دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تقويض اتفاقية اديس ابابا
1- مسؤولية نميري
تتهم القيادات السياسية الجنوبية نميري بتقويض اتفاقية اديس ابابا ولتأييد هذا الاتهام تستند هذه القيادات إلى التالي:
1- أحدث نميري تغييراً في تركيبة إقليم جنوب السودان وذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقاليم دون اتباع الاجراءات التي حددتها اتفاقية اديس ابابا وضُمنت في المادة 34 من قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972. وقد اعُطي هذا القانون ضماناً دستورياً. فقد اعتبرته المادة 8 من دستور سنة 1973 قانوناً اساسياً لا يجوز تعديله إلا وفقاً للنصوص الواردة فيه.
وطبقاً للقانون يتطلب التعديل أغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب القومي وموافقة أغلبية ثلثي مواطني اقليم جنوب السودان في استفتاء عام يجرى في ذلك الاقليم. فلماذا تغاضى نميري عن هذه ا لاجراءات؟ ولماذا تجنب الاستفتاء؟
في مقابلة اجرتها صحيفة الصياد مع نميري في 23 مايو 1984 قال نميري: «لم اتجنب إجراء الاستفتاء وكان هذا ما أريد القيام به، كما جاء في الدستور. ولكن كما قلت إنه في كثير من الأحيان، ما يأتي في الدستور أو ما يأتي في أية اتفاقية، يمكن التغاضي عنه إذا كان هناك شيء أفضل. لقد ذهبت إلى الجنوب في رحلة سياسية ووجدت في مقابلات مع مختلف المواطنين أنهم يطالبون وبشدة بالتقسيم، حتى أنهم وقفوا أمام عربتي في الشوارع ولم يبتعدوا عنها إلا بعد أن قلت نعم سأقوم بالتقسيم». وقال نميري في نفس المقابلة إن مطلب التقسيم لم يأت من الاستوائية وحدها «لأن هناك أعداداً كبيرة جداً في ملكال وواو تطالب بالشيء نفسه».
ومضى نميري للقول إنه إذا أوقف العمل في تقسيم الجنوب إلى ثلاث أقاليم فسوف تشتعل حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس «لأنه في الجنوب إما ان تتبنى رأيهم أو يدخلوا الغابة».
2- حاول نظام نميري تعديل حدود اقليم جنوب السودان بالمخالفة لاتفاقية اديس ابابا لضم مناطق البترول والمناطق الزراعية والمناطق الغنية بالمعادن إلى الشمال. من هذه المناطق بانتيو وحفرة النحاس ومنطقة الكرمك ومنطقة الرنك. في الواقع أنه في نهاية عام 1980 نشب نزاع بين مجلس الشعب القومي ومجلس الشعب الاقليمي بشأن الخريطة الملحقة بلائحة حدود الأقاليم والتي يبدو انها أدخلت بعض هذه المناطق في الاقاليم الشمالية المتاخمة وهي كردفان ودارفور والأوسط.
3- تصرفت الحكومة المركزية في الموارد الطبيعية لاقليم جنوب السودان دون إعطاء أي اعتبار أو وزن لرأى الاجهزة الاقليمية. ومن ذلك قرار إنشاء قناة جنقلي وقرار اقامة مصفاة البترول في كوستي بدلاً من بانتيو حيث يوجد الحقل المكتشف. ثم استبدال المصفاة بخط انابيب لنقل البترول رأساً من بانتيو إلى ميناء بورتسودان. وكان مجلس الشعب الاقليمي قد دعا إلى إقامة المصفاة في بانتيو لأن ذلك سيسهم في تنمية المنطقة إقتصادياً.
