بقلم: سليم عثمان
كاتب وصحافي سوداني مقيم فى الدوحة.
كشفت  السيدة عفاف تاور رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان السوداني، عن عقوبات في مسودة قانون الصحافة الجديد، وقالت فى تصريحات صحفية لها : إن العقوبات التي وردت في المسودة الجديدة، وافق عليها رئيس البرلمان،وشكّل لجنة من عدد من لجان البرلمان ،تضم التشريع والعدل والأمن والدفاع بشأنها،. وقالت إن العقوبات تجوز للمحكمة توقيع عقوبة الغرامة،وإيقاف الصحيفة للفترة التي تحددها المحكمة ،وتعليق المطبعة لفترة تحددها، وأضافت بأن العقوبات تجوز حال تكرار المخالفة إيقاف رئيس التحرير، والناشر والصحفي، وسحب السجل الصحفي لفترة تحددها، وأبانت أنها جوّزت للجنة الشكاوى بمجلس الصحافة والمطبوعات، توقيع عقوبات وإلزام الصحيفة بالاعتذار، ونشر قرار المجلس والاعتذار،وتوقيف الصحيفة لمدة لا تزيد عن (10) أيام، وتابعت بأن العقوبات تجوز إيقاف أوإلغاء ترخيص المطبعة ،أو الصحيفة أو مركز المعلومات، حال تكرار المخالفة ،وكشفت عفاف عن توزيع المسودة، لجهات منها (المجلس القومي للصحافة ووزارة الإعلام وجهاز الأمن ووزارة المالية والجمارك) وأشارت لاجتماعات ستعقدها لجنتها ،مع خبراء ورؤساءتحرير الصحف، لمناقشة القانون وعقد ورشة مع كل الجهات ومن ثم رفع تقرير للبرلمان.
أولا: لا أعلم كثيرا عن هذه السيدة ،التى تتولي رئاسة لجنة الإعلام بالبرلمان، وربما يعود ذلك الى قصور مني ،لكن تصريحاتها هذه توحي بأن الصحافة السودانية مقبلة على مرحلة جديدة من التضييق ،على المنسوبين اليها والقائمين على أمرها ،بل الإعتداء على المطابع، التى تقوم على عملية النشر
ثانيا: كنت امل أن لا تكتفي السيدة تاور ،بإحالة مسودة القانون الى مجلس الصحافة ووزارة الاعلام وجهاز الأمن ووزارة المالية والجمارك  وروساء تحرير الصحف بل كنت اتمني لو عقدت ورشة عامة مع أكبر  شريحة من الصحفيين وإتحادهم  ورؤساء التحرير، وملاك المطابع، الذين دائما ما يكتون بنيرات مثل هذه القوانين ، وذلك  لمناقشة بنود المسودة  مع أهل الإختصاص والوجعة ،بندا بندا قبل إجازتها كقانون من قبل جهات الاختصاص فى الدولة، ولكن يبدو أن النية مبيتة للجهاز التشريعي الوطني فى الدولة ،للمزيد من كبت الحريات الصحفية،أو الهامش المتاح حاليا.
ثالثا: نعتقد  فى ظل الرقابة القبلية التى تمارسها أجهزة الأمن على الصحف أن زملاء المهنة موعودون وفى ظل القانون المرتقب، بأن يقضوا لياليهم فى الحراسات، وسحابة نهاراتهم أمام المحاكم ، وأقسام الشرطة ، فى المركز والولايات ،وما تبقي لهم من أعمار، فى بلاط صاحبة الجلالة، فى السجون.
