عقدت على نفسي بعد أن قرأت منذ بضع أيام عجاف "زهرة العمر" لتوفيق الحكيم أن أقرأ كل يوم ما لا يقل عن مائة صفحة دون تبجح، "تعاضل" أو تطاول. أسافر إلى قاهرة المعز العزيزة وأحمل من الكتب سيما الروايات ما يروي ظمأي في وحدتي التي تشملني إلا من كتاب.
علمني الحكيم توفيق هذه الفضيلة: أن أتعهد مع نفسي عهدا صادقا – كما كان يفعل – قراءة على الأقل مائة صفحة في اليوم ذلك ما يعادل ٣٠٠٠ صفحة في الشهر على الأقل.
طفت في الأيام القليلة الماضية بين ثلاثة كتب له:
زهرة العمر: وهي سيرة الحكيم الذاتية، وهي مجموعة سامية من الرسائل التي كتبها لصديقه أندريه بباريس، كان يسرد يومياته في باريس وقد كان حينئذ أحد طلاب القانون هناك، يتنقل بين الكتب والمراجع شموليا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. خجلت من نفسي أني كنت طالبا مثله بفرنسا وأني تعلمت بجامعاتها العريقة لكن دون أن أعي بوعي تام ما تحمله هذه البلاد من كنوز في كل المجالات.
أتممت زهرة العمر ورحت أقلب عن كتب أخرى في مكتبتي للحكيم من الأدب الشعبي – كما يسميّه هو. فإذا ب "عصفور من الشرق" و"أهل الكهف" ينتصبا أمام ناظريّ. ما أن بدأت أولهما حتى رأيت أنني أطوف وأكمل سيرته الذاتية في "زهرة العمر" وأرى في ثانيهما ملكته الجبارة في اقتباس قصص القرآن في "أهل الكهف" ووضعها في سياق تاريخي راسخ وخيال مزدهر ولغة سهلة سلسلة دون تكلف أو أعياء. يذكر هذه الأخيرة في رسائله لأندريه كما يلي: "الرواية الأدبية الجديدة مقتبسة من سورة ترتل في المسجد كل يوم جمعة."
جعلني الحكيم أطوف معه بمتحف اللوفر، أقف أمام عظماء فن الرسم والنحت، أرشف من يراعه أساسيات هذا الفن واستقي روح صانعيها، استنير بنور بصيرته بمعرفة العلوم، وما الفرق بين أدب لغة الحواس وأدب لغة العقل والفكر وماهية الفنون المختلفة في أداب لغة الحواس. جعلني هذا الحكيم أنصت بكل جوارحي لسمفونيات بيتهوفن وكنشيرتوهات موزار وأوبرات فاغنر وأنغام الاختطاف من السراي والنايات الساحرة.
أيقنت حينها أن أدبنا أدب مقلد لا مبتكر فبينما سار عصر النهضة بأروبا – كما يقول – من التقليد إلى التجديد فنحن في الشرق لا نزال في طور التقليد. قال هذا الكلام منذ حقبة ليست بالقريبة لكن هانحنذا ما زلنا نرفل في جاهليتنا الأولى ولا نعير العوالم أي اهتمام. (للحديث تتمة)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.