4- انتهاك نميري للحقوق الأساسية والحريات التي نصت عليها اتفاقية اديس ابابا في الملحق «أ» وكفلها فيما بعد دستور السودان الدائم لسنة 1973. وذلك بإصدار قوانين الشريعة الاسلامية في سبتمبر 1983. ترى القيادات الجنوبية أن هذه القوانين أقامت درجات متفاوته من المواطنة وجعلت من الجنوبيين مواطنين من الدرجة الثانية. وقد أثار هذه المسألة جوزيف لاقو نائب رئيس الجمهورية في مذكرته بتاريخ 6 مارس 1985 إلى نائب الرئيس الامريكي جورج بوش أثناء زيارته للسودان قبيل سقوط نظام نميري. قال لاقو: «في اتفاقية اديس ابابا وضع شرط لتطوير ثقافات وعادات شعب الجنوب. والاجراء الأخير لادخال الشريعة لكي تحكم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لشعب السودان، قد أدى إلى إحتقار الجنوبيين ووضعهم في مستوى سكان من الدرجة الثانية. وبالتأكيد فإن هذا غير مقبول لديهم. وكذلك فانهم لن يقبلوا وضع الأقلية مع العلم أنهم يشكلون ثلث السكان، ويقطنون المساحة الجغرافية لجنوب السودان وبالنسبة لهم فإن القيادة في الشمال ليست جادة نحو وحدة البلاد طالما يكون بامكانهم إدخال قضايا تميل إلى تعقيد الأمور».
5- خرق نميري التدابير المؤقتة المتفق عليها بشأن تشكيل وحدات قوات الشعب المسلحة في إقليم جنوب السودان. تقضي هذه التدابير كما سلفت الاشارة بأن تُشكل هذه القوات من 12000 ضابط وجندي 6000 منهم من الاقليم الجنوبي و 6000 من خارج الاقاليم. ولكن خلال عامي 1982 و1983 بدأت حكومة نميري اجراءات لنقل الـ 6000 ضابط وجندي من قوات الانيانيا المستوعبة في القوات المسلحة إلى الشمال. قاومت بعض الكتائب قرار النقل وتمردت. وكان من بينها الكتيبة 104 والكتيبة 105. وبعد أن اقتحمت قوات الشعب المسلحة مقار الكتيبتين فر أفرادهما عبر الحدود إلى اثيوبيا. وفر مع الكتيبة 105 قائدها السابق جون قرنق الذي كان في اجازة في مسقط رأسه بور - مقر الكتيبة 105. ومن ثم أنشأ مع آخرين الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان. وأصدت الحركة في 31/7/1983 ما نيفستو يحدد أهدافها وتصورها لمسقبل السودان.
إن تدابير تشكيل القوات المسلحة في إقليم جنوب السودان المنصوص عليها في اتفاقية اديس ابابا قصد بها أن تكون مؤقتة وليست دائمة وحُددت فترة سريانها بخمسة أعوام. وكان من المفروض أن يتم خلال هذه الفترة الصهر أو التذويب التدريجي لقوات الانيانيا في القوات المسلحة وإعدادها للعمل في مناطق السودان المختلفة. ولكن الذي حدث أن قوات الانيانيا المستوعبة تُركت تخدم في الجنوب لفترة قاربت العشرة أعوام. وعندما صدر قرار نقلها للشمال تم ذلك بصورة فجائية وجماعية وفي ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد مما أفسح المجال للريب والظنون.
2- مسؤولية القيادات الجنوبية
ولكن هناك من يرى أن مسؤولية ما حدث لا تقع على عاتق نميري وحده وأن القيادات السياسية الجنوبية ينبغي أن تتحمل جزءاً من اللوم. فهذه القيادات هيأت لنميري الظروف والسبل التي مكنته من خرق الاتفاقية وإلغاء دور الاجهزة الاقليمية وحكم الجنوب مركزياً.
وبالرغم من الامكانات المادية التي تم توفيرها للجنوب والسلام النسبي الذي ساده لحوالي عقد من الزمان، إلا ان القيادات السياسية الجنوبية اخفقت في إنقاذ الجنوب من وهدة التخلف وعجزت حتى عن توفير القوت الضروري والخدمات الأساسية لأهل الجنوب.
وفي مقال نُشر بصحيفة الشرق الاوسط اللندنية بتاريخ 19 يونيو 1985 قال وزير الزراعة الاسبق علي التوم إنه قبل ادانة نميري على تحطيم اتفاقية اديس ابابا لا بد من توجيه اللوم للقيادات الجنوبية «التي أعطته الفرصة باخطائها الكثيرة في حق الجنوب قبل الشمال. فهي أولاً لم تحافظ على وحدتها كقيادة سياسية واجتماعية. وانصرفت إلى الصراعات الشخصية والشللية والانحيازات. وهي أيضاً سمحت وفي كل الحكومات الاقليمية المتعاقبة لحفنة من الوزراء والقياديين بانتهاج اساليب انانية وفاسدة، فاهتمت تلك القيادات بالعمولات وبناء البيوت والعمارات، وأهملت العمل من أجل التقدم والتنمية. لقد استغل نميري تلك السلبيات وخاصة الخلافات الشخصية إلى أبعد الحدود».
