منطلقات السياسة الغربية تجاه الإسلاميين

على ضوء ثورات الربيع العربي

د. المعتصم أحمد علي الأمين

منطلقات السياسة الغربية تجاه الإسلاميين

على ضوء ثورات الربيع العربي


د. المعتصم أحمد علي الأمين*

مقدمــــــة:

تميّزت علاقات الإسلاميين مع الغرب بالصعود والهبوط والتحالف الهش أحياناً،والعداء بين الطرفين في ربع القرن الأخير على الأقل من القرن العشرين .
ولايخفى على أحد  أن الإسلاميين بمختلف مشاربهم يتهمون الغرب بأنه وراء دعم العلمانيين والتغربيين الذين هيمنوا علي السلطة غداة رحيل الاستعمار عن العالم الإسلامي ، وأن هؤلاء صنيعتهم المباشرة بعد أن وضعهم في قلب السلطة لضمان ديمومة السياسات الاستعمارية التي تود الحفاظ علي المصالح الغربية، وإلحاق  العالم الإسلامي   بالتجربة السياسية الغربية تابعاً لها بغرض طمس الهوية الإسلامية التي ظلت تشكل مصدر تهديد للغرب منذ قرون طويلة استطاع فيها الإسلام أن يغزو أوربا في عقر دارها مرات ومرات (1) .
والغرب من جهته ينظر إلى الإسلاميين بتخوف من كون أنهم يسعون إلي إعادة بناء النموذج الإسلامي الجهادي الذي يسعى لإعادة انتشاره على مستوي العالم ، ويعني ذلك التناقض مع الأفكار الغربية في رؤاها ومصالحها المختلفة ، كما أن الغربيين بدورهم تأثروا بأفكار الحروب الصليبية وكتابات المستشرقين عن الإسلام التي شكّلت خلفية مرجعية  لمعظم صنّاع القرار في العالم الغربي(2) .
ومع زيادة حدة المواجهات مع الاتحاد السوفيتي السابق وكتلته الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية 1945م وحتى انهياره نهائيا في 1990م احتاج الغرب  إلى معاونة الإسلاميين الجهاديين من أجل استنزافه(الاتحاد السوفيتي ) بعد دخوله افغانستان في 1979م ، وقد زاد من إغراء دعم الإسلاميين السنة حدوث الثورة الإسلامية في إيران في نفس العام أي 1979م فبدأ  منطقيا تقوية المذهب السني في المنطقة لمواجهة المذهب الشيعي المنتصر في إيران من أجل خلق مواجهة تقعد بالطرفين في المستقبل القريب بعد مواجهة الاتحاد السوفيتي وإضعافه(3) .
وبالتالي تعد التنظيمات الإسلامية الجهادية الحديثة في معظمها وليداً شرعياً لتحالف الإسلاميين السنّة مع الإستراتيجية الغربية لمواجهة المعسكر الإشتراكي في أيامه الأخيرة ، بيد أننا لانستطيع إن نقول أن الجهاديين الإسلاميين عملاء للغربيين ، وينفذون سياستهم وإستراتيجيتهم العامة بقدرما يمكن القول إن كلا الطرفين وجد مصالحه مع الطرف الآخر ، وكانت أهداف كثيرمن الإسلاميين الذين جاهدوا في أفغانستان  مناصرة الشعب الأفغاني ضد الاجتياح السوفيتي ، ولم تكن نياتهم تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية التي وعاها البعض ولم يعها البعض الآخر .
إن الغرب كان يعتقد- فيما يبدو- أن مواجهة الإسلاميين والروس في أفغانستان سوف تأخذ وقتا طويلا وتُحدث خسائر فادحة في كلا الطرفين بحيث لايستطيع الطرفان بعد نهاية الحرب أن تقوم لهما قائمة بسبب  الإجهاد الذي أصابهما في هذه الحرب المدمرة ، إلا أن سرعة انهيار الاتحاد السوفيتي فيما يبدو قد فاجأت الغرب وأسقط  في يده نتيجة لوجود ملفات معقدة لم يتم النظر فيها بعد، مثل : التعاون المستقبلي مع دويلات الاتحاد السوفيتي ، وملفات الإسلاميين الجهاديين في أفغانستان ، وحلفاء الاتحاد السوفيتي في قارات العالم المتعددة .
تسارع الأحداث ونشوة النصر على الكتلة الشرقية جعلا من تناول بعض هذه القضايا ارتجاليا وآنيا ، ففيما يختص بملف الجهاديين في افغانستان فيُعتقد انهم تركوا لحلفاء الغرب للتعامل معهم أمنيا حين رجوعهم لبلدانهم الأصلية ، حيث تم استيعاب البعض وتسكينه ، وتم طرد وسجن البعض الآخر ، كما أن الأسلحة الحساسة التي أعطيت لهم مثل صواريخ ستنجر حاولت أجهزة المخابرات الغربية جمعها منهم بأسرع ما تيسر .
ومن هنا يمكن القول أن عملية التعاون قد انتهت بين الطرفين غداة انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ، وبدأت حقبة جديدة مشحونة بالعداء بعد ذلك لعدة أسباب لعل من أهمها شعور الجهاديين الإسلاميين أنهم قد تم الغدر بهم بعد مجاهداتهم في أفغانستان من قبل أنظمة الحكم العربية المحلية كما في حالة الخليج العربي ومصر وسوريا والجزائر وليبيا والمغرب بالتحالف مع الغرب . كما أن هؤلاء الإسلاميين  شعروا أنهم يستطيعون التغيير داخل مجتمعاتهم المحلية بعد أن تدربوا جيدا على استعمال السلاح في مسرح أفغانستان ، والتيقن أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب لايختلفان كثيرا عن الاتحاد السوفيتي في سعيهم لسرقة الموارد الإسلامية، كما أن نظام الحكم في أفغانستان  يختلف كثيرا عن  الأنظمة العربية الموجودة بين ظهرانيهم ، ومن هنا دخلت العلاقات المشتركة في طور جديد إمتد لأكثر من عقدين من الزمان واتسم بقدر كبير من العنف والدمار .
