(8)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مؤتمر المائدة المستديرة ومشروع دستور 1968
1- مؤتمر المائدة المستديرة
عُقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم في 16 مارس 1965 برئاسة مدير جامعة الخرطوم النذير دفع الله. حضر المؤتمر مراقبون من سبع دول افريقية هي الجزائر وكينيا ويوغندا ومصر ونيجيريا وغانا وتنزانيا. شارك في المؤتمر من الشمال حزب الشعب الديمقراطي، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأمة، والحزب الشيوعي، وجبهة الميثاق الاسلامي، وجبهة الهيئات. ومثلث الجنوب في المؤتمر جبهة الجنوب، وحزب سانو، وشارك في المؤتمر بصورة غير مباشرة حزب الوحدة السوداني.
قدمت الأحزاب الشمالية مشروعاً مشتركاً لتسوية قضية الجنوب. ولكن الأحزاب الجنوبية لم تطرح تصوراً موحداً لمستقبل العلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب. فحزب سانو (جناح أقري جادين) دعا للانفصال التام، وسانو (جناح وليام دينق) طالب بقيام إتحاد فيدرالي بين الشمال والجنوب. أما جبهة الجنوب فقد اقترحت تسوية قضية الجنوب في إطار حق تقرير المصير. وسيرد من بعد أن حزب سانو (جناح وليم دينق) وجبهة الجنوب قدما في بعض مراحل المؤتمر مقترحات مشتركة.
رفضت الأحزاب الشمالية النظام المركزي أو الفيدرالي أو الانفصال كأساس لتسوية مسألة الجنوب، وأكدت على أن المبادئ التي ينبني عليها نظام الحكم ينبغي أن تضمن بقاء السودان كدولة موحدة. وكما سيتضح، فان الطرح الشمالي كان يدعو للأخذ بنظام اللامركزية الإدارية في ظل دولة بسيطة موحدة Unitary تقوم على المركزية السياسية.
لم تجد الأحزاب الشمالية مبرراً لمطلب الانفصال لأن علاقات الشمال والجنوب لا تقوم على أساس الإستقلال أو الاستعمار. وبالنظر إلى العلاقات الانسانية والاقتصادية والجغرافية التي تربط الشمال بالجنوب، فإن الانفصال ستترتب عليه مشاكل سياسية واقتصادية تقعد بالشمال والجنوب وتزيد من فرص التدخل الأجنبي. وهذا فضلاً عن أنه لا يتفق مع توجهات افريقيا الوحدوية.
وفي تفسيرها لحق تقرير المصير، ذهبت الأحزاب الشمالية إلى أنه ليس حقاً مطلقاً يجوز لأي جماعة أن تستخدمه دون مراعاة لمصلحة الجماعة الدولية وبطريقة ضارة بالأمن والسلم.
وتخوفت الأحزاب الشمالية من أي يكون النظام الفيدرالي خطوة في طريق الانفصال. واستندت في رفضها له لغياب مقومات نجاحه فالنقلة من النظام المركزي إلى النظام الفيدرالي ليست بالأمر اليسير. كما أن النظام الفيدرالي يتطلب موارد اقتصادية وبشرية لا قبل للجنوب أو للسودان بها.
إعترفت الأحزاب الشمالية بعدم ملائمة النظام المركزي القائم لتباينات تركيبة السودان. وكبديل اقترحت أن يبني النظام الإداري للسودان على الأساس الجغرافي الذي يضمن للجنوب حكومة إقليمية تناسب ظروفه. كما يضمن للأقاليم الأخرى درجات من الحكم الاقليمي تتناسب مع ظروف كل منها. تتكون الحكومة الاقليمية من مجلس تشريعي إقليمي ومجلس تنفيذي ومحافظ يرأس المجلس التنفيذي. وحددت مقترحات الأحزاب الشمالية وظائف وسلطات المجلسين.
واشتملت مقترحات الأحزاب الشمالية على ضمانات دستورية تكفل حرية العقيدة وحرية العمل التبشيري للمواطنين السودانيين. وتكفل أيضاً المساواة في فرص العمل وفي الأجور على ألا يكون هناك تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة.
ولتحقيق مشاركة الجنوب في السلطة القومية إقترحت الأحزاب الشمالية الآتي:
(أ)    يكون تمثيل الجنوب في البرلمان حسب نسبة سكانه إلى سكان السودان.
