حول مستقبل العلاقات السودانية المصرية

بعد ثورة 25 يناير 2011م في مصر

د. المعتصم أحمد علي الأمين*


مقدمة :
شهدت العلاقات السودانية المصرية توترات متتالية مع مجئ الديمقراطية الثالثة في السودان 1986م – 1989م بسبب الاختلاف في التوجهات السياسية ونظم الحكم ، بعد أن كانت متناسقة ونامية في العهد المايوي الأسبق 1969م – 1985م(1) .
ثم ما لبثت هذه العلاقات أن زاد توترها مع مجئ ثورة الإنقاذ الوطني وحكم الإسلاميين في يونيو 1989م، ومن هنا زادت أسباب التوتر بسبب الاختلاف الحاد في وجهات نظر كلا الحكومتين في مختلف القضايا وعلي وجه الخصوص حول أسلمة الدولة العلمانية ، وحول الموقف من الجماعات الإسلامية، والموقف من العراق وكذلك إيران والقضية الفلسطينية وخصوصاً فيما يتعلق بالحركات الإسلامية وعلي رأسها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) .
كل هذه القضايا المختلف حولها بالإضافة إلي القضايا الموروثة من الأنظمة السابقة مثل مشكلة حلايب  ودعم الحكومة المصرية بعض الأحزاب الاتحادية وغيرها زادت من توتر العلاقات للدرجة التي هددت معها فصم عرها نهائيا وخصوصاً في سنوات العقد الأول من عقد التسعينات أبان حرب العراق الثانية 1991م واحتضان السلطات المصرية للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض بما فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان واحتضان السلطات السودانية للجماعات المناؤة للحكومة المصرية وعلي رأسهم الجهاديين والجماعات المحاربة للسلطة المصرية وعلي رأسهم أيمن الظواهري (2) .
بيد أن العلاقات المشتركة ما لبث أن بدأت في التحسن التدريجي بعد كل ذلك التوتر وخصوصاً مع بدايات منتصف العقد الثاني من التسعينات وذلك ربما لحاجة كلا الطرفين لبعضهما البعض ولمعالجة قضايا أكبر من خلافهما المشتركة .
وقد تمثلت حاجة السودان في الرغبة في التضامن مع الدولة المصرية بسبب تعامد بعض  دول الجوار الإقليمي علي تهديد الأمن القومي السوداني دون سواتر كما كان يحدث في السابق ، والشاهد علي ذلك أن يوغندا أخذت تعلن وبصورة غاية في الوضوح أن هدفها النهائي إسقاط النظام السوداني وإحلال العناصر الإفريقية الخالصة في السلطة في الخرطوم(3) ، واعتبار بعض العناصر الحاكمة المنحدرة من الشمال والاواسط مثلهم مثل البوير والبيض في جنوب إفريقيا مجرد أجانب قادمون من الخارج وأن السلطة لابد وأن ترجع لأصحابها الأصليين بحسب مزاعمها ! وقد صاحب ذلك الإعلان دعم عسكري واستخباري محسوس وزيادة في أتساع رقعة المناطق المسيطر عليها من قبل الحركة ، وقد أيد يوغندا في موقفها هذا عدة دول إفريقية ولكن بصورة أقل حدة ومن ضمنها كينيا وجنوب إفريقيا وزامبيا وغير من دول إفريقية، لذلك عرفت السلطات السودانية أنها بنزعها الغطاء  العربي  للدفاع عنها وخصوصاً جامعة الدول العربية التي تهيمن عليها مصر فإنها يمكن أن تواجه مشكلات كبيرة في إفريقيا ويأتي علي رأسها دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومحاولة تغيير وجه السودان العربي الإفريقي والمسلم والذي ظل مهيمناً علي السلطة ربما منذ قيام السلطنة الزرقاء في 1505م إلى وجه إفريقي خالص.
كذلك رأت السلطات السودانية أنه لا مندوحة من التعامل مع الحكومة المصرية لو أرادت جلب بعض الاستثمارات العربية وخصوصاً الخليجية منها إلي السودان ، لآن مصر وبعد التحالف الدولي ضد العراق 1990م أصبحت صاحبة علاقات متميزة مع دول الخليج العربي  ويجمعها كذلك التحالف مع الغرب والولايات المتحدة ، وأنه ربما لا يمكن جلب الاستثمارات الخليجية الي السودان إلا بعد موافقة مصرية صريحة علي ذلك وخصوصاً في المشاريع المائية والسدود ، كما أن الأحداث برهنت علي أنها الدولة الأكثر تأثيراً علي العقيد القذافي وإثناؤه عن دعم المعارضة السودانية المسلحة بسبب غياب التوازن العسكري والسكاني بين البلدين ،والقدرة المصرية علي التأثير في محيط ليبيا المجاور ، والعمالة المصرية في الجماهيرية التي تقدر بالملايين ، كذلك يود السودان من السلطات المصرية التوسط مع الغرب لإثناءه من فرض عقوبات قاسية عليه بسبب الحرب في جنوب السودان وغياب الديمقراطية ودعم الإسلاميين المتشددين في المنطقة باعتبار أن مصر من أكبر حلفاء الغرب في المنطقة يومئذ .
أما الدوافع المصرية لتحسين العلاقات مع الحكومة السودانية فقد تمثلت في الإشارات التي ظلت الحكومة السودانية ترسلها للمصريين في الرغبة في تحسين العلاقات وإبعاد ملفات الخلاف بين الطرفين وعلي رأسها إبعاد الإسلاميين المصريين المتشددين من أراضيها والتماهي مع سياسات المجتمع الدولي ، وتحسين العلاقات مع المعارضة السودانية التي تحتضنها مصر وعلي رأسها الحزب الاتحادي الديمقراطي .
ومن الأسباب الأخرى أيضاً توجس السلطات المصرية من وصول جماعات أثنية إفريقية خالصة للحكم في الخرطوم تكون أكثر عداءاً للسلطات المصرية وأشد تحالفاً مع إسرائيل والدول الإفريقية المجاورة للسودان ، وقد ظهر ذلك الأمر جليا أبان مناقشة مجلس الأمن الدولي في 1996م لقرار يحظر مبيعات السلاح للسودان حين عارضت مصر ذلك بشدة بالرغم من أن محاولة اغتيال الرئيس المصري لم تمر عليها شهور قلائل عندما اتهمت الرئاسة المصرية  الحكومة السودانية بأنها من دبرت هذا الأمر (4)  .
