ملامح الشبه والإختلاف بين الرئيس بشير الجميل

والدكتور جون قرنق دي مابيور

دراســة فــي التجربة السياسيــة للزعيمــين


د. المعتصم أحمد علي الأمين*

ملامح الشبه بين الرئيس اللبناني بشير الجميل 1982م والدكتور جون قرنق دي مابيور عديدة ، كما أن أقدارهما كانت متشابهة حيث توفي الإثنان في  إنفجار طائرة وتفجير قنبلة بعد أقل من شهر من  تسلمهما زمام السلطة في بلديهما بعد حرب أهلية مريرة   .
وقد أدت هذه الوفاة السريعة والفجائية لكليهما لتفجير أعمال عنف عديدة في السودان ولبنان ، وقد خلفت أعمال العنف هذه ضحايا كثيرون من كلا الطرفين ولعل مجزرة صبرا وشاتيلا وأعمال العنف الواسعة التي انتظمت الخرطوم وكثير من المدن الأخري كانت نتيجة مباشرة لهذه الوفاة(1) .
كما أن ظروف الوفاة لكليهما أثارت شكوك عارمة عند انصارهما بأن المسئولين وراء ذلك الحادث ربما كان الطرف المعادي الذي ظل يواجههم في الحرب الأهلية فى السنوات الماضية ، وقد أدي تسرع بعض أنصار الزعيمين وإنتقامهم السريع إلي انكماش حركتيهما كثيراً عن السابق نتيجة للسخط من تعميم الأنتقام قبل التأكد من المسؤول الحقيقي عن قتل زعيمهما المتوجين في أعلي ُزري  السلطة بعد صراع طويل ودامي مع الطرف الآخر .
صحيح أن بشير الجميل توفي نتيجة لزرع قنبلة أدت إلي قصم ظهره وإزالة أجزاء واسعة من مؤخرة رأسه بحسب وصف الصحفي جونثان راندل مراسل صحيفة الواشنطن بوست في لبنان يومئذ(2) ، وأن  الدكتور جون قرنق توفي نتيجة لاصطدام مروحية في أعلي  قمم  بعض الجبال الواقعة علي  الحدود السودانية اليوغندية إلا أن ذلك لم يمنع من إتهام أنصارهما الطرف الآخر من أنه مدبر ذلك الحادث ، وتنبع المفارقة في أن كليهما كان في حصن مكين أكبر من أن تطاله يد الخصوم أو المتصالحين داخل بلده لأن بشير الجميل كان يومئذٍ في مقر حزبه "القوات اللبنانية" المحصن في حي الأشرفية الخالص للمسيحيين الموارنة بعد أن هُجر منه الآخرين بعد تفّجر الحرب الأهلية اللبنانية في سبتمبر 1975م ، وكان من المستحيل علي أي جهة معادية الوصول إلي ذلك المقر الحصين عبر سيارة مفخخة أو غيرها من أساليب التصفية نسبة للحرص البالغ بعد أن تعرض في السابق لمحاولات إغتيال ليست من قبل الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين  فحسب ولكن من بعض المسيحيين الموارنة الذين دخل معهم في حروب وتصفيات  دامية قبل أن يتوج رئيسا للبنان بفضل الدبابات الاسرائيلية التي كانت مرابطة يومئذٍ داخل حرم قصر بعبدا قصر الحكم في لبنان (3).
كما أن الدكتور جون قرنق كان من الصعب إستهدافه من الشمال علي الأقل في رحلته الأخيرة التي أدت إلي وفاته لأنها كانت  أولاً سرية  وكانت الطائرة تتبع للرئاسة اليوغندية  بما فيها طقم القيادة بالإضافة إلي سقوطها داخل الاراضي اليوغندية  قبل دخولها الأجواء السودانية(4) .
أوروبا الإستعمارية ووضع بذور التوتر:
قصة الحرب في لبنان أو جنوب السودان قصة طويلة للغاية ولم تبدأ أو تنتهي بموت أو حياة أبرز قياديها سواء كان بشير الجميل في لبنان أو الدكتور جون قرنق في السودان ، وذلك للبدايات المصنوعة لهذه الحرب سواء من قبل فرنسا في لبنان أو بريطانيا في السودان بالإضافة إلي الاستمرارية الطويلة لمسببات الحرب والتي ربما ناهزت القرن من الزمان دون وجود معالجات لها والأسوأ من ذلك النفخ فيها من قبل أطراف عديدة لزيادة اشتعالها(5) .
وفيما يبدو أن بريطانيا وفرنسا عندما جاءتا إلي الشرق بغرض استعماره  كانتا تعدان خطة مسبقة لإدارة هذا الشرق وضمان  استمرارية هذه السيطرة ، وذلك لعدة اسباب أهمها أن كلا البلدين كان عريقاً وخبيراً  في استغلال الشعوب الأخري  سواء كانت واقعة في  الأمريكتين  أو إستراليا أو جنوب شرق آسيا وجذر المحيط الهندي والهادي قبل أن تجتاحا الشرق وإفريقيا بعد ذلك في زمن متأخر نسبياً أي بعد عقد مؤتمر برلين في 1885م لتقسيم إفريقيا والشرق الأوسط فيما بينهم ، ولم تكتمل هذه السيطرة التامة علي المنطقة في بعض الأحيان إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولي 1914م ، والشاهد الأهم في ذلك أن السيطرة الإستعمارية لم تكتمل في هذه المناطق إلا بعد تخلص الشعوب الأمريكية وغيرها من الاستعمار الأوروبي وهي مناطق كانت تصب خيرات لا حصر لها في الخزائن الأوروبية ! وأسهمت في تطويرها تطويراً كبيراً في الثلاثة قرون التي أتت في أعقاب  اكتشاف العالم الجديد في حوالي العام 1500م  ، و بخسارة أوربا لهذا المستعمرات المهمة شعرت بأنها ربما اسرعت بتطوير هذه البلدان ويّسرت مشاكلها حتي انها سرعان ما تخلصت منها بعد أن شعرت بقوتها الذاتية في حكم نفسها وتمكنها من العلوم الأوروبية سواء في مجال الهندسة أو السلاح أو التنظيم الإداري والمالي ، ومن هنا فيما يبدو عزمت أوروبا العجوز علي إحكام الإستعمار علي الدول الإفريقية والشرق الأوسط والإقعاد بها حتي لاتخرج من الهيمنة الأوروبية كما فعلت الآخريات بالرغم من أن الدول الأمريكية وإستراليا اصبحت نسخة من الدول الأوروبية بفضل الهجرة الواسعة إلي هذه البلدان وتفردهم بالسيطرة التامة بعد التخلص من السكان المحليين جسدياً سواء كانوا من الهنود الحمر في أمريكا او ألابورجينيز في إستراليا وبالرغم من ذلك ظلت مرارة الإنفصال في حلق أوروبا لزمن متأخر(6).
ومن هنا نري أن أوروبا الإستعمارية حرمت كثير من الدول الإفريقية من التعليم لتقعد بها عنوةً لدرجة أن دولة مثل أنجولا علي سبيل ظلت بلا طبيب محلي بعد خمسمائة عام من الاستعمار البرتغالي ، كما أن دولة مثل تشاد ظلت أمية بالعلوم الحديثة تقريبا حتي زمان قريب بالرغم من الاستعمار الفرنسي الذي ركزّ علي الثقافة والتنوير بحسب أدبياته وسياساته المعلنة(7) .
