مايو 2012م


مستقبل العلاقة بين الدولة السودانية ودولة

جنوب السودان 2012م

د. المعتصم أحمد علي الأمين(*)

تمهــــــيد:
على الرغم من الاختلاف  الواسع  بين توجّهات الحركة الإسلامية في السودان وحزبها الحاكم مع رؤى الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوب السودان  إلا أن الطرفين وعلى غير توقع الكثيرين  قاما  بتوقيع إتفاق سلام  في كينيا في 9 يناير 2005م ، بعد مفاوضات شاقة استمرت لسنوات طويلة ربما بدأت منذ الشهور الأولى لوصول الحركة الإسلاميــة للحكم في 30 يونيو 1989م (1).
ولعل أول مؤشرات إمكانية التوصل إلى سلام بمعالجة جديدة كانت مع محادثات فرانكفورت بالمانيا في 1992م ، بين السيد علي الحاج محمد مسؤول ملف السلام في الحكومة السودانية يومئذٍ ، والسيد لام أكول أجاوين العضو البارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان : والتي أشارت إلى إمكانية استقلال جنوب السودان مبدئيا في حالة تعذر  الوصول إلـى تفاهم وسلام يحقق طموحات الطرفين (2).
ثم توالت من بعد ذلك مفاوضات السلام مرورا بأبوجا الأولى والثانية في 1993م، ومفاوضات  أخرى رعتها دول الإيقاد ، ونصت فيما نصت على القبول بدولة علمانية أو الموافقة علي حق تقرير المصير لجنوب السودان ، ومفاوضات السلام من الداخل ، وإتفاقية الخرطوم للسلام في 1996م ، انتهاءاً  بمحادثات مشاكوس 2002م ، واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا في يناير 2005م.
وطوال فترة محادثات السلام التي ناهزت العشرين عاما شهد ميدان القتال حروبا متصاعدة مات فيها الآلاف وشُرد فيها الملايين ، بالإضافة إلى تدخل دولي وإقليمي واسع في الشؤون السودانية بسبب الحرب والمآسي التي نتجت عنها .
وفي هذه الحروب استعمل الطرفان أقصى ما يمكن أن يفعلانه من أجل الفوز بها وإخضاع الطرف الآخر، حيث توسّلت الحركة الشعبية لتحرير السودان برؤيتها الإفريقية وما وجده الشعب الزنجي من اضطهاد طوال تاريخه  من معاناة نتيجة للاسترقاق والاضطهاد والاستغلال الذي تم من مختلف الشعوب التي طمعت في الإمكانيات الإفريقية والزنجية برجالها الأقوياء وثرواتها الوفيرة وغاباتها العذراء ، كما توسّلت الحركة أيضا بالمسيحية في مرحلة من المراحل ضد  الإسلاميين الطامعين في فرض رؤاهم وقيمهم عبر شن الحرب  وإخضاعهم عبر سياسة الأمر الواقع ، حيث جلب لهم هذا الأمر،  ربما منذ سنوات طويلة، دعماُ  مشهوداً من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكثير من الدول الإفريقية التي تسيطر على صفوتها القيم المسيحية  والتعليم الغربي ، كما لاننسى أن الحركة الشعبية لتحرير السودان توسّلت أيضا في مرحلة من مراحلها الأولية بالاشتراكية الدولية إبان سيطرة الاشتراكيين الإثيوبيين على السلطة في أديس أبابا في( 1974-1991م) ، ثم توسّلت أيضا بفكرة الوطنية الجنوبية السوداء مقابل هيمنة الأقلية العربية القادمة من خارج القارة الإفريقية للسيطرة على إفريقيا ومسخ هوية  إنسانها وطرده إلى الأطراف البعيدة ، أو إعادة تكيفيه وإلحاقه بالثقافة المنتصرة كتابع غير فاعل ومؤثر في محيط هذه الثقافة(3) .
أما المؤتمر الوطني المواجه للحركة الشعبية فقد توسل بأفكار كثيرة لأجل انتصاره في هذه الحرب المصيرية التي استمرت لأكثر من نصف قرن ، حيث رفع الشعارات الإسلامية لخوض الحرب بعد أن صوّر أن حرب الحركة الشعبية لم تكن حرباً مطلبية، ولكنها حرب مدعومة بالكامل من الدول الغربية وعلى رأسها الفاتيكان في إطار الصراع الكبير الذي دارت رحاه بين الإسلام والمسيحية ربما منذ توسعاته الأولى في القرن الأول الهجري في الشام ، وشمال إفريقيا والأندلس ، حيث شهد العالم قيام عدة جبهات ساحنة للقتال بين الطرفين وخصوصا أيام الحروب الصليبية التي استمرت زهاء ثلاثة قرون ، حيث  يعتقد بعض الإسلاميين أن رحى هذه الحرب  لم تتوقف حتى الآن ، ويدللون على ذلك بشواهد كثيرة منها صناعة إسرائيل نفسها ، ودعم العلمانيين وتثبيتهم في سُدة الحكم ، ورفض التوجهات الإسلامية ، والتآمر عليها لعقود بعد نيل الاستقلال في ستينيات  القرن  الماضي(4) .
وقد لام بعضٌ من المحلليين حزب المؤتمر الوطني على استهلال الأيديولوجيا الإسلامية في حرب الآخر لأن من شأن ذلك أن يثير حفيظة التيارات الأصولية في الغرب ، وبالتالي يتم الضغط علي السياسيين العلمانيين في العادة  لأجل التدخل في الحرب ونصرة الطرف المسيحي الكاثوليكي أو البروتستانتي  ، كما أن كثيراً من دول الجوارالإقليمي تهيمن عليها الصفوة المسيحية ذات التعليم الغربي،  ومن شأن ذلك أن يجعل منها نصيرا قويا للحركة الشعبية لتحرير السودان .
بيد أن المؤتمر الوطني ذكر في بعض أدبياته أن الدعم الغربي للحركة الشعبية لتحرير السودان وكثيرا من الحركات المقاتلة الأخرى في جنوب السودان موجود أصلا منذ وقت مبكر ربما منذ الحقبة الاستعمارية التي تخّلت عن إشرافها على التعليم في جنوب السودان للكنائس بمختلف  مذاهبها  في إشارة قوية لوضع حد لتقدم وانتشار الإسلام في الغابة الإفريقية العذراء (5) ، وأن رفع الشعارات الإسلامية يقوي من تماسك المجتمع السوداني الذي لايتفق أغلبه على شيء بقدر اتفاقه  على الإسلام ، وإن رفع شعارات القومية العربية والقتال تحت راياتها يمكن أن يجلب دعماً عربياً   سواء من العراق أو الجماهيرية الليبية ولكن يمكن أن تكون له نتائج كارثية على الواقع السوداني بإثنياته النوبية والعربية والبجاوية والزنجية وكثير من الإثنيات الأخرى التي قدمت من غرب إفريقيا وأصبح لها شأن كبير في سودان اليوم.
تحقيق السلام عبرالضغوط الدولية :
تدلل كثير من الشواهد على أن السلام الذي تم التوصل إليه عبر اتفاقية السلام الشامل 2005م لم يكن شاملا (بحسب عنوان الإتفاقية) بقدر ما كان هدنة مؤقتة للطرفين لتحقيق أهداف إستراتيجية وإيديولوجية بعد أن ُسدّ طريق الحرب التقليدية بين البلدين التي بدأت  في مرحلتها الثالثة في يونيو 1983م مع تأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان ، ولعل أوضح دليل على ذلك مخاطبة السيد سلفاكير ميارديت الجماهير المحتشدة في ميدان الحرية بجوبا غداة إعلان الاستقلال في 9 يوليو 2011م بأن دولة جنوب السودان سوف لن تنسى أبدا مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق التي طالما قالت معها جنبا إلى جنب إبان الحرب الأهلية بالإضافة إلى إقليم دارفورالذي اشتعلت  فيه الحرب الأهلية في 23 أبريل 2003م مع ضرب مطار الفاشر، وحرق طائرات حربية رابضة على مدرجاته ، ومهاجمة حامية مدينة الفاشر لساعات في تأكيد  محسوس لبدء الحرب الأهلية في دارفور(6) .
