ملخص :
تهدف هذه الورقة إلي معرفة أهم المحفزات التي يمكن أن يحوز عليها البلدان في حالة إقامة علاقة طيبة بينهما  بحيث يكون التفاهم الاقتصادي من أهم أسسها التي تستند عليها ، وذلك للفرص الاقتصادية الهائلة التي يمكن أن تتحقق في حالة استدامة السلام ، ويأتي النفط وتمدد أنابيبه حتى البحر الأحمر زائدا المصافي والخبرة السودانية من أهم المرتكزات لإستدامة علاقة مثمرة ومفيدة لكل الأطراف .
كما تحذّر الورقة من جهة أخري من اندلاع النزاع مُجددا بين البلدين لما فيه من مخاطر جمة يمكن أن تُصيب قطاعات واسعة بالضرر وتقعد بهما عن سبل النمو والتطور بالرغم من المزايا التي لا تتوافر عند كثير من الدول في الإقليم الإفريقي والعالمي .
وتتمحور مشكلة البحث في الإجابة عن سؤال أساسي هو: ماهية المحفزات والمهددات اتي تواجه علاقة السودان مع دولة جنوب السودان الوليدة ؟
ويبني البحث على فرضة تحسن علاقات السودان مع دولة جنوب السودان يؤدي إلي الاستقرار السياسي والتنمية في البلدن ، وتدهور العلاقات يؤدي إلي زعزعة هذا الإقليم المهم في إفريقيا .


مقدمــــة :
مع تصويت الجنوبيين علي حق تقرير المصير في يناير 2011م  أصبحت دولة جنوب السودان واقعاً  منذ ذلك التاريخ وحتي إعلانها رسميا في 9 يوليو 2011م ، لذلك أصبح لزاما على  السودان وضع استراتيجية شاملة للتعامل مع الوضع الجديد ومراعاة مختلف الجوانب سواء في حالة الاستقرار والسلام والتنسيق السياسي المشترك مع دولة جنوب السودان : وهذا ما يطمح إليه الجميع ، أو في حالة العداء ودعم المعارضة المسلحة أو حتي  درجة الحرب الشاملة لا قدر الله مع دولة الجنوب بحيث لا تتفاجأ الدولة السودانية بظهور  تطورات  لا تتحسب لها   تضر بها ضررا بليغاً وتؤخر مسيرة التنمية  والتقدم ، مع العلم أن عوامل النجاح في إنشاء علاقات طبيعية  وناجحة مع دولة الجنوب متوافرة وتوجد إغراءات كثيرة لاستمرار ديمومة التعاون بين الطرفين ، ويأتي علي رأس هذه العوامل التعايش المشترك والمصالح الاقتصادية والجوار الإقليمي ومياه النيل والقبائل المتداخلة (1) .
كل هذه العوامل وغيرها يمكن أن تسهم بفاعلية في قيام تعاون وثيق بين الدولتين إلا أن ذلك قد لا  يكفي وحده لإبراز عوامل الاستقرار والتنسيق   بين الطرفين وذلك لعدة أسباب لعل من أهمها ميراث الحرب بين البلدين ، كما أن البعض في جنوب السودان يعتقد أن إستمرار التوتر بين الشمال والجنوب حتي بعد الاستقلال من العوامل التي يمكن أن توحّد   أقاليم وقبائل جنوب السودان التي لم تتفق علي شيء في تاريخها القريب ( أو على الأقل الظاهر منها ) إلاّ علي رفض حكم الدولة المركزية السودانية بدليل التصويت الواسع علي  الاستقلال في استفتاء تقرير المصير في يناير 2011م ، ثم الحرب الطويلة التي سبقت ذلك بالرغم من المحاولات المستميتة لإيقافها طوال الخمسين عاما الماضية(2)  ، كما أن الرغبة الخفية لدي البعض في إعادة إحياء مشروع السودان الجديد والمتمثل في تحطيم أسسس الدولة المركزية القديمة في الخرطوم  وتمكين الاطراف والأقليات التي ظلت تحارب المركز من السيطرة علي الحكم بدعاوى التهميش والهيمنة  بواسطة القوة المجردة للسلاح  لاغير  حيث يعتبر هدفاً استراتيجياً عند البعض(3) .
وبعد ضمان استقلال جنوب السودان يتطلع هؤلاء الطامحون ممن تعلقت قلوبهم بأفكار زعيمهم الدكتور جون قرنق إلي بعض قبائل النوبة في الشمال الأقصى والوسط والبجا وبعض الدارفوريين  والنيل الأزرق مما  يجعل العلاقة متوترة بين الطرفين وغير  مستقرة مهما بذل فيها من جهد وتضحيات لصالح كلا البلدين،  أضف إلي ذلك أن هناك مجموعات دولية  معروفة سواء كانت شركات عابرة للقارات أو دول إقليمية مجاورة أو دولية أو منظمات كنسية  قد استثمرت كثيرا في إستقلال جنوب السودان وتريد أن تحقق مصالحها بعيدا عن رابطة الدولة المركزية السودانية القديمة ومن صالحها بقاء التوتر بين الطرفين حتي تفوز بأكبر مكاسب اقتصادية وثقافية ممكنة  من الدولة الجديدة، كل ذلك وغيره من الذي سيذكر  لاحقا من أسباب التوتر المستقبلي بين الدولتين.