العلاقات المشتركة في الفترة الانتقالية :
من المحتمل أن تشهد العلاقات المشتركة بعد الثورة أنفتاحاً سياسياً كبيراً لعدة أسباب أهمها أن عوامل الثقة سوف تزيد بين الطرفين بسبب طي صفحة كثير من الملفات القديمة مثل دعم المعارضة المشتركة وذيول محاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك في أديس أبابا 1995م ، والتي لا تلبث أن تعود لتسمم العلاقة بين البلدين علي الرغم من الانطباع السائد بأن هذا الأمر قد تم تجاوزه عبر زيارات رئيس  جمهورية مصر العربية السابق للخرطوم ، والاتفاقيات التي نسجت من قبل وعلى رأسها اتفاقية الحريات الأربع وهي حرية الدخول والإقامة والعمل والتمليك .
كما أن النظام السوداني ربما  ينفتح بكلياته علي نظام ما بعد الثورة في مصر لأنه يعتقد أن الإسلاميين المصريين سوف يكون لهم دور كبير فيه ، وهم حلفاء طبيعيون له وجل أفكار النظام  السوداني حول إسلامية الدولة مستمدة من تنظير حركة الأخوان المصرية (5)  الأم ، لذلك شهدنا أن أول زيارة للرئيس السوداني للقاهرة بعد الثورة في مارس 2011مم كانت للمرشد العام لحركة الإخوان المسلمين ! والتفاكر والتباحث معهم حول المستقبل وكيفية تنسيق المواقف المشتركة بالإضافة لزيارة مختلف قيادات الطيف السياسي المصري ، ولكن زيارة الإسلاميين كان لها معنى خاص لا يغيب عن أذهان الاستراتيجيين الذين يرون العلاقة الوثيقة التي تجمع ما بين إسلاميي السودان ومصر في الرؤي والأفكار والاستراتيجيات .
أما الحكومة المصرية الجديدة فقد ترى أن الميدان المتسع الذي يمكن أن تنجح بصورة كبيرة   فيه هو الميدان السوداني وذلك لعدة اعتبارات أهمها أن ملف السودان يختلف عن ملف فلسطين على سبيل المثال بسبب أن الملف الفلسطيني وبالرغم  من إلحاحه وتأثر الساحة السياسية المصرية به إلا أن الأطراف المؤثرة فيه لها نفوذها الدولي الكبير مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي لذلك لا تستطيع أن تحدث تغييراً محسوساً فيه علي الأقل في المدى القريب والمتوسط ، وأنها في هذا الملف  تحديداً لا تسلم من مكايدات وتدخلات الغرب وإسرائيل في مجالها الحيوي ، وإن أفضل ما تستطيع فعله حاليا هو إبقاء الأمور كما هي عليه سابقا والقبول بالاتفاقيات القديمة مثل اتفاقية كامب ديفيد 1978م وغيرها من تفاهمات مع بذل مزيد من الجهود لتخفيف الحصار عن الفلسطينيين وخصوصاً في قطاع غزة وتفاهم أكبر مع حركة حماس وحزب اله اللبناني ولكن في حدود ضيقة.
أما الملف السوداني فيختلف عن غيره لأن مصر صاحبة تأثير واضح عليه كما أن مسألة مياه النيل من أهم الملفات التي ظلت تشغل صاحب القرار المصري بغض النظر عن نظام الحكم الموجود في القاهرة(6) .
وبما أن مصر والسودان من أكثر الدول تنسيقاً  وترابطاً في منطقة حوض النيل ومن أكثرها قربا سياسيا وعقائدياً وسكانيا فمن هنا أصبح السودان من أهم الدول المجاورة لمصر. ولذلك كانت أول زيارة خارجية لرئيس الوزراء المصري بعد التغيير (الدكتور عصام شرف)  للخرطوم وجوبا في جنوب السودان في مارس 2011م .
والقيادة المصرية الجديدة تعرف أن السودان  ربما في الوقت الحالي في أشد الحاجة لنفوذها في المنطقة وقدراتها الإستراتيجية والدولية لمعالجة بعض القضايا الصعبة وعلى رأسها تداعيات انفصال جنوب السودان وإحتمالية إنفصال بقيته  إلي دويلات عدة وخصوصاً في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور وأخيراً شرق السودان ، وهذا الأمر محتمل للغاية لأن المجتمع الدولي وعلي رأسه الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ظل في حالة عداء سافر وفرض عقوبات علي السودان منذ أكثر من عشرين عاماً  متصلة ، كما أن الدولة الوليدة في جنوب السودان بدرت  منها عدة مؤشرات علي الاستمرار في محاربة الشمال من خلال إحتضان متمردي دارفور وإثارة كثير من نقاط الخلاف والتباين بين الطرفين وعلي رأسها قضية الحدود ومواطنيها في شمال السودان ، ودعم بعض المناطق المتوترة في جبال النوبة و النيل الأزرق والإيحاء للمجتمع الدولي بإبقاء العقوبات علي حكومة الشمال بسبب مساعيها في زعزعة استقلال دولة جنوب السودان (7) .
ومن هنا أصبح المجال واسعاً للحكومة المصرية الجديدة لمناصرة السودان شماله وجنوبه لتجاوز مشكلة الانفصال والتنسيق الاقتصادي وخصوصاً في مجال الزراعة والموارد الطبيعية الأخرى ، ومخاطبة المجتمع الدولي لتوضيح أن السودان قد استجاب لكثير من مطلوباته وهي إنهاء النزاع في جنوب السودان وبذل مساعي مشهودة في دارفور والاتجاه نحو الحكم الديمقراطي وحكم القانون والكف عن دعم الجماعات المتشددة .