كما أن الدليل الثاني على أن إتفاقية السلام الشامل ربما اعتبرت عند بعض التيارات المتشددة في كلا الطرفين  اتفاقية هدنة مؤقتة هو حالة التنافس والعداء والتشاحن الذي شاب  الفترة الانتقالية منذ بدء تطبيق الاتفاقية فعليا في يونيو 2005م ، وحتى إعلان ميلاد دولة جنوب السودان  في يوليو 2011م ، حيث شهدت هذه الحقبة علاقات متوترة بين الطرفين أبعد ما  تكون سلاما مستداما يتم بعده التقرير في شأن الوحدة أو الانفصال،  بالرغم من أن نصوص الاتفاقية حثت الطرفين على التعاون والعمل على تحقيق الوحدة  ، بيد أن هذه الفترة شهدت إتهامات كثيرة من قبل الطرفين مثل اتهام الحركة الشعبية للمؤتمر الوطني بسرقة أموال البترول، وإخفاء حجم الإنتاج الحقيقي من النفط المستخرج من جنوب السودان ، كما أن المؤتمر الوطني اتهم الحركة الشعبية بدعم أطراف مسلحة في دارفور، والعمل على فصل جنوب كردفان،  وجنوب النيل الأزرق، ومنطقة أبيي، ومن ثم ضمها إلى جنوب السودان ، وشهدت هذه الفترة تجميد عمل وزراء الحركة الشعبية في  الحكومة المركزية مرارا وتكرارا ، وانسحاب  نواب الحركة الشعبية كذلك من البرلمان القومي ،  وأخيرا الانسحاب من انتخابات رئاسة الجمهورية والبرلمان التي عُقدت في أواخر الفترة الانتقالية 2010م، والتركيز على انتخابات جنوب السودان في دلالة على  زُهد الحركة الشعبية في حث جماهيرها على التصويت للوحدة المرتجاه.
والشاهد الثالث كذلك الذي ربما يُدلل على أن اتفاقية السلام الشامل لم تكن حلا شاملا في نظر بعض التيارات عند الطرفين يتمثل في مخاطبة العالم الخارجي بأكثر من لسان وخصوصا الدول الغربية ، حيث سعى قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان عبر مخاطبتهم المراكز الإستراتيجية في الغرب والرأي العام ومجلس النواب والشيوخ الأمريكي في جلساته العلنية على وجه الخصوص بحثه على إبقاء العقوبات على الحكومة المركزية وشمال السودان ومواصلة الضغط عليه من أجل الإيفاء بالتزاماته تجاه استحقاقات  السلام  ، في مؤشر واضح على تجاهل عملية السلام واستعداد بعض الأطراف لمواصلة الصراع ولكن بطرق جديدة وفي مراحل جديدة بعد التخلص من التزامات اتفاقية السلام الشامل التي تنتهي في يوليو 2011م .
وبالتالي ومن خلال كل تلك المؤشرات  يمكن القول أن اتفاقية السلام الشامل كانت في نظر بعض التيارات داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان أو حزب المؤتمر الوطني  مرحلة جديدة من مراحل الصراع وليست نهاية  الصراع التي لاتبدو دلائل انتهائه في الأفق المنظور ، وأن الدافع الحقيقي وراء التوقيع عليها دخول عوامل كثيرة خشي البعض( في كلا الجانبين) من   تزايدها قد يدعم الطرف الآخر ويُمكّنه من تحقيق أجندته  النهائية المتمثلة في تكوين سودان جديد  يهيمن عليه العلمانيون والمجموعات السكانية المنحدرة من أصول إفريقية خالصة، مع إقامة علاقة طبيعية مع الغرب وإسرائيل والدول الإفريقية داخل حزام القارة الإفريقي جنوب الصحراء ، بينما يرغب الطرف الآخر في إقامة سودان إسلامي   مع عقد تحالفات إسلامية في الحزام السوداني  العريض الممتد من جيبوتي وحتى موريتانيا والسنغال ليكون متكئا   للانطلاق تجاه الجنوب وضم حزام الغابة الاستوائية لصالح الإسلام بعد قرون من محاولات التبشير المسيحي في تلك المناطق ، والتي لم تأت  أوكُلها بعد  لدى بعض السكان المحليين الذين ظلوا علي وثنيتهم بالرغم من الاجتهادات الكنسية ، بينما نجحت الكنيسة في ضم صفوة من المتعلمين في مدارسها المختلفة ، وبهم تحكم تلك البقاع الشاسعة ، وأن الأوان لم يحن بعد لإمكانية توقف تمدد الإسلام إلى  أجزاء واسعة بالقارة الإفريقية .
ولعل من أهم عوامل الوصول إلي عقد اتفاقية السلام  بالنسبة للجنوبيين الرغبة الطبيعية   في البحث عن السلام والهدوء بعد سنوات متطاولة من الحروب، حيث من الصعب الزعم أن هناك أفراداً من البشر لا يتأثرون بما يجري في ميدان القتال بالمآسي الإنسانية الناتجة عنه  خصوصا وأن مآسي الحرب في جنوب السودان كانت فادحة على  الإنسان الجنوبي الذي فقد مئات الالوف  سواء أكان في القتال المباشر أم عبر نتائج الحرب من مجاعات وانتشار للأمراض والأوبئة ، ونزوح الملايين من الإقليم الجنوبي، وتركزهم على وجه الخصوص في مدن شمال السودان .
كما أن تصريحات واتفاقيات الحكومة المركزية بمنح الجنوبيين حق تقرير المصير منذ مباحثات فرانكفورت 1992م فتّ من عُضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بمواصلة الحرب بعد أن اقتنع الكثيرون من قادتها باستحالة تحقيق حلم السودان الجديد الرامى إلي تغيير كل السودان بدلا من  حل مشكلة الجنوب وحدها، وقد كان قمة ذلك التمزق في 1991م عندما انقسم قادة بارزون من أمثال ريك مشار ولام أكول وهم يرتكزون على إرث قبلي  في  الحركة الشعبية وقيادة حروب دامية  ظلت مؤثرة فيها إلى وقتنا الراهن بالرغم من المصالحات التي رعتها الكنائس الغربية للتوحيد بين الفصيلين.
أضف إلى ذلك أن تساقط حلفاء الحركة من الدول المجاورة ، أو دخولهم في حروب مباشرة مع حلفاء الحركة الآخرين ، أو دخول بلدانهم في منازعات وصراعات داخلية عمل على إضعاف الحركة الشعبية وجعل من الاستحالة بمكان مواصلة حربها بالطرق التقليدية ، ولعل أبرز مثال على ذلك سقوط نظام الرئيس منقستو هايلاماريام 1991م الراعي الأول للحركة الشعبية ، ومن ثم دخول إثيوبيا وإريتريا في مواجهات عسكرية شرسة مع بعضهم البعض في 1998م، أو حتى الانقسامات الحزبية والقبلية في دولة كينيا بين سياسيين من قبائل الكيوكيو وقبائل اللو في بدايات القرن الجديد ، كل ذلك أضعف كثيرا من تطلعات الحركة الشعبية، كما أن ضغوط المجتمع الدولي وإصراره على التوصل إلى سلام يسمح للحركة الشعبية بأن تستقل بدولتها آخر المطاف مع عدم الاقتناع بجدوى توحيد كل السودان تحت راية الحركة الشعبية أيضا ساعد في الوصول إلى سلام آخر المطاف(8).
كما توجد أسباب أخرى  عملت على اقناع الحركة الشعبية بضرورة الإسراع بتحقيق السلام مثل نجاح مساعي الحكومة السودانية في استخراج وتصدير النفط  في أغسطس 1998م ، واستمرارها في التصدير دون تهديد حقيقي من قبل الجيش الشعبي لتحرير السودان بالرغم من أن أغلب عمليات التعدين كانت تتم  داخل حدود الإقليم الجنوبي ، أو في حدوده مع الشمال ، مما سيسمح على المستوى المتوسط والبعيد بتغيير موازين القوة كليا لصالح الحكومة السودانية والجيش السوداني بعد أن  يتخلص نهائيا من عقبة تدني الاقتصاد الذي بدأ في 1973م وحتى وقتنا الراهن . كما أن الاستثمار الصيني آثار حفيظة الحكومات الغربية وأثار أطماع الشركات الغربية التي كانت القارة الإفريقية معلومة لها بحكم الوجود الاستعماري والقرب الجغرافي ، وبالتالي سعت هذه الشركات بالضغط على حكوماتها للسماح بالاستثمار في السودان ومناطق النزاعات الأخرى بالرغم من المحاذير الإنسانية، وضغوط الرأي العام الغربي ، وبالتالي لم يكن من الممكن تجاوز كل تلك المحاذير إلا عبر الضغط لتحقيق تسوية ما تسمح بوقف الحرب والعنف ، ومن ثم الفوز بنصيب من موارد القارة الإفريقية التي تعاني من الإنقسام والحروب  المشابهة . كما أن بعض الدلائل كانت تشير إلى أن الشركات الغربية   لن تظل طويلا خارج نطاق المنافسة في إفريقيا وحتى في الاستثمار في أشد المناطق عنفا مثل حرب جنوب السودان كما فعلت بعض الشركات النرويجية والكندية (تلسمان) بالرغم من ضغوط جماعات حقوق الإنسان (9) .