(ب) يكون للجنوب وضعاً خاصاً في رئاسة الدولة بحيث يكون أحد أبناء الجنوب نائباً للرئيس.
(ج) يكون في الوزارة ثلاثة وزراء من الجنوب.
إقترحت الأحزاب الشمالية كذلك مبادئ للسياسة القومية غطت مجالات التعليم والاقتصاد والخدمة العامه واستثمار الأراضي. من هذه المبادئ إنشاء جامعة في الجنوب، وإنشاء لجنة فرعية بالجنوب للجنة الخدمة المدنية، وانشاء مجلس قومي للتنمية الاقتصادية على أن تكون له وكالة فرعية بالجنوب، وتوزيع النشاط الاقتصادي بطريقة تسرع بالتنمية الاقتصادية للأقاليم المتخلفة خاصة الجنوب. وكإجراء عاجل إقترحت الأحزاب الشمالية «جنوبة» الإدارة في المديريات الجنوبية بجنوبيين مؤهلين.
إبان المؤتمر قدم حزب سانو وجبهة الجنوب مشروعاً لتقرير مستقبل الجنوب على أساس إستفتاء للتحقق من رغبة أغلبية أهل الجنوب. في هذا الاستفتاء تُطرح على الجنوبيين ثلاثة خيارات: النظام الفيدرالي، أو الوحدة مع الشمال، أو الانفصال عن الشمال. اقترح المشروع إجراء الاستفتاء خلال شهرين. كما اقترح أيضاً بعض الإجراءات لضمان حيدة الاستفتاء. ومن هذه الإجراءات أن تشرف على الاستفتاء هيئة محايدة، وأن تُرفع حالة الطوارئ، وأن تعود قوات الجيش إلى ثكناتها في الشمال، وأن تعمل جبهة الجنوب وحزب سانو على إيقاف القتال في الجنوب بمناشدة المقاتلين.
رفضت الأحزاب الشمالية هذا المشروع ورأت فيه محاولة خفية لتطبيق حق تقرير المصير دون أن تتوفر شروط تطبيقه. يضاف إلى هذا أنه صور علاقة الشمال بالجنوب كعلاقة مستعمر (بكسر الميم) ومستعمر (بفتح الميم).
ورفضت الأحزاب الشمالية مشروعاً آخر تقدم به حزب سانو وجبهة الجنوب في 24 مارس 1965. دعا هذا المشروع إلى تقسيم السودان إلى إقليمين. يكون لكل إقليم السيطرة على الشؤون الخارجية والشؤون المالية والتخطيط الاقتصادي والقوات المسلحة والأمن الداخلي. وحدد المشروع خدمات مشتركة يقوم بتنظيمها مجلس وزراء مكون من 12 وزيراً من كل إقليم. وتكون لمجلس الوزراء أمانة عامة لتنفيذ القرارات. وتشمل الخدمات المشتركة المعنية حركة البضائع والمواصلات والعمل ورقابة النقد والتعليم العالي ومكافحة الأمراض الوبائية والبحث الطبي.
ولا خفاء أن هذا المشروع كان يرمي في التحليل الأخير إلى فصل الجنوب عن الشمال وإقامة دولة مستقلة في الجنوب لا يربط بينها وبين الشمال سوى جهاز لتنسيق الخدمات. أو بمعنى آخر صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب على أساس كونفيدرالي.
لم يتمكن مؤتمر المائدة المستديرة من الوصول إلى قرار إجماعي بشأن النظام الإداري والدستوري للسودان. لذلك قرر تشكيل لجنة مكونة من إثني عشر عضواً لمواصلة بحث هذا الموضوع.، وفي البيان الختامي الذي أصدره المؤتمر، أكد ممثلو الأحزاب والهيئات على حتمية المصالحة الوطنية، وعبروا عن اقتناعهم بأن الأختلافات في وجهات النظر يمكن تسويتها بالوسائل السلمية. وجاء في البيان أيضاً أن المؤتمر نجح في تهيئة الفرصة للزعماء السياسيين للإلتقاء لأول مرة منذ سنوات في جو ودي لتبادل وجهات النظر حول قضية جنوب السودان. كما نجح في تبديد الشكوك والريب بين زعماء الشمال والجنوب وفي خلق أساس متين للتفاهم والتعاون.
