منقول بتصرّف:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وصلني فيديو في الواتس آب تتحدث به سيدة خليجية بأروع ما سمعت في الآونة الأخيرة. للأسف لم أكن أعرفها فبحثت في النت عن اسمها وعن مصدر الفيديو لكن بدون جدوى، لكن بعد سويعات قلائل من ارسال هذا الفيديو أخبرني صديق من الدمام بأنها الأديبة بثينة العيسى. على كل قعدت أسطر ما تحدثت به من درر ونقلت لكم قولها بتصرف دون أن أحذف من الرسالة أي شيء. لكنني أضفت القليل لتوضيح المسألة فعرجت ببضع إضافات عجاف إلى قضية الذاكرة على صعيد الوطن ومن ثمّة على الصعيد العربي.
تسترسل الأستاذة الخليجية المثقفة العيسى بطريقة السهل الممتنع، قائلة: للأسف، ففي عصرنا هذا لا توجد روافد تزود بحر الثقافة العربية ولا توجد مياه تحول يُبسه إلى سلسبيل يجري، فصار مكان النهر يابسا! ذلك لا من حيث التعليم، لا من حيث البيت، ولا من حيث الإعلام، فلا توجد في هذا السياق اللهم إلا مشاريع يتيمة تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه؛ فهناك آباء وأمهات يشعرون بالمسؤولية تجاه أبنائهم وتجاه هذا الشأن الهام، فنجدهم يحاولون تعليم فلذات أكبادهم بأضعف الإيمان، بيد أن كل هذه المحاولات الخجولة تظل، في الأول والآخر، جهود فرديّة. كيف؟ لإن أصنع هذا البحر أو لنقل نهرا ثقافي حتى يسبح به أطفالنا ويتعلمون من أمور ثقافتهم ما ينبغي أن يتعلموه، ولكي يعبرون عما يجوش بدواخلهم بلغتهم الأم ولكي يفكرون بها حتى يجد الفرد منهم نفسه جزءا لا يتجزأ من هذه المنظومة الثقافية والفكرية، فكل ذلك لا تحتمله إلا اللغة الأم (مركز اللغة الأم بالمخ ينفرد عن مركز اللغات المكتسبة به، كما هو معروف في علم اللسانيات). لذلك فإن الإصرار على اللغة العربية لا تدفعه نزعة قوميّة أو شوڤينية، لأن اللغة هي نسيج وهذا النسيج يتشرب بالثقافة والأخيرة هي أساس حضارات الأمم ودعامة المشاركة في سياق المنظومة العالمية وإرث الإنسانية. فلنأخذ مثالا، هب أن أحدنا يفكر بلغة أجنبية كالإنجليزي ويقرأ بها ويحلم حتى بها حينما يعيش بإنجلترا أو أمريكا فبطبيعة الحال سوف لا تعرف ثقافته المكتسبة، أغلب الظن، إلا مكونات هذه الثقافة والتي حتما ستصير هي الناشطة في العقل، ظاهره وباطنه ، فسوف يكون هذا الإنسان على علم تام ب "شارلكس هوم" وميري پوپنز وويني زا پو وبكل المنتجات التي هي من صلب تلك الثقافة، والتي سوف تشكل حتما ذاكرته وذاكرة الطفل الجمعية في ذاك المجتمع الذي ينمو ويترعرع به. (ليس المقصود هاهنا ترك اللغات والحضارات الأخرى، بالعكس، لكن بيت القصيد هو أن نركز على اللغة الأم أولا ومن ثمّة ننطلق منها لآفاق أخرى).
ونحن للأسف مع الأجيال الحالية والقادمة حتى، ليس لدينا ذاكرة جمعية لذلك فإن أغلب أطفالنا لا يعرفون الآن السِندِبَاد العربي لكنهم يعرفون سِندْبَاد (النسخة الأمريكية لورد ديزني) وأغلب أطفالنا لا يعرف قصة علاء الدين والمصباح السحري إلا بنسخة ديزني المعروفة في كل بقاع الأرض. فهذه الظاهرة يمكن أن نطلق عليها حالة "استشراق ذاتي"، ذلك يعني أننا نتعرف أولا وأخيرا على أنفسنا وحضارتنا بعيون الآخرين، أي بمنتجات أتت من الغرب وهي بالأصل من صميم ثقافتنا العربية. لذلك فإن أجيالنا الحاضرة والقادمة لا تعرف شهرزاد، ولا تعرف المعرّي، لا تعرف المتنبئ، لا تعرف ابن يقظان، ولا إخوان الصفا ولا ابن عربي، خلاصته لا تعرف المتون المؤسسة للثقافة العربية، وعندما نتحدث عن الثقافة العربية نعني هاهنا أنماط تفكير وأنماط تعبير وعن رؤية جمالية وعن دلالات.
فخلاصة القول إننا الآن بصدد فقدان حضارة بأكملها عندما نفرط في اللغة الأم وفي مكوناتها. نعم، نفقد حضارة أثرت وأثّرت في حضارات الإنسانية جمعا، نفقدها برمّتها، أي أننا نضيع هذه المشتركات التي تنقلها الذاكرة الجمعية من جيل إلى جيل ومن عصر إلى آخر.
بنفس القدر يمكن أن يطرح كل فرد منّا في الدول العربية سؤالا يُعنى بمسألة الهوية الوطنية وأسباب فقدانها. فهل تعلم أجيالنا شيئا عن شعرائهم وأدباءهم وفنانيهم؟ من منهم يعرف شوقي أو الفيتوري، أبو القاسم الشابي، إدريس جماع أو ميخائيل نعيمة؟ من يعرف نجاة الصغيرة أو سيد درويش، أسمهان أو عائشة الفلاتية، صباح، دحمان الحراشي، عبد الوهاب الدكالي، أو صباح فخري؟ من منهم يعرف رشدي أباظة أو عمر الشريف أو الفاضل سعيد أو دريد لحام؟
فالقضية صارت مصيرية والتعليم الحق وبناء منهاجيات بيداغوجية متينة لإنقاذ الذاكرة الجمعية على صعيد الوطن وعلى الصعيد العربي هو المخرج الوحيد بالأمة إلى برّ الأمان.
https://youtu.be/NvV6TNqNSp8