*بقلم : سليم عثمان
*وحدهم الأموات شهدوا نهاية الحرب(أفلاطون)
ولم أرفي عيوب الناس عيباً كعجز القادرين على التمام(أبو تمام)
في اللحظة التي كان يدشن فيها نائب رئيس الجمهورية الدكتور الحاج ادم مجرى النهر في بقعة قصية في شرق البلاد ، في حدث وصفه أعلامنا بالتاريخي، كانت أرتال من سيارات المتمردين تغير على مدينة وادعة  في شمال كردفان ، تعوث فيها  فسادا وتقتيلا للأبرياء،( لايستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً )
وكان الحاج ادم يرد عليهم بقوله :أن ما يفعلونه لن  يكسر من عزيمتنا  في تنمية البلاد ،(متى يتم البنيان يوما تمامه... اذا كنت تبنيه و غيرك يهدم؟)المتمردون المحسوبون على ما يعرف بالجبهة الثورية، أستهدفوا بعضا من رجال الشرطة العزل، الذين كانوا يحرسون محطتي الكهرباء والمياه في المدينة ، قتلوهم بدم بارد، بل قبلها قتلوا بعضا من زملائهم رجال المرور في طريق غزوهم للمدينة الامنة ، غريب أمر هؤلاء يقتلون  رجال مرور ينظمون السير لهم ولغيرهم ،كيف يقتلونهم هكذا ؟ لمجرد أنهم رجال شرطة ، لو وقعت حوادث سير ورجال المرور  مضرجون بدمائهم الذكية ، من المسؤول عنها ؟ مؤكد ان هذا الحدث الأليم والصادم أبهج  قلة من أصحاب النفوس الضعيفة التي لا يهمها أن يدمر  كل السودان ،في سبيل أن يزول ملك الحاكمين العضوود  في الخرطوم ( الغاية عندهم ببساطة تبرر الوسيلة ) ما ذنب رجال الشرطة حتي نقتلهم بدم بارد؟  بل ما ذنب مواطني أم روابة حتي نقطع عنهم الماء والنور ؟ ؟ (نحن نتفق معهم أن المؤتمر الوطني سام البلاد والعباد سوء العذاب) لكن هل كل أهل السميح وأم روابة  هل كل مواطني تلك المناطق مؤتمر وطني ؟هل كلهم إنقاذيون ؟ المتمردون قالوا أنهم أنسحبوا من تلك المناطق حفاظا على أرواح المواطنين المدنيين ، عجبا الم يقتلوا مدنيين؟ وهل رجال الشرطة الذين قتلوهم محاربون ومسلحون؟ ومن عجب أن أحدهم يدعو في بيان له القوات المسلحة والشرطة والقوات النظامية الأخري بالإنضمام الي جبهتهم وفجرهم الجديد ،كيف تقتلون رجال الشرطة ثم تدعونهم للإنضمام الي ما تسموه ثورة للتغيير؟ أروني يا هؤلاء هل محطات المياه والكهرباء والإتصالات ملك للمؤتمر الوطني أو الحكومة؟أم هي ملك للمواطنين؟ هل واجهتم القوات المسلحة في معركة باسلة وهزمتموها ؟  نعلم أن الحكومة أهملت في أمر قواتنا المسلحة كثيرا ، نعلم أنها أنهكتها في حروب لا أول لها ولا اخر، لكننا مع ذلك نقول لأولئك الغزاة الطائشين أين أنتم  من حديث رسول الله، صلي الله عليه وسلم؟ الذي يقول فيه : ( لا تغلواو لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها،وأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد قال في وصيته لجيوشه : ( لا تؤذوا راهبا أو عابدا ولا تهدموا معبدا أو صومعة ) فحرمة ضرب محطات الكهرباء والماء والإتصالات أشد ، لأنها من ضروريات الحياة التي يتشارك الناس فيها ،فإذا  كان ديننا الحنيف ينهانا عن قطع الشجر ،وقتل العجزة فإن ذلك مبعثه أن رؤية الدم تثير الدم ، والعداء تؤجج نيران الحقد والغضب ، ونشوة النصر(إن هم ظنوا أن ما قاموا به نصرا) تسكر الغزاة( وهم بلا شك غزاه)فتلك النشوة اللحظية أوقعتهم  في أبشع أنواع التشفّي والانتقام ، كما حدث بالأمس القريب ،وذلك  أيضا هو تاريخ الإنسان منذ سفك قابيل دم أخيه هابيلوهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على