عوامل التنسيق والتعاون المشترك:
لعل من أكبر عوامل التعاون المشترك التداخل الكبير على مستوى السكان والامتدادات القبلية والحدود المشتركة الطويلة بين البلدين ، فمن شأن كل ذلك أن يسهم في إقامة منطقة تعاون مشترك ربما تصبح من أغني المناطق في كل أنحاء الدولتين وذلك لتوافر مجموعة من العوامل الاقتصادية أهمها الثروة الحيوانية الكبيرة واعتدال المناخ  طوال فترات العام تقريبا وتوفر المياه لشهور طويلة بالإضافة إلي الأنهار والجداول والخيران الموسمية والثروات المعدنية الاخرى المطمورة في باطن الأرض. ويعتقد البعض أن الثروة الحيوانية  موجودة  فقط عند رعاة الشمال  من قبائل البقارة علي وجه الخصوص ولكن الماشية والأنعام توجد عند كل القبائل المشتركة ، فقبائل الجنوب الرعوية بالرغم من توفرها علي موارد مائيةمعقولة طوال العام إلا أنها في أشد الحاجة إلي حملات بيطرية مشتركة تحارب الأمراض المستوطنة وعلي رأسها ذبابة التسي تسي والأمراض الأخرى وتصدير هذه المواشي إلى العالم الخارجي عبر موانيء الشمال واستنسال سلالات جديدة تكون أكثر قدرة علي تحمل الأمراض ، وتحويل هذه الثروة الهائلة من ثروة للتفاخر القبلي غير العقلاني إلى ثروة  تدعم الأفراد والاقتصاد الوطني في دولة جنوب السودان (4).
ومشروع الثروة الحيوانية المشتركة يمكن أن يحقق نجاحات كبيرة على مستوي العالم بعد أن أخذ العالم يتجه نحو استهلاك اللحوم الحمراء من المراعي الطبيعية بعد أن تسبب دخول الإنسان جينياً في ظهور أمراض جديدة مثل جنون البقر وانفلونزا الطيور والخنازير وغيرها، والاستثمار في أمر هذا المشروع يعتبر من أكثرها ربحية بعد البترول ويتفوق عليه لأن عائده يعود  مباشرة إلى البسطاء في كلا الطرفين ، وهو استثمار غير معقد مثل مشروع استغلال واستخراج النفط من باطن الأرض.
أما ثروات باطن الأرض فهي مُبشرة وخصوصا في الحزام المشترك بين الطرفين وقد آتت أكلها في العقد الماضي (1998) وأسهمت بفاعلية في التوصل إلي اتفاق السلام بين الطرفين 2005م  بعد أن تأكدت الحركة الشعبية لتحرير السودان أنها يمكن أن تعتمد علي موارد النفط المستخرج في جنوب وأواسط جنوب  السودان لتطوير الجنوب وإدارته والاتجاه نحو الاستقلال في آخر المطاف،  وكانت من التعقيدات التي لا تساعد علي ديمومة السلام في السابق الدعوة إلى الإستقلال في ظل عدم وجود موارد مالية مؤكدة  لتسيير الدولة الوليدة وخصوصا أن وعوداً المجتمع الدولي بالدعم والمساندة في بعض التجارب الدولية السابقة كانت وعوداً وآهية  وغير مرجوة.
والحقيقة أن النفط مُبشر أكثر لدولة شمال السودان دون جنوبه بالرغم من تأكد وفرة احتياطي النفط في جنوب السودان حالياً وذلك لعدة اسباب من أهمها أن النفط يوجد كذلك في أراضي الشمال بكميات مشجعة كما أن السلطات استبقت كل ذلك بالاستكشاف حول تلال البحر الأحمر ووسط وشمال السودان ودارفور وكانت  الاحتياطيات مشجعة بالإضافة إلي أن أنابيب النفط ومصافيه للتصدير الخارجي والاستهلاك الداخلي كلها توجد بلا استثناء في شمال السودان ، كما أن انحدار الهضبة التدريجي من الجنوب إلي الشمال يعمل لصالح الشمال. وفي حالة حدوث منازعات مزمنة  بين الطرفين أو حتى قيام حرب جديدة  فإن نفط شمال السودان سوف يتدفق إلي الخارج وقليله ربما يكفي الاستهلاك المحلي ، أما النفط في جنوب السودان فسوف يبقى حبيس الأرض لسنوات طويلة  بسبب عدم توافر الموانيء الخارجية حاليا لأن الجنوب كما يعلم الجميع دولة حبيسة  مثلها مثل 14 دولة إفريقية أخرى تعاني من نفس المشكلة وتعاني الأمرين لتطوير اقتصادها ، ولم تتمكن من ذلك  جزئياً إلا بعد اعتمادها على دولة مجاورة تطل على العالم الخارجي ، كما أن أراضي شاسعة تفصلها عن أقرب موانيء نحو العالم الخارجي وهو ميناء ممبسا ولامو الكيني،  وهذا مهدد بعدم الاستقرار السياسي في كينيا والصراع بين الكينيين والكينيين من أصل صومالي، فالصراع  بين قبائل الكيكيو والتركانا والكلانجين من سكان الهضبة ضد سكان الوادي المتصدع  قد ظهر جليا في الانتخابات الأخيرة بحيث يجعل الشركات الدولية تفكر كثيرا قبل الإقدام علي تنفيذ هذا المشروع(5) .
أضف إلي ذلك أن نفط جنوب السودان جله حتي الآن متركز حول أراضي قبيلة النوير وهي ثاني أكبر قبيلة في جنوب السودان من حيث الحجم السكاني وقد دار بينها وبين قبيلة الدينكا (المسيطرة علي السلطة حاليا ) صراعات وحروب دموية من قبل ولا ضمان بأن مسألة إستخراج النفط من أراضي النوير وتصديره نحو الموانيء الكينية سوف  يكون سهلا علي الأقل في العقود القادمة(6).
