دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

العلاقة بين العهد والدستور والقانون الوطني


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
سبق أن ذكرنا أن السودان قد انضم إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 في 18 مارس 1986. ووفقاً للمادة 49 (2) من العهد التي تنص على أن العهد يصبح نافذاً بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع صك الإنضمام، فقد بدأ نفاذه بالنسبة للسودان في 18 يونيو 1986. وكان السودان يحكم آنذاك بدستور انتقالي بدأ سريانه في 10 اكتوبر 1985 وهو تاريخ إصداره من قبل المجلس العسكري الانتقالي. وبقراءة المادة 53 من هذا الدستور يتبين أن الاتفاقيات والمعاهدات ليست ذاتية النفاذ بمعنى أن التصديق أو الانضمام إلى إتفاقية أو معاهدة على المستوى الدولي لا يجعلها جزءً من القانون الوطني، ولكنها تصبح كذلك إذا حولها المشرع إلى قانون وطني. إذ تنص المادة 53 على أنه لا يكون لأي اتفاقية أو معاهدة مع دولة أو هيئة دولية أي أثر في السودان ما لم يصدق عليها بقانون.
1- التصديق الوطني والدولي
وحتى لا يختلط الأمر على القارئ نرى أنه المفيد أن نبدي أن هناك تفرقة بين مفهوم التصديق على المستوى المحلي أو الوطني ومفهومه على المستوى الدولي. فعلى المستوى الوطني يعني التصديق الإجراء الذي تدمج به المعاهدة أو الاتفاقية في القانون الوطني وفقاً للأحكام الدستورية للدولة المعنية. وقد يقتضي ذلك كما في حالة عهد الحقوق المدنية والسياسية مثلاً تعديل بعض القوانين لضمان إتساقها مع أحكام العهد. فالمادة (2) من العهد تلزم كل دولة طرف «إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلاً إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضرورياً لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية».
ويلاحظ أنه وفقاً للدستور الإنتقالي لعام 2005 فإن السلطتين التنفيذية والتشريعية تشتركان في التصديق على المستوى الوطني. فالمادة 72 (ج) تنص على أنه من مهام مجلس الوزراء القومي ابتدار مشارع القوانين القومية والموازنة القومية والمعاهدات الدولية والإتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف. وتنص المادة 91 في الفقرة 3 (د) على أنه من مهام الهيئة التشريعية القومية المصادقة على المعاهدات والإتفاقيات الدولية. ويبدو أن السلطة التنفيذية تنفرد بالتصديق على المستوى الدولي. فالمادة 58/1 (ك) تنص على أن رئيس الجمهورية يختص بتوجيه السياسة الخارجية للدولة ويشرف عليها ويصادق على المعاهدات والإتفاقيات الدولية بموافقة الهيئة التشريعية القومية.
أما التصديق أو الانضمام على المستوى الدولي فهو الإجراء الذي تثبت به الدولة إرتضاءها الالتزام بالإتفاقية أو المعاهدة. ويكون ذلك في حالة الاتفاقية أو المعاهدة متعددة الأطراف بإيداع صك التصديق أو الانضمام لدى جهة الإيداع التي تنص عليها المعاهدة نفسها  والتي قد تكون دولة أو منظمة دولية، أو الرئيس الإداري للمنظمة. ففي حالة عهد الحقوق المدنية والسياسية نصت المادة 48 (4) على أن الإنضمام يقع بإيداع صك انضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.
وكما سبق أن ذكرنا، فإن انضمام أو تصديق دولة ما على عهد الحقوق المدنية والسياسية يلزم الدولة الطرف بأن تتخذ ما يلزم من التدابير التشريعية وغير التشريعية لإعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد.
إن التزام الدولة الطرف بأحكام العهد يشمل كل فروع حكومتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وغيرها من السلطات العامة أو الحكومية. فأي انتهاك للعهد من قبل أي من هذه الفروع أو السلطات يرتب مسؤولية دولية على الدولة الطرف تجاه الدول الأطراف الأخرى في العهد. وكما في حالة السودان، فإنه في البلاد التي تتبنى النظام الإتحادي، فإن أحكام العهد تنطبق بالكامل ودون قيد أو استثناء على الولايات أو الوحدات التي تتكون منها الدولة الطرف. فالمادة 50 من العهد تنص على انطباق أحكامه «دون أي قيد أو استثناء على جميع الوحدات التي تتشكل منها الدول الاتحادية».