أما ثاني العقبات التي حاولت أوروبا وضعها لتعويق التطور الإفريقي فقد تمثل في صنع النزاعات الحدودية وخلق بؤر متفجرة تشغل دول إفريقيا والشرق الأوسط عن النمو وتركيز جهودها علي إستخلاص حقوقها المزعومة في الاراضي المتنازع عليها ، كما ان كثير من الأنظمة المحلية الفاسدة بالمنطقة جعلت من قضايا النزاعات الحدودية سبباً في بسط سيطرتها علي شعوبها المغلوبة علي أمرها عبر الإثارة والتهييج لصرف الأنظار  عن الصعوبات الاقتصادية وضرورة التغيير للسماح لأجيال جديدة بتحمل المسؤولية ، وغض النظر عن ملفات الفساد بدعوي أن لا صوت يعلو  علي صوت المعركة ، وعدم النظر أو الإلتفاف للقضايا الإنصرافية المراد بها تعطيل الدولة عن إستخلاص حقوقها في اقاليمها السليبة.
بؤر التوتر المصنوعة هذه أدت فيما بعد إلي تفّجر الحرب الأهلية في السودان ولبنان وكثير من الدول الأخري سواء كانت بين المغرب والجزائر حول البوليساريو أو بين ليبيا وتشاد حول مثلث أوزو أو حول جذر الباكاسى بين الكاميرون ونيجيريا أو بين الصومال واثيوبيا حول الأوغادين أو بين السودان ومصر حول حلايب أو مثلث اليمي أو غيرها من مناطق (8).
وتراكم الصراعات وتكرره حول مناطق متنازع عليها في إفريقيا والشرق الأوسط بغض النظر عن الدولة المستعمرة أو سياساتها المعلنة يؤكد أن زراعة بؤر التوتر لم تكن مصادفة وإنما جاءت عبر تخطيط مسبق للإقعاد بشعوب هذه المناطق لإطالة أمد السيطرة كما ذكرنا !
الحرب الأهلية في لبنان :
لعب الإستعمار الأوروبي دوراً كبيراً في إشعال الحرب الأهلية في السودان ولبنان وكان يمكن تجنب هذه الحروب لولا أن جذورها غرست عميقا في التربة  وظلت تُرعي وتسقي عبر أجيال حتي  أينعت وإشتعلت حربا مدمرة فيما بعد، إلا أن هذه الحرب بطبيعة الحال لايمكن أن تحُمل فقط للإدارة الإستعمارية الفرنسية والبريطانية دون المكون المحلي الذي أسهم بدوره في إستمرارها وزيادة حدة اشتعالها ، والحرب اللبنانية وجذورها المباشرة لم تبرز علي السطح إلا مع الإجتياح الفرنسي لسوريا ولبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولي 1914م وفصل الاقليم اللبناني عن سوريا بقوة السلاح وإعلان مقاطعة مستقلة علي يد الجنرال غورو لتمكين المسيحيين الموارنة من تكوين دولة مسيحية خالصة في المنطقة لتكون ذات نسب بالدويلات المسيحية التي نشأت في أبان الحروب الصليبية مثل امارات  الرها وانطاكية وبيت المقدس والتي انتهت علي يد صلاح الدين الأيوبي والحكام المماليك من بعده وعلي راسهم الظاهر بيبرس(9).
وبالطبع كانت مسألة إعلان لبنان دولة مستقلة في العام 1943م مرحلة اخيرة من المخطط الذي ظل ينُسج لأعادة  هذه الدويلة ربما منذ أكثر من ثلاثة قرون ، وكانت بدايته عندما سمح السلطان سليمان القانوني أشهر السلاطين العثمانيين وخليفته من بعده السلطان سليم الأول للفرنسيين بالتعامل مع مسيحيي الشرق مباشرة ومساندتهم علي تطوير أنفسهم  أبان التحالف العثماني الفرنسي ضد الإمبراطورية النمساوية المجرية وحلفاءها في المنطقة ، وقد استغلت فرنسا هذه المنحة وأدخلت معها كثير من الدول الأوربية فى هذه المعاهدة بما في ذلك بابا الفاتيكان وملك بريطانيا ، وكانت هذه الإمتيازات العثمانية تنص علي عدم تقديم الرعايا الفرنسيين للمحاكمة التجارية إلا بعد التأكد من وجود صك مكتوب باسم هؤلاء الرعايا شخصياً وبحضور القنصل الفرنسي أو من يمثله ، كما أن الرعايا الفرنسيين في حالة إرتحالهم من أراضي الدولة العثمانية ولم يسددوا ماعليهم من التزامات مالية لايجوز مطالبة شركائهم أو أهاليهم أو القنصل الفرنسي بهذه الأموال ، كما أن المحاكمات الدينية لا تعقد إلا بواسطة الباب العالي شخصياً(10).
هذه الامتيازات التي لايوجد مايماثلها بالنسبة للعثمانيين في الداخل الفرنسي والأوروبي سمحت بتعميق العلاقات بين أوروبا ومسيحي الشرق وخصوصا الكاثوليك منهم ، وهم أقلية يتمثلون في الموارنة في وسط بحار واسعة من الأرثوذكس السريان واليعاقبة والروم والأقباط والكلدانيين والسريان الأرثوذكس .
ويتسائل الكثيرون عن أسباب منح هذه الإمتيازات المجانية من قبل العثمانيين لأوروبا الناهضة  يومئذٍ بالرغم من أن العثمانيين وقواتهم من الإنكشارين كانوا أكبر قوة مسلحة في أوربا كلها ولم يكونوا في موقف ضعف ! ولربما لهذا السبب تحديداً وافق سليمان القانوني وخليفته سليم الاول علي منح هذه الإمتيازات دلالة علي الثقة في النفس والقوة والقدرة على تغيير الأحداث والمعاهدات متي ما شعروا بأن هذه الإمتيازات لا تحقق مصالحهم مع أوروبا ، بيد أن الخلفاء العثمانيون اللاحقون كانوا أكثر ضعفا من سابقيهم بينما إستمرت أوروبا في النمو والإزدهار بسرعة فائقة بفضل الثورة الصناعية والسيطرة علي العالم الجديد وتحديث طرق النقل والإصلاح الديني الذي سحب السلطة من يد الأكليريوس ووضعها بيد الحكام ورجال المال والصناعة(11)، ومن هنا أصبحت الإمتيازات والمنافع المترتبة عليها حقاً مشروعاً للأوروبيين لايمكن التنازل منه خصوصا بعد علو شوكتهم وأنتصارهم على العثمانيين وإزالة خطرهم نهائيا من قلب  أوروبا والبحر الأبيض المتوسط .