ثم لعل الدوافع المرجحة لانحياز الحركة الشعبية لخيار التوقيع على الإتفاقية ربما كان اقتناص الفرصة التاريخية بالحرب الأمريكية على الإرهاب ووجود السودان على لائحة  الدول الخمس في العالم المتهمة بدعم ومساندة الإرهاب عبر الضغط الأمريكي المكثف على الحكومة السودانية إبان سيطرة المحافظين الجدد وعلو  نجمهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والأحداث التي تلت ذلك من غزو أفغانستان 2001م، والعراق 2003م ،والغارات الأمريكية المتتالية على بعض الفصائل الصومالية ، وحتى في أطراف الدولة الباكستانية التي تمتلك العشرات من الرؤوس النووية .
وبالتالي فإن فرصة تحقيق اتفاقية سلام لصالح الحركة الشعبية يمكن أن  يتحقق  بفضل الضغوط الغربية والأمريكية على وجه الخصوص بما في ذلك النظر في مناطق جغرافية خارج نطاق حدود الإقليم الجنوبي الذي اتفق عليه بموجب تفاهم مشاكوس في  كينيا في 2002م وعرّف بأن حدوده حدود 1/1/1956م .
ويمكن أن نضيف أخيرا أن تطاول الحرب الأهلية ونزوح ملايين الجنوبيين  إلى شمال السودان لأكثر من عقدين من الزمان بعد تجدد الحرب في 1983م ، وظهور أجيال جنوبية جديدة غير مرتبطة وجدانيا بالجنوب  وتسارع عمليات تعريبها بالكامل، وأسلمة الكثير منها حثّ الحركة على الاتجاه نحو السلام  ومن ثم محاولة إعادة بناء الشخصية والهوية الجنوبية بمعزل عن تأثيرات الشمال الغالبة يومئذٍ.
أما على مستوى المؤتمر الوطني والحكومة السودانية فلا  أحد يستطيع أن ينكر دور الحرب الأهلية في تشويه صورة السودان الخارجية وحرمانه من كثير من المزايا الاقتصادية والعسكرية التي يتمتع بها رصفاؤه الإفريقيون ، والخسائر الفادحة في الأرواح السودانية سواء كانت في جانب الحكومة أو جانب الحركة الشعبية
أضف إلى ذلك توالد حرب دارفور من رحم الحرب الناشبة في جنوب السودان سواء كان بالرعاية المباشرة من قبل الحركة الشعبية أو الرغبة في التوصل إلى نفس المزايا التى توصل إليها الجنوبيون عقب تفاهم مشاكوس في 2002م أي قبل أقل من عام من تفجرّ أزمة دارفور .
وقد تدخلت المنظمات الإنسانية بقوة في حرب دارفور، ومارست جماعات الضغط الغربية ضغوطاً هائلة على السياسيين من أجل التدخل   ومنع عمليات(الإبادة !) بحسب توصيف هذه المنظمات عبر الضغط الأممي على السودان الذي لم يستفق بعد من الضغوط حول مشكلة الحرب الأهلية في جنوب السودان، وما تلى ذلك من اتهامات للقيادة السودانية من قبل محكمة الجنايات الدولية ، مما أسهم في ارباك القيادة وجعلها تتعجل التوصل إلى اتفاقية سلام كان من الصعب الموافقة  على بعض بنودها  في الظروف العادية .
أضف إلى ذلك أن صف الحركة الإسلامية الموحد، والذي ظل يدير الدولة منذ بدايتها  في 1989م انفرط عقده مع قرارات رمضان 1999م حين خرج الألوف من الكوادر الفاعلة في الحكومة مؤيدين الطرف الآخر  مما أضعف  السلطة التي لم تكن تعتمد كثيرا على قوتها العددية من قبل بقدر ما كانت تعتمد على كوادرها التنظيمية ووعي وتعليم كثير من المنتسبين إليها ، وبالتالي وحين انفراط عقد الوحدة انكشفت  أسرارها  التنظيمية ليس من قبل الخصوم التقليديين ولكن من قبل أنصارها القدامي الذين سرعان ما أسهموا بصورة أو باخرى في إشعال حرب دارفور بعد أربع سنوات فقط من تاريخ الانشقاق (10) .
مشكلات مابعد الانفصال :
تمخّضت اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005م عن  مشكلات عديدة قبل وبعد إعلان استقلال دولة جنوب ، وذلك لعدم حسم كثير من المشكلات العالقة وعلى رأسها  حل مشكلة المناطق الثلاثة، والممثلة في منطقة أبيي والنيل الازرق وولاية جنوب كردفان وبعض المناطق الحدودية الأخرى ، حيث أقحُمت هذه المناطق أقحاما في مشكلة جنوب السودان بالرغم من أنها تقع خارج النطاق الجغرافي لإقليم جنوب السودان ،وبالرغم من أن تفاهم مشاكوس 2002م أوضح أن حدود جنوب السودان هي حدود 1/1/1956م إي حدود المديريات التي وُضعت في العهد الاستعماري ( 1898م – 1956م ) ، إلا أن الضغوط الدولية المتتالية وتفاقم مشكلة دارفور، وتمسك الحركة بنقاش هذه المناطق بدعوى أنها قاتلت معها جنبا إلى جنب طوال سنوات الحرب الأهلية، وأنها تمتلك قضايا وتظلمات مشابهة لقضية جنوب السودان ، ويتمثل ذلك في غياب التنمية وعدم قدرة مواطني المنطقتين على التعبير الكافي عن أنفسهم وهويتهم الذاتية في ظل سيطرة المركز على السلطة والثروة ، لذلك ترى الحركة الشعبية أنه من الحكمة مناقشة قضايا هذه المناطق للتوصل إلى سلام شامل في المنطقة، وأنه لايمكن أن تتوصل الحركة لحل مشكلة جنوب السودان،  وأن تركل بأقدامها طموحات هذه المناطق بعد أن قاتلت معها طوال عقود.
وبالتالي فإن الحل يتمثل في التاكيد على وحدة أراضي دولة السودان في حالة انفصال إقليم جنوب السودان عقب نهاية الفترة الانتقالية (2005م-2011م) بعد أن يعمل الطرفان جاهدين على تثبيت خيار الوحدة ، وخصوصاً أن هذه المناطق لا تحظى بحق تقرير المصير، ولكن تحظى بحكم ذاتي موسع ضمن إطار السودان الموحد.
ومن هنا  ربما اقتنع الوفد الحكومي المفاوض بعد مشاورات بهذا التقدير ، على أن تتم المشورة الشعبية لإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وفي هذه المشورة يتم تنفيذ استفتاء لمواطني المنطقتين بعد مشاورات واسعة حول ما يرضيهما من أساليب حكم ذاتية ليتم تنفيذه ، وبالتالي  استدامة السلام في هذه المناطق.
بيد أن ما رُشح من أقوال لرئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق كان يشير فيما يبدو إلى نوايا دفينة تجاه إلغاء هذا التفاهم عقب انفصال جنوب السودان حيث ذكر أن المشورة الشعبية ( جنى صغير بتاع الانفصال ) بمعنى أن المشورة يمكن أن تتوسع وتتمدد في حالة عدم رضى مواطني تلك المناطق بالطرح الحكومي  إلى رغبة في الانفصال ومن ثم الانضمام لدولة جنوب السودان وذكر ذلك أيضاً نائبه ورئيس برلمان جنوب السودان (11).
بيد أن مثل هذه القول يمكن تفسيره تفسيرا آخر وهو محاولة طمأنة مواطني تلك المناطق  وخصوصا من القياديين المنضوين تحت حركته إلى أن الحركة الشعبية لن تنسى قضيتهم وسوف تضغط على الخرطوم لتوسيع الحكم الذاتي والإسراع بتقديم الخدمات الضرورية وخدمات التنمية بعد عقود من الحرب الأهلية بما في ذلك من تهديد بفصل هذه المناطق .
بيد أنه من المؤكد أن قيادات مؤثرة مثل عبدالعزيز الحلو لم تكن راضية عن هذا التفاهم حول منطقة جنوب كردفان علي الأقل ، وتشعـــر بمرارة تجاهه (12) .