يضاف إلى هذا أن المطالبة بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم والتي تفجر بسببها فيض من المشاكل قد جاءت من الجنوب نفسه. وكان على رأس المطالبين بالتقسيم جوزيف لاقو قائد الانيانيا الاولى ومؤسس حركة تحرير السودان والطرف الآخر في اتفاقية اديس ابابا. ففي مذكرة بعنوان «اللامركزية ضرورة قصوى لمديريات السودان الجنوبية» قال لاقو إن المطالبة بالتقسيم تستند إلى المادتين 6 و7 من دستور سنة 1973 حيث نص فيهما على ان يحكم السودان لامركزياً. وقال أيضاً إن التقسيم لا يتعارض مع اتفاقية اديس ابابا. وعلى كل حال فقد كان المبرر الرئيسي للمطالبة بالتقسيم هو أن الاقليم الواحد يكرس هيمنة قبلية الدينكا على أجهزة الحكم الاقليمي. ونعيد إلى الاذهان أن جوزيف لاقو عندما أنشأ حركة تحرير السودان في صدر السبعينيات أعلن كواحد من أهداف حركته توحيد قبائل الجنوب في قومية واحدة.
3- مانيفستو الحركة وقوانين سبتمبر 1983
شهد النصف الثاني من عام 1983 حدثان زادا الحرب الأهلية شراسة وأضعفا كثيراً من إحتمال إحداث توازن بين الالتزام الإسلامي والوحدة الوطنية. الحدث الأول كان المانيفستو الذي أصدرته الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في 31 يوليو 1983. لا تعترف الحركة بتصنيف «شمال» و«جنوب» وتجعل من الجنوب نقطة إنطلاق لتحرير السودان وكسر احتكار القوى التقليدية في الوسط للسلطة وإقامة نظام علماني إشتراكي.
جاء في الفقرة (1) من المانيفستو أن «ما يسمى بمسألة الجنوب هي في الحقيقة مسألة السودان عامه. إنها بشكل عام مسألة مناطق متخلفة في كل البلاد، عَيّنها وفاقمها في الجنوب حكم طغم الأقلية في الخرطوم».
ونصت الفقرة (21) على أن الهدف الأساسي للحركة والجيش ليس هو فصل الجنو ب. فالجنوب جزء لا يتجزأ من السودان وقد تم تجزئة افريقيا بما فيه الكفاية بواسطة الاستعمار. وذُكر في الفقرة 24 (ج) أنه في ظل حكومة تحرير شعب السودان سيتم فصل الدولة عن المسجد والكنيسة وسيكون لكل المعتقدات الدينية في البلاد الحرية الكاملة لممارسة شعائرها بدون إعاقة أو تهديد بشرط ألا يُساء استخدام هذه الحرية أو تستخدم لأغراض سياسية، وسيكون يوم الأحد عطلة ويوم عبادة في الجنوب بينما سيكون يوم الجمعة عطلة ويوم عبادة في شمال السودان. وفي الفقرة (26) عبرت الحركة عن عزمها تحويل الحركة الجنوبية من حركة رجعية إلى حركة تحرير شعبية أصيلة ستقود مرحلة التحول الاشتراكي في السودان بداية بالجنوب حيث أضعف حلقات التنمية الهامشية وانطلاقاً إلى كل أنحاء البلاد.
أما الحدث الثاني فقد كانت تفجير ثورة نميري الإسلامية في سبتمبر 1983. ففي عامي 1983 و1984 أصدر نميري عدداً من القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية وشملت القانون الجنائي لعام 1983 وقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسنة 1983 وقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984. وفي منتصف عام 1984 طرح نميري على مجلس الشعب تعديلات لأكثر من مائة من مواد الدستور الدائم لسنة 1973. تجعل هذه التعديلات من السودان جمهورية إسلامية وتسند السيادة لله وتؤسس حاكمية الشريعة الإسلامية وذلك بالنص على أنها المصدر الأساسي للتشريع. وتقترح التعديلات أن يكون رئيس الجمهورية قائداً للمؤمنين ورأس الدولة وإمامها، وأن تبدأ رئاسته من تاريخ البيعة ولا تكون محدد بمدة زمنية محددة. ويمنح التعديل المقترح للمادة 113 رئيس الجمهورية - نميري آنذاك - حق تسمية خليفته في كتاب مختوم وموقع عليه بخط يده ويودع لدى الأمانة العامة لمجلس الشورى ولا يفض إلا بعد اعتماد خلو منصب رئيس الجمهورية بواسطة المحكمة العليا.