وعندما ضعفت الإمبراطورية العثمانية أكثر نتيجة لنهوض أوروبا وتحويل طرق التجارة الدولية والحروب مع القياصرة الروس والتمرد داخل الإمبراطورية نفسها إنعكس كل ذلك علي التعامل الديني والتجاري مع الأقليات المسيحية في الشرق حيث أصبحت العلاقات المشتركة أكثر متانة وسفورا ، كما أن التعليم الاوروبي والجامعات الحديثة والوكالات التجارية أصبحت محتكرة للطوائف المسيحية دون الآخرين مما نتج عنه علو كعب المسيحيين ونموهم عددياً ومالياً وتعليمياً  مقارنة بجميع  الطوائف الأخرى بما في ذلك الطائفة الدرزية التي كانت تحتكر السلطة تقليديا في جبل لبنان ربما منذ العصور الوسطي (12).
وبأجتياح فرنسا للشام وجبل لبنان بحسب إتفاقية سايكس بيكو الشهيرة التي قسمت المنطقة مابين النفوذ الفرنسي والبريطاني إنفتح الباب واسعا أمام الأحلام الفرنسية لتحقيق دولة موالية في المنطقة يكون عمادها المسيحيين الموارنة بالإضافة إلي الطوائف الأخرى بعد أن تُعزل دمشق ، لأن هذا الأمر من شأنه ينشر النفوذ والثقافة الفرنسية حول دول حوض البحر الأبيض المتوسط ! كما أن الموارنة قد أثبتوا وعبر تاريخهم الطويل أنهم أكثر إخلاصا لفرنسا من الآخرين وذلك للرباط الديني واللغوي والمصالح المادية التي نشأت ، وهذا ما لايتوفر لأي جماعة أخري (13).
وبالرغم من ذلك إصطدمت الجهود الفرنسية بجدار ضخم من الرفض الإسلامي لتكوين دولة مستقلة باسم لبنان ، وذلك لأنهم  رأوا أنفسهم  جزءاً لايتجزأ من سوريا ، وإن فرنسا لم تصنع هذه الدولة إلا لمناصرة حلفائها الموارنة، بيد الفرنسيين نجحوا في شق الصف الإسلامي اللبناني عندما قسموا المسلمين لثلاثة طوائف رئيسية هي الشيعة والدروز وأخيرا السنة ، وقد كانت هذه الطوائف الثلاثة تعتبر بحكم الطائفة الواحدة ، وقد ترتب علي هذه التقاسيم حقوق دستورية ثابتة تمنح  السنة علي سبيل المثال رئاسة الوزارة،  وتمنح الشيعة رئاسة البرلمان أو الهيئة التشريعية ، بينما تمنح الدروز وزارة الدفاع ، ومن هنا إستماتت كل طائفة بصفة منفردة باستحقاقاتها الدستورية متجاهلين أن الطائفة المارونية نالت نصيب كبير في السلطة مقارنة بتعدادها السكاني المتوسط بعد رحيل الألوف منهم إلي فرنسا وأمريكا الجنوبية وغرب إفريقيا واستراليا علي عكس الشيعة علي سبيل المثال الذين كانت هجرتهم قليلة ونسبة المواليد بينهم عالية  مما رشحهم في آخر الأمر  أن يكونوا الطائفة الأكثر سكانا في لبنان ، بيد أن الدستور اللبناني قسم الوظائف العامة بحسب تعداد عام 1943 م والذي نالت بموجبه الطائفة المارونية رئاسة الجمهورية وقيادة  الجيش ورئاسة الاستخبارات العامة أو مايسمي بالمكتب الثاني بالإضافة إلي رئاسة البنك المركزي ووظائف أخري عديدة ، كما أن الدستور منح رئاسة الجمهورية صلاحيات واسعة أهمها أن رئاسة مجلس الوزراء لاتعقد إلا برئاسة رئيس الجمهورية ، كما أن توقيعه لابد منه للشروع في تطبيق أي قانون مقترح بالإضافة إلي موافقته علي ملء الوظائف العليا في الجمهورية (14).
ومن هنا سيطر الموارنة علي مفاصل الدولة اللبنانية من خلال هذه الوظائف الهامة ، وفوق ذلك أنه لم  يسجل مطلقا بعد عام 1943م اي إحصاء سكاني جديد لمعرفة الحجم الحقيقي للطوائف حتي يتم تمثيلها بصورة صحيحة وبما يتناسب بالمواطنين اللبنانيين المنتمين إليها  فعلياً ، بالإضافة إلي الشكوك العميقة حول صحة إحصاء 1943م لأنه تم في ظل الإحتلال الفرنسي ووسط مقاطعة سنية  واسعة بسبب عدم الرغبة في خلق كيان لبناني جديد منفصل عن الكيان السوري(15).
وبالرغم من هذه المحاباة للموارنة إندلعت الحرب الأهلية في لبنان في العام 1957م والعام 1975م ، وقد إستمرت الحرب الأخيرة لحوالي خمسة عشر عاماً بلا توقف وكانت الأعنف والأكثر سفكاً للدماء في كل تاريخ المنطقة لأنها جمعت مابين الصراع  الغربى والعالم الإسلامي والصراع العربي الإسرائيلي والصراع الاشتراكي الرأسمالي والصراع المسيحي مسيحي والصراع الشيعي شيعي والصراع الفلسطيني فلسطيني والصراع السوري الفلسطيني !.
أما فيما يختص بالصراع بين الغرب والعالم الإسلامي فقد مثله إنحياز فرنسا للطائفة المارونية منذ مئات السنين وتتويجهم علي عرش لبنان بالرغم من أن هذه المنطقة ظلت تدار بواسطة المسلمين ربما منذ فجر الإسلام ، وفيما يبدو أن فرنسا إنحازت للموارنة بسبب الذكريات التاريخية أبان الحروب الصليبية والإحساس بأن الموارنة الكاثوليك من خلال رابطة الدين والثقافة والإعمال التجارية جزءاً لايتجزأ من الأمة الفرنسية ، ومن هنا عندما نشأ الصراع في لبنان كان جزءاً هاماً منه يريد أعادة لبنان إلي حظيرة أمتها الإسلامية أو  يلحقها بالأمة الفرنسية والثقافة الغربية والعلمانية(16) .
