بسم الله الرحمن الرحيم




د. المعتصم أحمد علي الأمين

أثر التدخلات الليبية في العلاقات السودانية التشادية

1990- 2011م


د. المعتصم أحمد علي الأمين(*)

مقدمة:
شهدت العلاقات السودانية التشادية فترة استقرار طويلة من العام 1990 وحتي العام 2000 إي حوالي عقد من الزمان بسبب العلاقات المتينة بين النظام السياسي في كلا البلدين .
ولقد استفاد كلا النظامين من فترة الاستقرار الطويلة  هذه في توطيد دعائم حكومتيهما الداخلية والتفرغ للتحديات الأخري مثل الاقتصاد ومواجهة مطلوبات المجتمع الدولي أو إدارة الصراع في جهات أخري من البلاد مع المعارضين الذين يحملون السلاح أو يحاولون استعادة حكمهم مرة أخري بعد أن طردوا من السلطة بواسطة السلطة الحالية في كلا البلدين  (1) .
فعلي سبيل المثال إستفادت الحكومة السودانية من توفر الأمن نسبياً في إقليم دارفور  إلا من مواجهات قبلية محدودة ذات طابع تقليدي يحدث في الغالب الأعم بسبب الاحتكاك بين المزارعين والرعاة في فصول الجفاف الطويلة التي أصابت الاقليم منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين.
والأهم من ذلك أن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق لم تستطيع اختراق حزام القبائل العربية الكثيف في جنوب دارفور مثل الرزيقات والتعايشة والسلمات والحمر والمعاليا والهبانية للوصول إلي مناطق وسط وشمال وغرب دارفور للتحالف مع القبائل ذات الأصول الإفريقية والحامية الخالصة لتحقيق رؤية السودان الجديد بحسب الدكتور جون قرنق (2) .
والاختراق الوحيد الذي حدث لهذه القاعدة جاء مع حركة داؤود يحيي بولاد في بدايات تسعينيات القرن الماضي وأجهضت في مكانها مما عمل على تشكيل تحالف متين بين السلطات السودانية وبعض قبائل المنطقة في دارفور.
وإستفادت كذلك الحكومة التشادية من فترة الاستقرار في  منع الحركات المعارضة في شرق تشاد من الزحف نحو العاصمة أنجمينا والوصول إلي السلطة كما حدث من قبل مع الرئيس إدريس دبي والرئيس حسين هبري ،حيث عملت السلطات السودانية على منع  تجمع المعارضة في حدود السودان الغربية مما قطع كل أمل لهذه المعارضة المسلحة بتشكيل تهديد للحكومة التشادية .
والامر الآخر الذي صبّ في صالح إستقرار تشاد هو أن السلطات السودانية وضعت تسهيلات كبيرة لصالح التشاديين في ميناء بورتسودان البحري مما أنعش الاقتصاد التشادي الذي ظل يعاني من أنغلاق دولة تشاد علي الأراضي الداخلية للقارة وعدم اطلالها علي البحار الخارجية ، وقد أدي ذلك إلي غلاء في مستوي المعيشة بسبب صعوبة وصول السلع إلي الاسواق التشادية وكان ذلك أحد اسباب التغيير المستمر في أنجمينا  كما أن البنك الزراعي السوداني لعب دورا في التنمية كذلك في تشاد.
ولقد استفاد من أمر التسهيلات الاقتصادية هذه علي وجه الخصوص قبائل الزغاوة وحلفاءها لعدة أسباب  لعل من أهمها هيمنتهم على السلطة بالكامل في تشاد وإمتداداتهم داخل الأراضي السودانية مما سمح لهم بتنظيم نشاط اقتصادي واسع يمتد من ميناء بورتسودان في أقصي شرق السودان إلي مدينة أنجمينا في أقصي الحدود الغربية لتشاد ، كما إمتد نشاطهم التجاري كذلك إلي ليبيا بسبب التداخل القبلي ، وإلي جمهورية إفريقيا الوسطي كذلك ، مما ولدّ إمبراطورية اقتصادية واسعة الارجاء تكاد تهيمن علي اقتصاد المنطقة بالكامل ، كما أن معرفتهم القديمة بالتجارة وبطرقها الصحراوية المختلفة وتضامنهم الفطري  مع بعضهم البعض عمل علي زيادة نفوذهم السياسي والاقتصادي (3) .
والأمر الآخر الذي أدي إلي توسع نفوذ قبائل الزغاوة علاقتهم القديمة مع التيار الإسلامي في السودان وعلي رأسه الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابي والتي يؤرخ لها ربما منذ تحالف الجبهة الوطنية المتحدة في العام 1976م ثم ما لبث أن توطدت هذه المعرفة مع المصالحة مع الرئيس جعفر نميري في 1977م وإزدادت مع وصول الإسلاميين إلي السلطة في العام 1989م وكان من ضمن هؤلاء الإسلاميين  وجود وآسع من أبناء القبائل الحدودية في قلب السلطة الإسلامية الجديدة حيث استطاعوا أن يشكلوا مركز ثقل في القرار السياسي السوداني بالإضافة إلي تنفّذهم في  إدارة إقليم دارفور ، كما أن العديد من الشخصيات البارزة سياسيا في مجلس قيادة الثورة أو الوزارات المختلفة كانت تنتمي لمجموعة قبائل الزغاوة أو تحسب ضمن حلفاءهم المقربين .