ولا يحق لدولة طرف في العهد أن تتذرع بدستورها أو قوانينها الداخلية لتبرير عدم تنفيذها لأحكام العهد. فالمادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تنص على أنه «لا يجوز لطرف في معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلي كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة. وينبغي التنويه إلى أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد دخلت حيز النفاذ في يناير 1980 ودخل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز النفاذ في مارس 1976 ولكن ذلك لا يحول دون الاستشهاد بأحكامها بإعتبار أنها تعكس القانون الدولي العرفي.
2- إبداء التحفظات على أحكام العهد
تعرف إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التحفظ في المادة 2 بأنه يعني «إعلاناً من جانب واحد أياً كانت صيغته أو تسميته يصدر عن الدولة عند توقيعها أو تصديقها أو قبولها أو موافقتها أو إنضمامها إلى معاهدة وتهدف به استبعاد أو تعديل الأثر القانوني لأحكام معينة في المعاهدة من حيث سريانها على هذه الدولة». وتجيز المادة 19 من الإتفاقية إبداء التحفظ عند التوقيع على المعاهدة أو التصديق عليها أو قبولها أو الموافقة عليها أو الإنضمام إليها وتستثني من ذلك الحالات التي يكون فيها التحفظ محظوراً في المعاهدة أو كان ضمن تحفظات معينة لا تجيزها المعاهدة أو كان التحفظ مخالفاً لموضوع المعاهدة والغرض منها.
يبدو جلياً من المادتين 2 و19 من اتفاقية فيينا للمعاهدات أن إبداء التحفظات يكون عندما توافق دولة ما على الإلتزام بإتفاقية سواء بالقبول أو التصديق أو الإنضمام. ولكن عندما يكون الأمين العام للأمم المتحدة هو الوديع لاتفاقية ما ويتلقى تحفظاً متأخراً فإنه قد طور ممارسة معينة في هذا الصدد. إذ أنه يقوم بتعميم التحفظ المتأخر على الدول الأطراف إذا لم تكن الإتفاقية تحظر التحفظات أو كانت الإتفاقية تجيز على وجه التحديد لب التحفظ المتأخر. فإن لم يتلق الأمين العام خلال 12 شهراً أي اعتراض من الدول الأطراف فإنه سيعتبر التحفظ صحيحاً.
ومن أمثلة التحفظ المتأخر حالة مملكة البحرين. فقد انضمت إلى عهد الحقوق المدنية والسياسية في 20 سبتمبر 2006. وفي 4 ديسمبر 2006 أودعت لدى الأمين العام عدداً من التحفظات على العهد. وقد كان بضمنها أن حكومة مملكة البحرين تفسر أحكام المادة 3 (كفالة تساوي الحقوق بين الرجال والنساء) والمادة 18 ( حق حرية الفكر والوجدان والدين) والمادة 23 (الأسرة) على أنها لا تؤثر بأي طريقة على تعاليم الإسلام.
ووفقاً لممارسة الوديع في الحالات المماثلة، فقد أبدى الأمين العام للأمم المتحدة أنه سيودع التحفظات إذا لم يكن هناك اعتراض من أي من الدول الأطراف خلال فترة 12 شهراً من إشعار الوديع. وبما أنه قد تلقى اعتراضات من العديد من الدول الأطراف، فقد رفض الأمين العام إيداع التحفظات البحرينية. وقد كان بضمن اعتراضات الدول الإطراف تلك، أن التحفظات تمت بعد تاريخ الانضمام للعهد. فمثلاً ذكرت هولندا في اعتراضها أن تحفظات البحرين جاءت متأخرة للغاية ومخالفة للمادة 19 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. ودعت البرتغال إلى عدم تشجيع التحفظات المتأخرة.
في التعليق العام رقم 24 (1994) ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أنه في 1 نوفمبر 1994 كانت 46 دولة من الدول الأطراف في العهد وعددها 127 قد أدرجت فيما بينها 150 تحفظاً. وأبدت اللجنة أن عدد التحفظات ومضمونها ونطاقها قد يفضي إلى إضعاف تنفيذ العهد تنفيذاً فعالاً. كما  لاحظت أن بعض هذه التحفظات يستبعد واجب توفير وضمان حقوق معينة محددة في العهد. وصيغ بعضها بعبارات أعم موجهة في أحيان كثيرة نحو ضمان إستمرار سيادة أحكام معينة في القانون الداخلي.