أما فيما يختص بالصراع العربي الإسرائيلي فهو معروف لأن لبنان أصلا دولة مواجهة مع إسرائيل وقد إرتحلت منظمة التحرير الفلسطينية إلي لبنان في أعقاب المواجهة مع الأردن فيما يسمي بايلول الاسود في 1970م ، وكان ذلك الإرتحال من أسباب تجدد الحرب الأهلية في لبنان في 1975م لأن الوجود الفلسطيني الكثيف في لبنان ومعدل المواليد العالية كاد ان يخل بالتوازن الدقيق بين الطوائف وأعلي من شأن الطائفة السنية لأن جل الفلسطينيين من السنة بالإضافة إلي تراكم ثروة العرب بعد حرب اكتوبر 1973م نتيجة لغلاء سعر البترول وهجرة كثير من الفلسطينيين إلي هناك تملكهم من ثروات هامة توسعوا فيها  بلبنان، كما أن الفلسطينيين بداؤا حرب مقاومة ضد إسرائيل عبر الجنوب اللبناني، وقد أقرت إتفاقية القاهرة 1970م  أبان نهايات المد الناصري لهم بهذا الحق في المقاومة بموافقة الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس كميل شمعون ، إلا أن المقاومة ومما لاشك فيه  كان من الطبيعي أن تجلب غضب إسرائيل وانتقامها ليس من الفلسطينيين فحسب بل من اللبنانيين ومؤسساتهم الإقتصادية وخصوصا  في قطاع السياحة وهو ما يعتمد عليه كثير من اللبنانيين في كسب قوتهم ، ومن هنا زاد التذمر والغضب من الفلسطينيين  وخصوصا من قبل الموارنة ، كما أن هناك أسباب كثيرة بالطبع من أهمها الإتصالات القديمة بين مسيحي لبنان والدولة العبرية عبر وساطة فرنسية(17) ، وقد حاول الطرفان إبقائها بقدر الإمكان بعيدة عن التناول الإعلامي إلا أن ذلك الأمر كشُف فيما بعد ، ولعل الدافع الرئيسي لهذا التنسيق هو شعور المسيحيين واليهود من أنهم يعيشون وسط بحار من المسلمين في المنطقة ولابد من التعاون لحماية أنفسهم   خصوصا وأن دولتيهما لم تتكون إلا بعد مساعدة غربية كبرى ، ومن هنا عندما إزدادت المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان شعر الموارنة بضرورة تطبيق  التحالفات القديمة ومواجهة تحدي الفلسطينيين المؤثر علي الداخل اللبناني والداخل الإسرائيلي.
أما الحرب بين المعسكر الإشتراكى والرأسمالي فقد تمثلت في صراع الحزب التقدمي الإشتراكي الدرزي والحزب الشيوعي اللبناني ضد حلفاء فرنسا والغرب في لبنان بغض النظر عن الطوائف السياسية التي ينتمي إليها القادة الإشتراكيون ، وكانت الحرب الشيعية شيعية متمثلة في الشيعة الذين نظروا إلي الفلسطينيين كخصوم ضمن الطائفة المنافسة كما في حالة حركة آمل الشيعية بقيادة المحامي  نبيه بري والشيعة الذين نظروا  للفلسطينيين كأنصار في مواجهة إسرائيل مثل حزب الله الشيعي (18) .
أما الحرب الفلسطينية الفلسطينية فقد تمثلت في الفلسطينيين من أنصار الجمهورية السورية والراغبين في الإمتثال لتعليماتها كي لايفقدوا  حليف مهم في إطار الحرب العربية الإسرائيلية والفلسطينيين من إنصار حركة فتح بقيادة ياسر عرفات الذين قدروا أنهم يستطيعون إشعال المقاومة  ضد اسرائيل متحالفين مع حلفاءهم اللبنانيين ومتخاصمين مع نظرائهم المعادين دون إهتمام بالتدخل الخارجي حتي لو أدي ذلك إلي تدمير المعادلة اللبنانية الهشة المتمثلة في التوازن الشكلي بين الطوائف اللبنانية .
في هذه الاجواء المعقدة والهزائم المتتالية للموارنة اللبنانيين والإستعانة بسوريا عدوهم التاريخي لحمايتهم من الأندحار علي يد الدروز والشيوعين والفلسطينيين وبعض السنة وبعض الشيعة  نشا بشير الجميل ، حيث عمل أولا علي  الإستفراد بالساحة المسيحية مثلما عمل نظيره الدكتور جون قرنق علي الاستفراد بالساحة الجنوبية .
الحرب الأهلية في السودان :
بدايات الحرب الاهلية في السودان تشبه كثيراً الحرب اللبنانية مع وجود بعض الاختلافات بالطبع ، وأهم ملامح التشابه أن اليد الغربية لعبت دوراً كبيراً في أشعالها في كلا البلدين ، ولعل قتل الجنرال غردون في قصر الحكم في 26 يناير 1885م كانت بداية القصة إذ شعر كثير من البريطانيين وأصحاب الرأي والصحف أن الجنرال غردون شهيد من شهداء المسيحية  ضد التعصب الإسلامي  وأنهم ينبغي عليهم الثار من قاتليه ونشر المسيحية في جميع إنحاء السودان ، وقد ظل هذا المخطط مطروحاً ومتداولاً به حتي إعادة إحتلال السودان بواسطة الجيش الإنجليزي والمصري المغلوب علي أمره في أواخر القرن التاسع عشر(19) .
وعندها أخذت الجميعات التبشيرية وأجهزة الاستخبارات تنشط كثيراً في جنوب السودان سرعان ما ظهر مفعولها ثم مالبثت أن فصلت الجنوب تعليماً وثقافياً عن بقية أنحاء القطر عبر قانون المناطق المقفولة 1922م، والذي ضع حزاماً واسعاً بعرض عشرة كيلومترات ليفصل بين الطرفين ، كما أنه منع تنقل المواطنين من القسمين وسمح للاجانب والجمعيات التبشيرية بالعمل في جنوب السودان ، وقد أدى ذلك إلى وضع أسس دولة مستقلة بجنوب السودان ، وفيما يبدو أن هذا المخطط الذي  كان يجري إعداده بدقة كبيرة حتي إنفجار الحرب العالمية الثانية في 1939م قد تعطل ، وقد أدت هذه الحرب بالرغم من الإنتصار  البريطاني إلي إنهاكهم بشرياً وإقتصادياً وتحويل هيمنتهم بشكل نهائي إلي الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي ، حيث إعتبرت بريطانيا بعد هذه الحرب دولة متوسطة القوة وتحولت من إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس إلي دولة تبحث عن دائنين لاعادة جدولة إقتصادها المنهار ، ومن هنا عجّلت بالغاء كثير من المشاريع الإستعمارية فيما وراء البحار وأخذت تغادر رويداً رويداً من هذه المناطق بما في ذلك أهم مستعمراتها الهند في  1948م .
أما في جنوب السودان فقد حاولت في مؤتمر جوبا 1947م ضم جنوب السودان إلي شماله ، بعد أن إستماتت في فصل مصر عن السودان ، وفيما يبدو أنها تيقنت أنه بانفصال مصر عن السودان فإن جنوب السودان ما يلبث أن ينفصل لأنه لا قدرة للشماليين علي إستيعاب الجنوب وإحتوائه لأنه يشكل ربع مساحة السودان وربع سكانه .
ملامح الشبه بين الرجلين :
أول ملامح الشبه بين الرجلين أنهما حاولا أن يرتكزا في دعوتيهما إلي حضارات  سبقت الحضارة العربية والإسلامية بقرون مثل حضارة كوش والحضارة  الفينيقية  كتلميح  بأن السكان من أصول عربية أو إسلامية ربما كانوا دخلاء علي المنطقة بالرغم من تواجدهم في المنطقة  لأكثر من ألف سنة أو تزيد، كما أنه لاتوجد أدلة كافية علي أن كل هؤلاء قدموا  من الخارج مهاجرين ولم يكونوا بالداخل  والتغيير الذي طرأ عليهم تمثل في اعتناقهم الدين الإسلامي والثقافة العربية .