وتبنى المؤتمر بالإجماع سياسات تهدف إلى تطوير الجنوب وتطبيع الأحوال فيه. ومن هذه السياسات كفالة حرية العقيدة، والمساواة في فرص العمل، وتدريب الجنوبيين على التخصصات الفنية والإدارية والعسكرية، و«جنوبة»  الإدارة والشرطة والسجون والإعلام، وإنشاء جامعة في الجنوب، وإنشاء مجلس قومي للتخطيط تكون له وكالة فرعية في الجنوب.
يثور هنا تساؤل عن أسباب إخفاق مؤتمر المائدة المستديرة في الوصول إلى صيغة دستورية لتحديد العلاقة بين الشمال والجنوب. يرد تيم نبلوك المحاضر السابق بشعبة العلوم السياسية بجامعة الخرطوم ذلك إلى عدة أسباب نجملها في الآتي:
أ- إن القوى التي تحمل السلاح وتحارب وبوجه خاص الانيانيا لم تدع للمشاركة في المؤتمر.
ب- إن الأحزاب الجنوبية التي شاركت في المؤتمر لم يكن لها نفوذ يذكر على الانيانيا ولذلك لم تكن في وضع يمكنها من إبداء تنازلات أو إجراء مساومات.
ج- عدم اتفاق رؤية الحركة السياسية الجنوبية على العلاقة الدستورية بين الشمال والجنوب.
د- عدم وجود وسيط قادر على بسط نفوذه على طرفي النزاع.
يبدو أن الوسيط الذي افتقده نبلوك في مؤتمر المائدة المستديرة قد ظهر خلال رئاسة الصادق المهدي للحكومة. ففي ديسمبر 1966 زارت السودان بدعوة من الحكومة بعثة من مجلس كنائس عموم افريقيا، ناقشت البعثة مع رئيس الوزراء، الأسلوب الذي يمكن إتباعه للوصول إلى تسوية سلمية لقضية الجنوب وتم الاتفاق على الآتي:
أ- تشكيل لجنة من شماليين وجنوبيين لإجراء مفاوضات مع قادة الأنيانيا بحضور مراقبين من ثلاث من الدول الافريقية المجاورة.
ب- ضمان سلامة قادة الأنيانيا الذين سيشاركون في المفاوضات.
ج- وقف إطلاق النار فور بدء المفاوضات.
ويقول نبلوك إن تقرير بعثة مجلس كنائس عموم افريقيا انتقد الانيانيا لمحاولتهم حسم القضية باللجوء للقوة، ودحض الروايات التي تتحدث عن وجود إضطهاد ديني في جنوب السودان.
إن سقوط حكومة الصادق المهدي في فبراير 1967 وتصعيد حكومة خلفه محمد احمد محجوب للعمليات العسكرية ضد الأنيانيا حال دون تنفيذ الاتفاق مع مجلس كنائس افريقيا. ولكن سيرد لاحقاً أن مجلس كنائس عموم افريقيا وبوجه خاص سكرتيره الليبيري القس برغس كار قد لعب دوراً بارزاً في تحقيق إتفاقية أديس أبابا 1972.
2- لجنة الاثني عشر
كلف مؤتمر المائدة المستيديرة لجنة الاثني عشر بدراسة الهيكل الدستوري والإداري الذي يكفل المصلحة الخاصة للجنوب وكذلك المصلحة العامة للسودان. وبالإضافة إلى ذلك منح المؤتمر اللجنة الصلاحيات التالية:
1- متابعة تنفيذ الخطوات والسياسات التي أُتفق عليها في المؤتمر.
2 - وضع الخطط لتطبيع الأحوال في الجنوب والنظر في خطوات رفع حالة الطوارئ وإقرار القانون والنظام.
وأورد محمد عمر بشير في كتابه عن مسألة جنوب السودان أن مؤتمر المائدة المستديرة كان قد توصل في جلسة مغلقة إلى اتفاق سري يقضي بألا تشمل صلاحيات لجنة الاثني عشر بحث أي مشروع ينطوي على فصل الجنوب عن الشمال أو يؤدي إلى الإبقاء على النظام القائم - أي النظام المركزي. بمعنى أن أي صيغة تتوصل إليها اللجنة يجب أن تكون في إطار السودان الموحد.