وفيما يبدو أن السلطات السودانية رأت أن اعتمادها علي القبائل العربية وخصوصا في جنوب دارفور قد يثير حساسيات في المنطقة لذلك من الأفضل أن تزيد من تحالفاتها مع القبائل الدارفورية  ذات الاصول الإفريقية الخالصة فكانت قبائل الزغاوة لاعتبارات النفوذ الاقتصادي والتوازن السياسي وخصوصا في دولة تشاد المجاورة .
العامل الليبي في الداخل السوداني :
مع مجيء ثورة الإنقاذ الوطني للحكم في السودان 1989م توجّست الجماهيرية الليبية منها بسبب علاقة الإسلاميين بها بالرغم من محاولات إخفاء هذا الامر إلا أنه كان أكبر من أن يُخفي على أجهزة الاستخبارات الليبية ، ومن المعروف أن العقيد القذافي يعتبر الإسلاميين والحركات الإسلامية من أكبر مهددات نظامه . وظل علي الدوام يتوجس منهم خيفة ، وقد ازدادت المخاوف  بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة  ضده في بدايات ثمانينات القرن الماضي والتي عُرفت بباب العزيزية حين أتهم الإسلاميين بأنهم من دبر هذا الامر واعد له .
بيد أن مسارعة السلطة السودانية إلي الإتصال بالجماهيرية الليبية في أعلي المستويات السياسية وشرح دوافع التغيير الذي حدث وتبني فكرة اللجان الشعبية ونظام المؤتمرات السياسية حال دون حدوث مواجهة مباشرة مع العقيد القذافي، والذي فيما يبدو كان ايضا على خلاف مستتر مع نظام الحكم الديمقراطي في السودان ( 1986- 1989م)  بالرغم من أن رئيس  الوزراء السيد الصادق المهدي كان من أكثر السودانيين قرباً منه ، بيد أنه خشي كما خشيت أنظمة كثيرة في المنطقة أن تسود فكرة التحول الديمقراطي المنطقة فيجد نفسه في مواجهة مع شعبه بسبب هذا الأمر.
والأمر الأخر الذي حّد من الصدام كذلك هو مساندة الحكومة السودانية للتغيير في تشاد بإرادة ليبية في بداية تسعينيات  القرن العشرين ( 1990)  (بغض الطرف على الأقل لتجمعات المعارضة التشادية في غرب السودان ) وبذلك تخلص العقيد القذافي من أكبر تحدي له في جنوبه المباشر من خلال ابعاد الرئيس حسين هبري من السلطة في تشاد ووضع حلفاءه الجدد ممثلين في السيد إدريس دبي وقبيلته في سدة السلطة في انجمينا بعد حروب  دامية بين الطرفين(4).
ومما لاشك فيه أن هذه الخطوة عملت علي توطيد العلاقات  اكثر بين السودان وليبيا وإنعكس ذلك في الدعم المقدر من قبل القذافي للحكومة السودانية وخصوصا  في سلعة البترول مما سد حاجة ماسة لدي الحكومة السودانية ولولاها لواجهت مصاعب جمة بعد موقفها من غزو العراق للكويت الذي أغضب منها المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي الداعم التقليدي للحكومات السودانية االمتعاقبة (5) .
والأمر الثالث الذي حد من تفّجر الخلافات بين البلدين هو مشكلات العقيد القذافي مع المجتمع الدولي وخصوصا مع أمريكا وفرض حظر جوي بعد تفجير طائرتي بان أمريكان في قرية لوكربي ببريطانيا والطائرة الفرنسية في النيجر واتهام المخابرات الليبية بتنفيذ هذا الاعتداء ردا علي القارة الأمريكية علي ليبيا في 1988م  ، ثم تطور هذا الأمر حتي وصوله لمرحلة فرض حظر جوي واقتصادي علي الجماهيرية الليبية من قبل مجلس الأمن الدولي .
وفي هذه الفترة تحديدا 1992 شهد السودان إنبعاث الروح الإسلامية بأكثر من سابقتها واستضافة التنظيمات الإسلامية الجهادية بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري واضرابهما (6) ، كما اصبحت الحرب في جنوب السودان تدار تحت شعارات إسلامية شديدة الوضوح للإعلام والمراقبين الخارجين ، وربما يرجع هذا الامر جزئياً  إلي الاستفزازات الشديدة من قبل الإعلام المصري والعربي للنظام السوداني بعد ما توهمه البعض من انحياز  السودان للعراق بعد غزوه للكويت في  2 أغسطس 1990م، حيث وجد السودان نفسه معزولا في محيطه الخارجي والعربي وربما اعتقد البعض داخل السودان أن إستضافة الإسلاميين يمكن أن تشكل عامل ضغط ضد الدول العربية لوقف تهجماتها  العنيفة علي السودان ، وربما اعتقد البعض الآخر أن الإسلاميين ربما يقوموا بتمويل مشاريع تنمية كذلك وخصوصا الرافضين منهم طريقة تعاطي النظام السعودي للامر بخصوص إستدعاء قوات أمريكية للمنطقة أبان الوجود العراقي داخل الكويت ، وربما ظن البعض الآخر أن وجود الإسلاميين المتشددين  ربما يشكل عامل ضغط على الدول الغربية للتفاهم في وقف الحرب المستعرة في جنوب السودان ، وأن النظام لم يتخذ خطوة إيواء الإسلاميين المتشددين إلا يائسا من العالم الخارجي الذي نبذهم  وإنه مستعد بمبادلتهم عند اللحظة المناسبة من خلال رفع الحظر الاقتصادي عن البلاد ووقف الحرب في جنوب السودان ، وقد حدث هذا الأمر فعلياً عندما سلّمت السلطات السودانية الأرهابي كارلوس إلي السلطات الفرنسية ودعت الحكومة السعودية لتسلم  الشيخ اسامة بن لادن 1996م  لولا رفض السعوديين لذلك.