كل العسكريين والمدنيين ، حاكمين ومعارضين ،  إذ إنفردوا من بين العظماء الحضارات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشدّ المعارك احتداما ، وفي أوقات الحالات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك الدماء ،نعم من حق أي حزب أو فصيل سياسي، أن يناهض الحكومة حتي يسقطها ، لكن ليس بقوة السلاح، الذي يتأذي منه الأبرياء ،وقد  قلناها غير مرة ليس  بقتل الأبرياء وتدمير الممتلكات العامة والخاصة ،نكسب جولتنا ضد الحكومة ، من قبل زار الراحل  د/ خليل إبراهيم أمدرمان ،في رتل من سيارات الدفع الرباعي السريعة  ، لكنه لم يفعل شيئا للحكومة ولا لقواتها المسلحة والنظامية الأخري ،بل أفزع المواطنين ,أرهبهم وكان عاقبه أمره أن خسر هو نفسه حياته ، بطريقة غامضة ،هذه الحركات المسلحة حينما تقصف الحكومة قواتها، تسلك طرقا ملتوية ،وتغير في ساعة غفلة على منطقة لا تخطر على بال ، فتقتل وتدمر وتنهب من المواطنين حاجياتهم تحت تهديد السلاح ، حتى غدا النهب المسلح فى دارفور على سبيل المثال أمرا عاديا ،  يستطيع كل أحد أن يركب حصانا أو جملا أو حتي ناقة  حاملا سلاحا خفيفا ،ناهيك عن سيارة كروزر، ليرعب الناس هنا وهناك ، ماذا سيقول هؤلاء القوم لله يوم القيامة عن عمليات النهب والسلب؟ التي يمارسونها بحق مواطنين أبرياء لا ذنب لهم ؟سوى أن حظهم العاثر ساقهم الي مكان هم بالغيه ، تهاجم تلك القوات المتمردة الأبرياء ، ثم تفر لا تلوى على شئ ، يقول البعض أن هؤلاء  الغزاة إنما يفعلون ذلك بدافع من الإحباط  كبير في نفوسهم ، يقولون: إن معظم الحاكمين من الشمال العريض، الذي تنعم معظم مناطقه بالأمن والأستقرار، فلماذا لا نذيقهم مر الألم والعذاب؟ كما أذاقت حكومتهم مواطنينا ؟!  ما ذنبي  أنا إن كان بعض من قومي تولوا الحكم ربما حتي دون رضاء مني ؟ أي منطق هذا الذي يسوغ لهؤلاء أن يعاقبونا ويعتدوا علينا بجريرة غيرنا ؟ الم نتضامن معهم غير مرة في قضاياهم العادلة ؟فكيف يفعلون هذا بنا ؟ هل مثل هذا المنطق يستقيم لتبرير مثل تلك الفعلة الشنيعة؟ما ذنب سوق أم روابة؟ بل ما ذنب الخلاوي وطلابها في تلك المناطق  ،الذين يحفظون كتاب الله ،حيث لا ناقة لهم ولا جمل بالمؤتمر الوطني، وما ذنب المصارفالتي يودع فيها المواطنون أموالهم  ؟ هل هي ملك للحكومة؟ هل هي ملك للمؤتمر الوطني ؟ المتضرر الوحيد من أعمالهم  الشنيعة  تلك ،هو المواطن المغلوب على أمره ، بل ما ذنب مؤسسات القضاء الواقف حتي تقصف بالراجمات ؟نعم حكومتنا فيها المفسدون، نعم كثير من سلوكياتها  فيها خطل  نحن نرفضها تماما ، كثير من سياساتها فيها التخبط و العور ونحن أيضا نناهضها ، ظلمها بين  وكبير لكثير من مواطنيها ، ولكن كل هذه الأسباب لا تبرر مهاجمة البعض لقري ومدن امنة مطمئنة ،تحت أي مبرر، سرعان ما يلوذون بالفرار، ليدفع المواطن المسكين ثمن غفلة الحكومة وتهاونها  في حماية أرواحهم ،يتساءل  البعض لماذا لم  تكون في تلك المناطق قوات مسلحة ؟ بل أين كانت أجهزتها السياسية والإستخبارية حتي قطع المتمردون برتل سيارات يربو عن المائة ؟نعم ليس من واجب الجيش أن يكون داخل كل المدن والقرى؟ ولكن لو فرض عليه القتال لرد هيبة الدولة وعزة المواطن وكرامته ينبغي ان يكون داخل المدن والقري ايضا ، وفي تلك الحالة كم جنديا نحتاج؟