بقلم: سليم عثمان

كاتب وصحافي سوداني مقيم فى الدوحة

قال تعالي :(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ (155)وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157)[البقرة).
بكي المساء الوردي وأرتعشت كل النجوم عشية السبت،قبل منتصف تلك الليلة السوداءوليست الوردية  ليلة السبت 18/2/ 2012فاضت روح رجل عظيم  نبيل من أهل السودان ،الى بارئها ،فقد غيب الموت  المر الفاجع، الاستاذ  الفنان الموسقار محمد عثمان وردي ، رحل  عن دنيانا الفانية ،بعدما لونها بالفرح  الجميل النبيل ،لأكثر من نصف قرن من الزمان ، وهاهو برحيله المر يلونها أيضا بالحزن النبيل،مثلي مهما أوتي من بلاغة الكلم ، ورشاقة القلم لا يستطيع أنيعطي الرجل حقه ، فقد كان بحق هرما من اهراماتنا  السامقة ،بل كان فوق شموخ اهرامات البجراوية، كانت قمة القمم ونجم النجوم ،كان نخلة باسقة نمت فوق جداولنا ونيلنا،ورمت (بتمراتها) ويانع ثمرها  على الكل ،فأطعمت الجوعي بكل حلو الالحان والموسيقي العذبة الحنونة، التى تسربت فى  دماءنا،وردي إبن صواردة فى أقصي شمالنا الحبيب ،حمل الكثير من شمم تلك البيوت الطينية التى التى ولد فى أحداها والتى  ما عرفت الغدر ولا اليأس ولا التواري، فقد رأيت البيت الذي ولد فيه هذا العملاق فى برنامج توثيقي قدمته قناة النيل الأزرق، التى زارت المنطقة رفقة نجله الموسقار عبد الوهاب ،وكأنها كانت  بذلك التوثيق تودعه وذات القناة بثت خبر وفاته خلال برنامج (مافي مشكلة )حيث وضعت شريطا أكتسي بالسواد ،الذي تفلح به كل سوداني تلك الليلة.
الدكتور الفاضل الملك الطبيب  أختصاصي  الكلي الذي زرع له  كلية هنا فى مستشفي حمد بالدوحة، حينما زاره فى مشفاه الاخير ناشد محبيه بالدعاء بأن يعجل الله له الشفاء،إبنه عبد الوهاب هو الاخر حاول أن يطمئن محبيه، بأن والده  بخير وسيغادر غرفه العناية المكثفة عما قريب،ليقدم باقة جديدة من أغنياته، وما كان يعلم أحدا من الناس أن الموت ينسج خيوطه  بإحكام حول عنق هذا العبقري الجميل ، بعدما قدم لنا روائع خالدات ،تحكي عظمته وشموخه وكبرياءه ، كأسطورة لن تتكرر فى عالم الفن الغنائي الملتزم  فى السودان ،  الدكتور وردي أبن الشمال البار الذي منحه جامعة الخرطوم أعرق جامعاتنا شهادة الدكتوراة الفخرية عام 2005 نحس أن الجامعة رغم عراقته هى من تشرفت به لا هو ،وردي  أبن السودان كله حينما حطت أقدامه أرض الخرطوم لأول مرة عام 1953 حمل معه الكثير من وداعة أهل الشمال و الكثير من حنانهم ،ربما شيئا من الحانهم ، ومن ايقاعات المنطقة الممزوجة ، بالأماني العذاب ، وردي  أيها الأنسان النبيل كم يملأنا البكاء والنشيج ؟ حين يأتي صوتك صداحا رقيقا رخيما ، من تحت نخلة (قنديلة أو بركاوي )سامقة فوق جدول وخميلة أو على شاطئ نيلنا الهادر فى الشمال و الذي تمددت بكبريائك وشموخك  على طوله ، وحين ينضوعن النفس غطاءها،ويغور فى دهاليزها ،  هذا الحزن النبيل يفتح أبوابا ما كان لها أن تفتح ، يستثيرمردتها، يحفر أخاديدها ، فتجري فيها أنهار مالحة، كيف لا وطعم الموت فى حلوقنا ليس مالحا فحسب بل هو الحنظل بعينه ،تفزع فيها اطيار مكسورة الاجنحة ، ايها الطائر النورس الجميل ،كما هو حال كل محبيك ويلذ للطقس الان والناس يوارونك الثرى  أن يسقط مغشيا عليه.
