تجليات:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ذهبت في بداية هذه السنة في صحبة صديقي المحامي هاشم الجيلي إلى الخرطوم. فقضينا أمورنا على ما يرام رغم الزحام المستمر في شوارعها التي رقدت ساعتذاك على رمضاء اليوم في سكون واستسلام. ظللنا في تلك الساعة من النهار نلوذ بالظل في مشيتنا نجرر الأذيال من ظل إلى آخر. وقفت برهة مع نفسي وطلبت من صديقي أن يصاحبني إلى الدار السودانية للكتب، إذ كنا على مقربة منها. دخلناها بسلام آمنين ومن ثمة بدأت البحث في الجديد المثير في عالم الكلم. حقيقة كنت أنشد شراء عدة نسخ لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال" لإهدائها لبعض طلبتي من أولئك الذين يدرسون الأدب العربي واللسانيات. حمدت الله أنني وجدت الرواية في ثوبها الجميل. ريثما وقعت على يدي تذكرت هذا الأديب العملاق، الذي ارتاد آفاق العالمية بجدارة بالرغم من أنه لم يكن مدرار العطاء مقارنة بأدباء آخرين مثال نجيب محفوظ أو يحيى حقي أو توفيق الحكيم وهذا ما يأخذه عليه نقاد الأدب؛ ما علينا، وقفت بين الكتب متنقلا اتصفح هذه الرواية البديعة التي كلما أعيد قراءتها أجد فيها من الصور الجمالية والتعابير البديعة ما يشدني إليها أكثر وأكثر. تذكرت حينها "جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي" التي ترعاها شركة زين الفتية للاتصالات النقالة. أطلقت زين هذه الجائزة بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة أديب السودان الأول وأدلت في هذا السياق أن الخطوة تأتي انطلاقا من دورها التشجيعي لقيم الفنون والآداب في المجتمع العربي والسوداني وايمانا منها برسالة الثقافة والفن وأثرها في الحيوات المعاصرة. وكم يثلج هذا الحديث القلب، لأن زين - بحق وحقيقة - رائدة في مجالات عدة وصارت تهتم بالثقافة – ربما – أكثر من وزارة الثقافة نفسها، فالشكر لها لهذه اللفتة، ولوقفة الوفاة تجاه هذا العملاق، الأديب الطيب صالح، وفي تكريمه. فالكل يعلم أن واجبنا في الوفاء تجاهه لم نف به كما ينبغي، وبمقدار ما تفرضه علينا عظمته وشأوه، وكلنا على ثقة إن حقه في ما أعطى للبلد مهضوم منذ سنين والصمت يخيم على الكل إلى أن انتهزت زين السانحة لتقول لا وألف لا للنسيان. تقدر قيمة الجائزة - حسب ما قرأت وسمعت - حوالي المائتي ألف دولار أمريكي ويقوم عليها مجلس أمناء من المختصين بمجال الأدب والرواية والقصة القصيرة، يتم عبرهم انتقاء الفائزين بمهنية رفيعة لتوفير أعلى درجات العدالة والشفافية وتشرف إدارة زين مباشرة على اختيار أعضاء هذه اللجنة. هذه خطوة جريئة ولفتة بارعة من شركة زين لرعاية هذا المجال الهام في حياتنا والشركة ترعى الكثير الوفير من المجالات الثقافية في البلاد (برافو).
فنحن يا سادتي في حاجة ماسة لإنشاء أجيال تثقف نفسها وتحث خطواتها على نهج الخروج من القوقعة، أجيال تعرف أهمية الأدب في ارتقاء الشعوب، أجيال وفية ترتبط بالإرث الثقافي العربي العريق رباطا وثيقا؛ فتكون بذلك دعامة لربط السودان المنعزل بعالم الثقافة الخارجي في عصر العولمة. والجدير بالذكر ها هنا أن شركة زين توطد بصورة مستمرة – إن شاء الله وبقيت الجائزة حقيقة ملموسة في السنين القادمة – لاكتشاف المواهب الأدبية الخلاقة التي تحتاج إلى دعم معنوي وأكاديمي لتبلغ قمم ثريا الأدب في الغد القريب وما الغد ببعيد وما أجمل أن نكتشف هذه المواهب على النطاق العربي والعالمي فتكون ثمار الجائزة قد أأتت أكلها والحمد لله.
رجعت إلى رفوف مكتبة الدار السودانية للأدب ووجدت بعض من القصص القصيرة التي حازت على الجائزة وعزمت محدثا صديقي العالم ديسكو أنني أنشد أن أتصدى للبحث فيها لمعرفة جودة المادة الأدبية وهل هي على اتصال وثيق بما يحدث في ساحة الأدب العالمية وهل تتبع هذه القصص أو الروايات أسس صناعة الأدب المعروفة؟
فلنا لقاء في مقال آخر مع أعمال من حازوا على الجائزة– تابعونا في التجليات.
(صحيفة الخرطوم)