عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقد كان الفقيد صديقاً حميماً لأخي المرحوم سيف الدولة عبدالرحمن علي طه، وقد تخرجا سوياً من كلية الآداب في العام 1951.توثَّقت علاقتي بالفقيد في كمبردج خلال الفترة 1965-1966 حيث كان هو مبتعثاً من الحكومات المحلية، بينما كنت مبتعثاً من جامعة الخرطوم للدراسات العليا. وأشهد أنه كان قارئاً نهماً في الأدب الأوربي خاصةً المسرحي منه، وقد تمكن خلال أشهر قليلة من تكوين مكتبة ضخمة.

سكنّا في نفس الشارع  Jesus Lane ، وعلى مقربة منا كان يقيم الأخ محمد إبراهيم الطاهر. كما كنتُ أول المتلقِّين لمسرحياته الثلاثة الأولى فكان يقرأ عليّ بنفسه مسوَّدات فصولها متعللاً برداءة خطه. ولكن المسرحية التي علقت بذهني أكثر من غيرها كانت مسرحية "خطوبة سهير". ولا يفوتني أن أنوِّه إلى أنه كان كثير الاختلاف الى مسرح الفنون Arts Theatre  ، حيث كانت تُعرَضُ أحياناً بعض المسرحيات، بالإضافة إلى العرض الدائم لأفلام النُخبة من كل الثقافات.

التقيتُ الفقيد للمرة الأخيرة في نوفمبر 2009 عندما حضر مع ابنه د. شهاب لتقديم العزاء في المرحومة والدتي. وقد عرضتُ عليه يومئذٍ نشر مسرحياته عبر صديقي المرحوم محمود صالح عثمان صالح، راعي مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، فهزَّ الفقيد رأسه مراراً علامة الرفض القاطع. وقد لاحظت يومها أنه اصبح كثير الصمت قليل الكلام. وقد عزَوت ذلك لصدمةٍ لم تفارقه قط وهي الرحيل المباغت لرفيقة دربه التي كان يُكِنُّ لها حباً عميقاً كثيراً ما كان يُعبِّر عنه وهو يعيش وحيداً في كمبردج.

بعد عودة الفقيد إلى السودان، تبادلنا الرسائل، حيث طلبتُ منه في إحداها تحليلاً للوضع السياسي في السودان، فردَّ عليَّ بخطابٍ من مقر عمله بمديرية كسلا بتاريخ 12 أبريل 1967 لازلت أحتفظ به حتى الآن. ولعل قارئ هذا الخطاب سيقول لا محالة : ما أشبه الليلة بالبارحة. فقد قال الفقيد في إحدى فقرات الخطاب:" كنتُ دائماً أرجئ الكتابة إليك من يومٍ ليوم ومن أسبوع لآخر في انتظار انفراج أزمةٍ ما لأحدثك عنها. ولكن الأزمات وما أكثرها اتضح أنها ليست عصيّةً على الحل فحسب، بل كانت كل واحدةٍ منها تجرُّ في ذيلها أزمةً أو أزمتين .... وتظلُّ القصص معلَّقة والأقواس مفتوحة دون أن نشهد النهاية. وهكذا حالنا في السياسة، كل أزمةٍ تقود لأخرى. ولا ندري إلى متى نظلُّ على هذا الحال. وأغلب الظن بل المؤكد أنك ستعود لا لتشهد نهاية الأزمات البائتة بل لترى انبعاج أزمات جديدة .... كل هيئة تفرّغت لتقليم أظافر الأخرى، ثم يُزعَم بعد ذلك أن السودان بلد حبيب."

ويقول الفقيد في فقرة أخرى من خطابه المكتوب عام 1967: " ولا أخالني في حاجة للتحدث لك عن الميزانية وموقف البلاد الاقتصادي. ويكفي أن تعلم أن البلاد لأول مرة تشهد مظاهرات من الموظفين والعمال مطالبة بصرف مرتبات. والأسعار أجارك الله لحقت بأسعار أمريكا اللاتينية. إن تضخماً مالياً بشعاً يبتلع مرتباتنا كل شهر ويلفظنا في انتظار مرتب آخر. والدولة لا تعمل بل قل إنها لا تستطيع عمل شيء .... باختصار الحال ما حال. وإذا استطعت أن تمدِّد فترة دراستك فإن ذلك سيوفّر عليك الكثير من الألم الذي يحس به كل من يعيش في ربوع هذا الوطن."

رحم الله الفقيد حمدنا الله عبدالقادر وأحسن إليه واسكنه فسيح جناته.