تجليات:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أعجبني مقال الزميل الطاهر ساتي: "لمجالس الآباء إن وجدت؟!" فالقضية الخطيرة التي أشار إليها ساتي تتبدى من خلال التصحر المعرفي الخطير أو قل الجهل المتفاقم  بحواشات التربية والتعليم وعبر المحصول العجيف، عجافة مشروع الجزيرة، والمصاب بداء الأنيميا البيّنة في مهارات – أو قل لا مهارات - خريجي مدراس السودان. إن قضية تراجع الوزارة عن خططها القديمة (أحد عشر عاما للسلم التعليمي) ومن ثمة تغيير المسار هذه الأيام إلى أسوء عندما تشرع في تقرير إضافة الصف التاسع لمرحلة الأساس، تسلط جلّها الضوء على التخبط المريع في التخطيط والاخفاق المذري في استبيان المستقبل. فهانحنذا نرى ما وصل إليه شأن التعليم اليوم، سيما فيما يخص السلم التعليمي بمراحله المختلفة وخفض سنواته وتعديل تقسيمه ووو؛ ناهيك عن سلم خريجي الجامعات من كل الكليات أيا كانت - إن كان هناك سلما يذكر!. شفنا ورأينا بأم أعيننا وسمعنا بآذاننا المتوقدة كيف جابت اعلانات مؤتمرات التعليم المختلفة وطافت على كل وسائل الإعلام ...  أها جميل جدا! والحصيلة شنو يا أهل الله؟ جبتو الناس من كل بقاع السودان وأطراف العالم المترامية، والغالبية العظمى من الأساتيذ - بارك الله فيهم - حضّروا مسودات ومقترحات وأوراق بحث بشأن القضية وفي نهاية المطاف تقولوا ليهم يفتح الله؟!

إن تقسيم السلم التعليمي يا سادتي لا يحتاج إلى "دَرِس عَصُر" فبمقارنة الدول، افريقية كانت أم أوربية، نجد أن السلم التعليمي يتراوح بين اثنتي عشر إلى ثلاثة عشر سنة. ولقد تحدثت في مقالات عديدة سابقة عن قضايا السلم التعليمي المعدل في زمن الإنقاذ وعن المشاكل التربوية التي نشأت عند أولادنا بسببه وكل ذلك يعزى للحشو وعدم التقنين والتخطيط التعسفي الخاطئ المتمثل في قرارات ومقررات لا تمت إلى الواقع بصلة إذ أنها كلها تعتمد على مهارات الحفظ والتكرار لا التحليل والابتكار الذي يحتاج إليه جيل اليوم في عصر العولمة والتحدي. فماذا تعني قولة وزير التربية: سوف نزيد مرحلة الأساس عاما آخر؟ هل المسألة جعلية وقوة رأس أم أنها خطط يجب أن تدرس وتراجع وتنقح حسب المنظومة العالمية للتعليم؟ بالله عليكم شوفوا أولادنا المتخرجين من المدرسة هسي وقارنوا بينهم وبين دول أفريقية أخرى، فلنأخذ المغرب العربي كمثال، فالفرق فرق السماء إلى الأرض. فخريجي المدارس المغربية يقدرون على مواصلة تعليمهم في الجامعات الأوربية بدون أي إشكاليات، سيما في المواد العلمية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء، الخ. إذن ما العمل؟ نواصل في طريق الجعلية أم نتريث ونرجع البصر كرتين ولمن لهم الخبرة والرأي في الشأن؟ إن وزراءنا يقررون أشياء فينقلون بعد فترة وجيزة إلى وزارات أخرى أو يقالوا تماما عن مناصبهم، والمسمار يبقي في راس الشعب، ولا مش كده؟