ونوهت اللجنة إلى أنه من واجبها بمقتضى المادة 40 من العهد أن تعرف ما إذا كانت دولة ما «ملزمة بإلتزام معين أو إلى أي حد. وهذا يتطلب تحديد ما إذا كان الإعلان الذي يصدر من جانب واحد يشكل تحفظاً أو إعلاناً تفسيرياً وتحديد مدى قبوله وما يترتب عليه من آثار». وأوضحت أن التمييز بين التحفظ والإعلان التفسيري لا يكون على أساس شكل أو تسميته الوثيقة وإنما بالتحقق من قصد الدولة. فإذا كان قصد الإعلان هو استبعاد أو تعديل الأثر القانوني لحكم أو احكام معينة في المعاهدة فإنه يكون تحفظاً. أما إذا كان القصد هو إبداء تفسير الدولة لحكم معين ولكنه لا يعدل أو يستبعد تطبيق ذلك الحكم على تلك الدولة فإنه لا يعتبر تحفظاً.
لا يوجد في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي حكم بشأن إبداء التحفظات، وحول مقبوليتها ومدى ذلك، ولكن أبرزت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 24 (1994) النقاط التالية:
1- إن العهد لا يحظر إبداء التحفظات. كما أنه لا يذكر نوع التحفظات المسموح بها. ولكن ذلك لا يعني جواز قبول أي تحفظ. فمسألة التحفظات في إطار العهد يحكمها القانون الدولي التي تعكسه المادة 19 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي سبقت الإشارة إليها.
2- إن التحفظات التي تخل بالقواعد القطعية peremptory norms لا تتفق مع غاية العهد وغرضه. إن أحكام العهد التي تمثل القانون الدولي العرفي وبوجه خاص تلك التي لها طابع القواعد القطعية لا يجوز أن تكون محلاً للتحفظات. فلا يجوز للدولة الطرف على سبيل المثال أن تحتفظ بحق ممارسة الرق أو التعذيب، أو إخضاع الأشخاص لمعاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، أو حرمانهم من حرية الفكر والوجدان والدين، أو الحق في محاكمة عادلة، أو إعدام النساء الحوامل والأطفال، أو السماح بالدعوة إلى الكراهية لإعتبارات قومية أو عنصرية أو دينية، أو إنكار حق الأقليات في التمتع بثقافتها أو ممارسة شعائر دينها أو استخدام لغتها.
3- بالإضافة إلى الحقوق المنصوص عليها في العهد، فإن العهد يشتمل كذلك على ضمانات لتأمين هذه الحقوق. إذ أنها مهمة لغاية العهد وغرضه. فلا يمكن لدولة طرف أن تتحفظ على الفقرة 3 من المادة 2 من العهد التي تلزم الدولة الطرف بتوفير سبل انتصاف لانتهاكات حقوق الإنسان، أو تتحفظ على المادة 40 من العهد التي تلزم الدولة الطرف بتقديم تقارير دورية عن التدابير التي اتخذتها لإعمال الحقوق المعترف بها في العهد وعن التقدم المحرز في التمتع بهذه الحقوق.
4- إن التحفظات يجب أن تكون محددة وشفافة. وينبغي ألا تكون عامة بل يجب أن تشير إلى حكم معين من أحكام العهد وأن تبين بعبارات محددة نطاق التحفظ. كما ينبغي ألا تسعى الإعلانات التفسيرية أو التحفظات إلى تجريد الالتزامات المحددة بمقتضى العهد من دلالاتها المستقلة بالإشارة إلى مطابقتها لاحكام القانون المحلي للدولة المعنية، أو إلى عدم قبولها إلا بقدر مطابقتها للقانون المحلي. ونورد هنا أن مصر وقعت على عهد الحقوق المدنية والسياسية في 4 أغسطس 1967 وصدقت عليه بموجب القرار رقم 536 لسنة 1981 «مع الأخذ في الإعتبار أحكام الشريعة الإسلامية وعدم تعارضها معه - وذلك مع التحفظ بشرط التصديق». وعند النظر في التقريرين الدوريين الثالث والرابع لمصر اعتمدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في جلستها الختامية في 31 اكتوبر 2002 ما يلي: «مع ملاحظة أن الدولة الطرف (أي مصر) ترى أن الشريعة تتوافق مع العهد، فإن اللجنة تلاحظ الطابع العام والملتبس للإعلان الصادر من الدولة الطرف أثناء التصديق على العهد. يرجى من الدول الطرف (مصر) أن تحدد مدى إعلانها أو تسحبه».