4- ماذا بقي من اتفاقية اديس ابابا؟
إن قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 والمتضمن لمشروع القانون الأساسي الذي اتفق عليه في اديس ابابا ظل ساريا بعد انتفاضة ابريل 1985. وقد أُعطي ضماناً دستورياً جديداً. بمقتضى الدستور الانتقالي لسنة 1985. تنص المادة 16 (1) من الدستور الانتقالي على ان تدار الأقاليم الخمسة الشمالية والعاصمة القومية على أساس الحكم اللامركزي وفقاً لاحكام القانون. وتنص المادة 16 (2) على ان يقوم الحكم الذاتي الاقليمي في الاقليم الجنوبي على أساس السودان الموحد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972.
ولكن جون قرنق قال في مقابلة نُشرت في صحيفة الاتحاد الظبيانية بتاريخ 5 مارس 1986 إن اتفاقية اديس ابابا قد ماتت «وعندما تموت البقرة فتلك هي النهاية فليس بالامكان إحياء بقرة ميتة». ومضي للقول إن الزمن تجاوز اتفاقية اديس اباب فهي غير قابلة للاحياء في اطار الحلول العامة لمسألة اللامركزية وتوزيع السلطة. لان مشكلة السودان لم تعد علاقة الشمال بالجنوب أو كيف يمكن احتواء الجنوب في السودان العربي بل هي أكبر من ذلك بكثير».
أما جوزيف لاقو قائد حركة الانيانيا الاولى والطرف الآخر في اتفاقية اديس ابابا فقد قال في المذكرة التي رفعها إلى نائب الرئيس الامريكي جورج بوش في 6 مارس 1985 إن نظام اللامركزية يقلل مناطق الاحتكاك والشقاق لأنه في داخل الجنوب نفسه مشاكل عرقية لم تعالجها اتفاقية اديس ابابا. ولكنه يعتقد أن الطريقة التي طبقت بها اللامركزية في السودان قد أدت إلى تآكل اتفاقية اديس ابابا. فالترتيب الذي تم التوصل إليه في اديس ابابا في عام 1972 يبدو أكثر ديمقراطية من ذاك الذي ظهر في قانون الحكم الاقليمي لسنة 1980 «والجنوبيون يفضلون الالتزام بما كان مرتباً لهم وان يحصلوا على اللامركزية الناتجة عنه».
وتذهب بعض الآراء إلى أن الحكم الذاتي الاقليمي لم يعد سواء في الشمال أو الجنوب الصيغة الملائمة لاستيعاب تعددية السودان العرقية والدينية والقبلية واللغوية والثقافية. ومنذ التوقيع على اتفاقية اديس ابابا في سنة 1972 وتطبيق النظام الاقليمي في مديريات السودان الشمالي قد طرأت الكثير من المتغيرات التي لا يعالجها النظام الاقليمي. فتجربة قوانين سبتمبر 1983 الاسلامية طرحت من جديد مسألة العلاقة بين الدين والدولة وكيفية التوفيق بين تطلعات المسلمين وحقوق غير المسلمين. كما أن تجربة استيعاب قوات الانيانيا في القوات المسلحة والمحاولات الانقلابية العرقية أبرزت أهمية القضاء على الاقليمية والعنصرية في القوات المسلحة وإعادة بنائها على أسس قومية، وأثار اكتشاف البترول في بعض أقاليم السودان مسألة التوزيع العادل لعائده وعائد أي ثروة طبيعية قد تكتشف مستقبلاً. فالتاريخ الافريقي المعاصر ينبئ بأن الاكتشافات النفطية والمعدنية في إقليم ما تثير الرغبة في الانفصال عن المركز.