أما فيما يتعلق بليبيا فمما لاشك فيه أن العقيد القذافي كان يتابع التطورات الأخيرة في السودان  بدقة شديدة وخصوصا الإعلان الصريح لإسلامية الدولة وإعلان الجهاد في جنوب السودان ، وبالرغم من الحصار الدولي المفروض عليه إلا أنه كان يمتلك مقومات كثيرة لزعزعة استقرار السودان وأولها المليارات الكثيرة التي كدسها نظامه في السنوات الماضية في مختلف المخابيء المحتملة ، وهذه الأموال الطائلة لوحدها تستطيع أن تزعزع الاستقرار في السودان بدعم المعارضة المدنية والمسلحة مثلاً وخصوصا وأن النظام الليبي كان يمتلك صداقات وطيدة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وكان من أوائل الداعمين لها  أبان نظام الرئيس جعفر نميري حتى  أبريل 1985م ، كما يمتلك علاقات أوثق مع حزب الأمة القومي والحزب الإتحادي الديمقراطي كذلك .
والأمر الآخر الذي زاد من جسارة وفاعلية تدخل النظام الليبي في السودان هو استقلال اريتريا  1993م ووصول نظام شبيه بنظام العقيد القذافي للسلطة  بقيادة أسياس أفورقي حيث يكره كلا النظامين الحركات الاصولية ويري أنها الخطر الماحق ضد نظاميهما ، وكذلك يتميز بقدر كبير من الديكتاتورية وتسلط الافراد في حكم كلا النظامين ، كما أنهما  لديهما نفس الافكار حول رفض الهيمنة الخارجية من أي جهة كانت ( في بداية أمرهما ) مع اتجاهات اشتراكية رقيقة تحاول أن تزين كلا النظاميين، مع وجود اتجاه قوي نحو التسلح وبناء ترسانة هائلة تأتي قبل رفاهية الشعب وتقدمه.
لذلك تم تشكيل تحالف متين  بين النظام الليبي والإريتري ولم تكن مصر بعيدة عن هذا التحالف للوقوف ضد  الأصوليين في المنطقة وعلي رأسهم الحكومة السودانية .
بيد أن ذلك التحالف يومئذٍ لم يستطيع أن يكون فعالا ضد الحكومة السودانية بفعل فهم السودانيين للعقلية السياسية التي كانت تدير ليبيا والممثلة في العقيد القذافي الذي كان يستجيب لأي عملية استفزاز ولو كانت من صحيفة مغمورة في بلاد بعيدة ويحاول أن ينال منها حتي لو كلف ذلك ثروات طائلة ، لذلك تعاملت السلطات السودانية مع القذافي بطريقة  لا تدفع به لأي استفزاز محتمل وعملت  الزيارات المتواصلة لطرابلس الغرب  من قبل المسؤولين السودانيين  وشرح التطورات السياسية له أول بأول ومحاولة بذل المستحيل من أجل عدم اغضابه أو استفزازه +واشعاره بأنه جزء أصيل من مفتاح استقرار السودان وانه يمتلك نفوذا لايدانيه نفوذ آخر وأن توجهاته مجابة  مهما تكن حتي لو كان ذلك هدم سجن كوبر وإخراج المساجين مثلما حدث في طرابلس وغيرها من مدن ليبية .
أما فيما يختص بالسلطات الإريترية فإن ضعف اقتصادها وحروبها ضد اليمن وإثيوبيا فيما بعد وإغضابها للإتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية  تكفل بأن يكون تأثيرها علي السودان محدودا بالرغم من محاولاتها المستمرة  لجعل أراضيها منطلقا للمعارضة المسلحة سواء كانت للتجمع الوطني الديمقراطي أو الحركة الشعبية لتحرير السودان أو التحالف السوداني بقيادة العميد عبدالعزيز خالد أو حتي ثوار ومتمردي دارفور فيما بعد(7) .
أما فيما يختص بمصر وعلي الرغم من خلافها الكبير مع الحكومة السودانية إلا أنها حافظت علي شعرة معاوية مع السودان بسبب مياه النيل وعدم اعطاء إثيوبيا أي زريعة لتشكيل تحالف في حوض النيل الازرق ضدها وهو الحوض الذي يمد مصر بأكثر من 85% من نصيبها من  المياه .
كما أن مصر كانت متشككة في رغبة جنوبيي السودان في الوصول إلي السلطة وكيفية تعاملهم مع العناصر الأخري المناهضة لهم وخصوصا العرب عبر برنامج الدكتور جون قرنق الموسوم بمشروع  السودان الجديد . وهم حلفاء طبيعيون لمصر بحكم اللغة والدين والثقافة والميول والإتجاهات.
