عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

إن مبدأ الإبقاء أو استمرارية الحقوق التقليدية للقبائل يكتسب أهمية خاصة في السياق الإفريقي. فمن المعلوم أن القوى الأوروبية الإستعمارية المتنافسة قد وضعت حدود القارة الإفريقية بنهج عشوائي  arbitrary دون مراعاة لحقوق القبائل في الأراضي التي تشغلها أو لحقوقها في الأراضي التي لا تشغلها ولكنها اعتادت على دخولها في إطار ممارستها لأنشطتها المعيشية والتقليدية. وقد كان الإرتجال الذي تم به تقاسم القارة الإفريقية مادة للتندر والسخرية في الأوساط الاوروبية الحكومية والدبلوماسية. ونجد تعبيراً عن ذلك في خطبة ألقاها رئيس وزراء بريطانيا لورد سالزبوري في مأدبة عشاء أُقيمت في مانشن هاوس إبتهاجا بتوقيع الاتفاقية الإنجليزية - الفرنسية لعام 1890 التي مهدت لتحديد الحدود الدولية بين نيجيريا وداهومي والنيجر وتشاد. فقد قال لورد سالزبوري: «لقد كنا منهمكين في رسم خطوط على خرائط في أماكن لم تطأها أبداً قدم رجل أبيض. فقد كنا نمنح جبالاً وأنهاراً وبحيراتٍ لبعضنا البعض. ولم يكن يقف في سبيلنا سوى عائق طفيف هو أننا لم نكن نعرف أبداً على وجه الدقة أين تقع تلك الجبال والأنهار والبحيرات».
أياً كان الأمر، فقد تكرس الآن في القانون الدولي فقهاً وممارسة وقضاءً أنه ما لم تتفق الأطراف المعنية على غير ذلك، فإن الحقوق التقليدية لا تنقضي بتعيين الحدود أو تغير السيادة على إقليم ما. وسندلل على ذلك وبشىء من الإيجاز بما يلي:
أولاً: لمعالجة الحدود العشوائية التي عينت إبان تسابق القوى الاوربية في مطلع القرن التاسع عشر وتهافتها للإستيلاء على الأقاليم الإفريقية، يلاحظ أن بعض الإتفاقيات التي أبرمت آنذاك أولاحقاً اشتملت على مواد تضمن للقبائل الاستمرار في ممارسة حقوقها التقليدية العابرة للحدود. ومن أمثلة ذلك:
1- حُددت الحدود بين السودان وتشاد بموجب عدد من الإتفاقيات التي أبرمت بين الحكومتين البريطانية والفرنسية. غير أننا نفرد هنا بالذكر بروتوكـول 10 يناير 1924. فقد ورد في هذا البروتوكول حكم عام مؤداه أنه عندما يُنص على ان تتبع الحدود وادياً أو تقطع بحيرة أو رهداً فإن حقوق السقاية سيحتفظ بها للسكان على الجانبين. وذُكر في الوصف التفصيلي لأحد قطاعات الحدود أن وادي هور يشكل الحدود بين السودان وتشاد. وذُكر فيه أيضاً أن الوادي سيظل مشتركاً للقبائل التي تسكن على ضفتيه، وأنه سيحتفظ لكل قبيلة بحقوق حفر الآبار والزراعة والرعي التي كانت تتمتع بها من قبل.
2- كفلت الإتفاقية المبرمة في 6 ديسمبر 1907 بين بريطانيا واثيوبيا بشأن الحدود بين شرق إفريقيا البريطانية ويوغندا واثيوبيا للقبائل على جانبي خط الحدود حق استخدام المراعي الواقعة على الجانب الأخر كما كان في الماضي.
3- ألزمت المادة 14 (1) من الاتفاقية رقم 169 بشأن الشعوب الأصلية والقبلية في البلدان المستقلة لعام 1989 الحكومات باتخاذ التدابير لحماية حق الشعوب المعنية في الانتفاع بالأراضي التي لا تشغلها تقليدياً وإنما اعتادت دخولها من أجل أنشطتها المعيشية والتقليدية، وبأن تولي عناية خاصة للشعوب البدوية والمزارعين المتنقلين.
