عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ستظل معركة برّي خالدة في وجدان الشعب السودانيّ لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بأيقونة من إحدى أيقونات الثورة: الطبيب الشاب بابكر عبدالحميد. في ذلكم اليوم اشتدّ البأس بأهل برّي البواسل وطاردتهم مليشيات النظام الفاسد فلجأُوا يحتمون ببعض الدور في المنطقة فأتوا من كلّ فجّ عميق فَفُتِحت لهم الأبواب على مصراعيها. لكن المحزن في الأمر أن ماكينات القتل من مليشيات البشير لم تتوان في تتبع أثر هؤلاء الثّوّار داخل المنازل؛ لا يهم إن كانوا مصابين أم معافين، إن كانوا مرضى أم أصحاء، إن كانوا رجالا أم نساء، إن كانوا صبايا أم أطفالا، عليهم أن يخرجوا في التوّ وقبل أن يرتد إليهم طرفهم، وبأسرع مما يمكن، لينالوا جزاءهم المستحق، كونهم انتفضوا ضدّ الظلم ونظامه "الأمنوقراطي". في ذاك اليوم السابع عشر من شهر يناير من عام ألفين وتسعة عشر خرج الطبيب بابكر بعد أن أشتد البلاء ببعض المصابين ومنهم من كان قاب قوسين أو أدنى من سكرات الموت الأخيرة، وتحت ظل هذا الضغط النفسيّ الرهيب، تتابعت هجمات ماكينات التعذيب على بيبان المنازل وفي نفس اللحظة دعت الضرورة لنقل بعض المصابين إلى مستشفيات إذ كانت جروحهم خطيرة لا تحتمل التلكؤ والتکأكؤ. ففتح د. بابكر الباب شجاعا شهما، انتصب أماهم بأقدام ثابتة، قائلا في نفسه، إنني لا أخشى في تطبيب أخوتي الجرحى لومة لائم. لقد خرج الدكتور ليرى من الذي يركل الباب ببندقيته كالمجنون. فعندما فتح الباب وجد عصابة الأشرار منتصبة أمامه، تبحث وتنقب بعنف متصافق، لِتُخرج المندسين. حينها همّ أحدهم وتقدم نحوه وظل الطبيب بابكر ثابتا في مكانه لا يلوي على شيء إلا وطلب النجدة لإخوته المنتكسين داخل المنازل والسماح بكل أدب بترحيلهم إلى المستشفيات، ومن ثمّة قائلا:
- يا سعادتو أنا طبيب وفي ناس بيموتو جوه وأنا بحاول أخفف عنهم!
- إنت طبيب، إنت البتعالج في السفلة؟
استمر هذا الحديث أغلب الظن ٩ ثوان، بين رجلين، واحد يحمل بندقية رشاش، والثاني يحمل قلبه المؤمن بدخيلته وكمامّة طبية ليس إلا! فصوب الوغد الرشاش في اتجاهه، وأطلق رصاصة القاتل، دون أن يفكر ولو للحظة أن الذي أمامه بشر من لحم ودم، ابن جلدته وربما ابن حارته أو بلده، فحكم عليه في التوّ وفي اللحظة بطلقة في الرأس مع سبق الإصرار والترصد.
لقد نفّذ المرتزق هاهنا حكمه على ملاك ملائكة الرحمة في أقل من عشر ثوان طبّق الحكم السافر على من أراد نجدة إخوته، فبأي حق، ولأي ذنب؟
إنّ هذا المشهد المرير إن عكس فإنما يعكس أننا يا أخوتي نتعامل مع ماكينات للقتل. نعم، هم في أشكالهم بشر، سحنتهم سمراء مثلنا تماما، يتحركون ويصرخون وينادون مثلنا تماما، يأكلون ويشربون مثلنا تماما، لكنّ الفرق بيننا وبينهم، أننا ثوار وهم ماكينات تدور "برموتكنترول"، لا أقول أناس مغيّبون، لكن أقول هم بشر آليون، يعني يعملون كما يعمل الرجل الآليّ. والرجل الآلي هو ماكينة مبرمجة ليس لها شعور ولا أحاسيس، ذلك ينطبق على مليشيات الطاغية اللابشير. يا سادتي، فلنعلم أن كبيرهم الذي علمهم السحر لم يعلمهم إلا شيئا واحدا: القتل، ثم القتل ثم القتل؛ ولم يلقنهم كبارهم إلا شيئا واحدا: shoot to kill. وللذين سمعوا ورأوا فيديو السادن على عثمان محمد طه ربما يجهلون خلفية ما قاله وخطورة هذه الجملة الصغيرة في كمها وعميقة في فحواها. ليست هي كلمة ما لفظ بها وأطلقها هكذا في الهواء، بل قنبلة، أي أنها نظرية عالمية مؤصلة، ومفهوم عالميّ "لِرُكوبِ" وإرهاب الشعوب، ومعروف كنظرية دفاع عن النفس، مشكوك في أمرها، نلخصها في الآتي: يهدف المرتزق أو يهدف الرجل الماكينة إطلاق الرصاص مع النيّة الهادفة لإحداث إصابة مميتة تودي بحياة المواطن. ومن المعروف أن هذه السياسة تثير الجدل ومنذ حقب طويلة، لا سيما وأنها معروفة في المملكة المتحدة وإبان المعارك الضارية في إيرلندا الشمالية آنذاك. ونحن نرى يا سادتي وبأمّ أعيينا أن اللاإنقاذ يتبع هذه السياسة الجائرة بحذافيرها كما ويتبنى بجهل وصفاقة كل هذه سبل القتل السلبية التي اتبعتها أنظمة دكتاتوريّة من قبل لإبقاء حكمه كما أبقت الأخيرة سيادتها. وليس من العجيب أن تكون اللإنقاذ تلميذ نجيب ومطيع لروسيا وإيران وسوريا، ذلك في سياسة توطيد أنظمة قمع الشعوب، فحدث ولا حرج.
دعونا نرجع لحديث الشهيد مع المرتزق القاتل في ظل تلك النظرية. إن للدفاع عن النفس أسس وقواعد وتحكمه قوانين وأهلنا من رجال القانون من الشرفاء يمكنهم أن يكتبوا لتنويرنا في هذا المجال، فهذا نداء لهم. فأي قانون وأي دين وأي عرف يسمح بحكم إعدام في أقل من عشر ثوان؟
إن الشهيد د. بابكر وكل الشهداء على سبيل المثال د. وائل صلاح الذي هو أيضا قتل برصاص المرتزقة بينما كان يقوم بمهامه كطبيب، كلهم سطّروا اسماءهم على صحف تاريخ نضال السودان بمداد من نور. وكلنا يا إخوتي نحارب ضد حكم العسكر الإسلامويّ الزائف. الآن حان الوقت على المتأسلمين المنافقين أن يعلموا، رغم أننا شعب كريم وصدورنا رحبة حتى لمن قد أساء إلينا، لكن الآن دقت ساعة الصفر وقد بلغ السيل الزبى، فلن نرضى بعد اليوم الضيم ولا الاضطهاد منكم، فلهموا يا إخوتي جميعا لنجدة سودان المستقبل، سودان التفاؤل، سودان الخير الذي أغرقه كذب المشير ... عمر البشير. فلا غالب إلا الله. النصر للسودان النصر والحريّة لأهله الكرام.