استقرار العلاقات السودانية التشادية في عالم مضطرب:
تمّيزت العلاقات السودانية التشادية بالاستقرار كما ذكرنا من قبل طوال حقبة التسعينيات من القرن الماضي ، وربما يرجع الأمر إلي أن مسالة الاصولية لم تكن ذات اهتمام وخطر من قبل التشاديين على عكس الليبيين والمصريين والإريتريين ، ويرجع ذلك الامر إلي أن المسألة الإسلاميية في تشاد كانت حاضرة من خلال اعتبار التشاديين الشماليين المهيمنين علي السلطة بأنهم تكتل قبائل إسلامية ضد المجموعات الزنجية والوثنية في جنوب تشاد ، والتي حاول الاستعمار الفرنسي أن يضعها في سُدة السلطة عند هيمنته علي تشاد بدليل أنه وضع رئيس مسيحي جنوبي قبيل رحيله وهو الرئيس فرانسوا تمبلباي لذلك اعتبرت الميول الإسلامية ربما بوعي أو بغيره جزءا من قوة القبائل الشمالية ضد المسيحيين والوثنيين في الجنوب ، بالرغم من أن الحروب الدامية حدثت فيما بعد بين الشماليين أنفسهم  ممثلين في قبائل القرعان وحلفاءهم الداعمة للرئيس حسين هبري وقبائل الزغاوة  وحلفاءهم الداعمة للرئيس إدريس دبي ، بيد أن إنطواء الجنوبيين المتعلمين علي أمر ربما زاد من شكوك الشماليين فيهم ، ويمكن فهم ذلك في ترك الجنوبيين القبائل الشمالية تتصارع مع بعضها البعض طويلا لحين إضعاف كل الأطراف  الشمالية مما يسمح بعودة هيمنة الجنوبيين من قبائل السارا وحلفاءهم بالرغم من أنهم يشكلون اقل من ثلاثين في المائة من تعداد السكان في تشاد.
الأمر الآخر الذي زاد من تحسن العلاقات أكثر تنامي النفوذ الاقتصادي والسياسي لقبائل الزغاوة الحدودية باكثر من سابقه في السودان وترحيب بعض السياسيين السودانيين بذلك الامر (ولم يكونوا يشكلون في الوعي الأمني  أي عامل تهديد محتمل للأمن القومي  السوداني يومئذً ) ، بالإضافة إلي دعمهم كتائب  المجاهدين التي كانت تتحرك من شمال دارفور للحرب في جنوب السودان تحت اشراف كثير من ابناءهم وعلي رأسهم الدكتور خليل ابراهيم الوزير الولائي بعدد من  ولايات السودان المختلفة ، كما أن كتائب المجاهدين كانت لاتخلو من دعم مادي محسوس من قبل المؤسسات والاسواق التي تهيمن عليها  القبائل الحدودية وكثير من القبائل الأخري (8) .
كذلك تم استيعاب اعداد مقدرة من ابناء القبائل الحدودية  في سلك أجهزة الأمن السودانية وقواته المسلحة مما زاد عامل الثقة بين الطرفين وقوي عِري الصداقة والتنسيق المشترك.
أما في المجال الاقتصادي فقد كان لتنفذ التشاديين وحلفاءهم دورا مقدرا في هذا القطاع ، وقد تُركت مساحات شاغرة في ميناء بورتسودان للتجارة والصادرات التشادية مما انعش الاقتصاد التشادي وحلفاءه في السودان .
أما علي المجال السياسي الإقليمي ففيما يبدو أن الجماهيرية الليبية لم تستطيع أن تؤثر في الجانب التشادي لتقليل إندفاعه في التحالف مع الحكومة السودانية   بسبب حوجة الليبيين لعقد تحالف وثيق مع النظام التشادي بعد صراع طويل مع النظام السابق بقيادة حسين هبري ، كما يبدو أن نظام أدريس دبي لم يعارض خطط الحكومة الليبية في الاستفادة من مياه اقليم مثلث اوزو  المتنازع عليه مع ليبيا بدليل اكتمال العمل بمشروع النهر الصناعي العظيم .
كما ان شكوك العقيد معمر القذافي في ولاء قبائل شرق ليبيا له وعلي راسها مدينة بنغازي والجبل الغربي جعل اعتماده كبيراً علي ابناء الجنوب وعلى رأسهم أبناء القبائل المشتركة مثل التبو والبديات والزغاوة لتقوية نظامه وتهديد  شرق ليبيا وغربها بالإستعانة بابناء الجنوب علي فرض رؤيته علي ليبيا في عهده وابناءه من بعده .
كل ذلك الأمر جعل الحكومة الليبية لا تتدخل كثيرا في اختيارات حكومة تشاد الخارجية ، كما أن تحالف تشاد كذلك مع فرنسا ووجود قاعدة عسكرية فرنسية فيها  حد من تدخل القذافي في شؤونها الداخلية ، كما أن أصداء الحروب الماضية وهزيمة الجماهيرية في هذه المنطقة من نزق القذافي في الأقدام على مغامرات جديدة في المنطقة  ،وبالتالي يمكن أن نقول أنه رضي بولاء تشاد لنظام الجماهيرية الليبية دون معارضة أو تحفظ بالرغم من علاقة تشاد الوثيقة بالحكومة السودانية علي غير كثير رغبة من الليبيين بسبب الأصولية الفاقعة التي تبناها السودان وخصوصا في سنوات 1992 – 1997م.
إضف إلي ذلك ان بعض القبائل الحدودية بين ليبيا وتشاد صارت تشكل حماية ودرع لنظام العقيد القذافي بعد أن ضُعف كثيرا نتيجة للحصار الدولي الذي فُرض على ليبيا لأكثر من عقد من الزمان.
لذلك أكثر العقيد من تبني هجرة الإفريقيين إلي ليبيا علي غير رغبة من الليبيين أنفسهم بدليل التهجمات القاتلة  من قبل المواطنين الليبيين علي هؤلاء المهاجرين ولعل أحداث الزاوية في 1996م ومقتل المئات منهم  كانت من أكبر المؤشرات علي رفض الليبيين الوجود الإفريقي الكثيف في اراضيهم والمقصود به حماية نظام القذافي من انقلاب الجماهير الليبية عليه ، حيث كان سيلجأ إلي إغراء هؤلاء الإفريقيين (وجُلهم من تشاد ومالي والنيجر ) بالأموال للقتال في جانبه ضد القبائل الليبية التي تمقته.