ومن ملامح الشبه أيضاً الاعتماد علي دولة مجاورة عند النشأة الأولي للحرب لضمان الحماية والمساندة وهذا أمر مفهوم ولابد منه ، فبشير الجميل كثف زياراته إلي إسرائيل ولم يجعلها طي الكتمان كما فعل الآخرون ، بينما إعتمد جون قرنق علي الدولة الأثيوبية في توفير الدعم والمأوي  ومناطق التدريب والدعم الإستخباري ، والغريب أن لكلا الدولتين إثيوبيا وإسرائيل علاقات وثيقة مع بعضهما البعض بالرغم من الأختلاف الايديولوجي ، كما أن لكلا البلدين مطالب في السودان ولبنان ! حيث كانت مطالب إسرائيل في لبنان تتمثل في لجم المقاومة الفلسطينية والمشاركة في المياه العزبة ( نهر الليطاني) بينما كانت مطالب إثيوبيا تتمثل في طرد المقاومة الإريترية وأعـادة تقسيم  حصص مياه النيل (20).
كما أن كلا الرجلين تعّرف على الولايات المتحدة الإمريكية باكراً ونال فيها  دراسات جامعية   ، صحيح أن بشير الجميل تعلق أكثر بفرنسا إلا أنه أتم تعليمه بالولايات المتحدة وتدرب علي المحاماة في نيويورك (21) ، ولايُستغرب أن يكون الرجل قد نسج علاقات ما مع صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية تحضيرا للمرحلة اللاحقة ! أما الدكتور جون قرنق فقد درس معمقاً في الولايات المتحدة ونال منح تعليمية مباشرة للماجستير والدكتوراه .
ومن جهة أخري وصل الرجلان للسلطة المطلقة بمناطق نفوذهم عبر إستعمال أساليب عنيفة   ليست موجهة لخصومهما فقط ولكن لأنصارهما الذين شكلوا  معارضة داخل حركتيهما ، حيث قام بشير الجميل باغتيال طوني فرنجية إبن الرئيس سليمان فرنجية وكثير من أنصاره ، كما استهدف مليشيا النمور المسيحية التي  يهيمن عليها دوري شمعون إبن الرئيس  كميل شمعون ، كما صفي كثير من الخصوم من الطوائف الأخري فى  بيروت الشرقية والأشرفية والمتن وجونيه وغيرها.
أما الدكتور جون قرنق فقد أثيرت تساؤلات كثيرة  غير مؤكدة حول دوره في التخلص من أعضاء المكتب القيادي المؤسس  للحركة الشعبية مثل وليم نون وكاربينو كوانين فيما عدا سلفاكير ميارديت ، أضف إلي ذلك خلو مناطق الحركة   من أنصار الحكومة المركزية أبان الحرب  (22) .
وعلي العكس من ذلك تماما نجد أن خصوم الحركتين سواء كانوا سنة أو شيعة أو دروز في لبنان أحتضنوا مئات الألوف من الموارنة المسيحيين بل قاتلوا جنبا إلي جنب معهم ضد بشير الجميل مثل الياس عطا الله وجورج حاوى وغيرهم ، بينما احتضن الشمال ملايين اللاجئين الجنوبيين الفارين من الحرب الاهلية وقاتل الكثير منهم في الجيش الحكومي ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان .
ووجه الشبه الآخر ايضا إن كلا الرجلين  امتلك علاقات وثيقة باسرائيل ، صحيح أن الدكتور جون قرنق كان أكثر تحفظا في علاقته مع إسرائيل ، إلا أن الدولة العبرية كانت من المؤسسين البارزين للتمرد في جنوب السودان ، وربما  أتت تلك الرعاية للدور السوداني في مساندة الفلسطينيين وجامعة الدول العربية ، وقد مارست إسرائيل سياسة شد الأطراف لمواجهة الخصوم داخل أراضيهم أولاً وشغلهم عن دعم دول المواجهة المباشرة معها مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان(23).
كذلك رغب الرجلان في إعادة صياغة الدولة في كلا البلدين عبر توجهات محددة تكون بعيدة عن الدين أو مناهضة  له وتكون أكثر إرتباطا بالغرب وأكثر رغبة في المصالحة مع إسرائيل وإدماجها في المنطقة ، وقابلة للخضوع  لهيمنة الموارنة والجنوبيين علي مفاصل السلطة ، وفي حالة عدم تأتي ذلك  للأغلبية المناهضة في كلا البلدين لهذه التوجهات يتم الإنفصال وتكوين دولة مستقلة تّعبر عن السياسات السابقة دون تحفظ وبمعزل عن الرؤية العربية والإسلامية في هذا الخصوص .
كذلك لعبت الكنيسة الكاثوليكية دوراً كبيراً في دعم مشروع الرجلين ، ربما منذ فترات مبكرة وذلك لمواجهة العالم الإسلامي والتصدي الحاسم للتوسع المتوالي لانصاره في المنطقة ،  لأن  أصداء الصراع القديم لازالت مؤثرة ولاشك في قطاعات واسعة عند كلا الطرفين خصوصا مع اندحار التوجه الماركسي والعلمانية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ، وفشل الانظمة العربية العلمانية في التحديث والتصدي لاسرائيل ، لذلك كان المشروع الديني مرتكزاً قوياً عند كلا الطرفين ،  وكانت ساحة المواجهة بمناطق عديدة ولكن كانت ابرزها في السودان ولبنان  كما كِلا أن الرجلين نال تعليماً مقدراً  فى الإرساليات الكنسية في بداياتهم الاولى ، وأن وجدانهم  تمت إعادة صياغته وبلورته هناك ،  وقد تأثروا مما لاشك فيه بهذه الرؤيا  ووجهت خطاهم فيما بعد للتعبير عن الأشواق الكنسية(24).
ومن ملامح الشبه بين الرجلين كذلك عدم وجود أرضية مشتركة لأنصارهما المفترضين سواء كانوا مسيحيين أو قبائليين ، وبالرغم من ذلك نجح كلا الرجلين في إدارة الحرب وتعبئة الالوف منهم لأجل الصمود والإستمرار ، ففي الحالة السودانية علي سبيل المثال نجد أن مناطق النفوذ الحقيقي للدكتور جون قرنق تمثلت في قبيلة الدينكا وأحياناً بعض القبائل النيلية الأخري مثل الشلك والنوير بينما ناهضته قبائل إستوائية عديدة مثل الاشولي والتبوسا والمنداري والزاندي وغيرها، إلا أنه استطاع في آخر الأمر أن يكون الناطق والمعبر عن جنوب السودان وأحلامه .
أما بشير الجميل فلم يكن صاحب النفوذ الاوحد علي الطائفة المسيحية المارونية دعك عن الطوائف المسيحية الأخري مثل الروم الأرثوذكس والسريان والأرمن والكلدانيين وغيرهم ، وبالرغم من ذلك بسبب الحرب وويلاتها صار الصوت المسيحي الأكثر تعبيرا عن مسيحي لبنان وضرورة هيمنتهم علي المنطقة! والدليل علي ذلك أنه حتي بعد حادثة إغتياله في العام 1982م مهد الطريق لأخيه أمين الجميل للوصول لرئاسة الجمهورية بالإجماع وإكمال مدته لست سنوات بحسب الدستور اللبناني  وتمديد الفترة  بعد ذلك ، ولازالت أسرة الجميل من أبرز الأسر المسيحية المعبرة عن أشواق المسيحيين في لبنان ، صحيح  أن والده بييار الجميل كان وزيراً ومؤثراً علي الساحة السياسة اللبنانية إلا أن أمثاله كُثر في لبنان ، وأن مجد الأسرة لم يتحقق إلا مع بروز إبنه بشير الجميل.
