عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ربما تتعجبون أخوتي أنني أطرح لكم في هذا المنبر والذي يحوي بطبيعة الحال عددا كبيرا من القراء الذين "ختم الله على قلوبهم"، خواطري عن مقال السيدة هاجر الريسوني بعنوان: "هل يُعد الكُفر قدرا؟!". هذه الخواطر سطرتها تلقائيا فورا حينما انتهيت من قراءة المقال، فتجدونها ربما هائجة مضرمة عائمة في عوالم عدّة، سابحة في تراجيديا الأوطان وفي يمّ المحنة التي تعيشها أمتنا. تجدني حينها أبكي في دخيلتي وبحرقة لأننا صرنا، وأنا أولكم يا سادتي، مخدرين بفعل أعشاب القات مجازا، نائمين بفعل "نوفالجين" الزمن وضاربين بمستقبلنا عرض الحائط لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، أتركها لخيالكم الخصب.
حقيقة لم أقرأ لهذه السيدة قبل اليوم أي مقال، أيّا كان، بيد أن صيتها قد ذاع وبلغني من أمر حرفيتها في الصحافة ما بلغني. أزعم يا سادتي أنني وقبل أن يقع المقال على زنقتي وقبل أن تقوده الأسباب إلى دربي الذي يبحث على غير المألوف، أقصد رغوة الفكر الطافحة على كأس دهاق، وجدتني هائما على أجنحة الأسافير، منقبا راغبا وجادا في البحث عن ضالتي المنشودة، أحثّ خطاي حثّا، لا ألوي على شيء إلا والعثور بترهاتها الشائكة عن مقالات عامة مثيرة، شيقة، جريئة، فاضحة، ناقدة، واضحة ومستفذة لحيواتنا البائسة المريرة والتي صارت عبأ على العالم بأسرة وقبل هذا وذاك كنت أرغب في العثور على خطاب يسلط الضوء على اعتقاداتنا الشعبية المضطربة، المضطرمة والمضرمة والعائمة إلى النخاع في أساطير الأولين، رغم أننا، وبكل أسف يا سادتي، قد بلغنا وبجدارة دفتيّ الألفية الثالثة من عمر الدهر. نعم أقولها دون كذب أو تملق، اعتقاداتنا عموما، واسمحوا لي هذا التعبير، صارت "مهترئة" كهندام الحمّال في أسواقنا المزدحمة وكملبس أطيفال ظلوا ينظرون المارّة على قارعة الطريق، مرسلين نظراتهم الهائمة، يسألونهم عن فلس لشراء ما يسد الرمق، نعم، أطيفال دونما مأوى، دونما ماض، أو حاضر أو مستقبل، لذلك أقول إن معتقداتنا، في الجمع أو المفرد، مهترئة بالية خانزة وقد أكل عليها الدهر وشرب.
على أيّة حال، وفي خضم البحث والثورة ضد ما نراه يوميّا ونمر عليه مرور الكرام من مآسي أمتنا، وقع ناظريّ على مقال بعنوان: هل يعد الكفر قدر؟!
فصحت من أول وهلة: يا ألهي، ما هذه الجرأة ومن أين للكاتب هذه الشجاعة ونكران الذات؟! مفاجأة، سعدت أنها كاتبة، أي حواء وأنثى يفوقها الذكر من بني جلدتها بضعفين من الحظ، فكانت غبطتي حينها أكبر. طرحت على نفسي سؤالا راودني السنين الطوال: لماذا يقولون في بلاد العرب أن الأنثى مكسورة الجناح؟ أي ألا حول لها ولا قوة! بيد أن هذه الكاتبة تمثّل العكس فتثمل في هندامها الجريء لتثبت للعالم أن "الفكر الأنثوي" ببلاد العروبة لا يزال بخير.
على أية حال شرعت في القراءة، فرأيت يا سادتي أنني أمام كاتبة سابقة لزمانها، ذلك بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان! لماذا؟ ذاك أمر يطول الحديث عنه، فلم أسطر هذا المقال بغية أن أمدح، أو أكسّر ثلجا، كما يقولون في تعبير العامة، لكني وددت أن ألفت نظر أولي الألباب إلى أن السيدة الريسوني بما تطرحه من مواضيع وما تحيكه من خيوط فكريّة، سابق لزمانها وبدون أدنى شك لزماننا. لقد رجعت بي السيدة الريسوني إلى القرون الوسطى، حين كان العلماء يتجادلون في مسائل علمية متباينة وبكل أريحية وبيقين راسخ واعتقاد متين، مؤمنين بأن الجدل والفلسفة في أمور العلم يرقى بالنفس المشرئبة إلى مرتبة المعرفة والتي قلما يصلها الناس. والأندلس خير شاهد لهذا التمازج في العلوم والتسامح الطرح.
وبالرجوع إلى العنوان، دعوني أبسط على مسامعكم ما يقوله المثل السوداني: الرسالة بائنة من عنوانها (الجواب باين من عنوانه). فعندما نسلط الضوء على العنوان سيمائيا نجد في طياته طفرة – كما في علم الأحياء – سيما في السياق ومن ثمّة في الطرح، حقيقة لم أرها إلى الآن إلا عند القلائل، ربما عند حفنة قليلة تعد على أصابع اليد من أرباب الصحافة، والذين صاروا كالنمل، فكل من هبّ ودبّ ولم يجد ما يشغله عن أمور دنياه امتطى صهوة الصحافة جوادا، فيا لتعاستنا ويا لفقرنا! إن صنعة الصحافة نعدها كصنعة الخباز، فعندما نريد الخبز نذهب إلى الخباز وعندما نبغي اللحم نقصد الجزار وهكذا أمر الصحافة. لكن للأسف فعقارب الساعة تدور في بلادنا – على حد المثل الألمانيّ – على علاتها!
هذا مقال سابق لزمانه، به من الجرأة والإيمان بالمبادئ الإنسانية ما لا نجد له في صحافة اليوم مثيل، وكأننا أمام الخليل إبراهيم وهو يحبث عن الحقيقة أو أمام سيدنا موسى الكليم وهو قابع في صحراء سينا يساءل نفسه، وكل هذا البحث والتنقيب عن الحقيقة يصب في بوتقة: أدب الأنبياء ولكل أمّة أنبياؤها ولكل زمان رسله.
--