عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دخل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 حيز النفاذ في 23 مارس 1967، وحتى 6 فبراير 2012 بلغ عدد الدول الأطراف في العهد 167 دولة. وسبق أن ذكرنا أن السودان قد إنضم accession للعهد في 18 مارس 1986 وأصبح العهد نافذاً بالنسبه له في 18 يونيو 1986.
حتى يتسنى للقارئ أن يتابع بيسر عرضنا لمواد مختارة من العهد، رأينا أنه من المفيد أن نقدم لذلك ببيان الآليات المتاحة لتطبيق العهد، ورصد وفاء الدول الأطراف بإلتزاماتها بمقتضى العهد. في واقع الأمر توجد ثلاث آليات في هذا الصدد وهي:
- تقديم تقارير إلى هيئة الرصد المنصوص عليها في العهد.
- إدعاء دولة طرف بأن دولة طرفاً أخرى لا تفي بالتزاماتها بموجب العهد.
- إدعاء فرد أن دولة طرفاً قد انتهكت حقاً من حقوقه المنصوص عليها في العهد.
إن الآلية التي تنطبق على السودان بموجب العهد هي تقديم تقارير وفقاً للمادة 40 من العهد. تلزم هذه المادة الدول الأطراف بتقديم تقارير عبر الأمين العام للأمم المتحدة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المنصوص عليها في المادة 28 من العهد بشأن التدابير التي اتخذتها لإعمال الحقوق المعترف بها في العهد، وعن التقدم المحرز في التمتع بهذه الحقوق، والعوامل والمصاعب التي تؤثر في تنفيذ أحكام العهد. ويكون تقديم التقرير الأ ولي خلال سنة من بدأ نفاذ العهد بالنسبة للدولة الطرف المعنية. وفيما يتعلق بالتقارير الدورية اللاحقة اعتمدت اللجنة ممارسة مرنة تقتضي إيراد التاريخ الذي ينبغي أن يُقدم فيه التقرير الدوري اللاحق في نهاية الملاحظات الختامية التي تبديها اللجنة بشأن أي تقرير تنظر فيه.
تلزم المادة 40 (4) من العهد اللجنة بدراسة التقارير المقدمة من الدول الأطراف وموافاة تلك الدول بما تعده من تقارير وأي ملاحظات تستنسبها. وبناء على ذلك درجت اللجنة على فحص كل تقرير يقدم لها والإعراب عما يقلقها وتطرح توصيات إلى الدولة الطرف المعنية في شكل ملاحظات ختامية. كما دأبت اللجنة على اعتماد تعليقات عامة غير موجهة لدولة معينة تتطرق فيها بتوسع لمعاني بعض الحقوق المنصوص عليها في العهد والمسائل التي تتصل باسلوب عملها. ويعتبر بعض الشراح هذه التعليقات مصدراً ثانوياً للقانون الدولي.
تتكون اللجنة المعنية بحقوق الإنسان من ثمانية عشر عضواً من مواطني الدول الأطراف في العهد من ذوي المناقب الخلقية الرفيعة المشهود لهم بالاختصاص في مجال حقوق الإنسان مع مراعاة أن يشترك فيها بعض الأشخاص من ذوي الخبرة القانونية. يُعين أعضاء اللجنة بالانتخاب ويعملون فيها بصفاتهم الشخصية لا كممثلين للدول الأطراف التي ينتمون إليها. ويراعى في الانتخاب عدالة التوزيع الجغرافي وتمثيل مختلف الحضارات والنظم القانونية الرئيسية. لقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار على 60/149 شروط الترشح لعضوية اللجنة المنصوص عليها في العهد وزادت عليها مراعاة التمثيل المتساوي للنساء والرجال.