ثانياً: 1- في قضية تعيين الحدود بين بوركينا فاسو ومالي نوهت دائرة محكمة العدل الدولية عن اتفاقية أُبرمت في 25 فبراير 1964 لتعالج ضمن أمور أخرى مسائل الأرض والحفاظ على حقوق الاستعمال على جانبي خط الحدود. ونوهت كذلك بأنها تنص على أن حقوق استعمال مواطني الدولتين المتعلقة بالزراعة والرعي والصيد ومصادر المياه ستُحفظ وفقاً للعرف الإقليمي.
2- في المرحلة الأولى للتحكيم بشأن النزاع بين إرتيريا واليمن قضت المحكمة بسيادة اليمن على جزر حنيش وزقر وجبل الطير والزبير. ولكنها قررت أن تلك السيادة لا تتنافى مع استمرار نظام صيد الأسماك التقليدي في المنطقة، بل تستتبع الإبقاء عليه. ولذلك ألزمت المحكمة اليمن بأن تضمن أن نظام صيد الأسماك التقليدي والمتمثل في حرية الوصول والتمتع بالصيد لصيادي الأسماك من ارتيريا واليمن سيحافظ عليه لفائدة حياة ومعايش تلك الفئة الكادحة والفقيرة من الناس.
3- في تحكيم منطقة أبيي أكدت المحكمة أن تعيين الحدود ونقل السيادة لا يسقط الحقوق التقليدية المتعلقة بالأرض. وقد استدلت المحكمة بالمبادئ العامة للقانون وببعض من المعاهدات الدولية والسوابق القضائية التي أوردنا طرفاً منها. ومن ثم، وبعد أن حددت الحدود الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية لمنطقة أبيي، قررت المحكمة أن هذا التحديد لا يؤثر على الحقوق التقليدية الراسخة في منطقة أبيي أو على مقربة منها. وعلى وجه الخصوص الحق الذي ضمنه الفرع 1.1.3 من بروتوكول أبيي. يكفل هذا الحق للمسيرية والرحل الآخرين رعي ماشيتهم في منطقة أبيي والتنقل عبرها.
تنظيم ممارسة الحقوق التقليدية العابرة للحدود
لا يضع القانون أي قواعد أو نظم واجبة التطبيق لممارسة القبائل لحقوقها التقليدية، وإنما يترك ذلك لاتفاق الاطراف المعنيه، وعادة ما يأخذ الاتفاق شكل بروتوكول أو ملحق للاتفاقية المحددة لمسار خط الحدود. ومن أمثلة ذلك:
(1) بروتوكول بين كينيا واثيوبيا بشأن حقوق السقاية والرعي العابر للحدود. شكل هذا البروتوكول الملحق رقم (1) لاتفاقية الحدود المبرمة بين البلدين في 9  يونيو 1970.
(2) الملحق الثاني لاتفاقية الحدود بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان الموقعة في 21 مارس 1990 بشأن حقوق الرعي والتنقل والانتفاع من موارد المياه.
(3) الملحق رقم (4) لاتفاقية الحدود بين اليمن والمملكة العربية السعودية المبرمة في 12 يونيو 2000 حول تنظيم حقوق الرعي.
ولكن قبل أن تعكف الأطراف المعنية لصياغة اتفاق أو بروتوكول لتنظيم ممارسة الحقوق التقليدية العابرة للحدود، فهناك موجهات عامة يمكن أن تستلهم من الأهمية التي يوليها القانون الدولي لاستمرارية هذه الحقوق. فهذه الموجهات يجب أن تكون نصب الأعين عند إبرام أي بروتوكول أو اتفاق تنظيمي وهي:
- إن تعيين الحدود أو تغيير السيادة على إقليم ما لا يسقط الحقوق التقليدية للقبائل.
- إن الإعتراف باستمرارية الحقوق التقليدية يقتضي تعهد الاطراف المعنية بتيسير ممارستها وحماية تلك الممارسة.
- ألا تُحاط ممارسة الحقوق التقليدية صراحة أو ضمناً بسياج من الشروط والقيود التي قد تصبح في الواقع العملي تقليلاً من تلك الحقوق أو إلغاءً لها.