لذلك  من المحتمل أن يهدد الجنوب كثيرا على المستوى النظري بوقف التعاون في مجال النفط مع الشمال إلا أنه لا يستطيع الإقدام علي هذه الخطوة بسهولة لأن من شأن ذلك حرمانه من أهم مورد لتسيير الدولة  وجيش الحركة الشعبية المتضخم ، ويضعه تحت رحمة الدائنين والمانحين وهذا أمر لايمكّن من إدارة الاقتصاد وربما يؤدي آخر المطاف إلي وأد مشروع الدولة الجنوبية إلى سنوات طويلة إلى الوراء ، وقد يتراجع المجتمع الدولي عن الاعتراف بدولة جنوب السودان بصورة أو بأخرى ويضمها مرة أخري للشمال بشروط فضفاضة وأقرب للكنفدرالية للتخلص من التبعات الكبيرة بقيام هذه الدولة الوليدة في قلب إفريقيا دون تجانس عرقي مشترك أو إطلالة على العالم الخارجي  أو موارد اقتصادية متاحة أو استقرار سياسي وأمني،  وربما بغرض إعاقة دولة الشمال مرة أخرى لأسباب عديدة  على رأسها الصراع بين الشمال الأوربي الغني ودول الجنوب المتأخر ووضع عراقيل أمام الإستثمار الصيني في القارة السوداء.
ومن جهة أخرى نجد أن التعاون والتنسيق بين البلدين يوفر للدولة الجديدة حماية معقولة وإستقلالية ضد الأطماع الخارجية وخصوصا من قبل جوارها الإقليمي المباشر كما في حالتي كينيا ويوغندا.
صحيح أن هاتين الدولتين قد ساعدتا دولة جنوب السودان منذ أيام الحرب ضد الدولة المركزية  بقوة ووفرتا التدريبات  العسكرية والإمدادات لجيش الحركة والعمل الدبلوماسي المناصر إلا أن فاتورة مكافئة هاتين الدولتين قد تكون باهظة على مستقبل  دولة جنوب السودان وذلك لعدة عوامل أهمها الإكتظاظ السكاني الكبير لدي هاتين الدولتين  فتعداد سكان كينيا علي سبيل المثال يتعدى الخمسة والثلاثين مليون نسمة بينما يتعدي سكان يوغندا الخمسة والعشرين مليون نسمة مع العلم أن المساحة الجغرافية للجنوب تتجاوز مساحة كينيا ويوغندا مجتمعتين وأن تعداد سكان جنوب السودان لايتجاوز  تسعة ملايين النسمة  في أعلى التقديرات.
إحصائية مثل هذه تجعل احتمالية الأطماع الإقليمية في دولة جنوب السودان كبيرة  مع العلم أن التداخل القبلي بين السكان في هذه البلاد  واسع وممتد مثل قبائل الاشولي والتبوسا والزاندي  والمورلي وبقية القبائل الاستوائية الأخرى  بالإضافة إلى المهاجرين من جنوب السودان منذ وقت مبكر إلى هذه الدول المجاورة  بسبب الحرب مما يهدد بإضافة سكان  كُثر من خارج دولة جنوب السودان  بالحق أو بالباطل مع عدم وجود وثائق وشواهد مؤسسة على تبعية هؤلاء السكان إلى أي جهة كانت ، وهذا الأمر علي المستوى البعيد يهدد القبائل النيلية الكبري مثل الدينكا والنوير والشلك بوضعها في موضع الأقليات عند وصول قبائل من أصول أجنبية   للسلطة في دولة جنوب السودان ، وقد يؤدى إلى ضم جنوب السودان أو أجزاء كبيرة منه أو تقسيمه بين كينيا ويوغندا  وأثيوبيا على المستوى المتوسط والبعيد .
وبالتالي فإن التنسيق مع شمال السودان قد يُسهم في توفير الحماية القانونية والوثائقية وبقاء السلطة في يد الجنوبيين المنحدرين من دولة جنوب السودان دون شكوك كبيرة حول هذا الأمر ، مع العلم أن أطماع الشمال في جنوب السودان إن وجدت  أقل  لعدة عوامل أهمها زُهد الشماليين في استيعاب الجنوبيين في دولة موحدة حالياً  بعد تجريب ذلك لأكثر من خمسين عاما ، كما أن الفوارق الدينية والعرقية أكبر بين الشمال والجنوب ، حيث ينتمي الجنوبيين لمجموعة القبائل الزنجية البانتوية  الخالصة بينما ينتمي الشمال في مجمله للقبائل الحامية والسامية أو الخليط بين العنصرين ، وبالتالي منع ذلك من اختلاط الأصول السكانية لأي من المجموعتين في بعضهما البعض بشكل واسع ومحسوس مع عدم الإنكار أن العقود الأخيرة شهدت خطوات واسعة في طريق الاندماج التدريجي بين الجميع، ومن ثم فإن احتمالية السيطرة على السلطة بسبب هذا التداخل العرقي آخر المطاف كما في حالة جنوب السودان مع دولتي كينيا ويوغندا  ذواتي الأصول الزنجية البانتوية غير محتمل عند مثيله في الشمال.
كما أن شمال السودان ومن خلال اتصاله المباشر مع المجتمع الجنوبي ومعرفته الوثيقة بتفاصيله  يستطيع في حالة الاستقرار والتعاون أن يتدخل بين مختلف الأطراف في جنوب السودان ويساهم في حل الإشكالات العالقة بينهما ، وهي إشكالات كبرى ويأتى على رأسها عدم وجود تاريخ لدولة مشتركة بين قبائل جنوب السودان على مدى التاريخ الإنساني المعروف، كما أن الديانات التقليدية عديدة  واللغات متعددة  ومعقدة وواسعة ولايوجد رابط بينها  مع وجود أقلية أو صفوة متنفذة في أعلى هرم السلطة تجمع ما بين الدين المسيحي والتعليم الغربي الحديث وهذه الصفوة هي من تهيمن على السلطة الآن وتقود الجنوب نحو إنشاء دولة مُوحدة .