صحيح أن السودان يستطيع من خلال انجازاته السابقة أن يخاطب المجتمع الدولي والولايات المتحدة لرفع العقوبات الدولية المفروضة عليه منذ عشرين عاماً إلا أن ملف السودان علي وجه الخصوص استولت عليه جماعات ضغط في أوربا والولايات المتحدة وصار عسيراً علي الحكومة السودانية لوحدها إقناع العالم بالتغيير الذي حدث ، وهذا الأمر يحتاج لجهود من الدول العربية والإفريقية وعلي رأسها جمهورية مصر العربية .
تأثيرات مصر الإسلامية علي المنطقة :
واجهت السلطات المصرية في أبان فترة حكم الرئيس محمد حسنى مبارك 1981م – 2011م انتقادات حول تضاءل دور مصر في الشأن الخارجي وأن تأثيرها الدولي صار محدوداً مما هدد بفقدانها بعض مصالحها الحيوية في المنطقة.
وقد جاءت أغلب هذه الانتقادات من مفكرين مصريين من أمثال محمد حسنين هيكل وفهمي هويدي وحسن نافعة وعبد الله الاشعل وغيرهم من كتاب علي وجه الخصوص(8) .
وبالتالي فمن المعتقد أن الحكومة الجديدة ربما تقوم بتفعيل دورها علي المستوى الدوليوهذا لا يمكن أن يتأتى لها بصورة فاعلة ومحسوسة إلا بأحياء الفكرة الدينية المبنية علي التضامن الإسلامي والتي كانت شبه غائبة عن التداول في الحقب السابقة التي أعقبت ثورة يونيو 1952 بسبب إبراز وجه الدولة العلماني عن كل ما عداه من أيديولوجيا والانخراط في معسكر الاتحاد السوفيتي تارة والولايات المتحدة المنادي بالعلمانية والسلام والتطبيع مع إسرائيل وتجاوز القضايا العالقة تارة اخري، بالإضافة إلي أن المعارضة الحقيقية للسلطة القائمة يؤمئذٍ كانت معارضة إسلامية الطابع وتأتي علي رأسها حركة الأخوان المسلمين ، ويعود توتر علاقات مصر مع قطاع غزة في مرحلة ما والسودان كذلك إلي تبني هاتين الجهتين لمشروع إسلامي والدعوة له مما جعلهما تلقائيا في خانة المعارضة للسلطات المصرية يومئذٍ.
وبالتالي سوف لن تكون إتجاهات الحكومة المنتخبة نحو الدعوة إلي أسلمة المجتمع ووجود رابط إسلامي وثيق بين دول المنطقة وربما بعض الأقليات الإسلامية مندفع وغير محسوب كما حدث في السودان وقطاع غزة علي سبيل المثال ولكن سيكون شبيهاً بالنموذج التركي في الأسلمة ، والذي ينادي بتغيير المجتمع تدريجيا نحو العودة إلي قيم الإسلام وقيام تنسيق إسلامي مثل الذي دعت إليه تركيا والذي كان يضم بالإضافة إلي تركيا باكستان وماليزيا ومصر والجزائر وإيران ونيجيريا .
والسبب الذي يمكن أن يجعل السلطات المصرية الجديدة أكثر أنفتاحاً علي حركات الإسلاميين في المنطقة يتمثل في كونها لم تكن بعيدة أصلاً عن الفكر الإسلامي أو منابعه حتى أيام الصدام  الشديد مع الإسلاميين لأن العلمانية الرسمية كانت أكثر قرباً من الاعتدال وليست علمانية متطرفة كما هي حالة تركيا ، وقد كانت الشريعة الإسلامية في الدستور المصري صاحبة التشريع الرسمي بحسب المادة الثانية منه ، ولم يوجد  إتجاه أو جماعات تعارض ذلك الأمر بصورة علنية.. ربما لمعرفة العلمانيين  أن مثل هذه المادة تزين الدستور المصري وترضي غالبية الجماهير ومؤسسة الأزهر ! وأن لم يكن هناك إصرار كبير علي أنفاذها بدليل الممارسات غير الإسلامية التي كانت تمارس في المجتمع مثل فوائد البنوك وبيع المشروبات الروحية علناً وغيرها من ممارسات لا تتفق مع المادة الثانية في الدستور .
والسبب الثاني في مسألة إحتمالية اعتدال السلطات المصرية في انفتاحها علي الفكر الإسلامي وتطبيقه علي أرض الواقع يتمثل في معرفة قادة الرأي  العام المصري اليقينية  والمفكرين والمثقفين بمحاذير الاندفاع نحو الأسلمة التنظيرية ومعاداة الأخر وقطع حبال التفاهم مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي كما حدث في حالة حركة طالبان وحركة المقاومة الإسلامية والحكومة الإسلامية في طهران بعد ثورة الأمام الخميني 1979م والحكومة السودانية وغيرها من جماعات اندفعت في معاداة الآخر دون محاذير أو وسطية مما جعلها معزولة عن المجتمع الدولي والغرب على وجه الخصوص لحوالي أربعين عاماً كما في الحالة الإيرانية .
لذلك سوف يكون النموذج التركي في الحكم هو النموذج المفضل للحكومة المصرية المنتخبة  سواء كانوا من جماعة الإخوان المسلمين أو جماعات  وأحزاب سياسية أكثر ليبرالية بسبب الضغوط الشعبية التي تنادي بأن يكون الإسلام والتشريعات الإسلامية أسلوب ومنهج حياة في الحكم .
كما أن الظروف الاقتصادية المصرية في المستقبل الحالي والمتوسط لا تسمح لها بالمناداة بإسلامية أكثر رادكالية بسبب الارتباط الوثيق بين نمو الاقتصاد المصري وتعاونه مع الآخرين كما في حالة قناة السويس أو السياحة أو الاستثمارات الأجنبية في الأراضي المصرية .