ونورد فيما يلي بعض النماذج لتحفظات وإعلانات تفسيرية أبدتها بعض الدول واعترضت عليها دول أخرى على أساس أنها عامة وغير محددة. فمثلاً ورد في تحفظات مملكة البحرين التي سبق ذكرها أن حكومة البحرين تفسر أحكام المادة 3 (كفالة المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء) والمادة 18 (حرية الفكر والوجدان والدين) والمادة 23 (الأسرة) على أنها لا تؤثر بأي طريقة على تعاليم الإسلام. وقد أبدت هولندا في اعتراضها إزاء هذه التحفظات أنها لا تتفق مع غاية وغرض العهد، وهو ما لا يسمح به القانون الدولي العرفي، ودون في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. وأبدت كذلك أن إخضاع تطبيق العهد للشريعة الإسلامية يجعل من غير الواضح تحديد مدى إلتزام البحرين بأحكام العهد.
وعند انضمامها للعهد في 21 مايو 1996 الحقت الكويت بإنضمامها بعض الإعلانات التفسيرية التي يتعلق بعضها بالمادة 23 (الأسرة). فقد أعلنت الكويت أن المسائل المنصوص عليها في المادة 23 يحكمها قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية. وقد اعترضت فلندا ودول أخرى على هذه الإعلانات. إذ اعتبرت فلندا إعلانات الكويت تحفظات عامة ولذلك تثير الشكوك حول إلتزام الكويت بغاية وغرض العهد وأضافت أن التحفظات العامة كالتي أبدتها الكويت والتي لا تحدد بوضوح مدى الانتقاص من أحكام العهد، تسهم في إضعاف أساس القانون الدولي للمعاهدات.
وقد كان بضمن ما تحفظت عليه موريتانيا المادة 18 من العهد (حرية الفكر والوجدان والدين)، إذ أبدت أن تطبيقها سيكون بلا مساس بالشريعة الإسلامية. وتحفظت كذلك على الفقرة 4 من المادة 23 التي تنص على أن تتخذ الدول الأطراف في العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى الزواج وخلال قيامه ولدى انحلاله. أبدت موريتانيا أنها ستفسر هذه الفقرة على أنها لا تؤثر بأي طريقة على تعاليم الشريعة الإسلامية. وكانت فلندا أيضاً من بين الدول التي اعترضت على التحفظات الموريتانية. فقد ذكرت أن التحفظات التي تتكون من إشارات عامة إلى القوانين الدينية أو الوطينة ولا تحدد فحواها لا تبين بوضوح للدول الأطراف الأخرى مدى إلتزام الدولة المتحفظة بالعهد، وتثير الشكوك حول إلتزام الدولة المتحفظة بالوفاء بتعهداتها بموجب العهد.
يتعين علينا أن نذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ما فتئت «تشجع الدول الأطراف على أن تنظر في الحد من نطاق أي تحفظات تبديها فيما يتعلق بالعهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان والبروتوكولين الإختياريين المتعلقين بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأن تصوغ أي تحفظات على أدق وجه وفي أضيق نطاق ممكن، وأن تستعرض بإنتظام تلك التحفظات بهدف سحبها لكفالة ألا تكون تلك التحفظات غير متوافقة مع أهداف المعاهدة ذات الصلة والغرض منها» القرار 60/149 . نعيد القول بأن السودان لم يتحفظ على أي حكم من أحكام العهد.


3- نقض العهد أو الإنسحاب منه
في 25 أغسطس 1997 تلقى الأمين العام للأمم المتحدة بوصفه الوديع لعهد الحقوق المدنية والسياسية إخطاراً من كوريا الشمالية بأنها قررت الإنسحاب من العهد. ورد الأمين العام بمذكرة وجهها إلى الحكومة الكورية أوضح فيها الوضع القانوني الناشئ من إخطارها. ورد في المذكرة أن العهد لا يحتوي على نص بشأن الإنسحاب، وأن الإنسحاب لا يبدو ممكناً إلا إذا وافقت عليه كل الدول الأطراف. ومن ثم عمم الأمين العام الإشعار الكوري ومذكرة الرد على كافلة الدول الأطراف في العهد. ويبدو أن كوريا قد اقتنعت بتوضيح الأمين العام لأنها إستأنفت تقديم التقارير الدورية. إذ قدمت إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التقرير الدوري الثاني المؤرخ 25 ديسبمر 1999 عن الفترة 1984 - 1997.