الإسلاميون والغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر
لايمكن معرفة الإستراتيجية الغربية تجاه الإسلاميين بعد ثورة الربيع العربي 2011م مالم يُسلط مزيد من الدراسات حول الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ، فهذه الحقبة تُشكل منعطفا مهماً في العلاقة بين الطرفين وسوف يكون لها صدىًً واسع ربما لعشرات السنين القادمات بسبب المواجهة المباشرة بين الطرفين والعنف الرهيب الذي حدث فيها ، وغزو أكثر من بلد إسلامي بسبب هذه الأحداث ، وتصدي الإسلاميين الجهاديين للمقاومة ونجاحهم جزئيا في إلحاق خسائر مقدرة في الجانب الغربي للدرجة التي  دفعته للرحيل عن العراق أخيرا بالرغم من الاحتياطات الوفيرة من النفط إلى جانب انقسام المجتمع العراقي إلى ثلاث  طوائف أساسية هي السنة والشيعة والأكراد مما يسهل عملية إدارته والسيطرة عليه واستنزافه اقتصاديا بسبب هذا الانقسام الواضح لكل  الأطراف، وبالرغم من ذلك انسحبت القوات الأمريكية والغربية بضغوط جماهيرية محلية بسبب مُجاهدات الإسلاميين واستعدادهم لبذل  التضحيات اللازمة للتصدي للغرب. كذلك حدث نفس الأمر ولكن بصورة مُصغرة في أفغانستان وهاهم الغربيون يستعدون لإخلاء افغانستان كذلك .
وبالتالي يمكن القول إن حِقبة المواجهة المباشرة والغزو خلقنا عدة قوانين ومعادلات لايمكن تجاوزها وهي على الجانب  الغربي تتمثل في  استحالة بقاء قوات احتلال غربية في العالم الإسلامي دون ترضية السلطات الحاكمة وطائفة واسعة من الناس  لتحقيق مصلحة من المصالح في البلدان التي توجد فيها مثل هذه القواعد كما في حالة قطر والبحرين وجيبوتي ، وأن حِقبة الاحتلال والاستعمار الخشن والواضح قد وّلت للأبد ولايمكن أن تتكرر في العالم الإسلامي بسبب استعداد الإسلاميين التضحية بأنفسهم من أجل إهلاك هذه القوات. وعلى الجانب الإسلامي   عنت هذه الحقبة انتهاء أساليب الخداع الإعلامية التقليدية لشعوب المنطقة الإسلامية ، وأنه لم يعد بقدرة الغرب المراهنة على ِخداع العالم الإسلامي واستغلال تناقضاته من أجل البقاء والسيطرة، وأن  وعي الشعوب الإسلامية صار أكبر مما يمكن الإحاطة به بأساليب الدعاية القديمة عبر تسليط أجهزة أعلامية وتلفزيونية ووكالات أنباء عالمية من أجل تمرير السياسات الغربية في المنطقة أو الانتصار  دون حرب كما كان يحدث من قبل ، بيد أن السلاح الإعلامي لازالت أهميته موجودة ولكن يحتاج لتدبيرات وخطط أخرى وإسترتيجيات موازية من أجل إعادة تفّعيله .
وعلى جانب الرؤية الإسلامية  كذلك فقد كانت أبرز القوانين المستقاة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر تتمثل في ضرورة الابتعاد عن استهداف الأراضي الغربية بصورة مباشرة لتنفيذ أعمال جهادية طالما ظلت الحرب بين الطرفين بالوكالة ، وتبدو حربا استثنائية كما في الحالة الليبية الأخيرة على سبيل المثال ، وذلك لأن الإسلاميين وعوا أن المقارنة بين المعدات العسكرية الغربية والإسلامية واسعة للغاية ، وأنه بإمكان الغرب أن يُلحق أضراراً هائلة بالعالم الإسلامي لو قرر الغرب  استعمال كل ترسانته من أسلحة الدمار الشامل ، ولعل من حسن الحظ  بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن البريطانيين الذين تحالفوا مع الأمريكيين  اقنعوا بعض السياسيين الأمريكيين الذين كانوا فيما يبدو يستعدون لاستعمال أسلحة دمار شامل ضد بعض المناطق الإسلامية يومئذٍ بأن لايفعلوا وأن يكتفوا باستعمال الأسلحة التقليدية! وإلا لكانت خسائر العالم الإسلامي فادحة، ولا ننسى أن قطاعات كبيرة من الشعب الأمريكي يومئذٍ كانت لا تمانع في اللجوء لهذا الخيار بعد التعبئة الإعلامية الهائلة ضد العالم الإسلامي في أجهزة الأعلام التي يهيمن عليها الموالون للوبي الإسرائيلي في أمريكا (4) .
ولعل فهماً مثل هذا دفع ببعض إسلاميّ السودان بسرعة للتعاون مع الأمريكيين عقب الأحداث مباشرة لتجنب انتقام الامريكيين الذي يمكن ببساطة أن يشمل استعمال أسلحة دمار شامل !!.
ومن هنا يمكن القول إن أحداث الحادي عشر من سبتمبرقد أوضحت قوى الطرفين والحدود التي يمكن أن يصل إليها الصراع بحيث لايستطيع أحد  تجاوزه لأنه لو تم تجاوزه من قبل الأمريكيين أو الغربيين بصورة عامة فإن الإسلاميين يمكن أن يتحملوا أي خسائر بشرية أو مادية  في سبيل القضاء على الوجود الغربي في المنطقة ، كما أن الإسلاميين علموا أن صور  التفجيرات والدم والأشلاء يمكن أن تؤثر في حظوظ الأحزاب السياسية الغربية ويمكن أن تطيح بها في ظرف أربع إلى ثماني سنوات ولا بأس من صبر هذه المدة الزمنية في سبيل إخراج الغرب من المنطقة الإسلامية ، كما أنهم تعلموا أيضا أن الاقتصاد الغربي هش بصورة أكبر مما يبدو وأن الأزمات السياسية حتى في الدول النامية التي تمتلك مورداً يعتمد عليه مثل النفط تستطيع أن تُزعزع الاقتصاد الغربي الذي يؤدي ضُعفه مباشرةً إلي تغيير الحكومات الغربية في ظل مثل هذه الأوضاع . كذلك عرف الإسلاميون أن المواجهة المفتوحة مع الغربيين يمكن أن تكون عواقبها وخيمة بسبب عدم وجود تكافؤ في القدرة العسكرية بين الطرفين أو قوة ردع متبادلة، وأن الغربيين يمكن أن  يستغلوا مثل هذا الأمر ويلحقوا خسائر فادحة بالعالم الإسلامي يمكن أن تصل إلي مرحلة استعمال سلاح دمار شامل .