أما السبب الثالث والأخير فيتمثل في أثر الأقباط علي السلطات الجديدة في كبح التوجهات الإسلامية الصريحة ، صحيح أن الأقباط يمثلون أقلية بالنسبة لحجم الكتلة السكانية المصرية حوالي 10% إلا أنهم فاعلون في مجال الاقتصاد وقد ذكرت أحدي الدراسات أنهم يستحوذون علي حوالي 50% من قيمة المشاريع الاقتصادية في مصر ولا نستغرب لهذه النسبة المرتفعة لأن الأقباط عرفوا بما منذ أزمان بعيدة بقدرتهم الفائقة علي مسك الحسابات وتقدير الضرائب وإنشاء المشاريع الاقتصادية الأكثر ربحية في المنطقة ، أضف إلى ذلك اتصالاتهم الوثيقة في الخارج وخصوصاً العالم المسيحي المهيمن علي سدة القوة الاقتصادية عبر الجاليات القبطية في نيويورك وواشنطون وكانييرا ولندن وباريس وغيرها من عواصم المال والاقتصاد والسياسة ، وبالتالي يمكن أن تتأثر الحكومات المصرية اقتصاديا في حالة معاداة الأقباط لنموذج إسلامي أكثر رادكالية في سدة الحكم في القاهرة.
وبالتالي فإن مصر لو تجنبت الاصطدام بالداخل والخارج المعادي لتجربة إسلامية متشددة في الحكم فإنها تستطيع أن تكون أكثر فاعلية في محيطها الإقليمي والعالمي بسبب وجود رغبة عارمة لدى جماعات إسلامية كثيرة في المنطقة وفي دول ليس لها أغلبية أسلامية كما في أثيوبيا ويوغندا وكينيا وبقية دول حوض النيل في أن تقود دولة إسلامية مخلصة أحلامها الذاتية في المساواة مع الآخرين في الحقوق والواجبات والدعوة إلي أفكارها بمنتهي الحرية بعد كبت طويل في العصر الحديث، كما أنها تريد من هذه الدولة الفاعلة والناشطة إسلامياً أن تكون أكثر قدرة على إزالة   وجه الاتهامات الغليظ بالإرهاب والتطرف عن الإسلام بعد أن حاولت جماعات المحافظين الجدد وحلفاءهم في المنطقة إلباس ثوب التطرف للجماعات والمجتمعات الإسلامية القليلة في المنطقة ، وقد جر عليها ذلك أحياناً اضطهاداً لا حدود له .
وتبني دولة مصر لمشروع إسلامي أكثر انفتاحاً يمكن أن يجعل من دول المنطقة العربية علي وجه الخصوص ملتفة حولها وأكثر انسجاماً مع بعضها البعض ( وخصوصاً بعد إندلاع الثورات الشعبية الأخيرة) بسبب فشل تجربة القومية العربية التي تبنتها مصر الناصرية 1954 – 1970م في بداية أمرها ثم ما لبثت أن عمت التجربة كل من العراق وسوريا واليمن والسودان والجزائر وغيرها من دول وخصوصاً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مما أنعكس  سلبا علي الجميع بسبب العرقيات غير العربية الموجودة في المنطقة مثل البربر والأكراد والزنوج مما(9) تسبب في حروب خاسرة في هذه الدول وأدى إلى تأخيرها عن مشاريع النهضة سنوات طويلة إلي الوراء ، ثم ما لبثت مصر أن انسحبت من فكرة القومية العربية الصريحة التي كانت سائدة في عهد الرئيس جمال عبدالناصر  بعد اتفاقية كامب ديفيد والتحاقها بالكتلة الرأسمالية في العالم مما أدخلها مرة أخرى في طرق مسدودة اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا انتهت مع ثورة 25 يناير2011م .
لذلك من السهل عليها أن تنادي بمشروع إسلامي أكثر تنويراً في المنطقة وربما يكون ناجحاً بسبب هزائم القوميين والعلمانيين وإمكانية الإستعانة بالفكر الإسلامي كلحمة بين مختلف مكونات المجتمع وهم أصحاب الأغلبيات المطلقة مع مراعاة الأقليات بالطبع ، أضف إلي ذلك الحماس والتكتل الجماهيري الذي يمكن أن تجده الأحزاب الإسلامية ، أضف إلي ذلك أن الغرب بات أكثر استعدادا لقبول تجربة إسلامية جديدة في الحكم بعد أن نجحت التجربة الإسلامية في تركيا حتي الآن واستقرار هذا البلد سياسياً واقتصاديا ومساهمته الكبيرة في التواصل مع مختلف القضايا العالقة في المنطقة بسبب الثقة التي يتحصل عليها حاليا من الجماهير الإسلامية(10) .
بالتالي فإن كان ذلك كذلك علي مستوى المنطقة والعالم فإن التربة مهيأة أكثر لتحالف أكبر بين مصر والسودان بسبب وجود تجربة إسلامية في الحكم يمكن أن تستفيد منها النخبة المصرية وخصوصاً الجانب الايجابي والسلبي منها علي وجه الخصوص حتى تتجنبه وتبني  تجربتها علي أسس جديدة ومنح هذه التجربة عبر الحوارات وتلاقح الأفكار بعداً جديداً لإعادة نشاطها وحيويتها ومعالجة أخطائها بعد أكثر من عشرين عاماً في الحكم .
العلاقات السودانية المصرية والغرب :
تعتقد بعض النخب المصرية (وهي التي ساعدت علي الثورة والتغيير فيما بعد) أن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل قد لعبت دوراً سالباًومضراً في مسألة انفصال جنوب السودان عبر الضغوط المتتالية وتقديم الدعم المالي والتدريب والدعم اللوجستي المساند للحركة الشعبية لتحرير السودان مما أدى إلي انفصال جنوب السودان فيما بعد ، كما أن الحكومة المصرية السابقة حاولت قدر استطاعتها وقف الاتجاه نحو الانفصال إلا أن ذلك لم يتثنى لها بالرغم من تحالفها الوثيق مع الغرب في عدة  ملفات جوهرية أبرزها السلام والتحالف مع إسرائيل ومحاربة الحركات الإسلامية السلمية منها والعنيفة ، وأن الغرب لم يراعي حقوق الحكومة المصرية المتحالفة معه في تأمين مصالحها في السودان عبر الحفاظ علي وحدته وسلامه الإقليمي والضغط علي دول حوض النيل في إحترام الاتفاقيات السابقة وعدم التأثير علي حقوق مصر التاريخية في مياه النيل.