رابعا: أنا  شخصا مع منح  القانون صلاحيات محدودة لمجلس الصحافة فى معاقبة الصحف والصحفيين ،لا تتعدي الايقاف ليوم أو يومين كحد أقصي ،وليس عشرة أيام كاملة (حتى لا تخرب بيوت الصحفيين وتفلس الصحف التى يعملون فيها ) ، مع الزام الصحيفة المسيئة الى نشر إعتذار  للجهة التى أسيئ اليها ،فى نفس مكان الإساءة وبنفس الخط (الفنط) ولست مع منح المجلس حق إيقاف صحيفة أو سحب الترخيص الممنوح لها  أوإيقاف  صحفي عن الكتابة لمجرد أنه أخطأ فى حق فرد أو جهة   أيقافا مطولا أو نهائيا، بل لابد أن يمنح هذا الحق للمحاكم العادية فى الدولة ، لتقضي بين الصحف والعاملين فيها والجهات المتضررة من عملية النشر، خامسا: أستغرب كيف  تحال المسودة الى وزير الاعلام ، ولا أعرف  علاقته بالصحافة والصحفيين! يكفي أن منصب وزير الاعلام، الذي يشغله حاليا الطبيب الطيب أحمد بلال عثمان ، تخلت عنه كل الدول الراقية، لا يزال موجودا فى السودان ،من باب الإرضاء السياسي، قد يقول قائل: ان وزير الإعلام  مسؤول عن التلفزيون والإذاعة ووكالة الإنباء (سونا) وغيرها من المؤسسات الأخري ذات الصلة ، لكني أقول: أن هذه المؤسسات بإمكانها أن تتدبر أمرها  بصورة طيبة فى حال صدور قانون ينظم عملها واختصاصاتها ،وما الى ذلك بمعني أنها لا تحتاج لوزير إعلام وجيش جرار من الموظفين يعملون معه ،دونما فائدة ترجي منهم جميعا، لذا نطالب وبالصوت العالي اغلاق  الوزارة تماما ووجعل  مقرها مؤسسة تعني بتدريب وتأهيل الكوادر الصحفية والإعلامية الشابة العاملة فى الصحف والاذاعة والتلفزيون والاذاعات المحلية والولائية بل حتى طلاب الغعلام فى الجامعات.
سادسا :نذكر السيدة تاور بما جاء فى مقدمة خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب (مع كل صحفي يقتل أو يمنع من ممارسة مهنته بالترهيب والترويع يفقد العالم شاهدا،على الوضع الإنساني،وكل إعتداء يشوه الواقع ببث جو من الخوف والرقابة الذاتية) ونقول للسيدة عفاف تاور إن عام 1991 شهد  إعلان اليوم العالمي لحرية الصحافة،بناءً على مبادرة مشتركة بين اليونسكو وإدارة شؤون الإعلام في الأمم المتحدة ،في إطار مؤتمر عُقد في ويندهوك، بناميبيا. وشدد ذلك  المؤتمر الذي أسفر
عن إعتماد إعلان ويندهوك ، على أن حرية الصحافة تستلزم ضمان مبدأي التعددية والاستقلال، في وسائل إعلام الجماهير بوجه عام.
ويُحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة منذ ذلك الحين في 3 مايو من كل عام، وبالإضافة إلى الاحتفال السنوي باليوم العالمي لحرية الصحافة، أنشأ المجلس التنفيذي لليونسكو جائزة اليونسكو / غيليرمو كانو العالمية لحرية الصحافة في عام 1997. وتُمنح هذه الجائزة كل سنة تكريماً لشخص أو مؤسسة أو منظمة لقاء تقديم إسهام مرموق في الدفاع عن حرية الصحافة و/أو تعزيزها في أي بقعة من بقاع العالم. وبعد مرور أكثر من عقدين على تاريخ انعقاد مؤتمر ويندهوك، لا يزال اليوم العالمي لحرية الصحافة ،يجد صداً له في الجهود المبذولة للدفاع عن حرية وسائل الإعلام،وإن حرية وسائل الإعلام تشكل جزءاً من مجموعة حقوق الإنسان الأساسية التي لن يألو الناس جهداً للنضال من أجلها. لكن هل تري أن صحافتنا وصحفيونا يمكن أن يفوزوا بمثل هذه الجوائز فى ظل التضييق المستمر عليهم من قبل السلطة التى تحسب كل صيحة عليها؟
سابعا: يمضي عام 2012 وخلاله شهدت الصحافة السودانية تراجعا كبيرا عن أداء رسالتها بسبب التضييق الذي مورس عليها وكثيرا ما حجبت السلطات مقالات كتبتها  وكتبها زملاء اخرون كثر لا لسبب جوهري، اللهم إن المرء اشار لمسؤول صغير ووجه اليه نقدا مخففا لكن يبدو ان السلطات عندنا هداها الله تضيق بأي نوع من النقد ولا تريد الإ أن تسمع المزيد من التطبيل والمدح والثناء تماما كالمرأة التى قال عنها شاعرنا أحمد شوقي) والنساء يغرهن الثناء)ونحمد الله أن عام 2012 لم يشهد مقتل صحفيين سودانيين ولكن هذا لا يعني أنهم لم يتعرضوا لأية أنواع من التضييق فانواع التضييق التى تعرض اليها الصحفيون أكثر من أن تحصي ،هل يعقل أن يأتي ضابط صغير لم يتخصص فى الإعلام مثلا وليس له حتى أفق سياسي الى صحيفة ما ليلا ويقوم بنزع ما يشاء من المواد المنشورة بالصحيفة قبل دفعها الى المطبعة؟أو يأتي زميل اخر الى المطبعة صباحا ويقوم بمصادرة كل أعداد الصحيفة؟لمجرد ان كاتبا معينا أنتقد وجه فساد فى مؤسسة من مؤسسات الدولة؟هذا بعض مما تعانيه صحافتنا حاليا، والأمثلة على التضييق تحتاج لمجلدات حتى نحصيها.
