عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هل أسدلت فلورنسا، تلك المدينة الساحرة، الراقدة على أثواب مدن البندقية في وسط إيطاليا، أستار الحداد إثر مقتل أفريقيين بالأمس القريب وإصابة جماعة منهم؟ هل يحزن الرأي العام بها عندما يقتل أسودين من الباعة المتجولين كالكلاب في الساحات العامة؟ نعم، أفريقيان من أولئك الذين هجروا بلادهم وخاطروا بأنفسهم عندما عبروا بمراكب حقيرة غياهب البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أرض الميعاد – أورشليم، التي ما فارقت أحلامهم البتَّة ولا اختفت أبدا عن آمال أهاليهم، الذين ما زالوا ينتظرون وانسام التفاؤل بالعودة تملأُ قلوبهم.
هل ازدادت الجرائم العنصرية في الفترة الأخيرة أم بدأ التحدّث عنها بوضوح وشفافية؟ في الفترة الأخيرة نحن نجدها قد ازداد احصاءها، ففي ألمانيا، وفي النرويج وبلجيكا، وإيطاليا وما خفى أعظم. لقد حدثت الفاجعة التي نحن بصددها الأمس بفناء ساحة سوق سان لورينزو التاريخية بمدينة فلورنسا الساحرة، حيث أقدم الكاتب الإيطالي غيانولوتشا كاسيري (٥٠ سنة)، والمعروف بانتمائه لأحدى جماعات اليمين المتطرف العنصري بإيطاليا، على قتل مهاجرين سنغاليين من الباعة المتجولين قتلا باردا في لمحة بصر، بل وأصاب ممن كانوا حولهما من الزملاء بإصابات بعضها جسيمة. لقد فَرَّ القاتل بعدها بحافلة صغيرة إلى أطراف المدينة حيث أطلق النار على نفسه وانتحر بعدها. أبدى السنغاليون الذين تجمَّعوا بسوق سان فلورينزو التاريخية استياءهم لما حدث وقالوا للشرطة ورجال السياسة الذين توافدوا إلى موقع الحادث: "لا تقولوا لنا إنه كان مجنوناً لأنه لو كان كذلك، لقتل السود والبيض دون تفرقة بينهم ...".
من المعروف أن كثير من الجرائم العنصرية ضد الأجانب من أفريقيا ودول العالم الثالث تفسَّر أغلب الأحيان تفسيرات لا منطقية وتأخذ مجريات التحري طُرقاً وهميّة مثل الثأر، وعصابات المخدرات، والتهجير الغير قانونيّ، الخ. فهناك من الأسر التركية والأفريقية التي اتُهِمت زُوراً بعد مقتل الأب فيها بمتاجرة المخدرات أو الدعارة وعدم دفع مبالغ الحماية للعصابات المناهضة وما إلى ذلك من احكام مسبقة وهمية ومخجلة كالثأر أو زواج القُصَّر. ففي جرائم اليمين المتطرف ضد الأفارقة والترك بألمانيا اكتشفت النيابة العامة والصحافة تحالف بعض رجالات البوليس مع هذه الجماعات المتطرفة والتستر عليها. وفي هذا الصدد قالت ابنة بائع الورود التركي الذي قتل في متجره بعد ١٢ عامٍ مضت على قتله من قبل النازيين: الحمد لله أن الله قد أظهر الحقّ فأبي ليس بمجرم ولا بتاجر مخدرات ولا يمارس الدعارة وكنت أخجل أن أتكلم عن قتله وأقول لزميلاتي بالمدرسة أنه تُوفِّي من جرَّاء حادثٍ، ذلك لتفادي الأسئلة والاحراج، لكن لو أننا كنَّا أسرة ألمانية لما لجأت الشرطة لِذِكر هذه التهم الغير شريفة في حق والدي." فالحقيقة تظهر ولو بعد حين!