وترى هذه النخبة المصرية أن مشكلة السودان مثلها مثل كثير من المشكلات الإفريقية المعاصرة التي تتمثل في عدم الاندماج القومي ووجود خلل في التنمية من إقليم إلي آخر واحتكار السلطة الفعلية لمجموعة عرقية دون أخرى ، وهي مشكلات تكاد لا تخلوا منها القارة الإفريقية ، وبالرغم من ذلك ساعدت الدول الغربية الحركة الشعبية عبر عدة تكتيكات علي فصل جنوب السودان دون غيره من الدول الأخرى التي تعاني من نفس هذه المشكلات ، وأن هذا الأمر قد يكون المستهدف   منه مصر بعد السودان وإضاعة مصالحها الحيوية في المنطقة لإضعافها لصالح المشروع الإسرائيلي في المنطقة الذي ينادي في رؤيته النهائية بإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلي الفرات وإقامة عاصمة إسرائيل في كامل القدس الشريف(11) .
ومن هنا يمكن أن نفهم أن الثورة المصرية التي قامت في 25 يناير 2011م كانت تحمل في طياتها رغبة دفينة للتصدي للمشروع الغربي الإسرائيلي في المنطقة سواء كان بوعي الطبقة المستنيرة أو بإندفاعات الجماهير التلقائية التي كانت ترغب في تحسين مستويات المعيشية ، وأن تحيى بكرامة وحرية وعدالة وأن تتصدى لمشاريع أضعاف مصر التي أحست ببوادرها في عدة مؤشرات من ضمنها فصل جنوب السودان عن شماله .
ويمكن الافتراض أيضاً أن النخبة المصرية أحست أن  المؤامرات  التي أستعملت لإضعاف وفصل السودان يمكن أن تحدث لها بطريقة أو أخرى في المستقبل المنظور .
ولعل أجماع القوى الغربية أولاً علي حصار السودان اقتصادياً لأكثر من عشرين عاماً بالرغم من التنازلات التي قدمها النظام لعلاج مشكلاته مع الغرب كانت أبزر المؤشرات الإصرار على فصل السودان كما أن الحماس الدافق من قبل المنظمات الطوعية الإنسانية لإدانة السودان علي طول الخط بالرغم من الرفض العربي والإفريقي لهذا الأمر كانت مؤشراً  أخراً ، أضف إلي ذلك تفجر مشكلة دارفور في ابريل 2003م في وقت حساس يتجه فيه الطرفين المتحاربين بعد تفاهم مشاكوس 2002م للسلام بشكل جدي ربما لأول مرة دفع الكثيرين للاعتقاد أن من صنع مشكلة دارفور أو أسهم فيها ونفخ فيها الروح بالرغم من الصراع القديم بين القبائل  حول المراعي والشكوى من غياب التنمية كان القصد منه أضعاف جانب الحكومة السودانية لصالح الحركة الشعبية مما يجعلها في حالة ضعف كبير ويدفع بها بالتالي إلي الموافقة علي  منح حق تقرير المصير للجنوب كأول حالة في إفريقيا .
لذلك لم تستبعد بعض النخب المصرية وقادة الرأي العام أن التحرك في السودان يأتي كتمهيد لاستهداف مصر من خلال أحداث حالة قطيعة بين الافريقانية والقومية العربية وبين مكونات القارة الروحية أي بين الإسلامية والمسيحية مما يهدد التعايش بين مسلمي مصر ومسيحييها بالإضافة إلي مؤشرات أخرى تتمثل في أثناء مصر عن الزراعة والاعتماد علي الغرب في هذا المجال الحيوي ولو عن طريق استيراد مخصبات وبذور مسرطنة عن طريق إسرائيل لتدمير اعتماد مصر علي نفسها في الغذاء ، وهذه قضية حقيقية أدانت فيها المحاكم المصرية مسئولين كبار في وزارة الزراعة المصرية مثل يوسف عبدالرحمن ورندة اشامي وتم إبعاد وزير الزراعة المصري يوسف والي  بضغوط مكثفة من الشارع المصري  وقادة الرأي العام ، وأعتقد أن جذور هذه المسألة كانت من مسببات التغيير المصري فيما بعد(12).
كذلك شعرت النخبة المصرية أن السلام مع إسرائيل لم يحقق النتائج المرجوة  بعد ثلاثين عاماً من حدوثه وعلي العكس من ذلك أخذت تداعيات السلام تأخذ جانباً سلبياً مع تحرك إسرائيل في دول حوض النيل وحياكتها لمؤامرات تستهدف الأمن القومي المصري في آخر المطاف ، ومن ضمنها التحرك في السودان كما قلنا آنفاً  والتنسيق مع أثيوبيا لبناء سدود دون التشاور مع مصر ، وإلغاء مشاريع المياه المقترحة كما في ترعتى جونقلى ومشار ، وتغليب مواقف الدول الإفريقية بدعمها ماليا وعسكريا وإعلامياً في المحافل الدولية ضد أفكار مصر لمعالجة مسألة مياه النيل بحسب القانون الدولي .
والاتجاه نحو السلام مع إسرائيل في اعتقاد البعض كان  إتجاهاً رئاسيا محضاًً بقيادة الرئيس محمد أنور السادات والرئيس محمد حسنى مبارك ولكن فيما يبدوا أن أمر السلام مع إسرائيل كان اتجاها عقلانياً ونخبوياً وربما شعبيا بهدف تحقيق عدة أهداف يأتي علي رأسها إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في الأرض التي احتلتها إسرائيل بعد 5 حزيران /يونيو 1967م ، وانسحاب إسرائيل من سيناء وهضبة الجولان والأراضي اللبنانية المحاذية لإسرائيل واتجاه الدولة المصرية بكلياتها نحو التحديث والتنمية والديمقراطية وحكم القانون والتصنيع ، لتتبع في ذلك كوريا الجنوبية وماليزيا الذين كانت مصر تتفوق عليهم في بداية ستينات القرن العشرين والاهتمام بالتعليم علي وجه الخصوص بعد إيقاف الحرب والصرف علي التسليح.