ومن ملامح الشبه بين الرجلين أن الحرب الشرسة التي  خاضاها ضد الطرف الآخر أدت آخر المطاف إلي تقوية أحزاب مناهضة  لهما وأصبحت فيما بعد  مهيمنة علي السلطة  والسياسة في كلا البلدين في دلالة علي صحة المقولة العلمية أن لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة ومخالف له في الإتجاه ، ففي الحالة اللبنانية علي سبيل المثال نشأ حزب الله وتوسع بسرعة شديدة وأصبح أقوي الأحزاب السياسة ، ولم يعد له ند في لبنان أو في المنطة بعد أن تحدي اسرائيل  ومحاربتها داخل لبنان حتي طردها  آخر الأمر في مايو 2000م ، ثم التصدي لها في 12 يوليو 2006م  وإلحاق  خسائر فادحة بها وجعلها تفكر  كثيرا قبل الإقدام مرة أخري علي مهاجمة لبنان (25) ، ولازالت المشكلة الاساسية في لبنان  متمثلة في كيفية نزع سلاح حزب الله وتحويله إلي حزب مدني في الساحة اللبنانية بالرغم من تأكيده المستمر علي أن سلاحه موجه لاسرائيل وليس إلي الداخل اللبناني ، بيد أن المخاوف المسيحية والسنية والدرزية كبيرة للغاية لأنها تخشي أن يخرق حزب الله المعادلة اللبنانية بعد أن تراضوا عليها مرة أخري بعد إتفاقية الطائف فى عام 1990م ، والتي إنتهت بموجبها الحرب الأهلية في لبنان بعد العودة مرة أخري  لصيقة تقاسم السلطة بحسب قسمة عام 1943م بغض النظر عن  الحجم الحقيقي للطوائف المتعددة ، وإجبار الفلسطينيين علي التمركّز في مخيمات محددة لايخرج منها سلاح إلي  خارجها أو يهاجم به إسرائيل  ، كما تم السماح للمقاومة اللبنانية الخالصة بتحرير الجنوب اللبناني بعد أن هيمن عليه جيش لبنان الجنوبي بقيادة الرائد سعد حداد الموالي لإسرائيل(26).
وفيما يبدو أن السماح بالمقاومة في جنوب لبنان للبنانين لم يكن منتظر من ورائه أن يقوي طائفة دون الأخريات (وهي الطائفة الشيعية) ، وذلك لإلتفاف هذه الطائفة حول حزب الله  بقوة بعد تقديمه تضحيات هائلة في سبيل إخراج اسرائيل من جنوب لبنان، كما أن مدرسة الجهاد في جنوب اللبنان خرجّت كوادر صلبة أسهمت فيما بعد  فى  تقوية حزب الله ، كما أن سوريا التي كانت ترغب في تحرير مرتفعات الجولان عبر الضغط علي اسرائيل من خلال الجنوب اللبناني ودعم والمقاومة  هناك من دون أن تتورط مباشرة  ومن هنا قدمت مساعدات ضخمة لحزب الله بعد أن أثبت فعالية وعدم  تهيب القتال  ، أضف إلي ذلك أن بقية الطوائف انشغلت بقسمة الثروة والسلطة في العاصمة بيروت وسعدت بانشغال الجهاديين بمناوشة اسرائيل ، مع تحمل بعض الضربات الإنتقامية الإسرائيلية جراء أحدي عمليات حزب الله الجريئة أحياناً ، إلا أن اسرائيل لم تصمد كثيراً بعد عقد من إتفاقية الطائف عندما إنسحبت من جنوب لبنان لأول مرة عن طريق العمل المسلح وليس المفاوضات 2000 مما قلب المعادلة اللبنانية والعربية وجعل من حزب الله أقوي حزب في لبنان ، ولم يعد حزبا شيعيا خالصاً كما بدأ ولكن حزباً لبنانيا إسلامياً له أنصار في كثير من الطوائف اللبنانية الأخري بما في ذلك الطائفة السنية والمسيحية(27) .
أما في السودان فقد أدت حرب جون قرنق الشرسة علي الحكومة المركزية إلي نمو الجبهة الإسلامية القومية وحصولها علي أكثر من خمسين مقعداً في الجمعية التأسيسية التي أعقبت سقوط الرئيس جعفر نميري في إبريل 1985م ، بعد تركيزها علي مناؤة الحركة الشعبية إعلامياً وسياسياً والدعوة إلي تقوية الجبهة الداخلية ودعم القوات المسلحة وملاحقة المتعاونين أو المتعاطفين مع رؤي الحركة الشعبية ، وقد أدي هذا الموقف مع توالي شدة الحرب وخصوصاً في المراحل الأخيرة لفترة الحزبية  الثالثة 1986 – 1989م إلي إلتفاف جماعات سودانية عديدة خلف الجبهة الإسلامية القومية ، مما مكّنها  آخر الأمر من السيطرة علي السلطة منفردة في 30 يونيو 1989م ، وقد كانت إجراءاتها الأمنية والإقتصادية في مراحلها الأولي قاسية للغاية إلا أن تفهم العديدين  لهذه الإجراءات من أجل مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان التي توسعت كثيراً يومئذٍ حد من الإحتجاجات المحتملة أو التفلت الامني الذي ينشأ عادة بعد إجراء إصلاحات إقتصادية قاسية ، خصوصا إذ جاءت هذه الإجراءات في ظل عداء دولي وإقليمي بسبب حرب العراق علي الكويت وفهم البعض  من أغنياء الخليج  الداعمين التقليدين أن السودان إنحاز لصالح العراق دون الطرف الآخر(28) .
كذلك من ملامح الشبه بين الرجلين أن الحرب التي شنوها ضد الطرف الآخر لم تؤدي إلي إلغاء أي طرف بالرغم من شدة وطيسها ، وعلي العكس من ذلك أدت إلي تفهم الجميع أن حروب  أهلية مثل هذه لايمكن أن يكسبها إي طرف لأنه من المستحيل إلغاء الطرف الآخر أو إلغاء وجوده ، وقد أدت هذه الحرب ايضا إلي تفهم الأطراف الخارجية التي تدخلت في الحرب أنه من المستحسن الدفع في إتجاه تسوية ما تكون مرضية للطرفين عبر وسيط  إقليمي وعبر رعاية دولية ، وبالفعل لم تنتهي الحرب الأهلية في لبنان إلا بعد إتفاقية الطائف برعاية سعودية وسورية وفرنسية وأمريكية عام 1990م ، بينما إنتهت الحرب الأهلية في السودان برعاية كينية وإثيوبية وأمريكية وأوروبية عام 2005م . والطريف في الأمر أن كلا الإتفاقيتين حددت أنصبة سياسية معينة لكلا الطرفين ! ومن ضمنها منح جنوب السودان الحكم الذاتي والنائب الأول لرئيس الجمهورية وأحد الوزارات السيادية مثل الخارجية بالإضافة إلى أحد الوزارات الإقتصادية والخدمية ، بينما كان مثل هذا التقسيم معمولا به في لبنان منذ استقلاله في 1943م ، والفرق الوحيد ينبع من أن التقسيم السوداني له أجل محدود هو الإنتخابات المقرر إقامتها في 2009م ، أو أجل أبعد هو حق تقرير المصير في 2011م ، إلا أنه من غير  المستبعد أن يسلب الجنوبيون هذه الحقوق المكتسبة مهما كانت نتيجة الإنتخابات في المنظور القريب .