حتي نحمي المدن والقرى ربما خمسة ملايين فردأو أكثر، ومن أين سنموله أليس من أموالنا  كمواطنين ؟   نائبة رئيس البرلمان الوطني تقول للصحفيين: أن الجندي السوداني يتقاضي فقط نصف مليون جنيه بالقديم ، ولو صح ما قالته  فإن تقصيرا كبيرا واقع بحق قواتنا المسلحة، والمنتسبون اليها  مما يستدعي مساءلة كبار المسؤولين في الدولة، قبل تحسين أوضاعها، حتى تؤدي رسالتها في الدفاع عن حدود الوطن قبل الدفاع عن الحدود، التي يقول ياسر عرمان انهم يسيطرون على 40% منها مع دولة الجنوب  ،والحادث أيضا يستدعي إعادة النظر في وضع القوات النظامية كافة ،وسوء الأوضاع المادية هو ربما ما يجعل الكثير من شبابنا يعزفون عن الإنتماء لهذه المؤسسة الوطنية العريقة ، نحن نعلم أن المقياس الحقيقي لتقدم الأمم والدول، إنما هو بما تدعو إليه من التوازن بين الإعداد (المادي) والروحي ( وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة  ومن رباط الخيل ) فالإعداد الجيد مطلوب لقواتنا المسلحة، ولشرطتنا ولكل الأجهزة  الأمنية التي تحرس أمن الوطن والمواطن ، الإعداد الحقيقي  لدولتنا يتم بعمارة الأرض وتأمين الفرد، نعم لشق الطرق وإنشاء السدود ،والجسور وهذا يدخل في باب الإعداد المادي ، ونعم لتحسين وضع قواتنا  كلها إن لم يكن من حيث العدد فعلي مستوي النوع والكيف،و لابد أن يصحب كل ذلك إعداد روحي جيد، ليس للقوات النظامية بمختلف فصائلها بل لعامة الشعب ، فلا يعقل في أعقاب حدث جلل كالسيطرة على مدينة وادعة وإنزال علم البلد من سارية محلية ، ورفع علم المتمردين أن تكتفي فضائيتنا النعسانة  بما أسمته ( غرفة متابعة ) كأنها تتابع أمر أنتخابات جامعات ،أو حتي أمرا أحقر شأنا من ذلك بكثير ، أين مراسلوها في الولاية المعنية ؟ كيف تغيب الصورة عن الشاشة ؟ وكيف نستقي معلوماتنا عن الحدث من فضائيات ووكالات الأنباء الغربية ؟ وفضائيتنا تستضيف خبيرا ليحلل الحدث ، لماذا تأخر بث الصور كل ذلك الوقت؟ حتي بثت الشروق أولى الصور عن الحادث ؟وكانت أفضل في تغطيتها له من خلال مراسلها في عين الحدث ،وفي أماكن أخري ، حتي المسؤولون نحن لدينا مشكلة كبيرة في اعلامنا الفضائي الذي ليس لديه أي استعداد لتغطية أحداث كهذه ، يكتفي التلفزيون ببث أناشيد وطنية قديمة، ظنا منه أن هذا هو المطلوب، في لحظات حرجة كتلك التي مرت بالبلاد، ورغم أهمية ذلك الا أن بثها لا يكفي لطمأنة مخاوف الرأي العام ،حين وقوع أحداث جسام كهذه ،بل كانت الشائعات التي تتحدث عن قرب وصول ،تلك المجموعات المتمردة الي الخرطوم، تسري كالنار في الهشيم في المواقع الاجتماعية للتواصل الأسفيري ،ليس للحكومة صحيفة ناطقة بإسمها ، كل الصحف التي كانت تنطق بإسمها (الإنقاذ ، السودان الحديث ، الأنباء ، الرائد ألخ  ) فشلت في أداء رسالتها وأندثرت ، بسبب تقاعس الحكومة عن دعمها ، نعم قد يقول قائل : كثير من صحف الخرطوم محسوبة على الحكومة ، وهذا قد يكون صحيحا ، وحتي البعض الاخر الذي يعاديها مجبرة على السباحة مع التيار لأسباب نعلمها ، لذا ينبغي  أن يكون للدولة أعلام فضائي قوى ، يطمئن المواطنين  ويهدئ من روعهم وقت وقوع  الأحداث الكبيرة ، سيما أن أجواء كهذه يمكن أن تكون طاردة حتي للمستثمرين والسياح وغيرهم من البلد ،هل كان هذا الحدث يقل أهمية وخطورة عن الإحتفال بتغيير مجري النهر في مكان ما؟  الم يقتل فيه أناس أبرياء ؟ مسؤولو الحكومة  يقولون أن المتمردين قتلوا أكثر من 45 شخصا خلال الغزوة ، تصريحات المسؤولين كانت تثير الإشمئزاز ، إتصفت بالإرتجالية والعشوائية والتخبط ، لم تقدم معلومات ذات قيمة للناس ، الم يروع  الناس في السودان كله من خلال االحدث ؟ الم يعيشوا في ظروف بالغة السوء ؟ الم يثوروا  في عين المكان  تنديدا بالتقصير الرسمي في حقهم ؟ نحن دائما في  مشاكلنا كلها نلجأ  للبحث عن الدواء، بل عن شماعة نعلق فيها أخطاءنا وتقصيرنا وغفلتنا ، لكننا لا نهتم أبدا بالوقاية من هذه الأمراض المزمنة ، التي هي خير من العلاج ، ولا نتحسب لها قبل وقوعها ،  والعجيب أننا لم نر يوما مسؤولا في موقع ما حوسب على تقصير ،أكثر ما يؤلمنا  ان أعيننا التي ترصد تحركات المتمردين، تعرف تلك التحركات ،ولكنها لا تتصدي لها مباشرة ، هل هي حقا عاجزة؟ بل تتم مطاردتها وتعقبها بعدما تفعل الأفاعيل ، حدث هذا خلال غزو أمدرمان ،وحدث لأم روابة وغيرها ، فالي متي هذا الهوان والغفلة ؟التي تغري المتمردين وتجعلهم يطمعون غير مرة في الوصول الي عاصمة البلاد ؟ والي أي مكان يريدونه؟  نعم الحكومة مطالبة بكل ما  تقدمه لشعبها  من إشباع  مادي وروحي، واستقرار نفسي، و وبث كل قيم الترابط والتكاتف والوحدة ،،من خلال العدل في كل شئ، نعم هي مسؤولة عن المُثل العليا والقيم السامية ، التي تحقق  السعادة والهناء ،وراحة البال والتكاتف الحقيقي للمواطنين ،نعم حماية المدن لا تقل أهمية عن مشروعات التنمية وبغير الأمن لن  تتحق التنمية المنشودة ،وبغير السلام لن يبني العمران ، فمقياس تقدم الأمم ورقيها، ينبغي ألا يقاس بمقدار تقدمها صناعياً وعمرانياً فحسب، ذلك أن  عقلاء كل أمة متفقون على أن تلك الأمور المادية وسائل للتقدم، لا أنها هي التقدم بعينه، وإلا أصبحت الوسائل غايات، لا ينبغي أن نتوقف عند أحداث أم روابة وغيرها من المناطق التي تم الإعتداء عليها الإ بالقدر الذي يجعلنا نتعظ ونتخذ التدابير الدقيقة الحاسمة ،التي تؤمن عدم تكرار مثل تلك الإحداث الصادمة ، ويقيني ما لم تتغير عقليات  المسؤولين سيما الممسكين بملفاتنا الأمنية ، ستقع أحداث أكبر من تلك التي وقعت هنا وهناك ، وأمتنا السودانية اليوم ، لا تعاني من شيء كمعاناتها من آثار هذه الهزيمة النفسية، التي حلّت بها بعد هذه الأحداث  وأقعدتها، وزادت ضَعفها وهوانها، وأحبطت تطلعاتها، وحطّمت دوافعها، وأثرت سلباً على إنتاجها وعطائها، حيث يشعر كثير من الناس بعجز الحكومة في حماية أرواحهم وفي توفير الضروريات لها ،المواطنون أيضا يشعرون بألحباط والأسى   لأن هذه المشاكل تتكرر بشكل أو اخر، هنا وهناك ، دون ان نحرك ساكنا ، كم من الأنفس قتلت  لتقصير لم تتم المحاسبة عليه ؟ كم من منشات دمرت؟ حتى كاد المواطن أن يفقد الثقة بالنفس، واليأس من مجرد التفكير في إمكانية عودة هذه الأمة إلى ماضيها التليد  كما  كان الوطن بجغرافيتة المعهودة واحدا موحدا ، فلو سقطت ام روابة وام كرشولا والسميح وغيرها  لبضع ساعات في يد هؤلاء،  الذين لم يرقبوا فيها الإ ولا ذمة ،فربما أغرتهم أنفسهم عما قريب بزيارة مناطق أخريلا تخطر على البال ، ظانين أن ذلك يجعل موقفهم التفاوضي قويا،نعم لمواصلة المفاوضات مع حاملي السلاح ،ولكن في الوقت نفسه يجب ان لا يكون المواطنون ومدنهم وقراهم نهبا لأطماع المتمردين.
Saleem Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////