الطريقة أو الآلية الثانية لتطبيق العهد نصت عليها المادة 41. تخول هذه المادة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فحص الشكاوي بين الدول. ولكن هذا الاختصاص ينعقد في حالة الدول التي تعترف باختصاص اللجنة تلقى ودراسة بلاغات تنطوي على ادعاء دولة طرف بأن دولة طرفاً أخرى لا تفي بالالتزامات التي يرتبها العهد. ولكن السودان ليس من الدول التي أعترفت للجنة بهذا الاختصاص. وحري بالذكر أن دولتين عربيتين فقط هما تونس والجزائر قد اعترفتا للجنة بهذا الاختصاص.
أما الطريقة أو الآلية الثالثة لتطبيق العهد فقد نص عليها البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد. بموجب هذا البروتوكول يجوز للأفراد الداخلين في ولاية دولة طرف الذين يدعون بأن تلك الدولة قد انتهكت حقاً من حقوقهم المنصوص عليها في العهد، أن يوجهوا بلاغات إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لكي تنظر فيها بموجب البروتوكول.، ولكن يشترط للنظر في مثل هذه البلاغات استنفاد سبل الانتصاف المتاحة محلياً، وأن تكون الدولة الطرف المدعي عليها قد اعترفت باختصاص اللجنة في هذا الصدد. إن هذه الآلية ليست متاحة للأفراد الداخلين في ولاية السودان لأن السودان ليس طرفاً في البروتوكول. ومما يجدر ذكره أيضاً أن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة التي انضمت للبروتوكول.
حل موعد تقديم التقرير الأولي للسودان في 17 يونيو 1987 في عهد حكومة الصادق المهدي وتم تذكيرها بخمس رسائل في الفترة من 1 ديسمبر 1987 إلى 10 مايو 1989 ولم ترد. وبعد رسالتين تذكيريتين في 12 ديسمبر 1989 و 15 مايو 1990 قدمت حكومة الإنقاد في 3 يناير 1991 التقرير الأولي للسودان. وقدمت التقرير الدوري الثاني في 12 يونيو 1996 بدلاً عن 17 يونيو 1992. وتأخر تقديم التقرير الدوري الثالث عدة أعوام فقد قُدم في 28 يونيو 2006 بدلاً عن 7 نوفمبر 2001. في نهاية ملاحظاتها الختامية بشأن تقرير السودان الثالث حددت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان 26 يوليو 2010 موعداً لتقديم تقرير السودان الدوري التالي. ولا تتوفر لنا معلومات بشأن عما إذا كان قد قُدم.
ومن الإنصاف أن نذكر أن تأخير تقديم التقارير الدورية كان ظاهرة شملت كل الدول الأطراف كبيرها وصغيرها. ففي التعليق العام رقم 30 (2002) لاحظت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان «أن عدداً قليلاً من الدول قدمت تقاريرها في الوقت المحدد. وقد قُدمت معظم التقارير متأخرة عن موعدها، تراوحت مدة التأخير بين بضعة أشهر وعدة سنوات. وهناك بعض الدول لم تف بعد بالتزامها بتقديم التقارير رغم الرسائل التذكيرية المتكررة التي أرسلتها إليها اللجنة»˜.
من المهم أن نورد هنا أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قد اعتمدت مبادئ توجيهية تتعلق بشكل ومحتوى التقارير التي تقدم لها بموجب العهد. فإزاء التقرير الأولي ذُكر أن هذا التقرير هو الفرصة الأولى للدولة الطرف لتعرض على اللجنة إنسجام قوانينها وممارساتها مع العهد ويجب أن يتضمن:
-  وضع الإطار الدستوري والقانوني لإعمال الحقوق الواردة في العهد.
- شرح التدابير القانونية التي اتخذت لأعمال الحقوق الواردة في العهد.
- بيان التقدم الذي أحرز لضمان التمتع بالحقوق الواردة في العهد.
كما ينبغي أن يبين التقرير الأولي:
- طريقة تطبيق المادة 2 من العهد وذكر التدابير القانونية التي اتخذت لإعمال الحقوق، وسبل الانتصاف المتاحة للاشخاص الذين تنتهك حقوقهم.