كذلك من الملامح المشتركة بين الرجلين أنهما خلفا قيادات فاعلة بعد رحيلهم الفجائي إدارت السياسات المختلفة لحزبيهما بفاعلية كبيرة ، بمعني أنهما لم يحتكرا الإضواء والمعرفة لوحدهم برغم من ( شخصياتهم ) الطاغية ، ففي الحالة السودانية علي سبيل المثال خلف الدكتور جون قرنق الفريق سلفاكير ميارديت وباقان أموم ومالك عقار وعبدالعزيز الحلو وإدوار لينو وغيرهم ، بينما خلف بشير الجميل سمير جعجع وكريم بقرادوني وإيلي حبيقة وفادي أفرام وجورج عدوان وغيرهم .
أضف إلي ذلك أن زوجة كلا الرجلين أصبحت من عوامل الإستقرار في حزبيهما عبر وساطات التصالح  بين الأطراف المتنافسة وتهدئة  الجنود الثائرين وتمثيل الحزب في أعلي مناصب الدولة ، ففي الحالة اللبنانية عملت صولانج الجميل زوجة بشير الجميل على توفيق أوضاع القوات اللبنانية والفصل بين المتنافسين والترشيح للإنتخابات  العامة وتمثيل دائرة الأشرفية الحصن الحصين للقوات اللبنانية  في البرلمان ، أما في السودان فقد انتخبت ربيكا قرنق في المكتب القيادي في حياة زوجها الراحل بالإضافة إلي وصولها إلي رتبة كوماندر في قوات الحركة ووصولها لمنصب وزير الطرق والكباري في حكومة جنوب السودان بالإضافة إلي منصبها الاستشاري الحالي بالحركة ، ومن المحتمل أن تلعب دورا أكبر في المستقبل.
ثم أخيرا  تنبع ملامح الشبه في إن كلا الرجلين قبيل وبعد الوصول إلي السلطة حاول التودد إلي الطرف الآخر الذي كان محارباً له والوصول معه إلي تسوية سلمية وربما نزع الإعجاب من جماهير الطرف الآخر عبر  محاولات مقدرة لإظهار وجه آخر مختلف عن وجه المحارب ، وربما ممارسة الإستقلالية السياسية عن الأطراف الخارجية التي أسهمت  في دعمها أثناء الحرب ، ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في حالة بشير الجميل وذلك لطول سنوات غيابه وظهور كثير من الحقائق والمذكرات والشهادات التي لم تكن متوفرة من قبل عكس الصورة الأخري لغياب الدكتور جون قرنق التي مازالت حديثة ومكتومة في صدور الرجال.
وربما أدت هذه الإستقلالية إلي نهاية الرجلين ، لأن بشير الجميل تذمّر في آخر أيامه وبعد إنتخابه رئيساً للبنان (عبر  البندقية الإسرائيلية) من النفوذ الإسرائيلي والإملاءات المتزايدة ، وذكر لخاصته أنهم يعاملونه وكأنه ولد صغير وليس رئيس الجمهورية اللبنانية وأنه سوف لن يخضع  لأحد من بعد اليوم وأنهم ليسوا  أوصياء عليه (29) بالإضافة إلي أن اسرائيل شعرت أنها ربما باغتيالها لبشير الجميل ربما تسهم في تخفيف الأحتقان الهائل في نفوس اللبنانيين وخصوصا المسلمون منهم لأن من شأن زيادة غضبهم وإستفزازهم أكثر من ذلك أن يتوّلد رد فعل ربما لاتستطيع أن تتحكم فيه ، وفيما يبدو أن اسرائيل تأخرت كثيرا في تنفيس ذلك  الإحتقان ونشأ بالفعل من الحقبة البشيرية حزب الله ومقاومته الشرسة   .
بعض ملامح الإختلاف بين الرجلين :
أهم ملامح الإختلاف بين التجربتين والرجلين أن مشكلة جنوب السودان والحرب الناتجة عنها تعتبر حديثة النشأة مقارنة بالموارنة في لبنان ، لأن الأخيرين ظلوا في حالة نزاع دائم في المنطقة  مع جيرانهم المسلمين والطوائف الأخري من المسيحيين ربما لأكثر من ألف عام ،  وقد إستفادواً  كثيرا من المناطق الجبلية الوعرة في لبنان لخلق معازل تمنعهم من الذوبان فى الآخرين ، كما أن إتصالهم بأوروبا كان منذ وقت مبكر للغاية وربما قبل نشوب الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي وما بعده  ، وقد نتج عن هذا الإتصال تحويل الموارنة لكنيستهم من الارثوذكسية الي الكاثوليكية ، وقد ساعد علي ذلك سهولة إتصالهم بفرنسا عبر البحر الابيض المتوسط ، علي عكس الحالة الجنوبية التي كان يتعذر عليها إقامة إتصال مباشر مع أوروبا إلا في زمن حديث جدا.
كما أن العقيد جون قرنق كان أكثر دهاءاً من بشير الجميل  في كثير من  المواقف ومن أهمها عدم التركيز علي المسألة الدينية والقومية أو الدعوة لها علناً بالرغم من أن الدين والكنيسة لعبا دوراً مؤثرا في أحداث جنوب السودان ، وعوضا عن ذلك ركز دعاويه حول التهميش وإقصاء الآخرين من السلطة والثروة مما مكنه من جميع الألوف  من الأنصار خارج مناطق نفوذه في الجنوب ، وهذا ما فشل فيه بشير الجميل.
أضف إلي ذلك أن ميدان الحرب في جنوب السودان ومحيطه الإقليمي أكثر موائمة لحرب العصابات عكس الميدان اللبناني برغم من وعورة جباله بيد أن المدفعية الحديثة والطيران ومحدودية طرق النقل من الساحل الي الجبال ومحدودية الارض أسهم في التقليل من شأن حرب بشير الجميل ، كما أن المساندة الإسرائيلية للقوات اللبنانية وبشير الجميل جاءت خصماً عليه آخر المطاف وذلك لحالة العداء الشديد التي جوبه به هذا التحالف من قبل المحيط الإقليمي المعادي لإسرائيل لأنها كيان  غريب عن المنطقة ولا تمتد جذورها عميقاً في الأرض  ولم تتأسس إلا في أواسط القرن العشرين عندما تم  صنعها في 15 مايو 1948م علي عكس الموارنة المسيحيين الذين يظلون جزءاً اصيلا في المنطقة بالرغم من حالة العداء، وأنه لابد وأن تنتهي الحرب ذات  يوم ويعود السلام يظلل الجميع بعكس اسرائيل الدخلية في المنطقة .