كذلك تطلّب الإنفتاح علي الدول الإفريقية بدلا من العربية التي لم تقاوم كثيرا (بحسب وجهة النظر الليبية) الحصار الدولي عليها تحسين العلاقات مع الدول الإفريقية وخصوصا المجاورة له ربما بقصد استجلاب أصوات هذه الدول في منظمات المجتمع الدولي مثل الجمعية العامة للامم المتحدة وكان حقوق الإنسان للأسراع  برفع الحصار عن  ليبيا أو التجارة البرية معها لتحجيم الحصار، كما أن الحكومة الليبية تعتبر الهجرة الإفريقية الي أوربا كرت  رابح في يدها للضغط على أوربا بالسماح بهذه الهجرة  بالتدفق عبر البحر المتوسط وإتخاذ الشواطيء الليبية نقاط عبور إلي أوربا ، ومن هنا كان لابد للأوربيين التفاهم مع الليبيين لوقف هذه الهجرة غير الشرعية ، لذلك لم تكن هناك نوايا ليبية للاضرار بالمصالح التشادية في تلك الحقبة مما سمح بازدهار العلاقات السودانية التشادية من دون تشويش ليبي يذكر .
بداية تدهور العلاقات السودانية التشادية
يؤرخ لبداية تدهور العلاقات إلي الاحتكاكات الشعوبية والجهوية داخل الحركة الإسلامية السودانية ، إذ أنه فيما يبدو أن الحركة الإسلامية مثلها مثل كثير من الجماعات والأحزاب السياسية التي لا تحتكم إلي الديمقراطية والشفاهية  في مؤسساتها الداخلية سرعان ما تنحرف إلي رؤى جهوية وشعوبية داخل كتلتها الاساسية بسبب تضارب المصالح الاقتصادية اولا والرغبة في السيطرة علي القرار السياسي ومؤسسات الحكم المختلفة (9) ، ومع حدوث الإنشقاق الكبير داخل الحركة الإسلامية السودانية  1999م وإنقسام الحزب الحاكم إلي مؤتمر وطني ومؤتمر شعبي معارض كان نصيب غرب السودان في اغلبه الأعم  ضمن نطاق  تنظيم المؤتمر الشعبي المعارض إلا أن ذلك لايمنع من وجود أفراد محدودين من غرب السودان داخل المؤتمر الوطني وافراد قلائل من شمال ووسط السودان في المؤتمر الشعبي ، إلا أن ابرز الرموز من أمثال الدكتور علي الحاج محمد واحمد الطاهر حمدون ويحيي عبدالرحمن ومحمد الأمين خليفة وحبيب مختوم  وإبراهيم السنوسي كانت مع الأمين العام للحركة الإسـلامية الدكتور حسن عبدالله الترابي(10)  . وهذا الأمر لم ينال حظه من الدراسة والتمحيص حتي الآن.
ومن هنا اصبح معظم انصار وأقرباء  نظام الرئيس أدريس دبي في طرف المعارضة ومن أبرزهم بعض ابناء  القبائل الحدودية المتنفذين داخل السلطة المركزية وداخل إقليم دارفور .
ومن الطبيعي في أنظمة سياسية شمولية  قابضة ضمن دول العالم الثالث أن ترغب السلطة في ان تستحوذ على كل النفوذ وان تبعد منافسيها من أي مصدر قوة سياسي أو اقتصادي لأن الاقتصاد كما هو معروف مطلب  مهم في طريق الاستحواذ علي السلطة .
بيد أنه كان من الصعوبة بمكان علي السلطة أن تقضي علي النفوذ الاقتصادي لمنافسيها بعد أكثر من عقد من الزمان على توطيد هذا النشاط الاقتصادي وامتداده داخل تشاد وليبيا وافريقيا الوسطي بالإضافة إلي السودان وإقليم دارفور علي وجه التحديد دون أن تدفع ثمنا باهظا في استقرارها الداخلي فكانت حرب دارفور أبريل  2003م بالإضافة طبعاً  إلي عوامل كثيرة أخري إلا أن العامل المهم في ذلك هو الصراع حول السلطة بين الإسلاميين أنفسهم وتحول هذا الصراع أحياناً  إلي صراع جهوي قبلي شعوبي بسبب غياب الديمقراطية والشفافية والرغبة في السيطرة على كل النفوذ وكل  الموارد الاقتصادية للهيمنة علي البلاد وشل تحركات المعارضين  بإفقادهم المال والنفوذ السياسي (11) .
وفيما يبدو أن الرئيس إدريس دبي الذي كانت قد نشأت  علاقة  متينة بينه وبين القيادة السودانية وركن إلي الاعتماد عليها في حفظ الأمن في شرق تشاد والتسهيلات الاقتصادية التي ابقته في سُدة السلطة طوال عقد من الزمان دون معارضة تذكر .. كان يرغب في استمرار العلاقات مع الحكومة في الخرطوم دون تغيربعد إنشقاق الإسلاميين وخروج ابناء عمومته من السلطة والنفوذ  الاقتصادي في السودان ، إلا أن ذلك الامر لم يكن مثار رضي من كثير من أخوانه وابناء عمومته الذين كانوا يديرون الشأن التشادي  معه .
ومع تطور مشكلة دارفور وازدياد المواجهات العسكرية وخصوصا في سنوات 2003  و2004 و2005 وتدخلات المجتمع الدولي ذات الأجندة الخفية وجد  الرئيس إدريس دبي نفسه في مواجهة مع النظام السوداني ، كما أن حياته في الداخل لم تسلم من الخطر بسبب موقفه من الحرب في دارفور .