وبعد وفاة مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد شهر واحد على بدء تنفيذ الإتفاقية في 30/8/2005م  حدثت تغيرات كثيرة في مواقف الحركة الشعبية وعلا صوت الانفصاليين الذين طالما نادوا باستقلال جنوب السودان من أمثال ريك مشار ولام أكول وبونا ملوال واتجه المزاج الجنوبي بشدة نحو الانفصال، وحتى الذين طالما ناصروا رئيس الحركة الشعبية في السابق في مشروعه السودان الجديد اتجهوا أيضاً نحو الانفصال ربما شعروا بالضعف بعد وفاة الزعيم المؤسس للحركة الشعبية ، وربما شعروا أن أحلام تغيير السودان كله أصبحت من المحال وخصوصا بعد أعمال العنف التي انتظمت السودان في 1 سبتمبر 2005م (في أعقاب وفاة مؤسس الحركة الشعبية  في حادث طيران غامض علي الحدود السودانية اليوغنية ) بين بعض مواطني إقليم جنوب السودان ومواطني بقية أنحاء السودان .
وربما شعر هؤلاء أيضاً أن حلم تكوين دولة مستقلة في جنوب السودان يمكن أن يتلاشى في حالة الإصرار على السيطرة على كل السودان لذلك فضلوا الحصول على الاستقلال ، ومن ثم البحث عن طرق جديدة لتحقيق مشروع السودان الجديد .
ولعل أكبر مؤشر على عدم التزام دولة جنوب السودان بتعهداتها تجاه اتفاقية المناطق الثلاثة هو عدم الشروع الفعلي في حل تشكيلاتها العسكرية بولاية النيل الأزرق وجنوب كردفان، بالرغم من أن المراقبين ذكروا أن الحكومة السودانية أوفت بالتزامها تجاه تسريح مواطني جنوب السودان من المؤسسة العسكرية وبقية الأجهزة الخدمية الأخرى (13) ،وقد كانت لهذه التشكيلات العسكرية قصب السبق  في العودة مرة أخرى للقتال في تلك المناطق تحت حجج مختلفة منها تزوير الانتخابات ، والتنكر للمشورة الشعبية عبر حصرها في خيارات محدودة للمواطنين، واستبعاد خيار حق تقرير المصير كخيار نهائي للخلاص من هيمنة المركز في الخرطوم.
وإذا ما استبعدنا فكر المؤامرة المخطط لها فيما جرى من حرب في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان يمكن أن نقول إن فشل الطرفين في الوصول إلى حل مرضي في أزمة أبيي الحدودية- وخصوصا للطرف الجنوبي الذي تنحدر قيادات مؤثرة في الحركة الشعبية من هذه المنطقة تحديدا  -أسهم في زيادة عوامل الصراع ، وأدى إلى تعنّت الطرف الجنوبي في الوصول لحل سلمي للنزاع في الإقليميين، حيث اعتقد البعض( خصوصا في الجانب الجنوبي) أن حكم محكمة العدل الدولية حول حدود أبيي المتنازع عليها قد أدى إلى حل المشكلة فعليا بعد أن تراجعت حدود أبيي، وتقلصت إلى أكثر من النصف عن تقرير لجنة الخبراء الأول الذي نص على ضم مناطق واسعة في الشمال لصالح منطقة أبيي ،  كما أن الشمال وعبر التوصل إلى حدود أبيي الجديدة امتلك حقول نفط  ثمينة (مثل حقلي هجليج ودفرة ) يمكن أن تعوضه عن خسارة نفط جنوب السودان ، ولايبقى إلا صدور قرار يضم أبيي بحدودها المتقلصة إلى جنوب السودان بعد إجراء استفتاء شكلي يقصر على مواطني قبيلة دينكا نقوك المنحدرة من جنوب السودان ولعل هذا مرمت إليه محكمة العدل الدولية عند الفصل بين الطرفين للوصول لحل توافقي أكثر من الوصول لحل قانوني ، بيد أن رفض الحكومة السودانية ذلك الأمر والإصرار علي تنفيذ برتكول أبيي القاضي باستفتاء كل مواطني أبيي بما فيهم قبيلة المسيرية العربية صاحبة الكثافة السكانية الكبيرة بحسبما نصت عليه إتفاقية السلام الشامل قانونياً ومهماً كل الحق في ذلك أثار حفيظة الجنوبيين ، واعتبره البعض   تراجعاً صريحاً من قبل الشماليين عن قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي عبر الإصرار على إشراك قبائل المسيرية في التصويت على حق تقريرمصير ابيي.
ومن هنا شعر بعض الجنوبيين أنهم خسروا مرة بتقليص حدود أبيي التي نص عليها الخبراء إلى النصف، ومن الممكن أن يخسروا مرة أخري بفقدان كل أبيي في حالة إشراك المسيرية في التصويت عبر كثافتهم العددية ؛ لذا اتسعت الشقة والخلاف بين الطرفين ، واندمج كل ذلك مع مؤيدي  استمرار مشروع السودان الجديد ، والرافضين لتحديد المشورة الشعبية في خيارات محددة،  والراغبين في إقامة مناطق نزاع في عمق شمال السودان  كحاجز؛ خوفا من أن تمتد النزاعات إلى الأقاليم الجنوبية ، وبالراغبين في إيجاد عدو لدولة جنوب السودان يمكن أن تتحد ضده خوفا من تفتت كياناتها القبلية الهشة، وإضرام نار الخصام في جسدها المنهك، أما فيما يتعلق بقضايا النفط والعملة والجنسية والحريات الأربع ففي حقيقتها  قضايا تدعو إلى توحيد الطرفين وتحث على التعاون الوثيق لأن استقرار كلا البلدين يصب في مصلحة الآخر، ويصب أكثر في صالح دولة جنوب السودان التي تفتقر إلى الكثير من البنى التحتية، والإطلالة  البحرية على العالم الخارجي ، بيد أن النزاع الحدودي، والخلاف حول جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي هو أسُ الصراع بين الطرفين ، ولايمكن أن يكون هناك حل  بمعزل عن هذه القضايا المهمة.
الرؤية السودانية تجاه دولة جنوب السودان عقب الإنفصال
تبلورت مواقف سودانية خجولة ( في أول أمرها)  حول ضرورةإعادة النظر في أمر الوحدة مع الجنوب   لمعالجة المشكلة بصورة جذرية ، ومن ثم إعادة النظر فيما تؤول إليه الأحداث لإعادة الوحدة مرة أخرى بعد أن يتم تفكيك المشروع البريطاني الانفصالي في جنوب السودان، والذي رعته الإدارة البريطانية عبر قوانين متعددة أبرزها قانون المناطق المقفولة 1922م، و لمدة أكثر من خمسين عاما متتالية جرى فيها عزل السودان عن جنوبه، ومنع مواطنيه، من الطرفين  من التواصل مع مناطق أخرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق وشمال دارفور وهي المناطق التي ظلّت تشكل تحديا للمركز لأكثر من خمسين عاما  دون القدرة على  الوصول إلى حل ناجز ، بالرغم من محاولة الحسم العسكري تارة والمفاوضات السلمية تارة أخرى ، والإتفاقيات الدولية الملزمة مثل إتفاقية أديس ابابا 1972م ، أو الاتفاقيات مع قوى متمردة في جنوب السودان داخل نطاق البلد الواحد .