هذه هي أبرز القوانين غداة حدوث الثورات العربية في المنطقة التي شملت حتى الآن تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين .
ومما لاشك فيه أن الغربيين قد وضعوا إستراتيجية ما للتعامل مع العالم الإسلامي غداة استخلاص هذه القوانين عقب انتهاء الفصل الأول من الحرب ضد الإرهاب بزعامة جورج بوش الابن، وأن الفصل الثاني  بدأ فعليا مع انتخاب الرئيس باراك أوباما ولكن ربما بوسائل أكثر سلاسة ونعومة عن سابقه .


خسائر الغرب جراء سقوط الأنظمة الموالية :
مما لاشك فيه أن الغرب أصابته خسائر فادحة جراء سقوط بعض الأنظمة الموالية له في المنطقة وعلى رأسها مصر وتونس  بدليل تردد ورفض دولتي فرنسا في الحالة التونسية والولايات المتحدة في الحالة المصرية التغيير الثوري في بداياته خوفا على هذين النظامين الموالين لهم  ، ولم يُعلن على الإطلاق تأييد الثورة إلا بعد أن تبين للجميع قُدرة الثورة على النجاح ، وأن الأحداث قد تجاوزت مرحلة التغيير، حينها فقط دعا الغرب  الحكومات الديكتاتورية  إلى الاستجابة لأصوات الجماهير وكان ذلك علي استحياء ورغبة في تسجيل موقف لكي يحفظ للغرب خطوط اتصاله مع الثوار الجدد لحين إنشاء إستراتيجية جديدة في المنطقة ، وكان في البال والخاطر رفض التغيير الثوري في إيران في 1979م من قبل الغرب وحدوث قطيعة شاملة معه منذ ذلك التاريخ وحتى يوم الناس هذا بسبب عدم تأييد الثورة الشعبية في إيران والتصدي لها من بعد ذلك (5) .
ربما كانت أول الخسائر الغربية تتمثل في فقدان حالة المطاوعة السياسية من قبل الأنظمة العربية البائدة لتنفيذ المخططات الغربية في المنطقة ، وعلى رأسها إدماج إسرائيل في المنطقة عبر إتفاقيات ثنائية مثل إتفاقية كامب ديفيد 1979م ، واتفاقية الأردن واسرائيل بوادي عربة،  وحتى اتفاقية السلطة الفلسطينية مع إسرائيل في أوسلو 1993م . وهذه الاتفاقيات كما يعرف المتابعون تحوي هضماً واضحاً للحقوق الفلسطينية والعربية واستلزمت تقديم تنازلات كبيرة لإسرائيل مقابل السلام، وعلى الرغم من ذلك (ولقدر إلهي فيما يبدو) رفضت إسرائيل   التسوية النهائية التي عرضتها الجامعة العربية في 2002م ، وظلّت تصر على تحقيق إستراتيجيتها الخاصة التي تنص على أن حدود إسرائيل من نهر الفرات إلى نهر النيل كما يبدو ذلك واضحا في العلم الإسرائيلي وأمام مدخل الكنيست الإسرائيلي .
وظلّت هذه الأنظمة الموالية للغرب تنفذ إستراتيجية الغرب في المنطقة بسبب رغبتها في استدامة الحماية الغربية لها أولاً ورغبتها في  تنفيذ سياسات خاصة بها مثل توريث الحكم وعدم مهاجمتها إعلامياً وغيرها لكي لاتجد معارضة من قبل الغرب أو المنظمات والوكالات التابعة  له والتي بالرغم من استقلاليتها الجزئية إلا أنها لا تعمل إلا في ظل إستراتيجية واضحة  تدافع عن المصالح الغربية وتنحاز له.
ولعل أهم إستراتيجية غربية تنفذها هذه الأنظمة محاربة التنظيمات الإسلامية وخصوصاً المتشددة في المنطقة وعدم السماح لها بالوصول إلى الغرب، وحتى تلك الجماعات الإسلامية التي وصلت تأثيراتها وقياداتها إلى الغرب كانت تُعاد باستمرار إلى الدول العربية بغرض التحقيق معها بصورة عنيفة من أجل الاعتراف بكل مخططاتها المزعومة تجاه الغرب سواء كان ذلك التهديد محتملا أو حقيقيا ، وقد وصلت هذه السياسات أقصى حدودها بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واستمرت من بعد ذلك لسنوات  حتي نهاية عهد الرئيس الامريكي جورج بوش الابن في 2008م(6)  .
كذلك عملت أنظمة الموالاة العربية علي  استمرار التفوق الغربي من خلال السماح له بالتحكم في النفط والغاز العربيين وأسعارهما العالمية لتحجيم المنافسين له على مستوى العالم مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وغيرها من دول ، ففي حالة رغب الغرب في تحجيم النشاط الاقتصادي الصيني كان يرفع من سلعة  النفط العربية إلى مستويات قياسية وصلت في أحداها إلى أكثر من مائة وثلاثين دولارا أمريكيا للبرميل الواحد ، في حين كان يشتري نفس البرميل من الدول العربية بأسعار متدنية للغاية بسبب العقود طويلة الأجل والمحددة بسعر ثابت للبرميل لايتجاوز العشرين دولارا ! ، أما إذا أراد تحجيم الممانعة الروسية فقد كان يخفض سعر برميل النفط العربي لأقل سعر ممكن لأن روسيا من المنتجين الكبار للنفط ، وقد وصل سعر البرميل في إحدي هذه المرات لثمانية دولارات أمريكية فقط للبرميل ! ، وفى كلا الحالتين كان الغرب يسترجع أمواله من خلال إلزام بعض الدول العربية على شراء سلاح بعشرات المليارات من الدولارات أو سلع استهلاكية لا تسهم في مسيرة التنمية الفعلية  ! . وقد احتذت إسرائيل بهذه السياسة عندما استفادت من الغاز المصري باسعار  متدنية بسبب العقود طويلة الأجل التي ربما تكون مدتها أكثر من خمسين عاما !  لا لأن الخبراء المصريين لايعرفون ذلك ولكن تواطئاً من الحكومة على إتخاذ مثل هذا القرار (7) ،وبذلك تكون خسائر الدول  الغربية جراء الثورة كبيرا في حالة عدم اعتراف أو مطاوعة الأنظمة العربية الجماهيرية الجديدة بالإستراتيجيات والمصالح القديمة التي افادت الغرب بأكثر مما يتوقع البعض من المطلعين .