التدخل الليبي في مشكلة دارفور
ظهرت الأيادي الليبية في مشكلة دارفور بصورة واضحة بعد تفجرها في عام 2003م  وقد دللّت معظم الشواهد علي أن التمويل الأساسي للحرب في دارفور كان يتم من قبل الليبيين والأريتريين سواء كان ذلك لصالح حركة تحرير السودان بقيادة مني اركوي مناوي أو اخيرا لحركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم (12) .
بيد أن المحللين اختلفوا في الدوافع الحقيقية للتدخل الليبي الضار في مشكلة دارفور وقد أرجعها البعض إلي رغبة الجماهيرية في لعب دور سياسي في السودان بعد أن ظهر جليا ان مشكلة جنوب السودان في طريقها للحل عبر تكاليف باهظة  تؤدي إلي فصل جنوب السودان عن شماله برعاية أمريكية أوربية مشتركة في مشاكوش 2002م ومن هنا ربما خشيت الجماهيرية أن استقرار شمال السودان مع قدرته علي إستخراج النفط وإعادة المغتربين السودانيين في الخارج أن يحدث ذلك تطورا كبيرا تحت راية حكومة إصولية سودانية تكون أكثر تشددا من السابق فتهدد وجودها في شمال إفريقيا وخصوصا أن الليبيين في معظمهم الأعم ذوي اتجاهات دينية وأصولية لاتخفي علي أحد.
والسبب الآخر ربما يتمثل في رغبة الجماهيرية في التماهي مع رغبة الغرب في التخلص من النظام السوداني بسبب اخطاء   في دارفور ورفعه راية الأصولية الإسلامية في المنطقة وتحالفه مع إيران وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، وكانت الجماهيرية متحمسة لهذا الإتجاه بعدأن اعاد الغرب ضمها مرة أخري لمنظومة الدول الصديقة له بعد أن دفعت   ثمناً باهظاً لضحايا طائرتي لوكربي والنيجر واعلان العقيد  تخليه  عن التسليح غير التقليدي وتسليمه معدات البرنامج النووي الليبي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، وإعفاءه  عن الممرضات البلغاريات المتهمات بنشر مرض الايدز لدي الأطفال في مدينة بنغازي، وتعهده بفتح الاستثمار في مجال الطاقة للشركات الغربية والامريكية للحصول علي فوائد اقتصادية جمة في أراضيه .
ومن هنا اراد النظام الليبي أن يسير ابعد من  ذلك الإتجاه ليصير وكيل الدول الغربية في التخلص من الدول المناوئة للغرب ومحاربة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وعبر الصحراء الكبري ووقف تدفق الهجرة غير الشرعية إلي أوربا أي باختصار أن يكون شرطي الغرب في المنطقة ..
اما السبب الثالث فربما يتمثل في الضغوط التي مارسها بعض ابناء جنوب ليبيا علي العقيد القذافي للتدخل في المشكلة وحماية ابناءهم من الحرب الأهلية والنزوح في إقليم دارفور وكان ذلك بقيادة السيد عثمان البشري واعضاء اللجان الثورية  المنحدرين اغلبهم من تحالف ابناء التبو والبديات والزغاوة وهم ابناء عمومة متحدين ، لذلك رمي العقيد بثقله في هذه القضية وحاول وقف الحرب إلا أن تشدد الحكومة السودانية في هذا الأمر ورغبتها في تحقيق انتصار واضح في هذه الحرب وتغيير النظام  في أنجمينا عبر محاولات  عسكرية عدة وصلت في احداها إلي محاصرة الرئيس ادريس دبي في قصره لأيام وكان قاب قوسين أو أدني من الاستسلام في فبراير 2008م عمل علي وقوف العقيد القذافي ضد الخطط السودانية بالرغم من حرص السلطة علي ارضاءه بمختلف السبل ، وكان رد القذافي علي ذلك تسليح حركة العدل والمساواة في العام مايو 2008م بآليات واسلحة ثقيلة لغزو الخرطوم ذاتها  لكي تشرب سلطة الخرطوم من نفس الكاس الذي ظلت تجرعه للتشاديين ولحليفه الوفي الرئيس أدريس دبي .
وربما الذي أثار حفيظته أكثر تدخل دولة قطر وركون السودانيين للمبادرة القطرية وإهمال مبادرة طرابلس لأن السلطة السودانية في قرارة نفسها لم تكن تثق كثيرا في القذافي وتعتقد أن اي حلول قد تتمخض عنها مبادرة طرابلس قد تأتي خصما علي سيادتها في إقليم دارفور وربما في العاصمة الخرطوم نفسها .
نظرة مستقبلية للعلاقات السودانية – التشادية
بعد ثورة 17 فبراير 2011م في ليبيا وتهديدها للنظام الليبي بالاقتلاع من جذوره بمساعدة حلف شمال الأطلسي فمن المحتمل أن تشهد العلاقات السودانية التشادية تطورا جديدا والحقيقة ان العلاقات المشتركة  بين البلدين أخذت في التحسن  ربما قبل  ذلك باكثر من عامين من الأحداث الأخيرة في ليبيا إلا أن ذلك الأمر كان بحذر شديد بسبب انعدام الثقة بين الطرفين وطول فترة الحرب والمواجهات ، كما أن الجماعات المتنفذة المعارضة لاتجاه تحسين العلاقات  داخل النظامين لازالت موجودة وخصوصا على الجانب التشادي بعد  أن شكّلت حركة العدل والمساواة حماية حقيقية لنظام أدريس دبي أكثر من مرة بعد ضربات قوية من قبل قوات المعارضة المدعومة من الحكومة السودانية ، لذلك تشكك الكثيرون في حدوث طلاق بائن بين حركة العدل والمساواة والنظام التشادي لأنهم أبناء عمومة واحدة وما يربط بينهم أكبر مما يربط بينهم  وبين اي جهة أخري .