لذلك ربما   اتجه التفكير نحو تفكيك المشروع البريطاني من جذوره عبر إعطاء جنوب السودان حق تقرير المصير ، ومن ثم التفاعل معه بأسلوب   جديد  ربما يكون  أقل تكلفة من السابق حتى لو دارت رحى الحرب مرة أخرى لأنها سوف تدور خارج نطاق الغابة المطيرة ، وفي مناطق أقرب للمركز يمكن إعادة تحصينها وتموينها وإدارتها بتكلفة أقل بكثير مما كان يحدث في السابق،  هذا على أسوأ الظروف ، أما إذا عمّ السلام بين البلدين؛  فإن حظوظ إعادة الوحدة كبيرة جدا  كما اتضح من تطورات لاحقة ، لعل أهمها أن التصويت لصالح الانفصال بهذه النسبة من المسجلين لم يكن يعّبر عن توجه الجنوبيين  الحقيقي بقدر ما يدلل علي رغبة الجنوبيين في السلام حتى عبر الانفصال عن الشمال ، لأنهم بدورهم أيضا يبحثون عن حل جذري، كما أن أعداد المسجلين لحق الاقتراع لم تكن نسبتهم كبيرة من العدد الكلي للجنوبيين لأن القانون نص على أن حق تقرير المصير يتم عبر احتساب نسبة 50%+ 1 من نسبة المسجلين بغض النظر عن أعدادهم حتى لو سجل   مليونا مواطن جنوبي من أصل ثمانية ملايين ! ، وقد أصّرت الحركة الشعبية على ذلك وهددت بالانسحاب من البرلمان ، ومن الحكومة واتفاقية السلام في حالة إقرار ضرورة تسجيل أكثر من نصف الجنوبيين وهم حوالي  4 ملايين نسمة لإكمال النصاب في  الاختيار في إشارة ذات مدلول إلى عدم ثقة الحركة الشعبية في اختيار بعضاً  من الجنوبيين لخيار الانفصال ، أما الأمر الثاني وهو ذي دلالة أيضا حرص الحركة الشعبية على وجود معظم صناديق الاقتراع في الإقليم الجنوبي ، وحث بقية الموجودين في الشمال بعدم التصويت مع ممارسات خفية من  استخبارات الحركة الشعبية الموجودة في الشمال  بجيشها والمشاركة في الحكومة المركزية والمنفردة بحكم الجنوب بحكم نصوص إتفاقية السلام الشامل (14) .
بيد أنه وبرغم فوز الحركة الشعبية لتحرير السودان بالانفصال ، وإقامة دولة مستقلة بمساعدة الشمال سواء أكان بالموافقة علي حق تقرير المصير  أم تسهيل العقبات القانونية التي اعترضت الوصول  للمراحل النهائية للاقتراح ، إلا أنه من المؤكد أن أعداداً كبيرة ربما تقدر بأكثر من نصف عدد الجنوبيين عاشت أزمانا طويلة في شمال السودان وبعضها مكث أكثر من أربعة عقود متتالية تعرّضت فيها هذه الأجيال إلى تأثيرات غير قليلة من اللغة والثقافة والدين في الشمال   ، ويوجد منها من رتب أوضاعه للبقاء نهائيا في شمال السودان - على تأثيرات الحرب ومراراتها طوال السنوات السابقة ، هذه الأجيال وبعد أن توقفت الحرب وانتقل البعض منها إلى جنوب السودان سوف يبقى في تخيلاتها ذكريات تواجدها القديم في الشمال ، صحيح أنها ربما تكون غير راضية  عن  وضعها في الشمال وناقمة على العيش في أطراف المدن الشمالية دون خدمات تذكر ، ولا تحصُل إلا على أعمال غاية في الإرهاق والمشقة إلا  أن البعض منها تمتع بالأمن، وبقدر من التعليم وقدرٍ محدود من الخدمات الطبية، وربما بقدر كبير من اعتزازها بشخصيتها الحضارية  والقبلية دون أن تُمس بشكل مستهدف ومنظم طوال فترة بقائها في الشمال . لذلك فإنها تتوقع في دولتها الجديدة أن تتزايد فرصها في التعليم والخدمات الصحية ، وأن تتزايد قيم الالتزام بالعدالة القانونية المجردة ، وأن تتساوى فرصها في الحصول على الوظائف الملائمة لتخصصاتها وخبراتها المتنوعة،  وأن تنعكس الثروات الوطنية الهائلة على كافة المواطنين دون تحيز، وأن يؤذن لدولة جنوب السودان أن تتطور وتلحق الأمم الأخرى.
وبالتالي في حالة وجود عقبات تحول دون تحقيق الأحلام الجنوبية التي طالما ذاقت ويلات الحرب ،  وتعطل عملية التنمية ، وهيمنة قبائل في جنوب السودان ، وتكديس السياسيين الجنوبيين لثروات الجنوب في  حسابات سرية  في البنوك العالمية  دون وجود مساءلة قانونية ، وتفشي الفساد  والاضطهاد والمحسوبية وتدني الخدمات العلاجية ، وغلاء المعيشة ، وحدوث مجاعات في مناطق واسعة وحروب قبلية ، فإن نقمة الغضب على الشمال سوف تتحول شيئا فشيئا إلى الداخل الجنوبي ، وإلى قبائل وشخصيات مهيمنة على السلطة والثروة، ويبدأ الملايين في السؤال عمّا بقي من أحلام الاستقلال ، وهؤلاء يمكن أن يكونوا رصيدا جيدا لوحدة جديدة بأسس جديدة  خصوصا وأن  كثير من المؤشرات حتى الغربية منها  تتحدث عن هيمنة قبائل دون أخرى في دولة جنوب السودان ، ووقوف الجيش الشعبي  مساندا هذه القبائل لدرجة الوصول إلى بدايات الإبادة الجماعية كما حدث أخيرا في الصراع الدائر بين قبائل اللونوير وقبائل المورلي الاستوائية في ولاية جونقلي (15)  ، كما أن منظمة الشفافية الدولية تتحدث عن أرصدة بملايين الدولارات لسياسيين جنوبيين في العالم الخارجي مما يجر علامات استفهام عن حقيقة توجهات وقدرات الدولة الوليدة(16) .
والأمر الآخر الذي يمكن أن يعزز التفاهم بين الشمال والجنوب على المستوى المتوسط والبعيد هو مستقبل مسلمي جنوب السودان بعد الإستقلال حيث من المعتقد أن يدافعوا عن وجودهم المستقبلي وطموحاتهم بعيدا عن وصاية الشمال كما كان يحدث في السابق ، بالإضافة إلى قيام مؤسسات إسلامية مستقلة لأول مرة بعد أن كانت المؤسسات الإسلامية مشتركة في كل أنحاء السودان حيث من المعتقد أن هذا الأمر سوف يُعزز قوى المسلمين في جنوب السودان، وإن واجهتهم صعوبات   في أول أمرهم ، إذ سرعان ما تتوالد القيادات الجديدة نتيجة للحاجة والضرورة ومن ثم تظهر مدى قوة المؤسسة الدينية الإسلامية في جنوب السودان بإمكانياتها الحقيقية من دون مساندة خارجية أو من دون أطماع في نوال شمالي من مجموعة من المدّعين الانتساب للدين الإسلامي ولا تُعرف هويتهم الحقيقية  إلا فيما ندر ، حيث يشكك الكثيرون في شمال السودان في نسبة الداخلين والمنتسبين للدين الإسلامي  من أبناء  جنوب السودان ، وهم يجوبون أنحاء البلاد كلها طلباً للدعم والمساندة والعون بمختلف أشكاله .
وعموما لايعني انتشار الدين الإسلامي في دولة جنوب السودان ، وقيام مؤسسات دينية حقيقية. إن من شأن ذلك أن يستتبع  مسلمي جنوب  السودان رصفاءهم في الشمال بقدرما يعزّز الثقة والتفاهم المشترك ويخلق الأرضية المناسبة لبناء علاقات أكثر نفعية للطرفين بمعزل عن هيمنة الشمال على الجنوب أو بالعكس، كما أن  الرغبة في الاستقلال وقيام دولة مستقلة في جنوب السودان هي أيضا من طموحات الكثيرين من المسلمين   ، وهي ليست أمنية ( فيما يبدو من التصويت) قاصرة على الصفوة المسيحية الحاكمة أو بقية الوثنيين الذين يشكلون غالبية السكان بحسب الإحصاءات المتوفرة  ولكنها أمنية إسلامية جنوبية كذلك(17)
أضف إلى ذلك أن استدامة السلام قد تزيد من انخراط أعداد متزايدة من الوثنيين في جنوب السودان في الدين الإسلامي لاعتبارات كثيرة، من أهمها: تعّرف الوثنيين بشكل أفضل على المجتمعات الإسلامية في الشمال ، وغياب عامل الهيمنة   من الشمال بعد الاستقلال ، وبيان  تماسك الشعارات التي طالما نادت بها الحركة الشعبية لتحرير السودان من إنشاء مجتمع جنوبي عادل تتساوى فيه جميع الإثنيات والقبائل  والأديان بلا هيمنة أو استحواذ من طرف دون الآخر ، وهي شعارات لطالما رفعتها حركات التحرير الإفريقي في ستينيات القرن الماضي وفشلت تقريبا كل هذه الحركات في تحقيقها بعد الاستقلال لذلك من الصعب القول إن شعارات الحركة الشعبية في احترام سيادة القانون والعدالة وتوزيع الثروة والسلطة   يمكن أن تنجح فيما فشل فيه الآخرون ، وإن كانت عوامل النجاح غير مستبعدة لسبب وحيد هو أن قيادة الحركة الشعبية تعرفّت جيدا على تجارب الشعوب الإفريقية التي سبقتها في الاستقلال، ويمكن بالتالي أن تستفيد منها ، وأن تنجوا من الفشل وليس شرطا أن تتكرر نتائجها مع نتائج من سبقوها.