وتطرح بعض القوى السياسية في الشمال والجنوب النظام الفيدرالي كصيغة بديلة للتعامل مع تعددية السودان. ويبدو أن رسالة جون قرنق لرئيس وزراء الحكومة الانتقالية في 1 سبتمبر 1985 تطرح النظام الفيدرالي كصيغة محتملة لتحديد العلاقية بين المركز والاقليم. إذ ورد في الرسالة «أن المؤتمر الوطني الذي سيناقش مشكلة السودان ينبغي أن يناقش أولا ً القضايا الوطنية الأساسية (مثل نظام الحكم في الخرطوم .. الخ) وثانياً مشكلة الحكومات الاقليمية (اتحادات فيدرالية او استقلالات ذاتية اقليمية) باعتبارها انعكاسات لبنية السلطة في الوسط».
وهناك من يرى في النظام الفيدرالي الحل الجذري لمسألة تطبيق الشريعة الاسلامية. ففي مقابلة اجرتها معه مجلة الكفاح العربي في 6 مايو 1985 قال منصور خالد إن النظام الفيدرالي يوفر للاقليم الجنوبي سلطات أكبر من السلطات التي يملكها حالياً. فاتفاقية اديس ابابا تعطي الجنوب سلطة التشريع في ميادين عديدة ليس من بينها العقوبات. ولكن النظام الفيدرالي سيعطيه سلطة التشريع في مجال العقوبات.
ويعتقد علي عثمان محمد طه عضو الجبهة القومية الاسلامية وزعيم المعارضة في الجمعية التأسيسية آنذاك أن النظام الفيدرالي هو الاطار المناسب لاحتواء التعددية بما في ذلك التعددية الدينية. أعلن علي عثمان في صحيفة الخليج بتاريخ 30 يونيو 1986 أن تصورهم المطروح لحل قضية الجنوب هو أن يقسم السودان إلى ولايات فيدرالية ليصبح النظام في السودان اتحاد فيدرالي. ودعا إلى تطوير الحكم الاقليمي إلى نظام اتحادي فيدرالي «يكفل وحدة البلاد ويضمن التعايش في اطار التباين الثقافي والعرقي ويجعل لكل الفرصة في ان يلتزم احكام شرعه ودينه ويعبر عن هويته الحضارية ويعيش جنباً إلى جنب مع بقية اخوانه في البلاد».
5- مخاطر الفيدرالية
يبدو مما تقدم أن الفيدرالية طُرحت كصيغة توفيقية بين الانفصال والوحدة. تمثل الفيدرالية نمطاً من أنماط اللامركزية السياسية وتهدف إلى تحقيق الوحدة في مجتمع متباين الأعراق والأديان والثقافات.
تنشأ الفيدرالية بموجب دستور وليس بمقتضى قانون عادي. فالدستور باعتباره الوثيقة الأساسية التي تبين نظام الحكم وكيفية ممارسة السيادة في الدولة هو الذي يضمن الفيدرالية ويحميها. هذا بالطبع إذا كان الدستور نفسه مؤسساً على الفكر الديمقراطي الليبرالي. فالفيدرالية لن تزدهر في بيئة استبدادية لأنها في واقع الأمر عبارة عن ديمقراطية بين ولايات الدولة الواحدة دون طغيان الحكومة المركزية على الولايات، أو تسلط ولاية على الأخرى.
إن المال هو عصب اللامركزية في كافة تطبيقاتها. فاللامركزية السياسية لا تنشأ بمجرد النص عليها في الدستور وأصدار القوانين وخلق الأجهزة وتحديد المهام، وإنما بالاستقلال المالي. بالطبع لا يتوقع أحد أن تباشر الولايات المهام المنوطة بها بمواردها الذاتية ولكن الاعتماد الكلي على الحكومة المركزية سيجردها من الاستقلال ويخلع عنها صفة اللامركزية.
إن تطبيق الفيدرالية باهظ التكاليف بسبب ما سيترتب عليها من تعدد الهيئات الحاكمة طبقاً لعدد الولايات. وفي بلد فقير كالسودان فإنها ستؤدي إلى زيادة كبيرة في النفقات العامة وبالتالي إلى فرض ضرائب ورسوم وبذلك تصبح عبئاً مالياً يتحمله المواطن.
إن من محاسن الفيدرالية أنها قد تحقق الوحدة المنشودة، وإذا واكبتها تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة فإنها قد تزيل كل مظاهر الفروقات الحضارية. ولكنها تنطوي أيضاً على مخاطر: فلربما تكرس الانقسام أو الجهوية أو القبلية وتشجع على الانفصال.