بقلم : سليم عثمان
كاتب وصحافي سوداني مقيم فى الدوحة
من المؤسف حقًّا بل من المخجل الا يكون هـناك اكتفاء ذاتي حتى الآن في المواد الغذائية الأساسيةُ فى السودان ، ومن المؤسف حقا أن تتدهور أحوال السودان الإقتصادية للدرجة التى يظن فيها البعض أن خفض  أجور الدستوريين فى الدولة وإجراء جراحة لإمتيازاتهم المتعددة يمكن أن تنعش  حال هذا الأقتصاد المتضعضع منذ أن أنفصل الجنوب من  الدولة الأم بنفطه وموارده الأخري ،ومن المؤسف أن تكون بلادنا مهددة بالجوع والفقر بعد قرابة ربع قرن من السنوات العجاف من حكم الإنقاذين أى  من حكم أخواننا الإسلاميين فى المؤتمر الوطني، الذين كانوا يرفعون شعارات التكافل الاجتماعي والعدالة الإجتماعية وغيرها من الشعارات التى غابت عن واقعنا المؤلم ،ومع ذلك دعونا نقول حسنا يفعلون إن خفضوا رواتبهم بنسبة 15% ولكننا لا نعرف كم يتقاضي الوزير والسفير والوالي والمعتمد وغيرهم من الدستوريين ،حتى نتصور حجم الأموال التى يمكن أن تعود الى خزينة الدولة جراء هذه الخطوة المتأخرة، والتى لا تعدو أن تكون ذرا للرماد فى العيون، التى أصابها الوهن ،ومن المؤسف أن تسارع جماعة سلفية  صغيرة تم إدخالها فى الحكومة إرضاء ومخاصصة عما تقول : حقها فى المناصب الدستورية ،ولا يفعل المؤتمر الوطني الذي يستأثر بمعظم الكوتة الدستورية فى الحكومة الإتحادية وحكومات الولايات ولكن كم من المليارات يمكن ان تعود الى خزينة الدولة إذا قامت الحكومة بخفض رواتب جيشها من الدستوريين فى المركز والولايات بل حتى لو أبعدت كل وزراء الدولة والغت المؤسسات والهيئات الحكومية التى تقول أنها فاشلة فى أداء رسالتها ، أقتصاديون كثر يرون أن هذه الترقيعات لن توفر نصف ما كان بترول الجنوب يوفره لخزينة الدولة قبل الانفصال ، الحكومة تعلم علم اليقين أن نسبة 50% من مواطنيها أما فقراء أو تحت خط الفقر المدقع ، وتعلم أن تبنيها قرار رفع الدعم عن المحروقات هو بمثابة لعب بالنار كما يقول منبر السلام العادل ، والحكومة تدرك تماما أن الدولة باتت مفلسة كما قال وزير المالية الإتحادي أمام البرلمان ، وتعلم أنه ليس أمامها من خيارات متعددة للخروج من عنق الزجاجة الا بمزيد من سياسات إفقار المواطنين وتجويعهم وإذلالهم ، والشعب يعرف أنه ليس من بين مسئولي الحكومة كبيرهم وصغيرهم شخص واحد فى عداد الفقراء ، الحكومة تخشي أن يكون صيفها وخريفها ربيعا عربيا جديدا إن هي  أقدمت على رفع الدعم عن المحروقات لصلتها تقريبا بكل شئ فى السودان .
وقد أقر مجلس شوري المؤتمر الوطني فى اجتماعه ليلة السبت سياسة رفع الدعم عن المحروقات وقال السيد علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية : في هذا التوقيت إما أن نستطيع أن نقنع المواطن بالإصلاحات (ونقود البلاد أو نُقاد). وأبدى طه استعدادهم للتنحي عن الحكم إذا كان إنفاذ قرار رفع الدعم سيقود إلى إسقاط النظام، وقال: (أحسن نتنحى ونحن واقفين وصادقين مع المواطن بشأن الحلول التي قدمناها) ووجه النائب الأول انتقادات مباشرة لمنسوبي حزبه بتسببهم في زيادة المنصرفات من خلال مطالباتهم بزيادة عدد المحليات وتوسيع دائرة الحكومات الولائية، ولفت الانتباه إلى تصدي المركز لمثل تلك الممارسات، ونوَّه بضرورة تعديل الدستور وعدم ترك الأمر مطلقاً لحكومات الولايات في ما يلي شؤون ولاياتهم دون هضم لحقوق المركز،وأقرَّ بأن جزءاً من عائدات الدولة ذهبت في ما وصفه بالبذخ السياسي، وأكد ضرورة الاعتراف بذلك، مؤكداً في ذات الوقت عدم تكرار ذلك مرة أخرى، حكيم الأنقاذ يعترف بتسبب منسوبي حزبه فى زيادة المنصرفات فى الدولة، وأن جزءا من أموال الدولة ذهبت فى البذخ السياسي ،سعادته يبدي أستعداهم للتنحي عن الحكم ،إن كان رفع الدعم عن المحروقات سوف يؤدي الى أسقاط النظام ،اليس عيبا يا شيخ علي أن يأتي هذا الإعتراف من قبلك بعد أن سحق الفقر والجوع والمرض نصف شعبك؟