وفيما يبدو أن التعاون مع الغرب والخضوع لرغباته لم يكن ينتهي عند ذلك الحد وإنما كان مُتجذرا وشمل مجالات أخرى كثيرة ربما كان من أهمها فتح الأسواق العربية أمام السلع الغذائية الغربية مثل القمح والأرز والعدس وغيرها وذلك بأسعار متدنية حتى قامت بضرب الإنتاج المحلي وحولته إلى محاصيل أخرى مثل قصب السكر والقطن وحتى الزهور لكي تكون شعوب هذه الدول رهينة للمواد الغذائية الأساسية  القادمة من الخارج ، ويمكن أن يحدث لها تهديد خطير في أمنها الغذائي في حالة امتناع الدول الكبرى عن تزويد الشعوب بهذه السلع الحيوية ، ولقد رأينا جانبا منذ ذلك عندما حدث ُشح في سلعة القمح في روسيا وأوقفت تصديره  مما أحدث فجوات غذائية وحالة هلع انتظمت العالم واسميت بازمة الغذاء العالمي ، وكل ذلك بسبب عدم الإصرار والتصميم المحلي علي ضرورة تخصيص مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية لسلع الامن الغذائي ، وعادة ما يكون ذلك نتيجة لضغوطات غربية وخبراء غربيين .
والاستغلال الغربي للأنظمة العربية كبير وقد تناولته كثير  من البحوث والدراسات الموثقة ولعل هذا التناول أدى في نهاية الأمر إلى قيام الثورة بعدأن بلغ السيل الزبى ورفض الكثير من المثقفين هذا الاستغلال الواضح من قبل الغرب جراء هيمنته على هذه الأنظمة الموالية ، لذلك من المعتقد أن يستمر هذا الاستغلال لأوقات قادمة بسبب الضعف الشديد الذي تمر به الشعوب العربية بعد عقود من التخريب الذي مارسته الأنظمة الموالية في هذه البلدان ، ولعلنا رأينا طرفا من ذلك أيضاً بعد طلب السلطات  الليبية الجديدة لحلف شمال الأطلسي أن يظل في ليبيا حتي بعد مقتل العقيد القذافي بسبب عدم مقدرتهم على حفظ أمن الحدود الطويلة مع البلدان الإفريقية التي تقدر بأكثر من ثمانية آلاف كيلومتر مربع تمتد في الصحراء الكبري، ولا نندهش لو علمنا أن هذا الطلب كان بايعاز من حلف شمال الأطلسي نفسه للسيطرة على الأسلحة الليبية ومنعها من التسرب إلى تنظيمات إسلامية متشددة في المنطقة وربما في خارجها.
إلا أنه من المتوقع من جهة أخرى أيضا أن يطول التغيير بعض المكتسبات الغربية في المنطقة وربما كان على رأسها سحب جزء من  الأموال العربية التي تقدر بالمليارات من البنوك الغربية بغرض إحداث تنمية حقيقية بعد أن أصبحت الشعوب مُراقبا حقيقيا لحركة أمواله ولم تعد في أيدي أفراد يتصرفون فيها كما يشاؤون ، وهذا التوجه بدوره أيضا يمكن أن يفيد الغرب في حالة التعاقد مع الشركات الغربية لإعادة البناء والتنمية ، أما إذا دخلت شركات أخرى من تركيا ومن جنوب شرق أسيا ومن أمريكا الجنوبية ، فإن سحب هذه الأموال سوف يُضر بالاقتصاد الغربي ألا أن هذا الاحتمال بعيد وخصوصا على مستوى دولة ليبيا بسبب الدور الذي لعبه حلف شمال الأطلسي في القضاء على نظام العقيد معمر القذافي .
كذلك من المتوقع أن يحدث تغيير فيما يختص بسياسات التقارب العربية بعد الثورة وخصوصا والإسلاميين ربما يشكلون مصدر قوة كما أظهرت الإنتخابات التونسية الأخيرة وبالتالي سوف تكون هناك حالة تعاطف ورغبة في الوحدة خاصة بين تونس وليبيا ومصر وربما حتى السودان ، وهذا  ما يخشاه الغرب ويتحسب له كثيرا وسوف يتصدى له كذلك ، وكان هذا الجانب في السابق مفقوداً بسبب شكوك الأنظمة العربية في بعضها البعض بالرغم من رفع شعارات الوحدة  ، وكان ذلك فيما يبدو للاستهلاك المحلي والإقليمي وصرف الأنظار بعيداً عما يدور في الساحة الداخلية من تجاوزات .
ملامح الاستراتيجية الغربية في المنطقة
الاستراتيجية الغربية تجاه العالم الإسلامي مُتجددة بحسب المتغيرات التي تطرأ على الحياة السياسية في هذه المنطقة ، وهذا فيما يبدو من أسباب نجاحها مع وجود مُوجهات عامة ثابتة تحكم هذه الإستراتيجية وتدلها على الطريق الذي يجب أن تسير عليه دون أن تختل . وهذه المُوجهات دائمة ولا يطرأ عليها التغيير مهما كانت الظروف السياسية ، ويمكن أن نقول إنها تتمثل في ضمان دائم لزيادة قبضتها وسيطرتها  الاقتصادية والعسكرية على العالم الإسلامي، واستخلاص الموارد الاقتصادية ، وضمان أمن إسرائيل ،وحرية الحركة والمرور وعدم تكوين مراكز قوى إسلامية تستطيع أن تهدد الغرب بفقدانه السيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم.