أما بنود الاتفاق التنظيمي أو البروتوكول، فينبغي أن تأخذ في الاعتبار النقاط التالية، وهي بالطبع ليس حصرية:
(أ) تعريف الحقوق التقليدية التي تشملها الممارسة: ما إذا كانت مثلاً رعياً أو زراعة أو الانتفاع بموارد مائية. ثم التعبير بوضوح عن استمرار واحترام هذه الحقوق والالتزام بكفالة التمتع بها.
(ب) تعيين حدود منطقة أو مناطق الحقوق التقليدية: فمثلاً المادة 1(أ) من الملحق رقم (4) لاتفاقية الحدود بين اليمن والسعودية نصت على أنه يحق للرعاة من البلدين استخدام مناطق الرعي على خط الحدود إستناداً إلى التقاليد والأعراف القبلية السائدة لمسافة لا تزيد عن عشرين كيلومتراً.
(ج) مسألة الولاية أو الاختصاص الجنائي والمدني في منطقة ممارسة الحقوق التقليدية: يُلاحظ أن بعض الاتفاقيات الافريقية تعهد بالولاية للدولة صاحبة السيادة على الإقليم. ومن أمثلة ذلك اتفاقية الحدود بين اثيوبيا وكينيا المبرمة في ديسمبر 1907. ولكن إذا استقرت في هذا الصدد ممارسات أو أعراف قبلية فإنه يلزم إتباعها.
(د) تحديد نقاط العبور إلى مناطق ممارسة الحقوق التقليدية وتيسير اجراءات وضوابط دخول وخروج الرعاة والمواشي إلى الحد الأدنى.
نورد هنا أن اتفاقيتي السعودية/اليمن والسعودية/عمان تنصان في ملحقيهما على الاعفاءات التالية:
(1) إعفاء العابرين من أنظمة الجوازات والإقامة والاكتفاء بوثائق عبور تصدرها الدول الاطراف المعنية.
(2) الإعفاء من الضرائب والرسوم وكافة أنواع الجبايات،
(3) إعفاء الحيوانات والخيام ومعداتها والمواد الغذائية والاستهلاكية والأثاث المنزلي وأي أشياء أخرى يتفق عليها من الجمارك. ولكن هذا لا يمنع أياً من الطرفين من فرض رسوم جمركية على الحيوانات والبضائع والمواد العابرة لأغراض التجارة.
(هـ) تحديد عدد ونوع السيارات ووسائط النقل المسموح بدخولها إلى منطقة ممارسة الحقوق التقليدية. وكذلك وضع ضوابط لدخول الاسلحة النارية إلى المنطقة من ناحية الترخيص والنوع والعدد.
(و) النص على ما يلزم من الاجراءات البيطرية والعلاجية والوقائية وكل ما يتصل بصحة الإنسان والحيوان والحفاظ على البيئة.
(ز) النظر في مسألة الوجود العسكري في منطقة ممارسة الحقوق التقليدية. والنظر كذلك في تشكيل جهاز أو دوريات مشتركة لضبط الأمن في المنطقة. نذكر في هذا الصدد أن المادة (4) من الملحق اليمني - السعودي نصت على أنه «لا يجوز لأي من الطرفين المتعاقدين حشد قواته المسلحة على مسافة تقل عن عشرين كيلومتراً على جانبي الجزء الثاني من خط الحدود المشار إليه في هذه المعاهدة ويقتصر نشاط أي طرف في كل جانب على تسيير دوريات أمن متنقلة بأسلحتها الإعتيادية».
(ح) جرت العادة على أن يعمل باتفاقيات تنظيم ممارسة الحقوق التقليدية العابرة للحدود لعدد من السنين يتفق عليها، وبعد أن تنقضي يجوز للاطراف المعنية تجديدها بدون تعديل أو تعديلها لمعالجة مسائل إضافية استجدت، أو لتقنين ما تراكم من ممارسات حميدة خلال فترة التطبيق.
نعيد القول بأن النقاط سالفة الذكر ليست حصرية، فلكل منطقة عاداتها وتقاليدها وأعرافها، فإذا كانت قد إستقرت إزاء أي من هذه النقاط تقاليد واعراف ومممارسات وقيم حميدة، فينبغي أن تكون هي الأولى بالاتباع والتضمين في الاتفاقية.