- أو إذا كان العهد قد أدرج في القانون المحلي بطريقة تجعل من الممكن تطبيقه تطبيقاً مباشراً.
- أو في حالة عدم إدراج العهد في القانون المحلي، ما إذا كان من الممكن الاحتجاج بأحكامه وتطبيقها في المحاكم والسلطات الادارية.
- أو ما إذا كانت الحقوق الوادرة في العهد مضمونة في دستور، أو في قوانين أخرى ومدى هذا الضمان.
- أو ما إذا كان ينبغي سن قانون محلي بتشريع يتضمن الحقوق الواردة في العهد أو ينص عليها نصاً يمكن تطبيقه.
سنتناول فيما يلي وفي ضوء التعليقات العامة للجنة والتقارير الدورية المقدمة من حكومة السودان وملاحظات اللجنة الختامية عليها عرضاً لأحكام مختارة من عهد الحقوق المدنية والسياسية. وكل هذه المواد متاحة في وثائق الأمم المتحدة وفي مواقعها الشبكية.
وننوه إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حثت في القرار  59/190 «كل دولة طرف على إيلاء إهتمام خاص للقيام على الصعيد الوطني بنشر التقارير التي قدمتها إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك على ترجمة النص الكامل للتوصيات والملاحظات التي تصدرها اللجنتان بعد النظر في تلك التقارير، وعلى نشره وإتاحته لجميع الأفراد الموجودين داخل أراضيها والخاضعين لولايتها بالوسائل المناسبة وعلى أوسع نطاق»˜.
وفي الفقرة 30 من ملاحظاتها على التقرير الثالث الذي قدمه السودان في 28 يونيو 2006 ونظرت فيه في 11 و12 و 26 يوليو 2007، دعت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان السودان لتعميم «نص التقرير الحالي وهذه الملاحظات الختامية ونشرها بالصورة المناسبة وفي أسرع وقت ممكن، في جميع أنحاء السودان. كما تطلب إلى الدولة الطرف أن تتيح التقرير الدوري القادم لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة فيها».
إلتزامات الدول الأطراف
تجاه الأفراد: المادة2
تعتبر المادة 2 بفقراتها الثلاث جوهرية، فقد صيغت على أساس إلتزامات الدولة الطرف في العهد تجاه الأفراد الموجودين فيها والخاضعين لولايتها باعتبارهم أصحاب حقوق بمقتضى العهد وهذه الالتزامات هي:
(1) إحترام الحقوق المعترف بها في العهد وكفالتها لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها بدون أي تمييز. وقد ورد في التعليق العام للجنة المعنية بحقوق الانسان رقم 15 (1986) أن الحقوق المبينة في العهد تنطبق على الجميع بغض النظر عن المعاملة بالمثل وبصرف النظر عن جنسيتهم أو انعدام جنسيتهم، وبذلك فإن القاعدة العامة تقضي بكفالة الحقوق التي ينص عليها العهد بدون تمييز بين المواطنين والأجانب. ولكن بنبغي التنويه إلى أن المادة 25 من العهد تستثني من ذلك الحقوق التي يقتصر التمتع بها على المواطنين مثل حق الانتخاب، والمشاركة في إدارة الشؤون العامة، وتقلد الوظائف العامة.
(2) إتخاذ ما يلزم من تدابير تشريعية أو غير تشريعية لإعمال الحقوق المعترف بها في العهد. ففي التعليق العام رقم 3 (1981) شددت اللجنة على أهمية أن يكون الأفراد على علم بحقوقهم بموجب العهد. وأن تكون جميع السلطات الإدارية والقضائية أيضاً على علم بالتزامات الدولة بمقتضى العهد. ولذلك يجب نشر العهد بجميع اللغات الرسمية للدولة واتخاذ خطوات حتى تتعرف السلطات المعنية على مضمون العهد كجزء من تدريبها. وفي ذات السياق حثت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 60/149 جميع الدول بأن تنشر بأكبر عدد من اللغات المحلية نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية والبروتوكولين الاختياريين المتعلقين بهذا العهد، وأن تقوم بتوزيعهما والتعريف بهما على أوسع نطاق ممكن لدى جميع الأفراد الموجودين داخل أراضيها والخاضعين لولايتها.