وتتمثل  الاستراتيجية الجديدة في السماح أخيرا للإسلاميين بالوصول إلى السلطة عن طريق الديمقراطية ، لا حبا في الإسلاميين أنفسهم ولا دفاعا عن الفكرة الديمقراطية ولكن رغبةً في أخذ طريق جديد للتعامل مع الإسلاميين، لعل ذلك يفت في عضضهم على المستوى البعيد ويفقدهم السيطرة على  الشارع العريض بعد أن ظلوا  ممسكين به  منذ نهاية ستينيات القرن العشرين أي بعد هزيمة يونيو 1967م ، وقد كانوا من أسباب رفض الشارع الإسلامي للسياسات الغربية في المنطقة (8) .
ولعل الذي دفعهم إلى هذا الإتجاه أن التعاون بينهم وبين بعض الدول العربية والإسلامية التي تُحسب من ضمن الدول ذات التوجه الإسلامي مثل السعودية ودول الخليج كانت العلاقة بينهم جيدة ومستقرة ربما لأكثر من خمسين عاما بالرغم من الشعارات الإسلامية التي تُرفع ويدار من خلالها الحكم . بيد أن تجربة علاقة الغرب  ودول الخليج العربي تبدو استثنائية بسبب الارتباط العميق بسلعة النفط ، حيث ترك الخليجيون للشركات الغربية الاستفادة القصوى من النفط من دون منافسة بينما ترك الغربيون للخليجيين وخصوصا السعودية أخذ الطريق الذين يريدونه في خيارات الحكم وغالبا نتيجة لتوفير الاستقرار السياسي الذي يودونه.
ومن هنا ربما رأى البعض أنه من الممكن للإسلاميين في بعض الدول الأخرى الوصول للسلطة ومساعدتهم في ذلك حتى يتوصلوا إلى نفس المعادلة التي توصلوا لها مع الخليج العربي ، ولأن من شأن تجاهل  رغبات الإسلاميين حدوث ثورة شعبية يقودها الإسلاميون كما حدث في إيران وبالتالي تحدث حالة مواجهة شاملة مع الغرب بسبب تحالفه مع السلطة الديكتاتورية التي كانت تقمع الإسلاميين، مما يجعل من غير الممكن إصلاح العلاقات مرة أخرى في المدى القريب ، وكدليل على ذلك توتر العلاقات الغربية الإيرانية لأكثر من ثلاثين عاما ولايزال التوتر على أشده حتى الآن بالرغم من المصالح الاقتصادية والنفطية الهائلة التي تحوزها إيران .
لذلك ربما دعت الإستراتيجية الغربية في مرحلة من المراحل إلى عدم مقاطعة الإسلاميين كليا ومحاولة تقسيمهم إلى معتدلين يمكن التفاهم معهم ومتشددين تجب محاربتهم ، مع دعم الأنظمة القمعية المناهضة لهم في المنطقة ما داموا قادرين على السيطرة على الإسلاميين ، مع استعداد تام للقفز من مراكبهم الغارقة متى مادعت الضرورة والالتحاق بالإسلاميين والثوريين الآخرين وبناء علاقة  حذرة معهم وعدم مقاطعتهم ومحاربتهم كليا كما حدث مع  إيران  إلى حين رؤية اتجاهاتهم في السلطة والحكم .
وربما كان من سُوء حظ السودان أنه صُنف في مرحلة من المراحل على أنه من الدول التي يُسيطر عليها المتشددون ، وهي فرصة طيبة للغرب لمعرفة كيفية التخلص من الأنظمة الإسلامية التي قد لا تتفق معهم ، لذلك فيما يبدو أن القرار تجاه السودان إسقاط نظامه دون تدخل مباشر وجعله عبرة وعظمة لكل الحركات الإسلامية التي تصل إلى السلطة دون تنسيق كامل مع الغرب .
ومن هنا رأينا مسالة الحصار الاقتصادي المتشدد ، والإيحاء لبعض الدول المجاورة بمحاربة  السودان في مرحلة مادلين أولبرايت ، ودعم معارضيه مع حملات إعلامية قاسية لتشويه صورة الحكم متمثلة في خطوط عريضة تشمل قصف المدنيين وشن الحرب على الأقاليم التي ترفض هيمنة المركز ، وممارسة الرق بواسطة القبائل التي تؤيدها السلطة ، وممارسة الاضطهاد الديني ونهاية بممارسة التطهير العرقي (9) .
وبالرغم من تلك الاتهامات الغليظة التي ربما تستند  على أخطاء حقيقية إلا أن النظام صمد لكل تلك الحملات لعوامل خارجية  ربما ليس له بها دخل في أغلب التحليلات مثل إنشغال الغرب بالحرب ضد العراق وأفغانستان،  والحرب ضد الإرهاب ، وإندلاع الحرب الاريترية الإثيوبية 1998م ، وتخوف الدول الإفريقية من الانفصال في جنوب السودان ، والأزمة الاقتصادية العالمية والحرب ضد ليبيا.
أما بخصوص الدول التي يرى الغرب أن إسلاميّها يُمكن التفاهم معهم بسبب عدم  لجوئهم للعنف واستعدادهم للتعايش مع العلمانيين واعترافهم بإسرائيل فقد أخذ يدعمهم في الخفاء ويسهل عليهم الوصول إلى السلطة ، ولعل تجربة تركيا خير مثال لذلك عندما أخذ الغرب يضغط على الحكومات العلمانية الكمالية المتعاقبة وقيادات الجيش والأحزاب السياسية العلمانية بضرورة إدخال إصلاحات ديمقراطية شاملة والسماح للأحزاب ذات التوجه الإسلامي بالمشاركة خوفا من الانفجار الذي حدث في إيران وكلا الاتجاهين بغرض زيادة قبضة الغرب على العالم الإسلامي.
وقد أدت الضغوط الغربية والطمع في  استيعاب تركيا في منظومة الاتحاد الأوربي- وهو الحُلم  الذي ظل ُيراود العلمانيين الأتراك منذ إنشاء دولتهم في عشرينيات القرن العشرين -بالسماح للإسلاميين بدخول الحياة السياسية الرسمية (وكانوا نشطاء في الخفاء) ومن ثم وصول الإسلاميين لأول مرة إلى سدة الحكم مع نجم الدين أربكان وخليفته البارز رجب طيب أوردوغان .