أما بخصوص التقسيمات الإدارية والولائية وحدود القبائل المختلفة وأمكنة وجودها  في فصول العام المختلفة ونفوذها وامتدادتها فإن شمال السودان يوجد به أرشيف لا بأس به في ديوان الحكم الاتحادي ودار الوثائق القومية وله خبراء أفنوا عمرهم في هذا المجال . وخصوصا  إنشاء عشرة ولايات الأخيرة في جنوب السودان، ويستطيع أن يحل كثيراً من المشكلات العالقة، وتنبع أهمية هذا الموضوع من أنه من أكبر مهددات الدولة الوليدة  (وهو النزاع القبلي) الذي يمكن أن يسود بين القبائل المتصارعة ، وربما حتى بين القبائل الكبرى فيما بينها وبين بعضها البعض مثل قبائل الدينكا  التي تضم دينكا بحر الغزال ودينكا البحيرات ودينكا نوك ودينكا بور  ودينكا ريك ودينكا ملوال ودينكا أويل وغيرهم ، وأن أمراً مثل هذا قمين بأن يحطّم أسس الدولة الجنوبية الوليدة ويقذف بها للمجهول ويجعلها نموذجاً غير محبب للحركات الانفصالية الساعية لتحقيق دولها المستقلة ونموذجها الخاص كما حدث في جنوب السودان .


موانع ومحاذير السودان لإعادة الوحدة والاندماج :
مما لاشك فيه أن الشماليين سواء كانوا أفرادا أو مجموعات سكانية مؤثرة، أو أحزاباً سياسية وخصوصا الذين ظلوا في سدة السلطة منذ أزمنة تاريخية ماضية، وبعض القبائل التي كانت كثيرا ما تحتك وتتأثر بالحرب مع الجنوب قد لعبوا دورا ما في الوصول إلي أن ينال جنوب السودان استقلاله في آخر المطاف دون ممانعة تذكر بالرغم من سابقة هذا الأمر وشذوذه في القارة الإفريقية.
ولعل الأحزاب السياسية السودانية بمختلف توجهاتها لعبت الدور الأكثر وضوحا في هذا الاتجاه دون غيرها ، وقد ظهر ذلك جليا في محادثات فرانكفورت في عام 1992م بين القيادي الإسلامي البارز علي الحاج محمد والقيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان لام اكول اجاوين (7) ، ويرصد نفس الشيء في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في 1995 بين التجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي يضم أحزاب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي السوداني وغيرهم من الأحزاب الأخرى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان عندما تواضعوا علي منح حق تقرير المصير لجنوب السودان، بالإضافة إلي اتفاقية الخرطوم للسلام 1997 وأخيرا تفاهم مشاكوس 2002م واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا في 2005م(8) .
لكل ذلك يتضح لنا أن جماعات سياسية عدة في الشمال ومن خلفها جماهير عريضة دون شك   وافقت سلفاً علي حق تقرير المصير صاحب الاحتمال الأكبر بالانفصال ، ليثور السؤال حول دوافع بعض الأحزاب السياسية الشمالية والجماهير الشمالية العريضة  في السماح بفصل  جنوب السودان بالرغم من محاذيره والمشاكل التي يمكن أن تنتج عنه .
لعل أول الأسباب يتمثل في ميراث الصراع الطويل بين الشمال والجنوب الذي بدأ قبل أن ينال السودان استقلاله رسميا في 18 أغسطس 1955م ،  هذه الحروب الممتدة لأكثر من خمسين عاما إلا من فترات متقطعة أدت إلي حدوث دمار واسع في جنوب السودان ومعاناة اقتصادية شاملة في الشمال بالإضافة إلي ملايين الضحايا والمصابين  والمتأثرين من الطرفين.
كل ذلك أدى إلي ترحيب خفي تارة  ومعلن تارة أخرى عند الطرفين لطي العلاقة الوحدوية والاتجاه نحو الانفصال الكامل وتجريب أمر آخر يبعد الطرفين عن النزيف والمعاناة المستمرة.
الأمر الثاني الذي أدى إلى الانفصال هو قوانين الشريعة الإسلامية التي ارتضتها الأغلبية المسلمة في شمال السودان ورفض الجنوب بمختلف حركاته التاريخية سواء كانت انانيا (1) أو الحركة الشعبية لتحرير السودان وحركة إنفصال جنوب السودان لمسألة تطبيق الشريعة الإسلامية لاعتبارات مختلفة بالرغم من قبول الشماليين بتطبيق الشريعة في الشمال  فقط واستثناء الجنوب واعتبار العرف مصدرا من مصادر التشريع مع العلم بأن عدد المسلمين في السودان يتجاوزالثمانين بالمائة من السكان بمعني أن الكفة لم تكن متساوية أبدا بين عدد المسلمين والمسيحيين والوثنيين بل ربما يمثل عدد المسلمين في جنوب السودان رقماً مؤثرا كذلك ، وقد هاجمت الحركة الشعبية قوانين الشريعة بعنف وقسوة ودعت المنظمات التبشرية ودول الجوار الإفريقي والدول الأوربية وأمريكا لمناصرتها بدعوى أن الشماليين يسعون إلى تطبيق شريعة لدين محدد  مما يفرق بين أبناء الوطن الواحد ، وذهبت بعيدا في هذا الاتجاه لدرجة أن مسألة الشريعة الإسلامية أصبحت البند الأول في كل مفاوضات تعقد بين الطرفين وبسببها تنفض المفاوضات دون تحقيق نتيجة تذكر لتمسّك كلا الطرفين بموقفهما ، ومن هنا أدى ذلك الشيىء في آخر الأمر إلى انفصال جنوب السودان ، لأن الشماليين بمختلف ميولهم ( بدليل أن قوانين الشريعة التي أعلنها الرئيس جعفر نميري في سبتمبر 1983م لم يستطع حزب سياسي أو حكومة إلغاءها فيما بعد أبدا ) يرون أنهم يمكن أن يقدموا كل التنازلات الممكنة للتوصل إلى سلام ماعدا مسألة الشريعة الإسلامية لاعتبارات عقائدية مفهومة  بينما رفض الجنوبيون بمختلف أحزابهم ذلك ! وهذا أمر  فيه هضم  مريع لحقوق الأغلبية المطلقة(9) .