في التعليق العام رقم 26 (1997) ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا يشمل على أي حكم بشأن إنهائه أو نقضه أو الإنسحاب منه. ولذلك دعت إلى أن ينظر إلى هذه المسألة في ضوء القانون الدولي العرفي الذي تعكسه إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. فالمادة التي تعالج هذه الحالة هي المادة 56 (1) من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تنص على أن المعاهدة التي لا تتضمن نصاً بشأن إنهائها أو إلغائها أو الإنسحاب منها لا تكون محلاً للإلغاء أو الإنسحاب إلا إذا ثبت اتجاه أطرافها إلى إمكان إنهائها أو الانسحاب منها أو إذا أمكن استنباط حق الإلغاء أو الإنسحاب من طبيعة المعاهدة.
استناداً إلى القانون الدولي العرفي خلصت اللجنة إلى أن القانون الدولي لا يسمح لدولة صدقت على العهد أو انضمت إليه أن تنقض العهد أو تنسحب منه. وكان من بين ما أوردت في تبرير ذلك أن العهد ليس من قبيل المعاهدات التي تشتمل ضمناً بحكم طبيعتها على الحق في النقض. كما أن العهد لا يتصف بالطابع المؤقت الذي تتصف به المعاهدات التي يعتبر فيها حق النقض مقر به بالرغم من غياب نص يسوغ ذلك.
4- الخلافة في العهد
إن الدولة التي تخلف دولة أخرى في السيادة على إقليم ما تخلف الدولة السلف تلقائياً في إلتزاماتها بمقتضى العهد. فالقانون الدولي لا يسمح للدولة الخلف أن تنقض العهد أو تنسحب منه. ففي التعليق العام رقم 26 (1997) ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن الحقوق المجسدة في العهد ملك للسكان الذين يعيشون في إقليم الدولة الطرف. فإن السكان فور منحهم حماية الحقوق الواردة في العهد، تؤول تلك الحماية إلى الإقليم وتظل ملكاً لسكانه بالرغم من تغير حكومة الدولة، أو حدوث خلافة بالانفصال أو الإندماج أو التجزئة إلى عدة دول.
5- وثيقة الحقوق : Bill of Rights
أُفرد الفصل الثاني من الدستور الانتقالي لعام 2005 المعنون «وثيقة الحقوق» للنص على بعض الحقوق التي وردت في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وبمطالعة المادة 27 والمادة 48 من الدستور يخلص للمرء إلى أن هذه الوثيقة ليست جزءً لا يتجزأ من الدستور فحسب بل هي لب الدستور. فالمادة 27 (1) عرفت الوثيقة بأنها عهد «بين كافة أهل السودان، وبينهم وبين كافة حكوماتهم على كل مستوى، وإلتزاماً من جانبهم بأن يحترموا حقوق الإنسان والحريات الأساسية المضمنة في هذا الدستور وأن يعملوا على ترقيتها، وتعتبر حجر الأساس للعدالة الإجتماعية والمساواة والديمقراطية في السودان». وبموجب الفقرة 2 من المادة 27 إلتزمت الدولة بحماية الوثيقة وتعزيزها وضمانها وتنفيذها. وتقتضي الفقرة 4 بأن تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة في الوثيقة ولا تصادرها أوتنتقص منها. ونصت المادة 48 من الدستور على عدم جواز الانتقاص من الحقوق والحريات المنصوص علهيا في الوثيقة وعلى أن تصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأخرى الوثيقة وتحميها وتطبقها.
وفضلاً عما تقدم، فإن حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تعتبر إحدى المكونات الرئيسة لمفهوم سيادة القانون الذي نصت المادة 4 (أ) من الدستور على أنه أحد المبادئ التي أُسس عليها الدستور الإنتقالي.