أليس عيبا أن تقول لنا أن حزبك غير راغب فى تكرار أفعاله المشينة مرة أخري ،هل يريد حزبك يا سعادة النائب الأول أن يسوم شعب السودان لربع قرن اخر أعجف من سابقه،ثم هل ستسمحون لهذا الشعب الجائع أن ينتفض ويقول كلمته فى سياساتكم العرجاء المتخبطة والملتوية،هل تظنون أن دمج بعض الوزارات وحل بعض المؤسسات وإنقاص رواتبكم بضعة جنيهات سيقنع شعبكم بمزيد من الصبر ،هل لوزير ماليتك الذي اعلن إفلاس الدولة وقال بإن خزينتكم خاوية على عروشها أن يخبرنا كم من الجنيهات ستوفرها هذه المسرحية الهزيلة ؟وهل ترون سعادتكم أن هذا الشعب الوفي الذي تحمل كل سنوات الإنقاذ العجاف فى صبر فاق صبر أيوب الذي أبتلي وصبر على المرض وفقد المال والولد والزرع والضرع (18) عاما و شعبك الأبي يا شيخ على صبر حتى الان 23 عاما فقد فيها الولد إما شهيدا أو( فطيسا )أيهما نطلق على من ماتوا أو قتلوا بسبب حروب قدتمونا اليها فى جنوب البلاد وشرقها وغربها ووسطها ولا تزال مشتعلة،صبر عليكم وضحي بتعليم ابناءه فى  مدارس وجامعات هى أقرب للكتاتيب،وتفخرون بما تسمونه ثورة للتعليم المفتري عليه ،حتى باتت دول الخليج لا تعترف بشهادات تصدرها جامعاتنا ،صبر شعبكم يا حكيم الإنقاذ أو هكذا كنا نحسبك وحزبك الذي فصل ثلث البلاد وأهدر ثلاثة أرباع ثروتها النفطية بجرة قلم منك فى نيفاشا وبعد كل ذلك لا سلاما جنينيا ولا أرضا أبقينا ولا نفطا سد جوعنا ومسغبتنا،بالله عليك هل فكرت يا شيخنا وأنت تضع رأسك على وسادة ناعمة عن حال إمرأة ترملت كيف لها أن توفر قيمة حلة ملاح لصغارها فى عد الفرسان ، كيف لمطلقة فى أمبده أن تتدبر مسألة تعليم أبنائها،لشيخ مسن كيف يتدبر توفير قيمة روشتة الدواء هذا عن استطاع أن يصل الى الطبيب ليكتبها له،هل فكرتم ,انتم تجلسون بعمائمكم البيضاء الناصعة وبدلاتكم وربطات الأعناق الأنيقة عن حال شعبكم الان وكيف سيكون بعد قراراتكم الكارثية هذه ،هل تريدون أن يقف ثلاثة أرباع شعبكم أمام مكاتب ديوان الزكاة فى العاصمة والولايات فى انتظار أن تتكرموا عليهم بما يجعلهم على قيد الحياة؟ الا تذكر يا شيخنا الجليل أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف ذات يوم فى صدر الإسلام الأول فى عهد الخلافة الراشدة يودع أحد نوابه على بعض الأقاليم، فقال له: ماذا تفعل إذا جاءك سارق؟ قال: أقطع يده. قال عمر: وإذن، فإن جاءني منهم جائع أو عاطل، فسوف يقطع عمر يدك.  تعلم سعادتك إن الله قد استخلفكم على عباده فى السودان لتسدوا  جوعتهم وتستروا  عورتهم وتوفروا  لهم حرفتهم، فإذا أعطيتموهم  هذه النعم تقاضيتم  شكرها. يا هذا إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإذا لم تجد في طاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، هل فكرتم يا سعادة النائب الأول فى عشرات الالاف من شبابكم العاطل كيف سيكون حالهم كيف سيتنقلون حتى ليصلوا الى حديقة (حبيبي مفلس)ليلاقوا فيها حبيباتهم ،يمنون أنفسهم أن دولتهم ربما تيسر لهم أمر بناء عشة زوجية هانئة ذات يوم قريب ،هل تريدون من هذا الشباب البائس أن يكون وقود إنتفاضة تقتلع نظامكم ولا يعطيكم حتى فرصة شريفة للتنحي،هل نسيتم مقولة الخليفة الراشد وخوفه من سؤال خالقه عن بقلة أو بقرة لو تعثرت فى العراق فكم من البقال والحمير والشر تعثرت وسوف تتعثر بسبب سياساتكم غير المدروسة هذه،لو قال لنا نظامكم القميئ ذو الوجه الكالح البائس هذا أن بلادنا حوصرت وتم التضييق عليها من أمريكا والغرب بسبب تحكيمها لشرع الله فى البلاد لعذرناكم لكن ان يكون وضع البلاد الإقتصادي بهذا السوء وأنتم أبعد ما يكون أقصد نظامكم عن قيم السماء فإن ذلك والله يدعو للسخرية ، كيف تريدوننا أن نصبر على اذاكم لنا سنين اخر؟
