والعسكرية ، مكتبة الشريف الأكاديمية ، الخرطوم 2005م ، ص 170 .
2-    عزالدين السيد ، تجربتي  في السياسة السودانية ، مطابع نصر ، دمشق ، بدون تاريخ ، ص 90.
3-    د. حمدي عبدالرحمن حسن ، العسكريون والحكم في إفريقيا – دراسة في طبيعة العلاقات المدنية والعسكرية ، مركز دراسات المستقبل الإفريقي ، القاهرة  1996م ، ص 21 .
4-    البروفيسور محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900- 1969م ، ترجمة هنري رياض وآخرين ، الدار السودانية للكتب ، الخرطوم بدون  تاريخ ص 186.
5-    امباي لو ، إشكالية انتقال السلطة في إفريقيا ( مع التطبيق على نيجيريا) إصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، الخرطوم 1998م، ص 135 .
6-    سلمى حسن العطا ، الحركة الإسلامية في السودان - تجربة الحكم والانقسام في 2000م ، شركة مطابع السودان للعملة ، الخرطوم 2008م ، ص 201.
7-     عبدالوهاب الأفندي ، الثورة والإصلاح السياسي في السودان ، الناشر منتدى ابن رشد ، لندن ، 1995م ، ص 12 .
8-    كينث آر . تيرمان ، العد العكسي للأزمة ، المواجهة النووية المقبلة مع إيران ، دار العلم للملايين ، بيروت 2006م ، ص 42.
9-    محمد عاشور مهدي ، الحدود السياسية وواقع الدولة في إفريقيا ، مركز دراسات المستقبل الإفريقي ، القاهرة 1996م ، ص 105 .
10-    الواثق كمير ، جون قرنق- رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية ، ط ثالثة ، ماستر للطباعة ، الخرطوم 2005م ، ص 149 .
11-    المصدر السابق ص 132.
12-    البروفيسور الطيب زين العابدين ، مقالات في السياسة السودانية ، دار جامعة الخرطوم  للنشر ، 2004م ، ص 57 .
13-    إبراهيم محمد آدم ، الأبعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية للحركة الشعبية لتحرير السودان 1983-2000م، إصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، الخرطوم 2001م ، ص 144.
Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]