أما  فيما يختص بالدعم  الإقليمي لجنوب السودان فقد كان أكثر تجانسا مع الحركة الشعبية خصوصا في محيطها الإقليمي القريب ، لذلك ظل الدعم الإفريقي مفهوما في إطار دعم التوجهات الإفريقية المناهضة للتوجهات العروبية والشرق أوسطية في السودان بحسب التشبيه الإعلامي للحركة الشعبية وبحسب الإنغماس الكبير لحكومات السودان المتعاقبة في القضايا العربية وتجاهل المحيط الإقليمي المجاور.
كما أن الحروب الاهلية والحركات المطلبية والتخلص من هيمنة المركز دعاوي لايخلو منها قطر إفريقي ، وغالبا ما يتم دعم الجماعات الثورية المتمردة للدول المعادية والتي تسرع بدورها  بدعم متمردي هذه الدولة وهكذا ! لذلك كان الجوار الأقليمي في مصلحة الحركة الشعبية  مقارنة بالجوار اللبناني علي محدوديته.
خاتمة :
مما لاشك فيه أن تجربة الرئيس بشير الجميل والدكتور جون قرنق كانت ثرية للغاية وأسهمت وإلي حد كبير آخر المطاف في إبراز ضرورة المعايشة والمساكنة مع الطرف الآخر ، وأن الحرب ومهما تشدد الطرفان فيها لابد وأن تنتهي في النقطة التي بدأت منها وهي ضرورة معالجة الإختلافات سياسيا  ومطلبياً، وأنه من المستحيل إزالة الطرف الأخر أو إلغائه من الوجود  مهما كان  المحيط الدولي مؤيداً أو مسانداً لهذه التوجهات ، وأن التشدد والتصلب لابد وأن يوّلد تشدداً وتصلباً مضاداً ربما يصعب السيطرة عليه.
كما أن تجربة الرجلين أثبتت أن الخارج غالبا ما يود تحقيق مصالحه الخاصة بغض النظر عن أحقية الأطراف الداخلية وعدالة قضيتها ، وأنه غالبا ما يدعم الجهة التي يعتقد أنها تحقق مصالحه ،  وفي حالة الإخلال  أو التبرؤ من التعاون فإن نهاية الطرف المحلي غالبا ما تكون خاسرة  وجسيمة وذلك لإطلاع كثير من الأطراف الخارجية علي كثير من الأسرار والخطط داخل التنظيم المحلي وتحسبّها لذلك من خلال الإعتماد على رجال آخرين  داخل تنظيم الزعيم ، وفى حالة الشعور بتغيير مواقفه أو إنسجامه مع الطرف المناهض بعد تحقيق السلام أو أتخاذه لقرارات مستقبلة فإن من شأن ذلك أن يجبر الأطراف الخارجية على قلب الطاولة التي إستثمرت فيها كثيراُ قبل أن يفوت الأوان .

مصادر الدراسة :
1- شمس  الهدي إبراهيم إدريس ، رحل قرنق هل يبقي السلام؟ ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، الخرطوم 2005م ، ص 122 .
2- جوناثان راندل ، حرب الالف سنة حتي آخر مسيحي – أمراء الحرب المسيحيون والمغامرة الإسرائيلية في لبنان ، ترجمة  بشار رضا ، ط 3 ، بدون بلد نشر ، 1984م ، ص18 .
3- المصدر السابق ، ص39 .
4- شمس الهدي إبراهيم إدريس ، رحل قرنق هل يبقي السلام، مصدر سابق ، ص 120 .
5 – المحبوب عبدالسلام ، فصول في حريق الجنوب السوداني ، بيت المعرفة للإنتاج الثقافي ، أمدرمان السودان 1989م ، ص 45 .
6-د. ظاهر جاسم ، إفريقيا ماوراء الصحراء من الاستعمار إلي الاستقلال ، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات ، القاهرة 2003م ، ص 114.
7- د. والتر رودني ، أوربا والتخلف في إفريقيا ، ترجمة د. أحمد القصير ، سلسلة عالم المعرفة رقم 132 ، الكويت 1988م ، ص 354  .
8- محمد عاشور مهدي ، الحدود السياسية وواقع الدولة في إفريقيا ، مركز دراسات المستقبل الإفريقي ، سلسلة دراسات إفريقية رقم 2، القاهرة 1996، ص52.
9- كارين آرمسترونق ، الحرب المقدسة – الحملات الصليبية وأثرها علي العالم  اليوم ، ترجمة سامي الكعكي ، دار الكتاب العربي ، بيروت  2004م  ،  ص66.
10- د.قيس جواد العزاوي ، الدولة العثمانية – قراءة جديدة لعوامل الإنحطاط ، الدار العربية للعلوم ، بيروت 2003م ، ص 21 .
11- إريك هوبزباوم ،  عصر الثورة – أوربا 1789 – 1848 ، ترجمة فايز الصباغ ، المنظمة العربية للترجمة ، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2007م ، ص 77   .
12- هاني فارس ، النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث ، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 1980م ، ص 78.
13- جوناثان راندل ، حرب الالف سنة حتي آخر مسيحي ، مرجع سابق ص15.    
14- فؤاد مطر ، سقوط الإمبراطورية اللبنانية ، دار القضايا ، بيروت 1978م ، ص33.
15- هاني فارس ، النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث ، مرجع سابق ص38.
16- فؤاد مطر ، سقوط الإمبراطورية اللبنانية ، مرجع سابق ص45 .
17- جوناثان راندل ، حرب الالف سنة حتي آخر مسيحي ، مرجع سابق ص30.    
18- د. عبدالإله بلقزيز ، حزب الله من التحرير إلي الردع 1982- 2006م، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2006م ، ص 34.
19- د. محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث 1820 – 1955م ، ط ثانية، الناشر مركز عبدالكريم ميرغني ، دار مصحف إفريقيا ، الخرطوم 2002م ، ص 318.
20-محمود عثمان إيلوس ، إريتريا ومشكلة الوحدة الوطنية في قضية الكفاح المسلح61-1991م، ط أولي ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة، الخرطوم 2003م، ص 280.
21- جوناثان راندل ، حرب الألف سنة حتي آخر مسيحي ، مرجع سابق  ص60  .
22- إبراهيم محمد آدم ، الابعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية للحركة الشعبية لتحرير السودان 1983م – 2000م ، دار جامعة إفريقيا العالمية للطباعة ، الخرطوم بدون تاريخ نشر ، ص 245.
23- عميد متقاعد موشي فرجي  ، إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان – نقطة البداية  ومرحلة الإنطلاقة ، عرض وتلخيص  الدكتورة حسنات عوض ساتي ،  مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا , ص 7 .
24- إبراهيم محمد آدم ، الأبعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية للحركة الشعبية لتحرير السودان ، مرجع سابق ص 98  .
25- د. عبدالإله بلقزيز ، حزب الله من التحرير إلي الردع 1982م – 2006م ، مرجع سابق  ص    90 .
26- المرجع السابق  ص38 .
27- نفسه ، ص 38.
28-  سعد البزاز ، حرب تلد أخري ، الأهلية للنشر والتوزيع، ط ثالثة، عمان،1993 ، ص 120.
29- جوناثان راندل ، حرب الألف بنيته  حتي آخر مسيحي ، مرجع سابق ص68.


Matasm al-ameen [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]