إذا أخذنا ألمانيا كمثال فنحن نجدهم في السنوات الماضية قاموا بتجربة تقليل عدد سني المرحلة الثانوية من 9 سنوات إلى ثمان. بينما بقت مدارس كثيرة متشبثة بنظام ال13 سنة. وهم لم ينفكوا يطرحون إشكالية تقليل سني الدراسة من 13 إلى 12 سنة. من جهة أخرى وحتى في دولة رائدة مثال ألمانيا ينقسم السلم التعليمي إلى مرحلتين (وكان عندنا في الزمن الجميل ثلاث مراحل). فالسلم الألماني ينقسم إلى أربعة أعوام للابتدائي وثمانية أو تسعة للثانوي. ولم تدخل مسألة تقليل السلم إلى أحد عشر سنة على الاطلاق! فماذا كانت ترجو وزارة التربية من قرار تبديل السلم القديم من (6-3-3) إلى (8-3)؟ أكان في نظرهم تقليل التكاليف على حساب الجودة؟ أم أنهم يحسبون أن أبناءنا أذكى وأشطر من تلاميذ الألمان أو الدول العربية والأفريقية الأخرى التي تتبع نظام ال12 وال13 عام؟

وأنا أعتقد أن الاقتراح المبني على اضافة عاما بالمرحلة الثانوية (لا بمرحلة الأساس) أجدر بأن تضعه وزارة التربية في الحسبان، بحيث يكون السلم التعليمي 8/4. وفي رأيي أن الرجوع إلى مرحلة الأساس 6 سنوات والثانوي العام 3 سنوات والثانوي العالي 3 هي أيضا جديرة بأن تناقش من جديد – حيث لا يجدي النقاش - لأنها كانت مثمرة سيما في تخصصية وحرفية المعلمين التي تقسمهم إلى مراحل ثلاث محدودة. بيد أنها صارت الآن صعبة في التطبيق لما طرأ على نظام تأهيل المعلمين من تغيرات جذرية بكليات التربية التي هي نفسها صارت مؤسسات لتخريج أولئك الذين لم يحصلوا إلا على درجات ضعيفة في امتحان الشهادة الثانوية. وحتى الجامعات الخاصة لم تنتبه لأهمية كليات التربية وتأهيل المعلمين التي صارت الآن سوقا كاسدة لا تجلب لا المال ولا الطموحات! ورغم ذلك تخرج كليات التربية الحكومية آلاف من المعلمين الذين يفتقدون لمقومات المعلم كما كانت عليه من قبل وحسب مساطر المنظومة العالمية للتعليم.

على كل حال فإن الأسئلة التي تطرح نفسها في سياق هذه القضية:

- كيف تؤكد وزير التربية بأن العام الدراسي القادم سوف يشهد إضافة الفصل التاسع لمرحلة الأساس دون الرجوع إلى توصيات مؤتمرات التعليم السابقة؟

- أتتحمل وزير التربية العواقب الوخيمة التي لا محال لوقوعها أم تضعها على عاتق المعلم الذي لا حيلة له؟ أم تلبسها قلادة على رقبة خبراء التعليم الذي بذلوا جهودا قصوى في رفع توصياتهم وتحضير أوراقهم العلمية واقتراحاتهم التي نشأت انطلاقا من خبراتهم العظيمة؟

- ما هي المخاطر التي تجنيها الأسر من اضافة فصل تاسع لمرحلة الأساس؟ وهل فكرت فيها وزارة التربية وفي معالجتها؟

- ما هو مصير مدارس الثانوي العام التي بيعت من قبل الوزارة وصارت ملك لآخرين؟

- أتخشى الدخول في حلبات المساءلة في هذا الشأن ناهيك عن إشكاليات تأهيل المعلمين وما إلى ذلك من عقبات متعلقة بالرجوع إلى السلم الثلاثي (6-3-3).

الوزراء يقررون من مكاتبهم ولا يأبهون بخطورة النتائج المترتبة على القرارات التعسفية الغير مدروسة والتي لم يطرحها خبراء التعليم. فما العمل؟ ومن هنا ننادي وزير التربية بأن تعدل عن قراراها الحالي لأنه فاقد للشرعية البيداغوجية التي تنبثق من خلال توصيات خبراء التعليم التي رفعوها في المؤتمرات المشار إليها سلفا. فانتبهوا للتعليم يا سادة فهو النافذة الوحيدة التي من خلالها نقدر على المساهمة في الحضارة الانسانية والاستعداد في عصر التحديات العولميّة.

(صحيفة الخرطوم)

/////////////