بيد أن الفكر السياسي الإسرائيلي فيما يبدو كان يسعي لمواصلة الحرب ولكن بطرق أخرى بعد السلام مع مصر وقد أنتهز فرصة معارضة  العرب خطط الرئيس الراحل أنور السادات فيما يختص بالسلام مع إسرائيل وحدوث قطيعة عربية معه لتحقيق أهدافها في المنطقة بمعزل عن مصر ، لذلك رأينا الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982م ورينا تدمير المفاعل الذري العراقي في 1981م ، ورأينا تثبيت دعائم الاحتلال في هضبة الجولان وفلسطين المحتلة ، ورأينا الوجود الإسرائيلي المريب في جنوب السودان ودول حوض النيل كذلك ، كما أننا رأينا أيضاً الأحلام بنهضة اقتصادية مصرية أخذت في التلاشي لإحجام الدول العربية والغربية بالاستثمار المفيد في مصر مع أن الأموال العربية مكدسة بمليارات الدولارات في البنوك الغربية دون السماح لها بالاستثمار الفاعل في مصر ، وكانت النخبة المصرية تعرف أن النفوذ الإسرائيلي خلف ذلك الأمر ، وقد توج كل ذلك حتى بمحاولة تدمير البذور الزراعية المصرية وإدخال بذور مسرطنة بمساعدة متنفذين داخل السلطة العليا في مصر كما رأينا آنفاً  .
والنخبة المصرية تعرف عبر كثير من المؤشرات أن الأيادي الإسرائيلية خلف العديد من المشكلات العربية المعاصرة التي تستهدف فيما تستهدف مصر نفسها بالرغم من السلام بين الطرفين ، وتأتي علي رأس هذه المشكلات الضغوط الغربية والأمريكية الهائلة للأحجام عن الاستثمار في مصر ، وربما تشريد العمالة المصرية في الدول النفطية الغنية كما في دول الخليج والعراق وليبيا عبر زرع فتن ومؤامرات بين هذه العمالة والدول المستضيفة لها أو إيجاد توتر بين أنظمة البلدين ، أو إشعال حروب كما في الحالة العراقية مع الكويت لإبعاد ملايين المصريين من هناك ، وقد كانت الأيادي الإسرائيلية واضحة  في دعم أكراد العراق وفي دعم إيران عندما أخذت في التهاوي أبان السنوات الأولى للحرب العراقية الإيرانية ( فضيحة إيران كونترا ) حتى  يحطم كلا البلدين إمكانية بعضهما البعض وقد كانا من أكبر المؤيدين للحق العربي في فلسطين .
كل هذه التداعيات وغيرها تتفهمها الثورة المصرية عبر جماهيرها ونخبها المختلفة ولكن بالطبع سوف لن تعلن أهدافها النهائية دفعة واحدة ولكن ستحاول عبر سلطتها الجماهيرية بمعالجة كل هذه القضايا بانتباه شديد لأخطاء الماضي ومحاذير كبرى من أن تقع في حبائل ومكائد الغرب واللوبي الإسرائيلي وخصوصاً وأن إسرائيل تعتبر أن مصر عامل حاسم في بقاءها أو زوالها من الوجود لذلك سوف تعد خطط بديلة لإعادة  الهبة المصرية الشعبية إلي إنكفاءتها القديمة  ومن ثم تفكيك مصر إلي أجزاء عديدة متنافرة بعد أن بدأت من خارج الحدود المصرية في الدول المجاورة وكادت أن تتحصل علي جائزتها الثمينة بالقضاء علي   الوجود المجاور للقوي السودانية في حدودها الجنوبية  بعد فصل جنوب السودان والتهديد بفصل اجزاء أخري من السودان .
الدوافع السودانية للتنسيق مع مصر بعد الثورة :
تبدو دوافع الحكومة السودانية للتكامل مع مصر أكثر إلحاحاً لعدة أسباب من أهمها الرغبة في تجاوز ضغوطات المجتمع الدولي عبر التنسيق مع مصر ، كما أنها تشعر أنها أكثر قدرة علي ذلك من خلال صمودها الطويل أمام الغرب وتهاوي بعض الأنظمة المعادية للسودان وخصوصاً المحيطة به مثل أثيوبيا وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى ومحاصرة النظام الاريتري بالحرب الإثيوبية 1998م والعزلة الدولية ، وكلها أنظمة كانت للحكومة السودانية خلافات عميقة معها وبالتالي تشعر حالياً أنها  أكثر ثقة في نفسها ومقدرتها علي تجاوز الصعوبات الأخرى وأنها ليست عرضة لتسخيرها لأي هدف يتعارض مع مصالحها القومية الخاصة .
كما أن انفصال جنوب السودان بالرغم من مأساويته وفداحته الاقتصادية في المستقبل  واقتطاع أجزاء واسعة من أراضيه إلا أنه مكّن بقية السودان الشمالي أن يكون أكثر تجانساً مع بعضه البعض في الدين والثقافة علي وجه الخصوص ، مما قد يمكنه من الانطلاق بقوة في المستقبل بعد أن أقعدته مشكلة جنوب السودان عن التقدم والنهوض قرابة الستين عاماً شرط أن يتخلص نهائياً من ذيول وآثار مشكلة جنوب السودان بحسم القضايا العالقة مثل الحدود والديون وحركة الاقتصاد والوجود الجنوبي الكثيف في الشمال ، وهذه قد لا يستطيع وحده في المدى القريب حلها بسلاسة دون وجود حليف تستطيع أن تستند عليه وتنسق معه إقليماً ودولياً بسبب آثار الحرب الطويلة ووجود  مؤشرات لنزاع حدودي عميق قد يخلف مشكلة تشابه مشكلة كشمير بين الهند وباكستان ، وهي مشكلة أعاقت تقدم البلدين ، كما أن البعض يعتقد أن انفصال جنوب السودان مسألة مؤقتة لحين التقاط الأنفاس وإعادة التعبئة وتوجيه تحركات أساسية تستهدف إعادة دمج الجنوب في الشمال مرة أخرى بالنسبة للشمال ، أو إعادة وتفعيل مشروع السودان الجديد وإعادة تشكيل السودان علي أسس عرقية إفريقية خالصة  (13) .