كذلك تعتقد بعض القوى السياسية الشمالية ( وهي من سارت في طريق توقيع اتفاقية السلام  بالرغم من احتمالية  انفصال جنوب السودان وتكوين جنوب آخر في بعض المناطق الحدودية بين البلدين) إن وقوع الانفصال كاستحقاق للسلام يمكن أن يوّلد بداية جديدة لحزب المؤتمر الوطني من خلال البرهان على مدى جدية السودان في البحث عن سلام بالرغم من الصورة الشائهة التي تكونت عنه بفعل الحرب الأهلية في جنوب السودان والحرب الأهلية في دارفور والمآسي العديدة التي تمخّضت عنهما بحيث أغلق ذلك كل الطرق المؤدية إلى تحسين صورة السودان الخارجية دعك عن إقامة علاقات اقتصادية طبيعية مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية اللذين استمرا في حالة مقاطعة شاملة للسودان لأكثر من عقدين من الزمان مما أسهم بشكل أساسي في تدهور الاقتصاد السوداني وتدهور مؤسسات سودانية رائدة كانت تعمل بتنسيق وثيق مع الغرب مثل شركة  سكك حديد السودان ، وشركة الطيران السودانية ،والخطوط البحرية السودانية بالإضافة إلى توقف حركة التبادل العلمي والتدريبي مع دول الغرب .
وبالتالي فإن مسألة الانفصال وقيام دولة جديدة يمكن أن يوّلد بدايات جديدة للتعاون مع الغرب، أو على الأقل وقف الانحياز المستمر ضد مواقف السودان الخارجية لدى منظمات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي . وبما أن النفط ليس قاصرا على الحقول الجنوبية فقط فإن بإمكان حكومة السودان وبما تراكم لديها من خبرات وعلاقات وثيقة مع الصين وبعض الدول الأخرى  تستطيع أن تستعيد خسائرها من فقدان النفط الجنوبي ، ولا ننسى أن الرؤية الإسلامية لا تتوقف كثيرا  عند تقديس الأرض مثل القوميين والوطنيين بقدر ما تتوقف عند ضمان استمرارية التبشير بالفكرة الدينية .
و في هذه الاثناء ربما يبدأ التيار المناوىء للحكومة السودانية في فقدان السلطة في الجنوب ، أو إشراك آخرين معهم أقل تشددا في علاقتهم مع الشمال ، وهذا أمر طبيعي لأن من أداروا الحرب الأهلية لأكثر من ربع قرن في أحراش جنوب السودان هم أكثر التيارات تطرفا ضد أعدائهم السابقين ، ومن الصعب بعد كل سنوات العداء أن تتوالد ثقة حقيقية بين الطرفين.
بيد أنه ومع توالي وتداخل الصعوبات اليومية في الحكم والإدارة والاقتصاد والعلاقات الخارجية والصراعات القبلية   ومكافحة الفساد وإشراك المواطنين بحسب تطلعاتهم في السلطة والثورة وهي مشكلات تقليدية كثيرا ماتواجه دول العالم المختلفة فإن التيار المتشدد سرعان ما يجد ما يشغله بعيدا عن نغمة التشدد ضد العدو القديم، وبذلك يمكن أن تُفتح نوافذ جديدة للتفاهم والتعاون بين البلدين يمكّن المؤتمر الوطني صاحب الخبرة الطويلة بالسلطة والحكم من توجيه العلاقات الجديدة لتفكيك المشروع البريطاني القديم الذي أسهم في فصل جنوب السودان عن شماله دون سابقة تاريخية بوجود دولة ومؤسسات ومجتمع متجانس ومتآلف في جنوب السودان على عكس إقليم دارفور مثلا (18) .
أما فيما يختص بالمساندة الغربية التقليدية لجنوب السودان بسبب مآسي الحرب وتصورات الصفوة الجنوبية المسيحية ، وتعاطف منظمات العون الإنساني وجماعات الضغط في الغرب فإنه من المحتمل أن هذه المساندة  ربما تخف خصوصا لو تم حسم القضايا العالقة بين الطرفين مثل قضية الحدود والتعاون الاقتصادي مع الشمال ، وامتناع الأخير بحزم عن التدخل في شؤون الجنوب  الداخلية  ، إذ أن هذا  التوجه لا يسمح لبعض المنظمات الإنسانية والكنسية بالتدخل بين البلدين ، أو محاولة  تأليب طرف ضد آخر لتحقيق أهداف تبشيرية في إطار الصراع الكبير بين من يفوز بتنصير أو أسلمة القارة الإفريقية وخصوصا في المناطق التي لا تزال عذراء ووثنية حيث من الصعب تنصير المسلمين أو أسلمة المسيحيين.
ومن جهة أخرى فإن انتهاء الأزمة بين الشمال والجنوب يسمح للصحافة  الاستقصائية وصحافة التحقيقات  من العمل بحرية   دون ضغوط إنسانية أو المجازفة بالعوم ضد التيار العام الذي تشكلت أسسه ومعالمه طوال فترة الحرب الأهلية وعاد من الصعب القفز فوق القناعات القديمة ، وبالتالي من الممكن أن يسمح هذا الانفتاح الإعلامي الجديد بعد تحقيق الانفصال  البحث عن أوجه قصور أو حتى إيجابيات أخرى في جنوب السودان مثل الأختلاف العميق بين القبائل الجنوبية ، ومثل الانحياز القبلي والفساد المالي والإداري ومثل غنى الأراضي الجنوبية واحتوائها على ثروات هائلة مع قلة في عدد السكان  وبقليل من  الجهد  يمكن لهم تحقيق دولة للرفاهية في أدغال القارة الإفريقية.
ومن ثم فإن كل ذلك سوف يولّد صورة جديدة عن دولة جنوب السودان بعيدا عن الصورة التقليدية التي كانت تتركز حول اضطهاد المسلمين للمسيحيين والوثنيين في جنوب السودان ، ومحاولة التعريب والأسلمة القصرية وعبر تشديد الحصار الاقتصادي والغذائي لتخيير الجنوبيين مابين الأسلمة أو الموت !.
وإذا ما تولّدت الصورة الجديدة فإنه من الصعب على الغرب أن يهتم كثيرا بما يجري في الدولة الوليدة ومن المحتمل أن تتناقص المساعدات الغربية بفعل الأزمة الاقتصادية الدولية ، وغياب الاهتمام الدولي بمشكلة جنوب السودان وربما يصبح الجنوب دولة إفريقية أخرى فاشلة مثلها مثل كثير من حول المنطقة ، ولكن  بعد أن يتزامن ذلك مع ميلاد حقائق جديدة في الجنوب بعيدا عن اتهامات الهيمنة والاستهداف التي كانت سائدة في ذهنية البعض عن الشمال ، ومن ثم فإن هذا الأمر علي المدى البعيد سيوّلد رغبة في التعاون بين البلدين بعيدا عن مرارات الحروب السابقة .
تزايد الصدام بين الطرفين :
بعد قرابة العام على استقلال جنوب السودان تبلورت أفكار حول شكل العلاقة المستقبلية بين الطرفين من خلال الأحداث التي مرت وردود الفعل التي نتجت عنها ، حيث بُعدت آمال تحقيق الاستقرار والسلام  بالرغم من المساعي الحثيثة للاتحاد الإفريقي من أجل تجنّب النزاع والحرب ، وهذه المواقف تدلل على أن هناك أطرافا  وتيارات داخل البلدين معارضة   للتسوية التي حدثت وترغب في استئناف تحقيق مشروعها  الطموح .
وقد بدأ ذلك واضحا خصوصا فيما يتعلق بالطرف الجنوبي حيث عمل تيار متشدد   منذ الفترة الانتقالية على أن لا تسود حالة الوئام   والدليل على ذلك الطلب الصريح من مجلس  الشيوخ الأمريكي بالإبقاء على العقوبات على شمال السودان ! ، واستثارة الطرف الآخر إعلاميا ولفظياً طوال الفترة الانتقالية من خلال وصف الحكومة السودانية بالفاشلة وهم جزء أساسي لايتجزأ منها(19) ، أو من خلال دعم مطالب المعارضة ومساندتها وحتى الخروج معها في تظاهرات ومسيرات وهم  في السلطة .