(3) توفير سبيل ميسر وفعال للتظلم لأي شخص انهكت حقوقه أو حرياته حتى ولو صدر الانتهاك من أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية. وكذلك أن يكفل لكل متظلم أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أي سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني (المادة 2/3). في التعليق العام رقم 31 (2004) قالت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إن الفقرة 3 من المادة 2 تقتضي أن تقوم الدول الأطراف بتوفير سبل الجبر للأفراد الذين انتهكت حقوقهم المنصوص عليها في العهد. وبدون توفير الجبر لهم، لا تكون الدول الأطراف في أدت الالتزام بتوفير سبيل انتصاف فعال، وهو أمر أساسي لفعاليتة هذه الفقرة.
في الملاحظات الختامية التي أبدتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في 26 يوليو 2007 بشأن التقرير الدوري الثالث للسودان، لاحظت اللجنة أن العهد ملزم ويجوز الاحتجاج به باعتباره نصاً دستورياً وفقاً للمادة 27 من الدستور الوطني الانتقالي لعام 2005. ولكن وبالإشارة إلى المادة 2 من العهد أبدت اللجنة أسفها لأن الحقوق التي نص العهد على حمايتها غير مدرجة بالكامل في القانون المحلي، كما أن العهد لم يُنشر بصورة كافية تسهل عملية الاحتجاج به أمام المحاكم والسلطات الإدارية. لذلك أوصت اللجنة بأن يقوم السودان بما يلي:
- أن يكفل بموجب تشريعاته الإعمال التام للحقوق المعترف بها في العهد.
- أن يكفل بصورة خاصة أن تكون سبل الإنتصاف متاحة لضمان ممارسة هذه الحقوق.
- تعريف عامة الجمهور بالعهد، لا سيما الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.
في ردها على هذه الملاحظة ذكرت حكومة السودان أنه وفقاً للمادة 27 (3) من الدستور الانتقالي لسنة 2005، تُعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية جزءً من الدستور، حيث تقرر المادة: أن كل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان تعتبر جزءً من قانونه الوطني. ووفقاً للمادة 48 من الدستور تصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأخرى هذه الحقوق وتحميها والفصل في دستورية القوانين، وتختص أيضاً بمحاسبة رئيس الجمهورية ونوابه، والاحتجاج بأحكام الدستور يعتبر إحتجاجاً بأحكام العهد الدولي.
إذا كان التفسير المتقدم للمادة 27 (3) من الدستور الانتقالي لسنة 2005 صحيحاً: أي أن عهد الحقوق المدنية والسياسية قد أصبح حكماً دستورياً، فإن أي قانون يخالفه سيكون قابلاً للطعن فيه بعدم الدستورية، وأنه يجوز اللجوء إلى القضاء فيما يتعلق بانتهاك حق يكفله العهد ولا تنص عليه «وثيقة الحقوق». سنبحث هذه المسألة تفصيلاً في موقع لاحق. ولكن نرى أنه من المفيد أن نسترعي نظر القارئ منذ الآن إلى التالي:
(1) إن عهد الحقوق المدنية والسياسية إتفاقية ملزمة لأطرافها.
(2) إن العهد يعترف بحقوق لا تقرها القوانين المستمدة من الشريعة الاسلامية.
(3) إن السودان عند انضمامه للعهد لم يبد أي تحفظ على أي مادة من مواده، أو يلحق بالإنضمام إليه أي إعلان تفسيري.
(4) إن القانون الدولي لا يسوغ لدولة أن تستشهد بقانونها الوطني لتبرير عدم الوفاء بالتزاماتها بمقتضى اتفاقية صدقت عليها أو إنضمت إليها.