تجليات:


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تابعت من على البعد بكل اندهاش فعاليات مهرجان الخرطوم الأول لموسيقى العود الذي انطلقت بفعالياته والقيام على أمره شركة دال الفتية في شخصية رجل الأعمال الفذ أسامة داؤود الذي عُرفَ عنه حب الفن وتبجيل الثقافة إلى أبعد الحدود. حقيقة كانت سعادتي كبيرة بأنه ترجم هذا الحب والتبجيل لتلك الآلة في التكفل بكل التزامات مهرجان بهذه الضخامة والذي انبثقت عنه تظاهرة فريدة في نوعها نفتقد إليها في السودان في خضم التداعيات السياسية وغوغاء التناحر التي ألقت بظلها على الخرطوم في محافل الإعلام الخارجي. ذكرت في مقالي السابق عن جائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي أن تلك الشركات صارت وزارت مصغرة للثقافة تحمل العب عن الآخرين الذين كان ينبغي عليهم أن ينطلقوا بتظاهرات مثل ذينك والتي تكفلت بهما شركة زين ودال كما تتكفلا بمشارع لا تحصى ترفع من المستوى المعرفي والثقافي للمواطن السوداني الكريم. فنحن نشكر لهما هذه الأفعال وجعلها الله في ميزان حسناتهم.
ما أجمل أن نسمع ونرى يا سادتي أن أحد عمالقة صوليست العود في العالم العربي والعالم باسره على الإطلاق مثال  الفنان نصير شمه يشارك الخرطوم أفراحها في فعاليات مهرجاناها الأول لموسيقى العود. تلقت فعاليات هذا المهرجان عاشقيّ هذه الألة في الحادي والعشرين وحتى السابع والعشرين شهر فبراير المنصرم بمسرح مدرسة الخرطوم العالمية الذي أتاه الكل من كل فج عميق ليخرجوا أنفسهم من ضيق الروتين اليومي إلى آفاق الثقافة الرفيعة فالشكر لشركة دال لهذه اللفتة البارعة. والجدير بالذكر أن أهمية هذه التظاهرات لا تتجسد فقط في التبادل الثقافي بين محترفي هذه الآلة على نطاقهم الضيق فحسب بل أنها تسلط أضواء إيجابية على مدينة الخرطوم وتفتح من جهة أخرى المجال عبر الورش المتاحة والسمنارات والمحاضرات لمن يهتم للألة من العامة معبدة الطريق في هذا السياق لترقية موسيقى التراث التي تحتاج لكل اهتمام منّا. ومما أسعدني أيضا دعوة الثلاثي العملاق "جبران" للمهرجان، إذ أنهم استطاعوا في خلال السنوات القليلة الماضية أن يوصلوا هذا التراث العربي الأصيل وتقنيات وفنون الآلة لجمهور العالم في كل أرجاءه سيما لمن لا يعرفونها من الجمهور الأوروبي وفي أمريكا الجنوبية والشمالية. فهم يقيمون أكثر من مائة حفل في السنة فتمتلئ صالات العرض بالجمهور وما أجمل أن يرى الفرد منا هؤلاء العمالقة وهم يُخضعون الآلة لقوانين ابداعهم الشخصي وفوق كل هذا وذاك عمق ايمانهم الراسخ في تبليغ رسالة سلام واضحة وجريئة للعالم الخارجي تنطلق من الأراضي الفلسطينية المحتلة لتقول أن أهل فلسطين لا يمكن تقليصهم فقط ف قاذفي الحجارة والقذائف لكنهم قبل كل ذلك ناثري الأنغام والإبداع والجمال التي تحلق في قلوب الكل وتبعث السعادة والغبطة في أرجائها. أعتقد أيضا أن هذه التظاهرة هي فرصة طيبة تتيح لأهل الموسيقى في السودان بربط أواصر التلاحم الفني بالآخرين وتفتح لهم مجالات تزخر بالرفع من المستوى الأدائي للعازف السوداني سيما فيما يخص آلة العود. تجابدت أطراف الحديث في مقال سابق مع زميلي الزبير  وتشاكسنا في نقاط تُعنى بإمكانيات عازفي العود بالسودان وقلت له إذذاك أننا نفتقد للصوليست المحترف كما هي الحال في نصير شمة أو الثلاثي جبران أو منير بشير وآخرون. لم يوافقني الرأي وأحسبه لم يع المعايير التي كنت اقصدها. في سياق هذه التظاهرة ينبغي علينا ألا ننسى أولئك الذين تكبدوا مشقة السفر ليشاركوا في تظاهرات المهرجان كغابرييل لافين وشيرين التهامي. لقد أسعدني أيضا أنني قرأت اسم الصديق أشرف عوض الذي تعرفت عليه مع نصير شمة ببيت العود بالقاهرة وكم أذكر مساعيه الحميدة في فكرة تأسيس بيت للعود بالسودان كالذي بمصر أو دبي أو المنامة. ويا ليت تتخذ شركة دال من انطلاقة هذه المهرجان خطوة لاستمرارية العمل في الارتفاع بهذه المجال إلى آفاق أبعد. نرجو منها أن تختلس هذه السانحة الذهبية في تأسيس بيت العود بالخرطوم مما يوطد لاستمرارية العمل الأكاديمي في هذا المجال وألا تنحصر مساعيهم في تنظيم المهرجان – الذي أرجو أن يستمر في الأعوام القادمة – بل في إقامة هذا الصرح المرجو وفاء لما قدمته الخرطوم للعالم العربي من فن وابداع وما التوفيق إلا من عند الله.