قبيل الاستقلال ما لبثت أن تجددّت العمليات القتالية في الشمال من خلال أنصار الحركة في جبال النوبة أولاً والنيل الأزرق، وبنفس تسمياتها القديمة وهما الفرقة التاسعة  والعاشرة  التابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان في تلك المناطق.
والأمر الثالث الذي يدلل على سير العلاقات بين البلدين في اتجاه التصعيد هو إقامة تحالف مسلح عريض برعاية دولة جنوب السودان (20)  يضم مقاتلين من النيل الأزرق وجبال النوبة ومقاتلين من إقليم دارفور من حركة تحرير السودان الدارفورية بقيادة عبدالواحد محمد نور ومني أركو مناوي وأخيرا من حركة العدل والمساواة بعد قتل زعيمها خليل إبراهيم في شمال كردفان.
أما الخطوة الرابعة التي عزّزت من التصعيد فإنها مسألة النفط ، وإغلاق انابيبه من الجنوب في فبراير 2012م بالرغم من أن عامل النفط عّد من أهم العوامل التي يمكن أن تساهم في حلحلة المشاكل العالقة بين  الطرفين وذلك بسبب بسيط هو أن اقتصاد الدولة الوليدة في جنوب السودان يعتمد بنسبة 98% على  النفط   ، ولا توجد أي مصادر جاهزة حالياً  للميزانية سوى المساعدات الإنسانية، وبذلك يكون إغلاقه  يمثل انتكاسة كبرى للاقتصاد الجنوبي ، وخطوة لم  تكن متوقعة بعد اتهامات من الجنوب  بسرقة النفط ، ومبررات من الشمال بالسماح بتصدير النفط عبر الشمال لأربعة أشهر كاملة دون دفع الرسوم المقررة والتي قدّرتها الحكومة السودانية بحوالي 36 دولارا للبرميل الواحد ! بينما قدّرتها السلطات الجنوبية بحوالي 70 سنتا   للبرميل الواحد!.
ثم ما لبثت أن زادت حدة المواجهات مع محاولة إدخال الأحزاب التقليدية مثل حزب الأمة القومي (نصر الدين المهدي ) والحزب الاتحادي الديمقراطي(التوم هجو) للجبهة الثورية المتحدة كي لايكون القتال ضد الخرطوم قاصرا على إثنيات زنجية فقط مقابل الإثنية العربية  المنتشرة في شمال السودان.
بلغ الصدام منتهاه باستهداف قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان مناطق النفط في مناطق هجليج في يوم 26مارس 2012م واعتراف رئيس حكومة دولة جنوب السودان على الهواء مباشرة  أن الحركة فعلت ذلك لتحرير أراضٍ  جنوبية طالبوا بارجاعها  سلميا ولم يستجاب لهم ومن ثم إحتلال منطقة هجليج كلياً في 10 ابريل واستعادتها من قبل الجيش السوداني في 21 أبريل (21).
وهذا  التحرك ربما كان الغرض منه العودة مرة إلى حدود منطقة أبيي التي عينها الخبراء عقب توقيع إتفاقية السلام مباشرة ، والتي رفضها الجانب السوداني بدعوى أن هذا التعيين خارج نطاق تقويض الخبراء ، وحين الاحتكام لمحكمة العدل الدولية قُلصّت الحدود  المتنازع عليها بمقدار النصف تقريبا ، وأعطت الجانب السوداني حقول نفط في هجليج  ودفرة وغيرها  ، وربما توقع البعض في الحركة الشعبية أن أبيي سوف تذهب تلقائيا إلى الجنوب ،  بينما رفض السودان ذلك إلا بعد إجراء استفتاء عام للمسيرية العربية ودينكا نقوك الزنجية بحسبما نص عليه برتكول منطقة أبيي والشهود الدوليين ، وبمهاجمة منطقة هجليج من قبل قوات الحركة الشعبية واعترافها بذلك محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وذلك أمر صعب لإلزامية قرارات محكمة العدل الدولية عند الفصل في النزاعات بين الطرفين.
أما التفسير الثاني لهجوم الحركة  على الشمال فربما كان بقصد  تعطيل استخراج النفط من هذه الحقول لتشديد الضائقة الاقتصادية على الخرطوم بعد فقدان نفط جنوب السودان ، ومن ثم محاولة إفشال عملية الاستكشافات الواسعة في هذه المنطقة ، وتخويف المستثمرين وبالتالي عدم تعويض خسائر نفط الجنوب ، بينما يحتاج الأخير لحوالي ثلاثة أعوام على الأقل لحين إعادة التصدير عبر ميناء لامو الكيني، وفي هذه الفترة الزمنية يمكن أن يحسم الجانب السوداني   الصراع في تلك المناطق وتحصينها بحيث يتعذر أختراقها مرة أخرى.
دوافع التيار المتشدد تجاه السودان
محاولة تفسير رؤية بعض التيارات المتشددة في جنوب السودان يشوبها كثير من الغموض لعدم تبلور عملية الاستقلال، وبناء الدولة قبل أن  تكمل عامها الاول ، ولكن الصراع بين الحركة الإسلامية ممثلة في حزبها الحاكم المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان استمر لأكثر من ربع قرن من الزمان مما يسهل معرفة كيف يفكر الطرفان في علاقتهما مع الآخر ، حيث تعتقد تيارات داخل البلدين أن الصراع مع الطرف الآخر صراعا مصيريا ، وليس صراعاً  محدوداً ومحصوراً ، وأن بقاء أي طرف في ساحة الفعل السياسي يعني استهداف الآخر، وذلك لتناقض الأفكار الفلسفية والاستراتيجية   والأهداف النهائية بحيث يجعل من الصعوبة بمكان وجود منطقة وسطى يمكن أن يركن إليها الطرفان بالرغم من مساعي معتدلين في كلا الطرفين ومسئوليات إدارة الدولة .
لذلك لكي يعيش مشروع وينمو بحسب رؤية  البعض لابد وأن يموت المشروع الآخر ، وبذلك يحقق أحد الطرفين انتصاراً نهائياً على رؤية الآخر، وأن مسألة الوحدة أو الانفصال ليست آخر المطاف .
فالطرف الجنوبي يعلم أن هناك كتلة جماهيرية جنوبية تعايشت مع الشمال، وتساكنت وتصاهرت معه لعقود من الزمان ، وفي حالة انتهاء الحرب  والبغضاء يمكن أن تنظر إلى الشمال نظرة جديدة تبدأ من عدم المبالاة وحتى الرغبة الملحة في إعادة الوحدة مرة أخرى ، ويتزايد الاتجاه نحو الوحدة كلما فشلت الدولة الجنوبية في تحقيق الحد الأدنى من طموحات الجنوبيين العائدين إلى بلادهم بعد عقود من الغياب ، هذا عدا الرافضين أصلا العودة إلى الجنوب ، والمتمسكين بالبقاء في الشمال وهم أعداد تتراوح بين الاثنين مليون نسمة ، أو نصف مليون نسمة بحسب بعض الإحصائيات (22) .
ولا ننسى أيضا أن أي احتكاك قبلي في جنوب السودان ووجود شبهة انحياز قبلي من السلطة لأحد الأطراف يمكن أن يؤثر بشدة في بناء الدولة الجديدة  التي ما عرفت دولة مركزية مستقلة من قبل ، وأن يجعل من أمر إعادة الوحدة مع الشمال ضرورة ملحة .
ومن جهة أخرى توجد شكوك من قبل بعض الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية (التي ما انحازت لاستقلال جنوب السودان إلا مؤخرا)(23) من أن استمرار دولة  الجنوب يمكن أن  ينجح  نتيجة لمعضلات كثيرة أهمها عدم التجانس العرقي واللغوي والديني،  وعدم الإطلالة البحرية على الخارج، وعدم الثقة في بعض سياسي الدولة الجديدة من أنهم قادرون من التحول من أمراء حرب   إلى رجال دولة يعدلون بين الناس ويسوسوهم . وفي حالة تدهور الأوضاع الإنسانية ووجود حالات إبادة متبادلة بين القبائل ومجاعات مستمرة فإن إلغاء فكرة الدولة الوليدة  ممكنة  بعد إجراء تفاهمات  مع الشمال.
لكل ذلك تعتقد بعض التيارات المتشددة في الجنوب أن إضعاف الشمال ومحاولة تغيير نظامه أمر لازم لضمان اإستمرار الدولة الجنوبية  ، وكلما تم الإسراع بذلك زادت فرص الدولة الوليدة وذلك لعدة اعتبارات أهمها أن السلطة السودانية في أضعف حالاتها بعد أن خسرت ثلث مساحتها نتيجة الانفصال، وخسرت  موارد الجنوب الاقتصادية ، ولم تكسب السلام مع تجدد القتال في المناطق الثلاثة.