بيد أن هذه الإستراتيجية التي اتُبعت تجاه إسلامييّ تركيا تواجه مخاطر كبيرة وانتقادات مريرة بسبب خروج الإسلاميين الأتراك عن الخط الذي رُسم لهم بإعادة فكرة إحياء دولة إسلامية كبرى وهذا ما يخشاه الغرب كثيرا .
وأول مظاهر تراجع الإسلاميين الأتراك في نظر الغرب عن الاعتدال تمثل في عدم المشاركة في غزو العراق أو حِصاره في السنوات التي سبقت غزوه في ابريل 2003م ، مع رفض الأتراك كذلك استعمال قاعدة انجرليك الجوية أو الأراضي التركية لتكون منطلقا للغزو .
وثانيها وهي الطامة الكبرى للغرب الموقف التركي من إسرائيل ودعم الفلسطينيين عبر مراحل متعددة بدأت بالتنديد بالهجوم العسكري الإسرائيلي على لبنان أولا في 2006م ، وعلى قطاع غزة 2008م ، ومحاولة إيصال مساعدات تركية للفلسطينين بالرغم من معارضة إسرائيل ، وضرب أسطول الحرية وقتل أكثر من عشرة أتراك في عرض البحر ، ومن ثم إيقاف التنسيق والتدريب العسكري المشترك، وأخيرا طرد السفير الإسرائيلي من أنقرا ، وقد وصلت الأزمة قمتها بإعلان رجب طيب أردوغان أنه  كاد أن يعلن الحرب على إسرائيل غداة قتل المواطنين الأتراك على متن السفينة التركية مرمرة .
من هنا ربما توصل المخططون الغربيون إلى أن تقسيم التيار الإسلامي إلى معتدل و متشدد ربما يكون خاطىء لذلك يجب وضع الجميع في سلة واحدة ، وهذا ما سوف يواجه التيارات التي سوف تصل إلى السلطة غداة ثورات الربيع العربي  ويَعتقد البعض منها أنها سوف تستطيع أن تعقد هُدنة مع الغرب لإعادة بناء الدولة بعد عقود طويلة من الديكتاتورية والفساد السياسي .
مرتكزات الإستراتيجية الجديدة :
لعل أهم المرتكزات التي سوف تستند إليها الاستراتيجية الغربية بعد أن تبين لها خطل  تقسيم الإسلاميين إلي متشددين ومعتدلين   تقوم علي إعادة النظر في تحالفها القديم مع العلمانيين ومحاولة أن تبث فيهم رُوحا جديدة بعد أن نزع منهم تأييد الشارع العريض لصالح الإسلاميين عبر مراحل متأنية تتمثل في إثارة المصاعب أمام الإسلاميين بنعومة حتى تكفر الأغلبية الشعبية بتوجهات الإسلاميين الإدارية، ولعل لها في التجربة الإيرانية والسودانية وربما حتى الافغانية والصومالية إسوة كبيرةً في هذا المجال.
لذلك من المعتقد أن تكون المقاطعة الاقتصادية أول مراحل التصدي للإسلاميين وليس ضروريا أن تُعلن ذلك كما حدث في السودان ولكنها سوف تعتذر بظروفها الاقتصادية الضاغطة والأزمة الاقتصادية العالمية ، وبالتالي تُشدد من حصارها على هذه الدول قبل أن يشتد عودها وتخرج عن طوع الغرب كما فعلت تركيا من قبل . والحصار الاقتصادي والمقاطعة سلاح قديم خبره المسلمون   منذ حصارهم في ِشعب أبي طالب في الأعوام الاولى من بعثة النبي الكريم صلى  الله عليه وسلم ، وهو سلاح خطير لن يتخلى عنه الغرب مهما كانت الخسائر التي سوف تطالهم! بيد أننا نُرجح أن المقاطعة هذه المرة  لن تكون مقاطعة شاملة كما حدث مع إيران والسودان بحيث سُمح لهذه البلدان بالاعتماد على نفسيهما باكرا واختيار بدائل أخرى قبل أن تشتد الأزمات ، وسوف يكون حصارا ذكيا يفرغ الدولة من قدراتها الاقتصادية من  الداخل ويجعلها عرضة لسخط الشارع العريض قبل أن تتبين أن هناك مخططا ما يود تشويه صورتها أمام الجماهير ، وقد لا تنتبه لذلك إلا بعد أن تثور هذه الجماهير عليها وتكفر بسياساتها المختلفة .
أما المرتكز الثاني فربما يتمثل في الرهان على خلافات الإسلاميين انفسهم لأن التجربة والمراقبة الغربية قد علمتهم أن الخلافات بين الإسلاميين قاسية ومن الصعب ترميمها ، وأن بأسهم بينهم شديد ، وأن الخلافات إذا ما اندلعت بينهم فمن الصعب إصلاحها،  ولعل الصراع المرير بين فصائل المجاهدين الأفغان قبيل وصول حركة طالبان للحكم خير شاهد على ذلك ، فبعد خسارة الاتحاد السوفيتي الحرب وإنسحابه من أفغانستان تحول المجاهدون إلي ضرب رقاب بعضهم البعض بعد أن نشبت بينهم الفتنة حتى كفر الكثيرون بمجاهداتهم السابقة وعلى راسهم حركة طالبان التي ازاحتهم عن دست الحكم.
والمثال الثاني كذلك الصراع الواسع في السودان بين المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض وقد جاءا من مصدر واحد ، ولم ينته  الخلاف فيما بينهم بعد أكثر من عقد وقد تطايرت الاتهامات ، حتى إن أحد أسباب مشكلة دارفور التي شغلت العالم لحين من الدهر أصلها نابع من الصراع بين العدويين التقليديين (10) .
كذلك الصراع بين المجاهدين الصوماليين الذين طالما حاربوا مع بعضهم البعض سرعان ما تحول قسم منهم لمحاربة الجميع بقيادة طاهر أويس وتحول قسم آخر إلى دست الحكم بتعاون وثيق مع الغرب وقوات حفظ السلام الإفريقية بقيادة   شيخ شريف شيخ أحمد !.