والموقف المتشدد من قبل قادة  الجنوبيين ضد قوانين الشريعة الإسلامية يمكن أن يؤدي حتى بعد الانفصال إلى عدم تجدد الدعوة إلى الوحدة والاندماج لو استمر الموقف الجنوبي في ثباته القديم دون أن يتّفهم أن مسألة تطبيق الشرعية الإسلامية ليست مسألة خيار للمسلمين ، وقد يؤدي أيضا إلى طرد الجنوبيين الوثنيين والمسيحيين  بأعداد  كبيرة من الشمال بعد الانفصال لأنه لا أحد  في دولة السودان يرغب في تكرار تجربة معارضة الجنوب لقوانين الشريعة في المدي المتوسط والبعيد ، ولأن وجود الجنوبيين في الشمال بأعداد كبيرة في المستقبل يمكن أن يؤدي إلى رفض هؤلاء مسالة تطبيق الشريعة الإسلامية مرة أخرى بعد أن يتم توفيق أوضاعهم سواء  بمنحهم الجنسية المزدوجة أو الحريات الأربعة أو السكوت عن أوضاع الجنوبيين في الشمال ، فعلى المستوى المتوسط والبعيد يمكن أن يتجدد الصراع  ويتدخل المجتمع الدولي لحماية الجنوبيين  هذه المرة في الشمال تحت مختلف الذرائع وعلى رأسها تطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين والوثنيين  مما يعيد تشكيل أزمة جنوب السودان في الشمال   .
ولكن إذا عالجت السلطات الحاكمة في الشمال هذه المسألة حاليا وفصلت فيها بكل حكمة وهدوء فيمكن أن يتم احتواء الأزمة  في المستقبل خصوصا وأن المصوتين لصالح الانفصال أكثر من تسعين في المائة من أعداد الجنوبيين (بحسب نتيجة الاستفتاء)  مما يضعف أي حجة  بالانتماء إلى الشمال  أو ارتفاع بعض الأصوات بمراعاة الذين صوتوا لصالح الوحدة ، وهذا الأمر يسهّل تجاوز مسالة الجنسية المزدوجة وبقاء الجنوبيين في الشمال.
اما السبب الثالث الذي أدى إلى موافقة بعض الشماليين على منح الجنوب حق تقرير المصير وربما بصورة غير محسوسة فيتمثل في بوادر نجاح مشروع السودان الجديد الذي دعا  إليه الدكتور جون قرنق ، حيث ينادي هذا المشروع بإقامة تحالف واسع بين العناصر غير العربية في السودان مثل الجنوبيين والنوبة والبجا وبعض الدارفوريين  من الفور والزغاوة والمساليت والبرتي وغيرهم ونوبا شمال السودان من السكوت والمحس وإضرابهم  ضد القبائل العربية في شمال ووسط وجنوب أواسط السودان باعتبار أن القبائل غير العربية تشكل الأغلبية في السودان  بينما  تسيطر القبائل العربية على السلطة والثروة وتهيمن على الآخرين بحسب مشروع السودان الجديد ،  بالرغم من أن الجماعات غير العربية لايربط بينها رابط  كبير بقدر ما يربطها رابط وثيق بالقبائل العربية متمثلاً في الدين الإسلامي واللغة العربية  والتعايش والتداخل المشترك لقرون طويلة ، بل وانصهار جماعات سكانية عربية وغيرعربية مع بعضها البعض  كما في حالة شمال السودان والحزام الذي يقطنه عرب البقارة في جنوب أواسط السودان(10).
إلا أن الإغراءات السلطوية والمنافسة السياسية والرغبة في الحكم والمال والهيمنة  دفعت بالقليل من أبناء القبائل غير العربية وخصوصا في جبال النوبة ودارفور وجنوب النيل الأزرق إلى الالتحاق بمشروع السودان الجديد ، وبالطبع لا يمكن رمي اللوم كله على هذه الجماعات .. حيث لايخلو الشمال من تحيزات عرقية وثقافية ضد هذه المجموعات ورغبة خفية عند البعض في إقصائها عن السلطة والحكم  بيد أن إحساس الأمة الواحدة أخذ يتبلور في البلاد  .
ومع تزايد نفوذ مشروع السودان الجديد بتحريكه للغرائز العرقية وبدعم غربي إسرائيلي كنسي واضح وشعور جماعات عرقية واسعة بالشمال والأواسط باستهداف هذا المشروع لهم بالرغم من التطمينات التي حاولت الحركة الشعبية بثها إلا أنها فضّلت انفصال جنوب السودان  ودعم هذا الخيار ولو سكوتياً ، وإبعاد الجنوبيين الذين يشكلون أكثر من ربع سكان السودان ، ومن ثم  التفاهم مع الجماعات السكانية التي كانت متحالفة  أو متعاطفة مع الحركة الشعبية ومحاولة تطويعها علي أسسس جديدة .. يأتي على رأسها ربما منحها حكماً ذاتياً وإيرادات مالية ثابتة لتطوير ذاتها والاعتراف بثقافتها المحلية وتطويرها مع الفصل التام بينها وبين دولة جنوب السودان  لكي لا تعمل كمخلب قط لها ثم بعض الضغوط   الأخرى إذا لم تفد هذه المحاولات.