لذلك يرنوا بعض السودانيين بعد انفصال جنوب السودان إلى تقوية عناصر الثقافة الإسلامية والعربية داخل مكوناته الذاتية واعتبارها الأسس الذي سوف تقوم عليه فلسفة الحكم الجديدة ، وهذا الأمر قد يجد بعض الممانعات من بعض المديريات الطرفية التي تجد مساندين من جوارها الإقليمي المباشر للتصدي لهذه المعادلة وتغييرها بقوة السلاح ولقد رأينا طرفاً من ذلك في عام 2008م مع غزو قوات حركة العدل والمساواة أطراف العاصمة الخرطوم .
لذلك يتطلع البعض أن يدعم التغيير الجديد في مصر خيار التنسيق المشترك ليصنع دولة متحدة وقوية في محيطها المجاور بحيث لا تستطيع الأطماع الإقليمية تهديد وجودها المستقبلي وهذا أمر مفيد لكلها البلدين ، كما أن هذا الأمر   لا يهدد البعض الآخر لأن الأسس الرئيسية للتغيير سوف تتركز حول عامل الدين وهو عامل يجمع بين مختلف كيانات المنطقة لو استثنينا إجزاء من دولة جنوب السودان وهي بدورها قد أختار مواطنوها الانفصال مما جعل بقية المناطق أكثر تناسقاً دينيا وثقافياً ولغوياًً.
ولا ننسى في خضم كل ذلك الجوانب الاقتصادية لأن موارد السودان تحتاج لخبرات  وقدرات أكبر والحصول كذلك علي رأس مال مقدر وقدرة بشرية  أكثر في المجال الزراعي علي وجه الخصوص وحماية كل هذه المكتسبات فيما بعد .
مخاطر تراجع العلاقات بعد الثورة المصرية :
من جهة أخري يجب أن لا نستبعد أن تتدهور العلاقات بين السودان ومصر في المستقبل المتوسط والبعيد لعدة أسباب لعل من أهمها اختلاف النظام السياسي مرة أخرى وانقسامه ما بين نظام علماني نشط في اتجاهاته وعلاقاته مع الغرب وإسرائيل ونظام إسلامي متحالف مع الحركات والجماعات الإسلامية المعارضة للسلطة كما حدث في الماضي القريب .
ومصر مرشحة وباحتمالية معقولة أن تعود لفكرها العلماني بسبب نشاط السلفيين والجهاديين  بعد نجاح الثورة وتهديدهم المستمر   في أقرب صورة لحكومة  طالبان قبيل غزوها من الولايات المتحدة في مارس 2003م ، ولقد رأينا بوادر ذلك  مع  ازدياد أنشطة السلفيين والجهاديين بعيد سقوط نظام الرئيس محمد حسنى مبارك واحتكاكهم المستمر وربما العنيف ببعض أفراد المجتمع بما فيهم  الأقباط الذين يشكلون رقماً لا يمكن الاستهانة بشأنه ، واندفاع السلفيين للمشاركة السياسية جاء نتيجة للكبت والحرمان السياسي لهم منذ  تفجر ثورة يوليو 1952م، وبالتالي يريد الشباب منهم والمتحمسون إبراز وجه مصر الإسلامي بأسرع الطرق دون تزكية للمجتمع وأخذه برفق في طريق الحكم الإسلامي كما حدث في تركيا الكمالية ، ولهذا الأمر محاذيره الكبيرة في أن يتحد المجتمع بأغلب طوائفه ضد الجماعات السلفية الجهادية التي تسعى لتطبيق القانون بيدها وإرهاب الناس دون أقناعهم بالإنضمام إليهم ، مما يؤدي إلي تحول القيادة المصرية ونخبها بالمناداة بالتحالف مع الجيش ضد هذه الجماعات وأن يعود وجه مصر علماني مرة أخرى وخصوصاً  وأن نظام الرئيس حسنى مبارك كان قد جنّب مصر كثير من الحروب التي شهدتها المنطقة، وشهد عهده حالة استقرار طويلة الأمد سيحن إليها الناس فيما بعد وكان هذا الاتجاه المحافظ والمتأني مما يُحمد للنظام السابق ، وأن النقد وجه فقط ببطء اتخاذ القرار وحدوث حالات فساد مالي وإداري ورغبة في توريث السلطة دون رغبة الجيش والجماهير  .
ومن جهة أخرى نجد أن النظام السياسي السوداني ربما يكون أكثر تشدداً في أسلمة الدولة بعد أن ذهب جنوب السودان ليكّون دولة خاصة به ، وبالتالي أصبح سكان السودان الشمالي حوالي   99% منهم  من المسلمين وهذا ما سوف يدفع بالسلطات السودانية ربما لإعادة بناء نموذجها القديم في المشروع الحضاري الإسلامي وربما بمحاولة تصدير الثورة مرة أخرى وخصوصا وأنها تشعر أنها مجروحة من الغرب ومن دول الجوار بسبب تشجيعهم للجنوبيين بالانفصال ، كما أن الاتجاه نحو أسلمة الدولة سوف يساعد في إعادة لحمة الدولة السودانية بسبب الاختلافات العرقية والجهوية ، ليكون الرابط الإسلامي هو الرابط الوحيد الذي يربط بين هذه الاتجاهات المختلفة ويمنع من تفتت الدولة السودانية .
وعندها فمن المعتقد أن تفتر العلاقات بين الطرفين ( السودان ومصر ) مرة أخرى ، والحل الوحيد لكي لا تصل الأمور إلي هذه المرحلة أن يراعي الإسلاميون المصريون دقة المرحلة وأن تكون خطوات الإصلاح أكثر سلالة وحنو والعلم أنه من الصعب التغلب علي التيار العلماني المصري الذي بذر بذوره نابليون بونبارت في 1798م وما لبث أزداد تعمقه بالبعوث العلمية  للخارج وخصوصاً فرنسا والتحديث أنتهاءاً بثورة 23 يوليو 1952م ، كما أن علي السلطات الإسلامية في السودان أن تكون أكثر حذراً بعد تحررها من القيد الجنوبي في الاتجاه عدواً نحو قيام الجمهورية الثانية الأكثر تشدداً  إسلامياً تجاه الآخر المخالف أو المجاور .