والأمثلة على ذلك كثيرة كما أيضاً في حالة ماليزيا بين مهاتير محمد وانصاره وأنور إبراهيم وأنصاره ، والتي تطايرت فيها الاتهامات السوداوية التي تطعن حتى في  تدين قيادتها العليا ، وإلى يوم الناس هذا ظلت أخبار صراعات الإسلاميين مع بعضهم البعض مادة دسمة للصحافة العالمية، ولعل آخرها الخلاف بين حزب النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشي وحزب العريضة الشعبية بقيادة الدكتور محمد الهاشمي الحامدي والتي أدت إلى إحراق مدينة سيدي بوزيد مهد الثورة العربية ، وكلاهما ينتمي إلي نفس التوجه وماكادوا يفرغون من التخلص من ديكتاتورية زين العابدين بن علي القاسية وقبيل أن يعودوا إلى أوطانهم من منافيهم البعيدة حرقت ألسنة النار واللهب كل آمال الشارع الإسلامي بأن الإسلاميين وعوا الدرس الآن وسوف تتحد  كلمتهم ، بيد أن كل المؤشرات كانت تنافي ذلك . أما في مصر فالخلاف  الباطني واضح للعيان داخل كتلة الأخوان المسلمين التي عرفت السجون والتعذيب والقتل أكثر من خمسن عاما متتالية وبالرغم من ذلك وحتى قبيل الانتخابات وقعت الفتنة بين حزب العدالة والتنمية الأخواني وبين أنصار عبدالمنعم أبوالفتوح القائد الإخواني البارز الذي تحدي قرار الحزب برفض الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية بالرغم من الفرص السانحة .
ومن هنا يمكن أن نقول إن الاستراتيجية الغربية سوف تراهن كثيرا على خلافات الإسلاميين التي بدأت واضحة للعيان منذ الآن .
أما المرتكز الثالث فهو مرتكز تقليدي إلا أنه مهم ويتمثل في اصطياد أخطاء الإسلاميين في السلطة وتضخيمها إعلاميا باستمرار، ولو زاد ذلك  الاستهداف  والانتقاء علي الخمسين عاما متتالية حتى تتمكن من النصر في آخر المطاف، وسوف تستفيد من ذلك من تجربتها الإعلامية مع الاتحاد السوفيتي السابق الذي إنهار وسقط بالإعلام والدعاية ودون حرب حتى أسمى احد قادة الولايات المتحدة كتابه ( نصر بلا حرب ) وهذه الاستراتيجية سوف يدعمها تضامن قوي وتنسيق مع الأقليات الموجودة داخل هذه الدول مثل الأقباط واليهود والبربر والأكراد والزنوج، وليس بالضروري أن تتآمر كل هذه الجهات على أنظمة الحكم الشرعية في بلدانها ولكن سوف يجدون من هو على استعداد من هذه الجماعات على تأييد قضيتهم والانخراط فيها وربما نجحوا في اختطافها نهائيا كما حدث للأكراد إبان سيطرة صدام حسين على السلطة في العراق 1979م – 2003م .
أما المرتكز الرابع فربما  يراهن على أن الإسلاميين في حالة وصولهم إلي السلطة عن طريق الديمقراطية ربما لايسلموتها مرة أخرى إلى جهات معارضة لهم عن طريق الديمقراطية في حالة تأكدهم من وصول هؤلاء إلى سدة الحكم  بعد خسارتهم الانتخابات وذلك استنادا إلى تجارب بعض الإسلاميين وخصوصا جبهة الإنقاذ في الجزائر التي أعلن أحد قادتها الكبار ( علي بالحاج) إن هذه آخر انتخابات ديمقراطية بعد تأكد فوز حزبه حزب النهضة  في 1992م ، وكان ذلك التصريح سبباً في الإطاحة بالجبهة  بواسطة العسكر والعلمانيين والدعم الخارجي باعفاء ديون الجزائر المتراكمة لدى فرنسا والاتحاد الأوربي . وأمر مثل هذا حدث في السودان عندما نمت وترعرعت الجبهة الإسلامية القومية   إبان حقبة الديمقراطية الثالثة 1986- 1989م إلا أنها سرعان ما انقلبت على الديمقراطية من بعد ذلك وسيطرت على الحكم ولاتزال بعد ربع قرن من آخر تجربة ديمقراطية حقيقية.
لذلك ربما يعتقد الغرب أن السماح للأحزاب السياسية الإسلامية بالوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية ربما يجعلها تنقلب على عقبيها حين تمكنها في الحكم وترفض الديمقراطية وبذلك تمنح المعارضة أكبر فرصة لدحض مساعيها لتطبيق تجربة ديمقراطية حقيقية . ومع الضغوط الإعلامية والاقتصادية والرجوع عن الديمقراطية التي أوصلتهم للحكم يمكن الإطاحة بالأحزاب الإسلامية ربما لعشرات السنين دون التجرؤ مرة أخرى على دعوة الناس إلى الإحتكام إلى الشارع العريض كما كانوا يفعلون في الماضي.
خاتمـــــــــة :
مما لاشك فيه أن الإسلاميين في الثلاثة أرباع القرن الماضي  قد تعلموا الكثير من أجل إنجاح تجربتهم الخاصة ، كما أنهم خاضوا تجارب مريرة مع أنظمة الحكم الديكتاتورية والقومية والاشتراكية وحتى الملكية ، ويمكن أن تكون هذه التجارب خير معين لهم في بناء فكرة سياسية إسلامية جديدة تتجنب أخطاء الماضي وتصححها لمستقبل واعد لفكرة الحركة الإسلامية .
ربما كانت أهم الدروس المستخلصة تتمثل في عدم التأثر بالأحزاب السياسية الاشتراكية والقومية التي طالما خاضوا الصراع معها ، إلا أنه وللأسف الشديد استطاعت هذه الأحزاب أن تؤثر في بناء الحركة الإسلامية وأن تجعل منها نُموذجا شبيها بنموذج هذه الأحزاب نفسها ، ويتمثل ذلك في الصفوية والفوقية وحتي الجهوية والمناطقية التي وصمت بعض الأحزاب السياسية القومية والاشتراكية في العالم الإسلامي ، كما أن الإعلاء الشديد  وتقديس قادة الحركات الإسلامية جعل منهم في بعض الأحيان كائنات فوق المحاسبة والمساءلة  مما خلق كُتلة متحدة من قادة الحركة الإسلامية احتكروا   كل صلاحيات الحركة الإسلامية الجماهيرية وصاروا المعبرين عن أفكارها وخياراتها واتجاهاتها المختلفة دون كثير نقد ، والأسوأ من ذلك أن البعض منهم تعرض إلى انحرافات وفتن كما يتعرض كثير من الناس إلى هذه الإنحرافات إلا أن مسألة المحاسبة كانت غائبة عن بعض الحركات الإسلامية مما جعل البعض  ينتقد هذه الحركات  التي لاترى إعوجاجا في قيادتها العليا.