كذلك رعاية نظام العقيد معمر القذافي لحركة العدل والمساواة وإستضافته لزعيمها خليل ابراهيم بعد منعه الهبوط في انجمينا 2010م وتوتر العلاقات السودانية الليبية وإقدام السلطات السودانية علي إغلاق حدودها مع الجماهيرية الليبية وإرسالها تعزيزات عسكرية لتنفيذ هذا القرار في 2010م جعل البعض يتشكك في صمود العلاقات السودانية التشادية بسبب تشدد العقيد القذافي ضد السودان ونفوذه الكبير في تشاد .
بيد أن حدوث ثورة 17 فبراير 2011 في ليبيا ابعد المعادلة الليبية لأول مرة من العلاقات السودانية التشادية لذلك من المحتمل أن تأخذ العلاقات عدة مسارات لعل من ضمنها  اتجاه الحكومة السودانية لدعم المعارضة التشادية مرة أخري بسبب عدم ثقتها في  بعض أجنحة النظام التشادي  وتعتقد أن انصاره وابناء عمومته هم من تسبب في تفجّر مشكلة دارفور التي عملت علي زيادة فرص انفصال جنوب السودان جزئياً وأدت إلي تدهور سمعة  السودان في الخارج لذلك لابد من تصفية الحساب مع النظام التشادي بمعزل عن حليفه القذافي  ،  وأن ضمان صداقة الرئيس إدريس دبي لايعني ضمان صداقة النظام التشادي والرئيس التشادي في بداية أمره رفض حرب دارفور ولكن خضع أخيرا فما الذي يمنع من تكرارهذا الأمر !! ، كما أنها إكتشفت أن سيطرة قبيلة حدودية على السلطة في أنجمينا مهدد خطير لأمن السودان القومي وأمن إقليم دارفور لذلك من الافضل أن تعديل هذه المعادلة  ، وربما تساعد حكومة الثوار في ليبيا علي ذلك بعد أن تطايرات الاشاعات والتقارير أن نظام ادريس دبي يساعد القذافي في تجنيد المرتزقة من كل انحاء إفريقيا مما يجعل حسابه عسيرا مع الثوار الليبيين   .
أما المسار الثاني فيتمثل في عودة التوتر للعلاقات المشتركة بسبب رغبة المجتمع الدولي وعلي رأسه الولايات المتحدة والغرب في إغلاق ملف دارفور وربما محاولة اسقاط الحكومة السودانية بعد أن ضمنت انفصال جنوب السودان بهدوء كما خططت له وبالتالي تعود الولايات المتحدة وحلفاءها لإثارة مشكلة دارفور بصورة اشمل من السابق .  ولا توجد محاذير تحول دون ذلك  بعد أن سيطرت أجهزة الإعلام الموجه على عقول وقلوب الناس ، ومن هنا فربما تجد الحكومة  التشادية نفسها لاعباً اساسياً في معارضة الحكومة السودانية وخصوصا أن القواعد العسكرية الفرنسية في تشاد تعتبر أداة  للنيل من السودان من قبل حلف شمال الأطلسي بعد أن تأكد واستحدث مبدأ  التدخل العسكري لانقاذ المدنيين كما يقولون في أول الأمر ، وقد كانت البروفة الأولي في يوغسلافيا  1994م والثانية وبامتيار ووسط صمت دولي في ليبيا 2011م + لذلك من المحتمل أن يكون النظام السوداني هو المستهدف الثالث ، ومن هنا فربما تجد دولة تشاد نفسها مساندة لرغبة حلف الأطلسى وخصوصا وأن هناك كتلة داخل النظام التشادي تجد نفسها في حالة عداء شديد مع الحكومة السودانية وفي ذلك فرصة سانحة لإغلاق ملف الحرب في دارفور لصالحها بمساندة المجتمع الدولي.
اما المسار الثالث فيتمثل في تحسن العلاقات المشتركة وحل مشكلة دارفور بمساندة المجتمع الدولي شريطة أن يحدث تغيير ما في بنية السلطة السودانية  ولو شكلية  مما يسمح للمجتمع الدولي باعادة  ضم السودان مرة أخري للاسرة الدولية بعد أن استنفذت الحروب المتواصلة قوي الأمريكان والاوربيين ،  وهذا الأمر يخدم عدة اغراض لعل من أهمها السماح للدولة الجديدة في جنوب السودان بان تُولد متعاونة مع دولة الشمال حيث يعرف المخططون السياسييون وصناع السياسة انه من الصعب في ظل الحكومة الحالية في الخرطوم ان يحدث تفاهم بين الدولتين بسبب الجفوة النفسية علي الاقل وانعدام الثقة بين الطرفين لذلك لو تم تغيير ما حتي ولو كان ثانويا  وبقاء النظام بأكمله سيسمح ذلك بتطوير العلاقات المشتركة وخصوصا في مجال النفط (شريان حياة الجنوب ) والحدود المرنة لحين تتمكن دولة الجنوب من تصدير نفطها بطرق أخري إذا شاءت ذلك .