أوردنا في موقع متقدم أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بعد النظر في 26 يوليو 2007 في تقرير السودان الدوري الثالث، قد أبدت أسفها لأن الحقوق التي نص عليها العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لم تدرج بالكامل في القانون المحلي. ولكن حكومة السودان أوضحت بأنه وفقاً للمادة 27 (3) من الدستور الانتقالي لعام 2005، فإن كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادفت عليها حكومة السودان تعتبر جزءً لا يتجزأ من وثيقة الحقوق. ومضت الإشارة إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قد فسرت -وبحق- المادة 27 (3) بأنها تعني أن العهد ملزم للسودان ويجوز الاحتجاج به كحكم دستوري. يترتب على ذلك أن أي قانون يخالف عهد الحقوق المدنية والسياسية سيكون قابلاً للطعن في دستوريته، ويجوز اللجوء إلى القضاء في حق يكفله العهد ولا تنص عليه وثيقة الحقوق.
6- جدلية العلاقة بين العهد والقوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية
تثير ملاحظات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على تقريري السودان الثاني والثالث جدلية العلاقة بين العهد ومواد القانون الجنائي المستمدة من الشريعة الإسلامية. فقد دعت اللجنة السودان إلى إلغاء تجريم الردة لأنه يتعارض مع المادة 18 من العهد (حق حرية الفكر والوجدان والدين)، وكذلك إلى إلغاء العقوبات الإسلامية المفروضة على بعض الجنايات لأنها لا تتمشى مع أحكام المادة 7 من العهد (حظر العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية). ونبهت اللجنة السودان إلى أنه بإنضمامه لعهد الحقوق المدنية والسياسية قد إلتزم بالإمتثال لجميع أحكامه. لا نعتقد أن حكومة السودان ستمتثل إلى ما دعت إليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لأنها مقيدة بحكم المادة 5 (1) من الدستور الإنتقالي التي تقضي بأن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريعات. ونرجح أن يكون هذا أيضاً إتجاه القضاء السوداني إذا دفع أحد المتقاضين بعدم دستورية مواد القانون الجنائي لعام 1991 المخالفة لأحكام العهد. هذا على الصعيد الوطني أو المحلي. أما على الصعيد الدولي فإن السودان مسؤول بمقتضى القانون الدولي عن تشريعاته أو أحكام قضائه التي تنتهك إلتزاماته الدولية.
إن المرتبة الدستورية المميزة التي اكتسبها عهد الحقوق المدنية والسياسية تعود إلى المادة 27 (3) من الدستور الانتقالي لعام 2005. وبغير ذلك فإن العهد بعد اكتمال إجراءات إدماجه في القانون الوطني كان سيأخذ مرتبة القانون العادي. بمعنى أن يمكن من الوجهة النظرية أن يصدر تشريع أو حكم قضائي وطني مخالف له لعدم وجود كابح دستوري. ولكن دولياً فإن المخالفة سترتب مسؤولية دولية على السودان تجاه الدول الأخرى الأطراف في العهد. نذكر هذا لأنه ورد في الفقرة رقم (61) من التقرير الدوري الثاني الذي قدمه السودان للجنة المعنية بحقوق الإنسان في 6 ديسمبر 1996 ما يلي: «ينص القانون الوطني على أن للعهد الأسبقية على جميع القوانين الوطنية». لم يذكر كاتب التقرير - كما تقتضي الأصول - اسم وتاريخ القانون الذي ورد فيه هذا النص، فذلك سيكون أدعى لاطمئنان اللجنة لصدقية الفقرة (61) والتقرير ككل. على أية حال لقد بحثنا عن القانون المنوه عنه في الفقرة (61) في كافة مظآن وجوده ولكننا لم نتمكن من الإهتداء إليه. الأمر الذي يرجح فرضية عدم وجوده أصلاً.
وبعد، فقد أقر مؤتمر القمة العالمي لعام 2005 أن حماية وتعزيز جميع حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية مبادئ مترابطة ويدعم بعضها البعض، فنأمل أن يُعبر عنها في الدستور المرتقب وأن تُراعى في الممارسة. وحتى يصدق على الدستور المرتقب التكييف كعقد إجتماعي بين الشعب والسلطة الحاكمة، فينبغي أن يشارك في وضعه المحكمون به مشاركة حقيقية وفاعلة.
إن كفالة حقوق وحريات الإنسان الأساسية قد لا تكون مريحة دائماً للسلطة الحاكمة ولكن طالما هي حقوق وحريات فيجب أن تحترم وتكفل في كل الظروف. فإذا أُحيطت ممارسة الحقوق والحريات بقيود وإجراءات تعسفية، فستحدث فجوة بين النصوص والواقع، وتنعدم الثقة في الدستور.