وهذه ثغرة مهمة يمكن أن يستغلها الغرب  والعلمانيون في المدى المتوسط والبعيد من أجل خطف الشارع العريض من أمام الحركات الإسلامية.
كذلك علم أنصار الحركات الإسلامية أن اللجوء إلى العنف الفردي أو حتى الجماعي يمكن أن يكون له نتائج عكسية على مستقبل التيار الإسلامي ، وقد أدى العنف الفردي إلى الزج بقيادة أكبر حركة إسلامية وهي حركة الأخوان المسلمون إلى السجون الناصرية ربما لأكثر من عشرين عاما  متتالية وكان  يمكن أن تتطور فيها الحركة الإسلامية خطوات واسعة للأمام ، إلا أن ذلك الأمر لم يتحقق لأن البعض تعجّل تحقيق الهدف من خلال عمليات الاغتيال وتشكيل النظام الخاص الذي كان يتصرف ويتحرك بمنأى عن مجلس شورى الجماعة الإسلامية مما حمّلهم تبعات كبيرة فيما بعد(11) .
وهذا الأمر شبيه بما حدث من أعمال عنف تجاه الغرب وعلى رأسها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م حيث لم تضُر بالغرب كثيرا بقدرماوفرّت له الغطاء المناسب من أجل السيطرة على النفط وطرق المواصلات في قلب العالم الإسلامي ، ولايزال العالم يدفع حتى هذه اللحظة فاتورة هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، ولولا الصمود المنقطع النظير لبعض الجهاديين في أفغانستان والعراق لكانت الخسارة أفدح ولاستمر الوجود الأمريكي في المنطقة ولربما توسع في مناطق أخرى كانت مستهدفة. كذلك تعلمت بعض الاحزاب السياسية الإسلامية أن مسألة الوصول إلى السلطة ومباشرة التغيير ليست الهدف النهائي كما يعتقد البعض ، ولكن الهدف النهائي يتمثل في النجاح في إدارة شؤون العباد والبلاد حتى بعد سنوات من الوصول إلى الحكم ، وهذا لايمكن أن يتأتى ما لم تمارس الاحزاب السياسية الإسلامية الديمقراطية الحقيقية والشفافية داخل صفوفها أولا قبل أن تنادي بضرورة تطبيقها في بلدانها التي تود حكمها ، لأن من شأن الشفافية والديمقراطية أن تفصل ما بين الحزب السياسي وأفكاره المعلنة وأخطاء بعض قادته الذين يديرون الحزب ، حيث من الممكن أن يحاسبها عند أول بادرة انحراف وضُعف وأن يكون ذلك الأمر دعما للحزب السياسي لا أن يكون خِصما  عليه في حالة عدم معالجة الانحراف بشفافية كاملة ، وهذا ديدن الأحزاب الديمقراطية، التي استمرت تجربتها بنجاح منقطع النظير ربما لأكثر من مائتي عام في الدول العريقة في التجربة الديمقراطية .
ولعل هذه الفكرة التي عناها الرسول الكريم بأننا قد جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأعبر وهو مجاهدة النفس .
وأخيراً فإن علاقة هذه التوجهات بالإستراتيجية الغربية تجاه العالم الإسلامي تتمثل في أن الغرب غالباً ما يستغل نقاط الضعف في الأحزاب السياسية الإسلامية ويحاول أن يستفيدمنها في بناء إستراتيجية مضادة لزيادة نفوذه وهيمنته الاقتصادية في المنطقة ، وأنه لا يمكن مواجهته إلا بعد تطهير صفوف الحركات الإسلامية ، وأن تسير على الصراط المستقيم ، ومن هنا يعجز أي مُستهدف عن تحقيق إستراتيجيته الخاصة طالما التزم الجميع الصواب والحذر في تعاملهم في السياسة الوطنية وشؤون العباد.

مصادر الدراسة :
1-برتراند رسل ، حكمة الغرب – عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي  والسياسي ، سلسلة عالم المعرفة رقم 364، الكويت 2009م ، ص 249.
2- محمد الخير عبدالقادر ، الإسلام والغرب – دراسة في قضايا الفكر المعاصر، الدار السودانية للكتب ، الخرطوم 1991م ، ص 32.
3-د. جلال أمين ، عصر التشهير بالعرب والمسلمين – نحن والعالم بعد 11 سبتمبر 2011م ، دار الشروق ، القاهرة  2004م ، ص 19.
4-بولي فندلي ، من يجرؤ على الكلام ، ط ثامنة ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت 1992م ، ص 178.
5-د.حسن مكي ، حركة البعث الإسلامي في إيران ، بيت المعرفة للإنتاج الثقافي، أم درمان السودان 1990م ، ص 165.
6-جوناثان راندل ، أسامة ، ط ثالثة ، دار الشروق ، القاهرة ، 2008م ، ص 341.
7- فهمي هويدي، استجابة لرغبة الإسرائيليين ، مقال بصحيفة بوابة الشروق المصرية اليومية ، صفحة الرأي ، 12 فبراير 2011م.
8-فؤاد عبدالرحمن محمد البنا ، الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر، إصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، بلا تاريخ ، ص 197.
9- أ. عوض الكريم الريح بلة ، العولمة والسياسة الخارجية للسودان ، إصدار مركز الراصد للدراسات والإستراتيجية ، شركة  مطابع السودان للعملة المحدودة، السودان 2011م ، ص 180.


10- د. عبدالرحيم عمر محيي الدين ، الترابي والإنقاذ صراع الهوية والهوى ، الناشر دار كاهل للدراسات والطباعة والنشر المحدودة ،الخرطوم ، 2009م، ص 665,
11-فؤاد عبدالرحمن محمد البنا ، الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر، مصدر سابق ، ص 345.
Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////