دوافع  الدولة الجنوبية  للتصعيد مع الشمال
لعل من أهم احتمالات تجدد النزاع بين الشمال والجنوب بعد الاستقلال ربما بسبب الدوافع النفسية والتاريخية وبسبب ميراث الحرب بين الطرفين والتي استمرت لعقود متطاولة وسمحت لكلا الاتجاهين وخصوصا الجنوبيين والحركة الشعبية لتحرير السودان ببناء شخصية وطنية (إلى درجة ما) مستمدة  من رفضها وحربها ضد الشمال ، وهذا الرابط ربما كان الوحيد  الذي جمع بين الجنوبيين المختلفين في كل شي تقريبا سوى السعى للاستقلال عن الشمال وتكوين دولة جنوبية .
وتجدّد العداء مع الشمال يعمل على صرف  البعض  عن  تناقضات الداخل والقضايا  الحقيقية في جنوب السودان وعلى رأسها التنمية وتوزيع السلطة والثروة ومكافحة الفساد وغيرها من قضايا ، كما أن المجتمع الدولي أو بعضا منه قد يجد نفسه متعاطفا  مع الجنوب ضد تدخل الشمال في شؤون الدولة الجديدة حيث يقوم تلقائياً بتصديق مختلف الدعاوى من الدولة الجديدة بغض النظر عن صحتها أو بطلانها ، وهذا الأمر ينبع من تجارب التاريخ التي بينت أن الدول المنفصلة عن بعضها البعض ربما تستمر في حالة عداء حتى بعد تصفية القضايا العالقة بين البلدين لأنهما يعتقدان أن الآخر ربما يمثل عامل تهديد محتملاً ، وأن تقدم وتطور إي دولة لابد وأن يأتي علي حساب الآخر ، كما أن مثل هذه الادعاءات من السهل أن تحشد من خلفها الأنصار المتأهبين أصلاً لذلك انظر إلي نموذج الهند وباكستان وكوريا الشمالية والجنوبية .
أضف إلى ذلك أن حالة العداء وعدم التوافق تجاه الشمال يوفر لدولة جنوب السودان مبررات داعمة لبعض القوى  السياسية والعرقية في الشمال مثل مجموعات سكانية في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور ، ويوضّح لها بأن الحركة الشعبية لم تتخلّ  عنها كما يعتقد البعض، (علي وجه الخصوص في هذه المناطق تحديداً أثر اتفاقية السلام الشامل في 2005م) ، وأن مسالة استقلال الجنوب مرحلة سوف تعقبها مراحل أخرى في النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور وبقية  أنحاء السودان ، وربما تحقيق مشروع السودان الجديد ولكن بوسائل أخرى متجزئة عِوضاً عن أن تكون شاملة  كما كان يظنها مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان ، وهذا الأمر يوفّر للحركة نقاط قوة ومكاسباً في الشمال بحيث لايستطيع الشمال أن يؤثر على مكونات جنوب السودان الداخلية مثل بعض مسلمي الجنوب  أو المليشيات العسكرية الجنوبية التي طالما تحالفت مع  الشمال ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان  ، أو حتى محاولة التحالف مع بعض قبائل جنوب السودان الثانوية مثل القبائل الاستوائية ضد بعضها  المسيطر على السلطة والثروة  من القبائل النيلية الكبرى لانشغاله بإطفاء النيران داخل حظيرته.
كما أننا يجب أن لا ننسي أن التجارب قد علّمت قيادات الحركة الشعبية   أن الضغوط والتصعيد المتواصل ضد حكومة المؤتمر الوطني قمين بأن يحقق للحركة مطالبها عوضا عن المفاوضات السلمية ، ولعل الحركة لم تستطع أن تصل إلي تحقيق طموحها في حق تقرير المصير دون الحركات الانفصالية الأخرى في القارة الإفريقية  إلا بعد تصعيد وضغوط هائلة على الحكومة السودانية هدّدت بتغيير وجه السودان القديم وتحطيمه تحطيما تاماً مما ساعد جزئيا على منح الجنوب حق تقرير المصير باعتبار أن ذلك أهون الشرين ، ولقد رأينا مثل هذه الضغوط في الفترة الانتقالية 2005م – 2010م  للاستفراد بالسلطة الكاملة في جنوب السودان ، وثلث السلطة والوظائف السيادية في الشمال مع الانضمام للمعارضة الشمالية وتبني أجندتها المختلفة ، أضف إلى ذلك تمرير قانون الاستفتاء باغلبية 50+1 من عدد المسجلين مهما كان حجم تسجيلهم،  ولا ننسى أن مفاوضاتها حول المناطق الثلاثة  هي أصلا خارج خط حدود 1/1/1956م  المتفق عليه في تفاهم مشاكوس الأول في 2002م، لذلك ليس من المستغرب أن تفضل الحركة الشعبية الاستمرار في نهجها القديم  في التصعيد المستمر  للحصول على مكاسب في مسألة الحدود وخصوصا ابيي وبقية القضايا المتنازع عليها  بما فيها قضايا الديون والجنسية والأصول وغيرها   .
وينبع تخوف المؤتمر الوطني من التصعيد ضد الحركة الشعبية إلى عدة أسباب لعل من أهمها عدم الرغبة في الدخول فى  صراعات جديدة مع المجتمع الدولي وخصوصا وأن أزمة دارفور لم يتم حسمها أو تجاوزها ، وأن الحركة الشعبية لها متعاطفون كُثر في إفريقيا وأوربا والولايات المتحدة وغيرها ، كما أن جماعات الضغط المتحالفة معها تستطيع أن تجبر الحكومات الغربية (كما رأينا كثيراً ) بتغيير مواقفها ضد الحكومة السودانية حتي لو رغبت في غير ذلك نتيجة للمعطيات الشائهة التي رُسمت علي أرض الواقع بصبر وإتقان والتي استمرت سنوات عبر التشهير الإعلامي لصورة السودان الخارجية .