بعد جهود مضنية رفع رئيس لجنة الاثني عشر يوسف محمد علي تقرير اللجنة إلى رئيس الوزراء الصادق المهدي في 26 يونيو 1966 وقد وقعت على التقرير جبهة الجنوب، وحزب سانو، وحزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي، وجبهة الميثاق الاسلامي، وجبهة الهيئات. وكان حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي قد إنسحبا من اللجنة بحجة إستمرار أعمال العنف في الجنوب.
اتفقت لجنة الاثني عشر على تبني النظام الإقليمي كنظام للحكم في السودان وعلى أن يكون لكل إقليم مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي وحاكم. ولكن اللجنة اختلفت حول التحديد الجغرافي للاقليم. فبينما كانت الأحزاب الشمالية ترى أن يقسم السودان إلى تسعة أقاليم على أساس حدود المديريات القائمة آنذاك، كانت الأحزاب الجنوبية ترى أن تكون المديريات الجنوبية الثلاث إقليماً واحداً. واختلفت اللجنة حول طريقة إختيار حاكم الاقليم وحول العلاقة المالية بين الحكومة المركزية والحكومة الإقليمية.

3- مؤتمر الأحزاب السياسية
بمبادرة من رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي عُقد في اكتوبر 1966 مؤتمر للأحزاب السياسية برئاسة محمد صالح الشنقيطي. وقد تمكن المؤتمر من الوصول إلى صيغة توفيقية فيما يتعلق بالتحديد الجغرافي للإقليم. تقضي هذه الصيغة بتقسيم السودان إلى تسعة أقاليم يعاد النظر فيها بعد خمس سنوات ودون أن يمنع ذلك إنشاء وحدات إدارية مشتركة بين إقليمين أو أكثر. وتوصل المؤتمر أيضاً إلى اتفاق بشأن طريقة اختيار حكام الأقاليم.
بمقتضى البيان الختامي لمؤتمر المائدة المستديرة كان من المفروض دعوة المؤتمر للانعقاد مرة أخرى، ولكن الأحزاب الشمالية والجنوبية إتفقت على أنه لا ضرورة لذلك وقررت رفع تقرير لجنة الاثني عشر ونتائج أعمال مؤتمر الأحزاب السياسية إلى اللجنة القومية للدستور التي بدأت أعمالها في فبراير 1967 وتمكنت من الفراغ من مهمتها ووضع مشروع دستور السودان الدائم أمام الجمعية التأسيسية في 15 يناير 1968.
4- مشروع الدستور الدائم لسنة 1968
ليس من أغراضي هنا الدخول في تحليل تفصيلي لمشروع دستور 1968، أو أن أتناول بالدراسة خصائص المشروع الموضوعية. سأكتفي بإلقاء الضوء على موقف المشروع إزاء ثلاث من القضايا التي كانت مطروحة آنذاك في إطار علاقة شمال السودان وجنوبه.
(أ) مشروع دستور 1968 يتبنى اللامركزية اللإدارية
لتحديد العلاقة بين المركز والإقليم تبنى مشروع دستور 1968 لا مركزية إدارية موســعة في إطار سودان موحد. فقد نص المشروع في المادة 2 على أن Œجمهورية السودان دولة موحدة ذات سيادة على جميع الأقاليم الواقعة داخل حدودها الدولية. وقسمت المادة 178 السودان إلى تسعة أقاليم وفقاً لحدود المديريات السائدة عند إجازة الدستور. ولكن المادة 179 أجازت Œلإقليمين أو أكثر إنشاء وحدة إدارية مشتركة تشرف على أي من الخدمات الواقعة في نطاق سلطة الإقليم ويكون ذلك بمقتضى قرار يجيزه كل مجلس إقليم معني بأغلبية جميع أعضائه. كما نصت المادة 238 على أن يعاد النظر في وضع تقسيم الأقاليم وحدودها بعد مضي خمس سنوات من بدء تطبيق النظام الإقليمي. ويبدو أن المادتين 179 و238 قد قُصد بهما مقابلة مطلب الأحزاب الجنوبية بأن تكون المديريات الجنوبية الثلاث إقليماً واحداً.
أنشأ مشروع دستور 1968 مجلساً تشريعياً لكل إقليم ينتخب بالاقتراع المباشر، ومجلس تنفيذي يختاره مجلس الإقليم ويرأسه محافظ. وقد حدد المشروع طريقة اختيار المحافظ واختصاصات الأجهزة الإقليمية وعلاقتها بالأجهزة القومية.