عرف الفقر بأنه: (عدم القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية). وهذه الخدمات هـي أساسية لأنها توفر الحد الأدنى اللازم (الكفاية) لكي يعيش الإنسان، خليفة الله في الأرض، عيشة كريمة تليق بمستوى التكريم الذي خصَّه الله به ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ (الإسراء:70) والخدمات الأساسية هـذه هـي حق من حقوق الإنسان في الإسلام.إن لم يستطع الحصول عليها بعمله وإنتاجه ومدخوله لأي سبب وجيه على الدولة القائمة أن توفرها له.وبدلا عن توفير احتياجاتنا تزيدون الطين بلة علينا بهذه القرارات الجائرة ،لقد دافعنا عنكم وعن نظامكم ردحا طويلا من الزمان ظنا منا أنكم سوف تتقون الله فى شعبكم وأمتكم ،وإذا بكم تقودونها من حرب الى أخري ومن أزمة الى أخري ومن كارثة الى أخري ،فمتي تعيدونا الى النقطة التى قلتم أنكم  أنقذتمونا فيها لنبدأ من جديد جولة أخري من الحياة ، أم أن شعبكم سوف يفني بأكمله فى ظل مشروعكم الحضاري ، والله معظم الشعب إن لم نقل كله يتمني اليوم الذي يتنحي فيه نظامكم عن الحكم وهو واقف ، وفى هذا خير لكم ولشعبكم هذا أفضل من أن يسقط نظامكم ونصف شعبكم الجائع تحت الثري نحن نعرف حساسيتكم المفرطة تجاه أن يخرج الشعب الى  الشارع  مناديا وهاتفا بسقوط نظامكم وليتك بحكمتك تقنع بقية أخوتك الكرام بضرورة التنحي اليوم قبل الغد حفظا للدماء أم تراك مراهنا  على إراقة كل الدماء ؟.
ويقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:لو كان الفقر رجلًا لقتلته،و الفقير في الإسلام هو من لا يملك قوت يوم وليلة لقوله (ص):من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار فقيل: وما حد الغنى يارسول الله ؟قال:شبع يوم وليلة.شعبك  يا شيخ علي اليوم نصفه جائع وفقير ومسكين ،تجوز عليه الصدقات والزكاة ان وجدت وغدا سيكون كله فقيرا معدما اللهم الا اخوتك ومن لف لفهم فاتقوا الله فينا ما استطعتم تؤجرون ولا تنسوا أبدا أن فى كل كبد رطبة أجر .
إن أسوأ شئ تفعله الحكومة لمعالجة التدهور الكبير فى واقعنا الإقتصادي السيئ هي هذه المسكنات لا علاج جذور المشكلة ،ولو أخذنا قطاع الزراعة الذي أهملته الحكومة ردحا طويلا من الزمن فقط ورأينا كيف تتخبط فى هذا القطاع لعلمنا أنه ليس لديها رؤية ولا تخطيط استراتيجي للنهوض بهذا القطاع الحيوي والهام ،وفى الوقت الذي تعتزم فيه الحكومة مثلا لكهربة بعض المشاريع الزراعية فى بعض الولايات الزراعية كالولاية الشمالية ونهر النيل والجزيرة والنيل الأبيض وغيرها من الولايات تقوم برفع الدعم عن المحروقات التى لا تكتمل ولا تنجح الا بها مواسمنا الزراعية خذ مثلا السماد حينما تحاول نقله من بورتسودان الى الخرطوم ثم الى الولاية الشمالية كم سيكلف الجوال الواحد لو رفعنا الدعم عن البنزين والجازولين وقس على ذلك دون ان ننسي بالطبع ان محطات الكهرباء اغلبها تعمل بالجازولين بمعني ان ما يولده سد مروي والروصيرص لا يكفي حاجة البلاد من الطاقة الكهربائية .نحن لا ننكر ابدا أن لكم بعض المحاسن لكن الكبائر التى أرتكبها نظامكم لا تغتفر ولا نتمني لكم ما حدث لبعض أخوانكم فى تونس واليمن وليبيا ومصرالقريبة ولا نتمني لبلادنا ما يحدث فى سوريا  من تقتييل وترويع للأبرياء.



Saleem Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////////