كما أن الحكومة السودانية لا ترغب أيضا في التصعيد مع الحركة الشعبية نتيجة لدوافع ذاتية  أهمها اعتبار أن حل مشكلة جنوب السودان والتوصل إلى اتفاقية سلام دائمة حتي لو أدى  إلى فصل جنوب السودان من أكبر إنجازاتها في الحكم، وأنها يمكن أن تتغلب علي مسألة الإنفصال بتنمية الشمال بمعزل عن الجنوب ومشاكله المعقدة  وتطبيق الشريعة الإسلامية ،ومن ثم ربما التأثير مرة أخرى في مكونات الدولة الجديدة بعد أن تزول حالات العداء والحرب والمرارات القديمة ويتبين للجنوبيين أن الوحدة ممكنة مرة أخري مع الشمال وخصوصا وأن مفتاح تطور الجنوب وإطلالته على العالم الخارجي لايمكن أن تنجح ما لم تكن هناك علاقات وثيقة مع الشمال ، وهذا الاتجاه له وقته المناسب في عُرف السلطة الحاكمة، ولعل هذا الاتجاه يتناقض مع إتجاه بعض قادة الحركة الشعبية المتنفذين الذين يرون أن حسم الأمر مع  حكومة المؤتمر الوطني يجب أن يكون سريعا ويستثمر في حالة المرارات القديمة وعلو صوت الهامش والصراع في مناطقه الملتهبة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشمال  الأقصى والشرق كذلك بعد أن تدهورت أحوالهم الاقتصادية والمعيشية نتيجة لخسران نصف نفط الجنوب! ، وأن أي تأخير في هذا الأمر سوف يسمح لحكومة الخرطوم ( حكومة المؤتمر الوطني بالتحديد ) بأن تحلحل بعض مشاكلها الداخلية والاقتصادية وأن تتصالح مع المجتمع الدولي ودول الجوار الإقليمي ومن ثم محاولة الاتحاد أو التنسيق الوثيق مع مكونات الجنوب بعد أن يكون قد ضاق ذرعاً بهيمنة مجموعة واحدة على السلطة  والثروة ، وظهور دعاوى كثيرة بالفساد والغبن  القبلي ، وفقدان الاهتمام الدولي بالدولة الجديدة ، مع عدم الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة وغيرها من قضايا ملحة في أسوأ الظروف كما حدث لكثير من الدول الإفريقية المستقلة حديثا  في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، بيد أن الجنوب قد يستطيع أن يتجاوز ذلك السيناريو بطلب الخبرة من الآخرين ومحاربة الفساد والقمع وقسمة الثروة والسلطة على أحسن وجه بمساعدة الخبراء الأجانب وأّلا يكرر تجارب الدول الإفريقية الفاشلة، إلا أنه سوف يجد صعوبات اقتصادية من دون تعاون وثيق مع الشمال وخصوصا في مجال النقل والنفط والتبادل التجاري   .
أضف إلي ذلك أن حكومة المؤتمر الوطني  تقدر أن  تصعيدها  ضد حكومة جنوب السودان قد ينعكس ذلك خصما عليها من خلال إثبات الادعاءات التي ظلت تنادي بها الحركة الشعبية بعدائية حكومة الخرطوم ورغبتها المبيتة في إفشال الدولة الوليدة ، كما أن جماعات سكانية مثل المسلمين وبعض قادة المليشيات السابقين وبعض القبائل قد يكونون أكثر بُعدا عنها في حالة زيادة حدة التوتر بين الحكومتين  ، كما أن التعاون في مجال النفط قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة للطرفين في حالة تجدد النزاع والتوتر الشديد بين الدولتين مع العلم أن مسالة النفط في صالح حكومة الشمال كما ذكرنا من قبل  من خلال عوامل النقل والخبرة والبنية التحتية وحتي الوضع التضاريسي الذي يجعل الانحدار من الجنوب إلي الشمال أكثر سلاسة نحو الخارج ، وذلك أفضل جدا  من اتجاه مد أنابيب جديدة إلي كينيا ضد الوضع التضاريسي العام حيث يجد النفط صعوبة في الانحدار من المنطقة المنخفضة إلى العليا في هضبة البحيرات العظمي .
بيد أن ذلك  لايمنع من محاولة بعض المتنفذين  عن العمل بمعزل عن الشمال  في نقل النفط إلى كينيا في حالة التوتر الشديد أو الحرب وربما إيقافه نهائيا نكاية في الشمال بالرغم من أن خسائر الجنوب قد  يكون لا حدود لها في هذا  لو اتخذت مثل هذا الاتجاه بيد أن للحرب نزواتها الخاصة ودوافعها النفسية ولا ننسى أيضا أن الشركات العالمية الكبرى إذا اقتنعت بجدوى إستخراج النفط من الجنوب تستطيع أن تزلل العقبات بواسطة التكنولوجيا الحديثة وتمد انبوباً نحو كينيا!! .