والسبب الثاني أن الحكومة تواجه أزمة حقيقية مع المجتمع الدولي نتيجة لأزمة دارفور، ومحكمة الجنايات الدولية،  ومواجهتها حصارا غير معلن أستمر قرابة العشرين عاما بالإضافة إلى آثار الانشقاق وتداعياته التي ضربت صفوفها منذ العام 1999م.
أضف إلى ذلك أن ثورات الربيع العربي والتغيير الذي حدث في ليبيا ومصر على وجه الخصوص لم يؤثر بعد في مساندة الحكومة السودانية ، وتوجد تخوفات من انتقال الربيع العربي للسودان مع تزايد معدلات تدني الاقتصاد وتراجعه ، ومن المعتقد أن تتغير المعادلات في المنطقة بوصول الإسلاميين للحكم في هذين البلدين، ومن ثم فإن الحكومة السودانية يمكن أن تستفيد من هذه التغييرات إيجابيا ، وأن تبعد عنها شبح الانهيار بفضل المساندة الإقليمية الجديدة ، لذلك لو أرادت الحركة الشعبية أن تؤثر في الحكومة السودانية فليس أمامها إلا فرصة ضئيلة من الوقت قبل أن تتغير موازين القوى في المنطقة .
كما أن هذا التيار المتشدد الموجود داخل الحركة الشعبية يريد أن يستثمر انتصاراته الوطنية بتوجيه ضربة للشمال بحيث يصبح الاستقلال كاملا  ومستديما دون تهديد حقيقي من الدولة المركزية القديمة ، ومن المحتمل أن دولة الجنوب  تقرر مصير بقية أنحاء الشمال لو انقسم إلى  ثلاث  دويلات أو أربع ، تشمل دارفور، والنوبة ،والشرق، والنيل الأزرق، وبقية السودان القديم . ومن الممكن حينئذ إعادة انبعاث مشروع السودان الجديد بحسب ما نادى به مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور جون قرنق دي مابيور ، وبذلك يمكن تسجيل انتصار نهائي على المشروع الآخر المنادي بإسلامية وعروبة السودان، واعتبار نفسه جزءاً لايتجزأ من التحالف العربي والإسلامي في المنطقة والمناهض لإسرائيل، ومشاريع الغرب، والهيمنة الثقافية والاقتصادية والراغب في تبني إعادة التبشير الإسلامي في أعماق الغابة الإفريقية السوداء.

نتائج الدراسة :

1.    لازالت مرارات الحرب الأهلية تؤثر في علاقات السودان مع دولة جنوب السودان الوليدة ، وهي المحرك الاساسي حاليا لكل التطورات السالبة بين البلدين.
2.    تلعب بعض الدول الخارجية التي ساندت الحركة الشعبية أبان حربها مع الخرطوم وخصوصا اسرائيل دورا سالبا في تطبيع العلاقات بين البلدين.
3.    عدم حسم الخلافات الحدودية بشكل تام قبل استقلال جنوب السودان زاد من تدهور العلاقات بين البلدين.
4.    توجد بعض التيارات السياسية المتشددة في كلا البلدين وعلي وجه الخصوص في جنوب السودان تحول دون تحسن العلاقة.
5.    تري بعض  هذه التيارات المتشددة أن تأزيم العلاقة مع الآخر يعني تزايد قبضتها علي السلطة المركزية وتوحيد الجماهير خلف رؤيتها العدائية تجاه الآخر .
6.    دخلت العلاقة في أسوأ مراحلها مع تحولها إلي حرب موارد اقتصادية ترمي إلي تحطيم الآخر اقتصاديا وماليا ودفع جماهيره للإنقضاض علي السلطة .
7.    يمكن أن تتحسن العلاقة على المستوى البعيد حين يتأكد كلا الطرفان من أن هناك فوائد اقتصادية هائلة لا تتحقق إلا من خلال علاقات جيدة بينهما .
8.    الاقتصاد وحده هو مفتاح العلاقة المستدامة بين البلدين .


مصادر الدراسة :
1-عبدالوهاب الأفندي ، السلام الصعب في السودان ، ورقة بحثية منشورة في كتاب السودان على مفترق الطرق بعد  الحرب .. قبل السلام ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2006م ، ص ص 11-31.
2-المصدر السابق نفس الصفحات.
3-عوض الكريم الريح بلة ، العولمة والسياسة الخارجية السودان ، إصدار مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية ، الخرطوم 2011م، ص 172.
4-عبدالله سالم بكو ، بين الخطابين الكولونيالي والديني ، ورقة منشورة في كتاب أغواء الصفوة  -قراءة نقدية في كتاب الإسلام في السودان ، سبنسر ترمنجهام، تحرير منتصر النور ، مركز التنوير المعرفي ، الخرطوم 2011م، ص ص 151-175.
5- مآسي الإنجليز في السودان، وثيقة قدمها وفد السودان إلى مصر 1941م، إصدار هيئة الأعمال الفكرية ، الخرطوم 2006م، ص 22.
6- صلاح الدين عبدالرحمن الدومة، أثر مشكلة دارفور على علاقات السودان الخارجية، الطابع جي تاون ، الخرطوم 2006م، ص 71.
7-بيتر أدوك نيابا ، سياسة التحرير في جنوب السودان ، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان السودان ، 2005م ، ص 133.
8-هيلدا فرافجورد جونسون ، اندلاع السلام (نيفاشا ) ترجمة فريق ميتافرسي ، دار مدارك للطباعة والنشر ، الخرطوم 2011م ، ص 274.
9-عمر محمد باسان ، البترول في السودان – التحدي والإنجاز ، المركز القومي للإنتاج الإعلامي ، دار العربي للطباعة والنشر ، دبي 2005م ، ص 151.
10-هيلدا جونسون ، اندلاع السلام (نيفاشا ) ، مصدر سابق ، ص 89.
11-عبدالرحمن أبوخريس ، فرص المشورة الشعبية في  تحقيق  الاستقرار السياسي ، من أوراق المؤتمر العلمي الثالث ، الاستفتاء ، المشورة الشعبية ، مركز الراصد للدراسات الإستراتيجية والسياسية ، الخرطوم 2010م ، ص ص 105 – 129.
12-  مصطفي عبدالعزيز البطل ، نوبة الجبال : نضال السخرة والموت بالمجان ، مقال منشور بصحيفة الأحداث السودانية ، صفحة الرأي 29/6/2011م.
13-  المصدر السابق ، نفس المقال .

14-بهاءالدين مكاوي ، السلام والمناخ الملائم لإجراء الاستفاء بجنوب السودان، من أوراق المؤتمر العلمي الثالث ، الاستفتاء والمشورة الشعبية ، مصدر سابق ، ص ص 157- 169.
15-  مصطفي سري ، دولة جنوب السودان تواجه أزمة صراع قبلي ، تقرير بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ، يناير 2012م.
16-د. واني تومبي ، الانفصال ومهددات الاستقرار في الجنوب ، ترجمة محمد الفاتح زيادة، إصدار مركز دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا ، الخرطوم 2008م ، ص 80.
17- عبدالله كيري واني ، الإسلام في جنوب السودان وآثاره في الماضي والحاضر والمستقبل ، ترجمة د. محجوب الدقل جيلي ، مطبعة جامعة الخرطوم ، الخرطوم 2008م، ص 276.
18-آلن ثيوبولد ، علي دينار – آخر سلاطين دارفور ، ترجمة فؤاد عكود ، العالمية للطباعة والنشر ، السودان 2005م ، ص 16.
19- مصطفي أبوالعزائم ، مع باقان وجها لوجه ، مقال منشور بصحيفة آخر لحظة السودانية، الصفحة الأخيرة 14/4/2012م.
20-  قناة الجزيرة الفضائية ، برنامج ماوراء الخبر ، تحالف الجبهة الثورية السودانية إعداد سيف الدين بشير، والحاج وراق ، تقديم خديجة بن قنة ، 14/11/2012م .
21- د. عبدالوهاب الأفندي ، الفشل السابق واللاحق في دولة جنوب السوان ، مقال منشور بصحيفة القدس العربي اللندنية ، صفحة الرأي 13/4/2012م
22- محمد جلال هاشم ، هل هناك جنوبيون في شمال السودان ، موقع الجزيرة نت ، المعرفة 31/5/2011م .
23-هيلداجونسون ، اندلاع السلام (نيفاشا ) ، مصدر سابق ص 71 .


Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]