الأمر الأخر الذي يمكن أن يضعف العلاقات المشتركة هو أن يتحول النظام المصري إلي اتجاهات أكثر إسلامية ومحافظة بينما يصل إلي سدة السلطة في الخرطوم نظام علماني موالي للغرب لو استمرت ثورات التغيير في العالم العربي وخصوصاً وأن النظام السوداني له أكثر من عشرين عاماً في السلطة ، وقد تطايرت الإشعاعات والمؤشرات سواء كان ذلك صدقا أو كذباً  بالتجاوزات المالية والإدارية في  الجهاز الإداري للدولة (14) بالإضافة إلي انفصال جنوب السودان وتفجر مشكلة دارفور بشكل عنيف والتصادم مع المجتمع الدولي وظهور مراكز للقوي ، وهو أمر قد لا تكون بعض النخب والجماهير السودانية راضية عنه كما أن الرغبة في تحسين العلاقات مع الغرب والاتجاه نحو التنمية والإصلاح تدفع باتجاه التغيير ، ومن المعتقد أن يكون التغيير أكثر علمانية بسبب هيمنة الإسلاميين في السلطة لفترات طويلة ، وقد تندفع السلطة الجديدة لعقد تحالفات أكثر مع الغرب ودول الجوار الإقليمي وخصوصاً دول حوض النيل مما ينعكس سلبا علي علاقة البلدين وخصوصاً وأن مصر تعول كثيراً على موقف السودان المؤيد لها حول ضرورة إبقاء الاتفاقيات القديمة لحوض النيل وعدم المساس بالمكتسبات والحقوق التاريخية القديمة في المياه ، كما أن مصر وعن طريق امتدادات وتلاقي السودان مع بعض دول الحوض وخصوصاً أثيوبيا تشعر هذه الدول أن عليها التفكير طويلاً قبل الإقدام علي أنشاء مشروع مائي يهدد مصالح مصر وإيراداتها السنوية .
السبب الثالث الذي يمكن أن يضعف العلاقات المشتركة هو أن تستمر السياسة المصرية القديمة تجاه السودان والتي تتسم بالسلبية علي وجه العموم بدليل خلافات السودان العميقة مع الغرب بالرغم من التحالف المصري الوثيق معه في المنطقة  ، واستمرار حرب جنوب السودان  لأكثر من خمسين عاما والتي انتهت بانفصاله نهائياً عن الدولة في 2011م ، وفوق ذلك احتمالية تجدد النزاع والحرب مرة أخرى، واستمرار أزمة دارفور وتدخل بعض الدول العربية والإفريقية في شؤونه الداخلية من دون أن تتحرك مصر بمرونة أكبر لمساعدته في الخروج من أزماته .
وفوق ذلك تطايرت الاتهامات من هنا وهناك وخصوصاً أوقات الأزمات السياسية العابرة ، بأن السياسة المصرية ترغب في الإبقاء على السودان على ما هو عليه لأنها مستفيدة بطريقة أو بأخرى من الأوضـاع الحالية(15) ، وقد استدلوا بذلك  مثلاً من خلال الإيعاز لوزير الخارجية الليبية موسى كوسا بإفشال مفاوضات الدوحة للسلام من خلال تهديد المفاوضين الدارفوريين بوقف التعاون أو إغراءهم بالدعم المالي والعسكري لتحسين شروط التفاوض في مفاوضات تعقد في القاهرة عوضاً عن الدوحة أبان صراع قطر ومصر حول الهيمنة والنفوذ في الوطن العربي .
ويذكر البعض أن كل ما يهم مصر من السودان هو مسألة مياه النيل غير وأن هذه المسألة ستكون محور اهتمام السياسة المصرية سواء كان ذلك في مصر الخديوية أو مصر الناصرية أو مصر السادات أو أي نظام قادم في القاهرة.

مصادر الدراسة :
1-د. المعتصم أحمد علي الأمين ، السودان في صحيفة الأهرام القاهرية ، دراسة حالة للعلاقات السودانية المصرية 1989-1998م ، إصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، الخرطوم ، 2009م ، ص 90.
2- المصدر السابق ، ص 170.
3- محمد أحمد علي ، العلاقات السودانية اليوغندية 1972- 2005م ، بحث غير منشور لنيل درجة الدبلوم العالي ، مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية ، الخرطوم 2010م ، ص 99.
4-د. المعتصم أحمد علي الامين ، السودان في صحيفة الإهرام القاهرية، مصدر سابق، ص 170.
5- فؤاد عبدالرحمن محمد البنا ، الأخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر، إصدار مركز البحوث والدراسات الإفريقية ،جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم بلا تاريخ ، ص 635 .
6- عبدالعزيز خالد ، مياه النيل حسابات الأرض والسياسية ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، الخرطوم ، 2007م ، ص 250 .
7- إسحق أحمد فضل الله ، الجنجويد يهبطون من الجبل ، إصدار المركز السوداني للخدمات الصحفية ، الخرطوم 2008م ، ص 3 .
8-فهمي هويدي ، مصر تريد حلا ، دار الشروق ، ط ثانية ، القاهرة 2002م ، ص 10.
9- بهاء الدين مكاوي محمد قيلي ، التعددية وتسوية النزاعات في السودان (نيفاشا نموذجا)، مطابع السودان للعملة ، الخرطوم 2006م ، ص 60.
10- الهادي غيلوفي ، تقرير عن ندوة دور النخب في تنمية الشراكة – التركية العربية، اسطنبول 2010م ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 386 ، ص ص 193 – 196.
11- أ. مهدي دهب حسن ، إشكالات الجغرافية السياسية ودورها في رسم السياسة الإسرائيلية ، إصدار مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية ، الخرطوم ، 2008م، ص 60 .
12- فهمي هويدي ، عن الفساد وسنينه ،  دار الشروق ، القاهرة 2006م ، ص 249 .
13- الطيب مصطفي ، جنوب كردفان بين الحلو وعرمان ، مقال منشور في صحيفة الإنتباهة السودانية ، العدد 1862 ، الموافق 8 مايو 2011م .
14- المحبوب عبدالسلام ، الحركة الإسلامية السودانية – دائرة الضو – خيوط الظلام ، دار مدارك للنشر ، القاهرة 2010م ، ص 437 .
15- الطيب مصطفي ، السودان وفرعون ليبيا ، مقال منشور بصحيفة الإنتباهة السودانية،4/7/2010م، الصفحة الأخيرة .
Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]