تجليات:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأخ الفاضل الكريم خالد السليمان،
وصلتني التو رسالة مثيرة من إحدى الأخوات السودانيات المقيمات بالمملكة تحمل في طياتها مقالكم بصحيفة عكاظ في عددها ٣٥٣٤: "كسل السودانيين" الذي انطوى عنه عمودكم "الجهات الخمس". حقيقة يا أخي الكريم أجده، دون مغالاة وبكل صدق وأمانة، مرافعة "أخلاقوية" منصفة وعادلة تجاه الشعب السوداني سيما ما ذكرته عن خلقنا وسماتنا في سياق النضال السلمي والمسلح - على حد سواء - ضد الظلم والعدوان،  ذلك سواء في بلدنا السودان أم في البلدان العربية جلّها والتاريخ يشهد لنا من المآثر أعظمها: الوقوف مع الشعب المصري البطل في حلبات القتال في حرب ١٩٦٧(نكسة حزيران أو حرب الأيام الستة) وفي حرب العبور في السادس من أكتوبر من عام ١٩٧٣ وفي سوريا والعراق على سبيل المثال لا الحصر. للأسف، أن ما ذكرته في مقالكم قد صار واقعا محزنا في يوميات الإخوة السودانيين الذين تركوا عشيرتهم وأهلهم من أجل لقمة العيش الكريمة، كما وغدا الأمر مشاهدا وملموسا في الحياة اليومية كما في دهاليز الشبكات العنكبوتية. فالمرء منا يجد بعض شباب العرب يجلسون في المقاهي ويتسكعون بين أبواب أماكن التسلية وقتل الوقت حاملين هذه الخزعبلات ورامين بأضغاث أحلامهم التي هي من صميم خيالهم الفارغ وأفقهم الضيق المجال على شعب صديق، لماذا؟ من أين أتى هؤلاء ومن أين لهم هذا؟
اسمحوا لي أخي الكريم خالد أن أسرد عليكم قصة حدثت لي هنا في ألمانيا؛ كنت ذات يوم بمستشفى التأهيل أعالج أميرة من إحدى البلدان العربية. دعتني بعد العلاج للجلوس إليها والحديث معها ومن ثمة لتناول وجبة الغداء معها. كان بمعيتها حاشيتها وأهلها والخدم. كانت الجلسة فاخرة جميلة وفي غاية الصفاء. لكن ما لبث هذا الصفاء أن تبدد بين لمحة ونفس. ففي أثناء الأكل تتداخل معي أحد الحضور قائلا ليسمع الآخرين ويضحكهم: "ليه بقولوا أن السودانيين كسالى؟!" حزنت لهذا الأمر وسمعت بعدها كثير من النكات الفارغة عن كسل السودانيين التي حكوها لي ليلطفوا بها الجو وهم لا يدرون أنهم بذلك يسيئون إلينا وإلى شعب ترك بلاده ليعمل السنين الطوال في خدمة أهل وبلاد شبه الجزيرة العربية من السائق إلى البروفسير. لكنني يا أخي لم أدع الأمر يسير على هذا المنوال فرددت له الصاع صاعين في حضور الكل. ومنذ ذلك اليوم اتسم تعامله مع شخصي كأكاديمي بالاحترام والتبجيل، ولم أحمل في نفسي بعد تلك الحادثة تجاهه ذرة حقد، فصرنا أصدقاء بحق وحقيقة.
أخي خالد السليمان، معلوم أن في كل الشعوب - من مشارق الأرض إلى مغاربها - الصالح والطالح، والشعب السوداني مثله مثل تلك الشعوب، به من الإيجابيات كما من السلبيات ما فيه والكمال لله، لكن اسمح لي أن أذكر أولئك القلّة (دون تعميم) من الشبيبة المتحاملة على أهل السودان بأن الشعب السوداني شعب اتسم بالكرم والخلق النبيل والصدق والأمانة ولولا ذلك لما أمّنهم أمراء بلاد النفط على أملاكهم وذويهم وأنت أدرى بذلك.
في آخر حديثي أوزعنا الله أن نشكر نعمته علينا ولكم أخي خالد السليمان الشكر أجذله والحمد أكمله على هذه المرافعة المنصفة والعادلة تجاه أهل السودان الكرام ودعنا نقول لمن يجهلهم المثل السوداني التالي: الما بعرفك بجهلك!
مقال الكاتب بصحيفة عكاظ: خالد السليمان
الجهات الخمس
كسل السودانيين !
لا أستسيغ النكات التي ترتكز على أسس عرقية أو عنصرية أو دينية، ففيها استعلاء بغيض وازدراء سخيف وأولى بصاحبها أن ينظر في المرآة فربما وجد واقع هذه النكات في نفسه !! ومن هذه النكات نكات انتشرت أخيرا من وحي الثورة المصرية تتناول كسل إخواننا السودانيين في التظاهر ضد حكومتهم، وفي الغالب يكتب هذه النكت و يتبادلها ويضحك عليها أناس يعانون من فراغ الوقت وأغلبهم «متسدحين» في المقاهي وغارقين في الكسل الفعلي !! ولو كانوا يملكون قدرا من المعرفة لأدركوا أن الشعب السوداني الذي يسخرون من كسله هو الشعب العربي الوحيد الذي غير ثلاثة من أنظمة حكمه منذ استقلاله، وهو الشعب العربي الوحيد الذي خاض حربا عسكرية ضد المستعمر الإنجليزي بقيادة محمد المهدي في نهاية القرن التاسع عشر !! لكن ماذا أرجو من أجيال «الميلك شيك» و«التشيز بيرغر» و «الكافي لاتيه» ومستحضرات العناية بالبشرة الذين لا يعرف بعضهم معنى النشاط إلا في صولات وجولات المعاكسات ومحادثات غرف الانترنت والتسكع في المقاهي المكيفة بالرذاذ المائي ؟! هل أرجو أن ينزلوا الناس منازلهم أو يحفظوا قدرهم أو يرتقوا في ممارسة روح الدعابة والنكتة دون تحويلها إلى سكاكين حادة تجرح بلا إحساس ؟!.
(صحيفة الخرطوم)