إضف إلي ذلك أن الحركة الشعبية لتحرير السودان   تجد نفسها أكثر اتساقا مع محيطها المجاور في حالة  قيام علاقات  عدائية مع حكومة المؤتمر الوطني في شمال السودان وذلك لأنها أنبتت تحالفا استراتيجيا مع قوى مختلفة لايمكن أن  تحقق أهدافها إلا بمعاداة الشمال أو أن يتغير الشمال في اتجاه أجندة هذه الدول والجماعات الخارجية ،ولعل مسألة التطبيع مع إسرائيل تأتي في مقدمة أوليات الجنوب، وهي حليف مهم للحركة الشعبية كما هو معروف ، وأن هذا الأمر يؤرقها بشدة لأن السودان الدولة الوحيدة في مجموعة  حوض النيل الذي لاتوجد له علاقات دبلوماسية أو علاقة من أي نوع مع إسرائيل ، وأنها تعرف أن الدعم الذي حصلت عليه من إسرائيل في الماضي لتركيع وتحطيم السودان وربما كان أكبر من الرغبة في رعاية دولة جنوب السودان بسبب مواقف السودان المختلفة من إسرائيل !، كما أن الاسرائيليين يتهمون السودان بالتحالف مع ايران وحركة حماس الإسلامية، وبتسليح إسلاميي قطاع غزة، أضف إلى ذلك الدعم المعنوي والإعلامي والاقتصادي للفلسطينيين المناوئين لدعاة التطبيع والسلام مع إسرائيل ، لذلك لايسرها أن تكون هناك علاقات طبيعية بين الشمال والجنوب في ظل موقف الحكومة السودانية الحالية دعك عن محاولة التفاهم حول مياه النيل وغيرها من قضايا اقتصاديا  تريد إسرائيل طرحها ، كما أن الزمن لايلعب في صالح إسرائيل بعد تفجرّ الثورات العربية .
ومن جهة أخرى تجد كينيا ويوغندا  نفسيهما في حالة عداء خفي مع الشمال في عدة قضايا أبرزها حول مسألة المياه والمد الإسلامي والاستفراد بدولة جنوب السودان الوليدة اقتصاديا وتجاريا وأمنيا حتى تعوّضا استثماراتهما الكبيرة في حرب جنوب السودان،  وأن هذا الأمر لايمكن أن يتحقق ما لم تكن هناك حالة عداء مع الدولة الأم القديمة التي تستطيع أن تعّدل من ميزان القوة والنفوذ الإقليمي لصالح دولة الجنوب ، وان تجعل من الدولة الجنوبية الجديدة أكثر تحررا وممانعة في تعاملها مع جوارها الإقليمي الطامع في خيراتها الوفيرة .
نتائج الدراسة :
1-    أفضل استراتيجية يمكن أن يعمل بها الشمال تجاه الدولة الجديدة هو تقليل التوتر إلى أقصى مدى ممكن .
2-     أن بعض القيادات في الحركة الشعبية قد بنت زعامتها على حساب العداء للشمال ، كما أن بعض الدول المجاورة للجنوب  ترغب في الاستفراد بالدولة الجديدة حتى تجني بعض ثمار استثماراتها في الحركة الشعبية والحرب في جنوب السودان،
3-    أن هناك  البعض في الدولة الوليدة يعتقد أن العداء للشمال  يمكن أن يزيد من صلابة جنوب السودان ويزيد من تماسكه الداخلي.
4-      على المستوى المتوسط والبعيد سوف تبرهن الأيام في حالة عدم استجابة الشمال لدواعي الحرب والتصعيد مع الجنوب أن الشمال خير حليف للدولة الجديدة
5-     أن الروابط الاقتصادية في المقام الأول والعلاقات الاجتماعية والتفاهمات التي بُنْيت في الماضي يمكن أن تشكل أفضل عوامل  للتعاون المشترك .
توصيات الدراسة :
1-    العمل علي حل الخلافات العالقة بين الدولتين ، خاصة قضايا الحدود والبترول عبر المفاوضات .
2-    تجاوز جميع الاستفزازات التي يمكن أن تحدث من الدولة الجنوبية  واعتبار ذلك أمرا طبيعيا نتيجة لميراث الحروب الطويلة .
3-    التعامل مع سكان دولة جنوب السودان في الشمال كحلفاء في المستقبل المتوسط والبعيد عبر تقديم كافة التسهيلات لهم  لحين استقرار وضعهم في دولتهم الجديدة .
4-    وضع دراسات معمقة حول كيفية خسارة الإقليم الجنوبي ومن ثم وضع إستراتيجية قرنية لإعادة الوحدة والإندماج .

هوامش ومراجع  :
1-    محمد إبراهيم شطة ، المنظور الاستراتيجي لتامين حدود السودان الجنوبية ، مقال منشور بمجلة الاستراتيجية والامن الوطني ، تصدر عن أكاديمية الأمن العليا، الخرطوم 2011م ، العدد الخامس ، ص ص 53- 78.
2-    منصور خالد ، السودان أهوال الحرب .. وطموحات السلام – قصة بلدين ، دار تراث ، لندن 2003م ، ص 195.
3-    د. سراج الدين عبدالغفار عمر ، جنوب السودان خيارات الوحدة والانفصال في الفترة 1995م . 2002م ، بدون دار نشر ،بدون تاريخ ، الخرطوم ص 195.
4-    محمد عبدالغني سعودي ، السودان ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، بدون تاريخ ، ص 197.
5-    د. تاج السر أحمد حران ، الأقلية المسلمة في كينيا ، إصدار جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض 1420هـ ، ص 129.
6-    أروب مادوت أروب ، السودان ، الطريق الشاق للسلام ، ترجمة محمد علي جادين، دار مدارات للطباعة والنشر، الخرطوم 2009، 233.
7-    د. بهاء الدين مكاوي ، تسوية النزاعات في السودان ، نيفاشا نموذجا ، إصدار مركز الراصد للدراسات ، الخرطوم 2003م، ص 294 .
8-    التجاني الطيب بابكر ، البحث عن السلام في السودان ، الشركة العالمية للطباعة والنشر ، السودان 2005م ، ص 193.
9-    د. المكاشفي طه الكباشي، تطبيق الشريعة في السودان بين الحقيقة والإثارة ، الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة ، 1986م ، ص 130.
10-    صلاح الدين علي الشامي ، السودان ، دراسة جغرافية ، منشأة المعارف بالاسكندرية ، مصر ، بدون تاريخ ص 327 .

Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]