خولت المادة 168 من المشروع مجلس الإقليم سلطة التشريع في المجالات التالية:
- الإدارة الإقليمية والمحلية.
- إنشاء وإدارة المؤسسات التعليمية حتى المرحلة الثانوية وفقاً للسياسة التعليمية التي تضعها السلطة القومية.
- رعاية صحة البيئة والصحة المدرسية وصحة الأمومة والطفولة.
- تنظيم الصناعات المحلية.
- خدمات الإعلام الإقليمية.
- تطوير السياحة.
- التنقيب عن الآثار دون المساس بحق السلطات القومية في هذا المجال.
- إنشاء الطرق المحلية وصيانة الطرق المركزية.
- تطوير اللغات والثقافة.
- أي مجال آخر تفوضه إليه الجمعية الوطنية بقانون.
وعهدت المادة 175 إلى المجلس التنفيذي بسلطة تنفيذ القوانين الإقليمية التي يسنها مجلس الإقليم. كما عهدت إليه بمباشرة بعض الشؤون وفقاً للقوانين والسياسة القومية. وتشمل هذه الشؤون على سبيل المثال:
- تجنيد البوليس المحلي واستخدامه بما لا يتعارض مع أعمال البوليس القومي أو مع حق السلطات القومية في وضع جميع قوات الأمن تحت إشرافها المباشر.
- تطبيق السياسة التعليمية القومية على مؤسسات التعليم الإقليمية.
- إنشاء المستشفيات الإقليمية وإدارتها بأذن السلطات القومية وتحت رقابتها.
- التعمير الزراعي واستغلال الأراضي وفق خطة التنمية التي تضعها السلطات القومية.
- تطبيق سياسة العمل التي تضعها السلطات القومية.
وحدد الفصل الثالث من مشروع دستور 1968 العلاقة بين السلطات القومية والإقليمية. فقد نصت المادة 176 من المشروع عى أن كل سلطة لم ينص صراحة على منحها لجهاز إقليمي تستقل بها الأجهزةالقومية بما في ذلك السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ومنحت المادة 177 (1) الجمعية الوطنية السيادة التشريعية الكاملة وذلك لأجل حماية المصالح القومية للبلاد وضمان التنسيق بين القوانين الإقليمية وكفالة القيادة والمبادرة. وتقضي الفقرة (2) من نفس المادة بإجراء مشاورات مع الأقاليم المعنية عندما تقدم مشروعات قوانين قومية تلغي القانون الإقليمي أو تدخل في نطاق السلطات الإقليمية. بينما تقضي الفقرة (3) ببطلان كل قانون إقليمي يعارض قانوناً قومياً سابقاً أو لاحقاً وذلك بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض.
(ب) مشروع دستور 1968 وقضية الدين
نص مشروع دستور 1968 في باب الد ولة على أن الإسلام دين الدولة الرسمي (المادة 3). ولكنه كفل في باب الحقوق والحريات الأساسية حر ية الدين والفكر والضمير وحق ممارسة الشعائر الدينية وحق الآباء تنشئة أولادهم على الدين الذي يرتضونه (المادة 32). وجاء في المشروع أيضاً أن السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية تقوم على هدى الإسلام (المادة 1). ولم يأخذ المشروع بالاقتراح الذي تقدمت به بعض الأحزاب الشمالية بأن يوصف السودان بأنه جمهورية إسلامية. ومع ذلك فقد خطا مشروع الدستور خطوات بعيدة في الاتجاه الإسلامي عندما قرر الآتي:
المادة 113: الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة.
المادة 114: يعتبر باطلاً كل نص في أي قانون يصدر بعد إجازه هذا الدستور ويكون مخالفاً لأي حكم من أحكام الكتاب والسنة إلا إذا كانت تلك المخالفة قائمة في جوهرها قبل إجازة الدستور.
المادة 115: على الدولة أن تصدر من التشريعات ما تعدل به جميع القوانين التي تعارض أي حكم من أحكام الكتاب والسنة وما تنفذ به أحكام الشريعة التي كانت معطلة على أن تصدر كل التشريعات بالتدرج الذي تقتضيه الضرورة وفق ما يرى المشرع.
المادة 142: إذا لم يجد القاضي نصاً تشريعياً يستنبط أصول أحكامه من مبادئ الشريعة الإسلامية ونظرياتها العامة ومما لا يعارضها من قواعد العدالة والوجدان السليم.