ثامنا :حسب تقارير الامم المتحدة  قُتل أكثر من 600 صحفي وإعلامي في السنوات العشر الماضية، مما يعني أن كل أسبوع في المتوسط يلقى صحفي مصرعه، بسبب ما ينقله من أخبار ومعلومات إلى الجمهور العام.0 فى السودان ليس لدينا قانون ينظم تدفق المعلومات بشكل قانوني لذا تجد الصحفيون يلهثون فى الحصول على مبتغاهم من المعلومات ربما بطرق ملتوية  على سبيل المثال لا الحصر ما حصلت عليه جريدة السوداني من رفع لاسعار سلعة السكر من مصادرها الخاصة داخل الوزارة المعنية واذا بمسؤول رفيع ينفي الزيادة ،
تاسعا: مكاتب العلاقات العامة فى معظم الوزارات والهيئات والمؤسسات فى الدولة لا تقوم بدورها فى تسهيل مهمة الصحفيين فى الحصول على المعلومات المطلوبة بل اكاد اجزم ان كثير منها ليس بها اقسام او ادرات للعلاقات العامة وحتى القلة الموجودة لا تدري ماهي رسالتها بالضبط ،ولي تجربة شخصية مع ما يسمي بادارة القبول للتعليم العالي حيث موظفو العلاقات العامة او من يفترض فيهم القيام بهذه المهمة لم يكونوا فى نظري سوي رجال أمن ، تصوروا أحدهم حينما هممت بالدخول لمقابلة الدكتور على الشيخ ، قال لي لن تدخل البتة، وكان قد أغلق مكتب الإستقبال البائس أمام عشرات من أولياء أمور الطلاب والطلاب أنفسهم وأخذ المفتاح بيده وهو يقف ويجيب على استفساراتهم ، المهم عندما حاججته قال لي بالحرف أذهب الى المحكمة الدستورية إن كنت متظلما ، هذا موضوع اخر سأعود اليه فى مقال منفصل ولكني فقط أردت أن أبين أنه ليس هناك ادارات او اقسام للعلاقات العامة اللهم الا فى مؤسسات كبري مثل كنانة وبعض شركات الاتصالات عاشرا: في الأشهر التسعة الأولى من عام 2012، أدانت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، مقتل 95 صحفياً وإعلامياً ومدوّناً، مما يمثل ارتفاعاً هائلاً مقارنةً بعدد عمليات القتل التي حدثت في السنوات الماضية. وإلى جانب ذلك، ذكرت المديرة العامة في تقريرها بشأن سلامة الصحفيين وخطورة مسألة الإفلات من العقاب أن عدداً أكبر بكثير من الإعلاميين يتعرضون لأشكال أخرى من الاعتداءات فمنهم من يُصاب بجروح، ومنهم من يتعرض للاغتصاب أو الخطف أو المضايقات أو التخويف أو الاعتقال غير القانوني.فى السودان اذا ضرب أى صحفي من قبل رجال شرطة أو أمن وهو يؤدي رسالته ليس هناك جهة يلجأ أليها للشكوي وبالتالي دائما ما يفلت الجاني.