اما علي مستوي دارفور فمن المحتمل أن تحدث مصالحة ما علي اسس اعادة تقسيم الثروة والسلطة ومن ضمنها اعتبار اقليم دارفور اقليما واحدا ضمن خمس مقاطعات وان يكون نائب الرئيس من دارفور مع حظوظ وافرة في مجال الثروة والتعويضات المادية ، وهذا الأمر ربما من الصعب ان يتحقق في ظل التوجهات الحالية في الخرطوم المشيمة بتعدد الآراء والإتجاهات ، كما أن غياب عامل الثقة المتبادلة يحول دون حدوث مصالحة شاملة في هذا الخصوص ، لذلك فمن المحتمل أن تتحسن العلاقات السودانية التشادية اكثر لو تم حل مشكلة دارفور بصورة جذرية ومرضية للقبائل ذات الاصول الإفريقية  والعربية على السواء لأن معظم الحلول الثنائية  الحالية علي مستوي القيادتين قد تكون حلول مؤقتة بالرغم من الاستقرار الظاهري في مستوي العلاقات بين البلدين .
خاتمــــــة :
رأينا في هذا المقال  كيف أن الأيادي الليبية ظلت تلعب علي الدوام دورا سالبا في العلاقات السودانية التشادية بسبب الأطماع الليبية في المنطقة سواء كان ذلك مياه عذبة ويورانيوم كما في مثلث اوزو  او رغبة في زيادة توسع نفوذها في المنطقة أو تصفية حساباتها مع الانظمة المعادية لها ولو علي حساب الاستقرار والامن في كل اقليم الساحل والصحراء .
وفوق ذلك تدخلت الايادي الليبية كذلك لتحقيق رغبات الدول العظمي ومحاربة التيارات الإسلامية المعتدلة  والتنظيمات الأصولية المتشددة ومنع الهجرة الإفريقية إلي أوربا والهاء بعض الدول عن استخراج مواردها الطبيعية تحقيقا لمصالح الشركات الغربية الكبري ووقف الاستثمار الصيني في المنطقة  بإيعاز خارجي من الغرب ، وربما تمكين دولة اسرائيل من خلال طرح مبادرات مائعة مثل مبادرة إسراطين وغيرها من نظريات  لا يقبل بها  العقل والدين .
لذلك تري هذه الورقة ان زوال النظام الليبي قد يؤدي إلي تحسين العلاقات في كل دول الإقليم ، إلا أن ذلك ربما لايكون في القريب العاجل بسبب بعض الذيول والتداعيات مثل عدم التوصل إلي حل لمشكلة دارفور حتي الآن وتداعيات انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م وتداعيات محكمة الجنايات الدولية وتداعيات انتشار اسلحة الجيش الليبي في كل الصحراء الكبري وموقف الثوار  من حكومة إدريس دبي المتهمة بتجنيد المرتزقة لصالح القذافي وتداعيات انتشار تنظيم القاعدة في الصحراء الكبري دون مراقبة من المخابرات الليبية ، كما كان يحدث في السابق .
بيد أن هذه القضايا  قد يتم حسمها بصورة او بأخري بعد زوال التاثير الليبي في المنطقة  وحتي لو بقي النظام الليبي في السلطة فإنه يحتاج إلي سنوات طويلة حتي يعود إلي نقطة ما قبل الثورة ، وإن كان ذلك الأمر مستبعد جدا بعد أن احكم الثوار قبضتهم علي شرق  وغرب ليبيا وزحفهم في إتجاه العاصمة طرابلس بمساندة مشكوك في جدواها وفاعليتها من دول حلف شمال الاطلسي التي قطعت كل خطوط اتصالها مع نظام العقيد القذافي عقب تداخلها العسكري في الشأن الليبي بعد ثورة 17 فبراير 2011م.

مصادر الدراسة :
1-    د. ديدار فوزي روسانو ، السودان إلي أين ؟ ، ترجمة مراد خلاف، الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع،السودان، 2007م ،   ص 252.
2-    د. منصور خالد ، السودان أهوال الحرب وطموحات السلام - قصة بلدين، دار تراث، لندن ، 2003م ، ص 715.
3-    د. عثمان عبدالجبار  عثمان ، تاريخ الزغاوة في السودان وتشاد ، المصرية الدولية للدعاية والتوريد، القاهرة2006م، ص 147.
4-    د. كمال محمد عبيد ، العلاقات السودانية التشادية وأثرها في نشر الثقافة العربية والإسلامية ، اصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، الخرطوم 2001م. ص 175.
5-    سعد البزاز ، حرب تلد أخري -التاريخ السري لحرب الخليج، الأهلية للنشر والتوزيع ، عمان 1993م ، ص 160.
6-    جوناثان راندل ، أسامة ، ترجمة شكري  رحيم ، دار الشروق ، الطبعة الثالثة، القاهرة، 2008م ، ص 152 .
7-    فتحي الضو محمد ، حوار البندقية ، الأجندة الخفية في الحرب الإثيوبية الإريترية ، مركز الدراسات السودانية ، القاهرة 2000م ، ص 263.
8-    إسحاق أحمد فضل الله ، الجنجويد يهبطون من الجبل ، الناشر المركز السوداني للخدمات الصحفية ، الخرطوم 2008م ، ص 44.
9-    د. عبدالرحيم عمر محي الدين ، الترابي والإنقاذ - صراع الهوية والهوي، ط ثالثة ، مطبعة دار عكرمة ، دمشق ، 2006م ن ص 194
10-    فتحي الضو محمد ، السودان سقوط الأقنعة - سنوات الخيبة والأمل ، شركة سوتير للطباعة ، القاهرة 2006م، ص 588.
11-    د. التجاني عبدالقادر حامد ، نزاع الإسلاميين في السودان ، الجزء الأول، بلا بلد نشر ، بلا تاريخ نشر ، ص 117.
12-    ذوالنون التجاني ، دارفور حقيقة الثورة والإبادة ، دار  عزة للنشر والتوزيع ، الخرطوم ،  2008م ، ص 80.
Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]