(ج) مشروع دستور 1968 ومسألة الانتماء القومي
نص مشروع دستور 1968 في باب الدولة على أن اللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية (المادة 3). وجاء في باب الحقوق والحريات الأساسية أن الدولة تكفل للأقليات حرية استعمال لغتها وتطوير ثقافتها دون مساس بحق الدولة في فرض استعمال لغة البلاد الرسمية في معاهد الدولة ودواوين الحكومة (المادة 39).
وفي باب الدولة أيضاً نص المشروع على أن السودان جزء من الكيان العربي والإسلامي والافريقي (المادة 5).
ونص المشروع في باب المبادئ الموجهة لسياسة الدولة على أن تعمل الدولة لتدعيم وحدة الأمة العربية وتعزيز روابط الاخوة الإسلامية وتحرير القارة الافريقية وتحقيق وحدتها ومناصرة الحركات العاملة للتحرر من النفوذ الاستعماري والقهر والظلم السياسي.
(د) مشروع دستور 1968 والعلاقة الاقتصادية والمالية بين السلطات القومية والإقليمية
لتحقيق التوازن التنموي نص مشروع الدستور في المادة 180 على أن تقوم في كل إقليم وكالة فرعية لأي مجلس اقتصادي قومي ينشأ لشؤون التنمية أو التخطيط.
أما سلطات الإقليم المالية وسلطات الإقليم في مجال الخدمة المدنية والعلاقة بين السلطات الإقليمية والقومية في مجال الشؤون المالية وشؤون الخدمة المدنية فقد ترك مشروع الدستور تنظيمها للقانون القومي (المادة 181 والمادة 182).
سبق أن ذكرنا أن مشروع دستور عام 1968 قد وضع أمام الجمعية التأسيسية في 15 يناير 1968، ولكن الجمعية لم تناقش المشروع بسبب القرار الذي أصدره مجلس السيادة في مساء 7 فبراير 1968 بحلها بعد أن قدم تسعون عضواً استقالاتهم. وفي تبريره لقرار الحل ذهب مجلس السيادة إلى أن الجمعية لم تعد تملك Œصلاحية وضع الدستور الدائم، والذي يشترط لإقراره توافر أغلبية ثلثي أعضاء الجمعية˜.
غير أن السبب الحقيقي للاستقالات والحل كان إنقاذ حكومة محمد أحمد محجوب من السقوط. وكانت تلك الحكومة إئتلافية بين حزب الأمة (جناح الإمام الهادي) والحزب الاتحادي الديمقراطي.
بعد انتخابات الجمعية التأسيسية التي جرت في ابريل 1968 تم تكوين لجنة جديدة للدستور. وقد باشرت اللجنة مهامها في أكتوبر 1968 على أساس مشروع لجنة عام 1967 والذي عرضنا لبعض مواده في الفقرات الفائتة. وخلال اجتماعات اللجنة تقدم ابيل الير المتحدث باسم أحزاب الجنوب وعبد الخالق محجوب ممثل الاشتراكيين بتعديلات لبعض مواد المشروع. وإزاء عدم تبني اللجنة للتعديلات التي اقترحاها، انسحب ابيل الير من اللجنة ثم لحق به عبد الخالق محجوب.
ووصف أبيل ألير مسودة دستور 1968 بأنها أدخلت عنصراً جديداً في الساحة وهو الدستور القائم على التفرقة الدينية والعنصرية. وقال إنه وبوصفه المتحدث باسم أحزاب الجنوب أبلغ اللجنة بأن مشروع الدستور ليس مقبولاً للجنوب لأنه يفرق بين المواطنين على أساس الدين والعنصر: فهو دستور إسلامي لأمة عربية.
تتعين الإشارة هنا إلى أن Œلجنة العلماء الدولية التي زارت السودان في ديسمبر 1986 لإعداد تقرير عن قوانين سبتمبر الإسلامية قد اعتبرت مشروع دستور 1968 إسلامياً. فقد ورد في تقرير اللجنة «Œأن التوجه الإسلامي لم يخب بانتهاء السيادة السياسية للدولة المهدية، وظلت الجذوة الخيرة في النفوس، فاجتمعت كلمة القوى السياسية فور الاستقلال على التوجه الإسلامي، وظهر أثر ذلك في مشروع دستور 1968 الذي لم يصدر بسبب انقلاب مايو».