وتم التشديد في التقرير عينه على مشكلة الإفلات من العقاب التي تتمثل في عدم إحالة مرتكبي الجرائم إلى القضاء. وما يثير القلق هو أن 5 في المائة فقط من جميع الحالات الوارد ذكرها في تقرير المديرة العامة أفضت إلى إدانة مرتكبي الجرائم. ويكتسي الكثير من القضايا التي يغطيها الصحفيون أهمية كبيرة وتُعد الحروب أكثر هذه القضايا خطورةً. ولكن السبب وراء مقتل معظم الصحفيين لا يرتبط بتغطيتهم لنزاعات مسلحة، بل يرتبط عادةً بمقالات يعدونها عن قضايا محلية في المدن التي يعيشون ويعملون فيها، وتتعلق خاصةً بالفساد وغير ذلك من الأنشطة غير القانونية مثل الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات. وجاء في تقرير عام 2012 الذي أعدته مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بوضع المدافعين عن حقوق الإنسان، مارغريت سيكاجيا، أن الأشخاص المعنيين بالتحقيق في قضايا حقوق الإنسان يتعرضون أيضاً لتهديدات متزايدة. وثمة معلومات تشير إلى أن حتى الصحفيين الذين يعدون تقارير بشأن القضايا البيئية يتعرضون أحياناً لخطر الموت.
11/كشف المعهد الدولي للصحافة٬ الذي يراقب حرية وسائل الإعلام٬ بأن عدد الصحافيين الذين قتلوا هذا العام أثناء أدائهم عملهم بلغ أعلى مستوى له في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. ورصد تقرير صادر عن المعهد في فيينا٬ أن ما مجموعه 119 صحافيا قتلوا حتى الآن٬ معتبرا أن هذه الحصيلة تعد الأعلى منذ بدء المعهد عملية تسجيل الوفيات المتعلقة بالصحافيين سنة 1997وكانت آخر أعلى حصيلة وفيات قد سجلت٬ بحسب نفس التقرير٬ في 2009 عندما قتل 110 صحافيا٬ فيما وصل القتلى الصحافيين برسم السنة المنصرمة 102 صحافيا.وأشار المعهد إلى أن سوريا تعد أكثر الدول خطرا هذا العام على وسائل الاعلام٬ حيث لقي ما لا يقل عن 36 صحافيا حتفه في هذا البلد٬ معتبرا أن « التهديد الخطير » الذي واجهه المعهد الدولي للصحافة في معظم النزاعات في السنوات ال 15 الأخيرة يكمن في استهداف السلامة الجسدية للصحافيين لمنع توزيع المعلومات وأضاف التقرير أن 16 صحافيا قتلوا في الصومال٬ موضحا أن ممارسة العمل الصحافي في كل من المكسيك وباكستان والفيليبين تعد أيضا مهنة محفوفة بالمخاطر.
12/البيئة الحرة الامنة التى تتوفر فيها المعلومات التى يحتاج اليها الصحفيون  السودانيون بشكل قانوني هى البيئة التى تنشدها أيتها السيدة عفاف تاور لا البيئة التى يشعر فيها الصحفيون بأنهم ملاحقون، من قبل اجهزة الأمن ، ومطارودن فيها من قبل الشرطة كأنهم مجرمون،فالبيئة الحرة الامنة للصحفيين هى التى تتعزز السلام الاجتماعي والديمقراطية ،وهى التي تتعزز فرص التنمية المستدامة ،فرفقا سيدتي بصحافتنا المسكينة ،ورفقا بزملاءنا المساكين، نحن يا سيدتي لا ننشد سوى أن تتطور صحافتنا وهذا لن يتأني بتشديد العقوبات على الصحف والصحفيين ولا بمنع تدفق المعلومات عنهم ولاولا بحبسهم وسجنهم وايقاف الصحف التى يعملون فيها ولا المطابع التى تطبع تلك الصحف وهى على كل حال مطابع بائسة وقديمة كأنها من الحرب العالمية الأولي .
أخيرا : الحكومة  فى البلاد لا تدعم صناعة الصحافة ولا تدعم جلب المطابع والورق ومدخلات الطباعة الأخري، من أحبار وغيرها بل الأدهي وأمر من كل ذلك أنها تقوم بمنع صدور الصحف، وأحيانا مصادرة الكميات المطبوعة علي قلتها أمعانا فى الايذاء، وتلجأ الى تشريد الصحفيين الذين يتقاضون رواتب ضئيلة ولا يجدون ملجأ ليجأروا بالشكوي اليه، فكل الذي نرجوه أن تشركوا رجال ونساء الصحافة فى هذا القانون الذي تطبخونه الان، ونشتم فيه رائحه الكيد للصحف والصحافيين.




Saleem Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////