ومن محاسن الصدف أن جثمانك  الطاهر يوارى الثري ومؤتمر التعليم بدأ اعماله فى نفس اليوم بالخرطوم ،وشخصك الراحل  قد زار الخرطوم مشاركا فى مؤتمر مماثل عقد فيها  عام 1953 أى قبل 59 عاما، ترى هل يفلح هذا المؤتمر فى اصلاح حال التعليم فى بلادنا؟
ما لأنفسنا تموج كبحر ضل طريقه فى غيابك؟ نحن ما أخترنا مساحات الحزن الرابضة تحت أعيننا،بل يد المنية من فعلت ذلك ، كنت أتابع حتى ساعات الصباح الأولي فى النيل الازرق  أناسا كثر يعزون أنفسهم فى رحيلك ،حيث غازل هذا المد الموجع احاسيسهم وأصابها فى مقتل،كيف لا ؟وأنت من جملت باغنياتك الدرر  الخالدات كل حياتهم ،وحقا أنت نسيج الفدا هندامك
كما تغنيت لمحجوب شريف
وانت نشيد الصبح كلامك.
وعطر أنفاسك.
وأنت يا من كنت تدي النخله طولها
والغابات طبولها
والايام فصولها والبذره الغمام
قدرك عالي قدرك ياسامي المقام
ياملهم رماحك سناهاالصدام
منك كل حته في الخاطر صبابه
جنبك نبته نبته نكبر نحن ياما
نسألك انت
وانت ورينا الاجابه
علمنا الرمايه
والحجا والقرايه
والمشي بي مهابه
في الضحي والظلام
وردي يا انت يا كل المدى  المنفلت اشجانا وحبا ،لقد اصطبغ مساء السبت فينا بالحزن ،لانك زرعت فينا المواويل الجميلة، والفرح المجنح ،من يغذي بعدك أيامنا ويرويها  ؟من يحلم باصطياد نجومه وأقماره ؟فقد كنت نجما فوق كل الثريات كنت كوكبا أضاء سماوات السودان ردحا طويلا من الزمان ، من أين لنا ببذور نزرعها فى أرضنا التى أصبحت بعد رحيلك يبابا يقبع فى دواخلنا ،ويمتد ليخنق فينا الامل بعد ان زرعتها قمحا ووعدا وتمنى ،كنت يا وردي نهر حليب ضرب أطنابه فى ضلوعنا فحركت فينا الفاظ من تغنيت بحروفهم مسحورة أنيقة عذبة ، الفاظا متفجرة ثورية تعانق أماسينا عنفوانا تارة ،ورقة وحلاوة فى معظم الاوقات ، لله درك أيها الرجل الهمام  الامة ، يا من كنت لنا نهرا دفع الى أرواحنا بالاف الصور الجميلة واللوحات الفرايحية، سافرت رياح الهبباى فى أرجائك عاقدة براسها لواء المحبة لابسة وهج نور عينيك اللتين إنطفئتا فى ليل حزين ، يا نور العين ،أصبح صبحناوقد سجننا فقدك فى الظلمة ،غادرت غيمتك الحنونة ديارنا ، يا عقيق الشفاه اللاهجة والاعين الدامعة، من غيرك يعطي لهذا الشعب معني  أن يعيش وينتصر ؟
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر؟
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسير؟
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ؟
جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ
المستميتِ على المبادئ مؤمنا(فقد كنت بحق مستميتا على مبادئك مؤمنا بوطنك)
المشرئب إلى السماء
لينتقي صدر السماءِ لشعبنا
من غيرك أعاد للجلابية والثوب والمركوب السوداني قيمتها؟
جيلي أنا نعم لقد كان جيلك أيها العملاق  الجميل جيلا أستثنائيا فى كل شئ ،لقد زاحمت الكبار وسبقتهم،أبو داوود وعثمان حسين وأبراهيم عوض وغيرهم من الرواد الاوائل ،فى مسيرة الغناء السوداني،كم الشباب حاول تقليدك ففشل ؟ كم من الموسيقين فكر فى مجاراتك فتوقف احتراما واجلالا لك؟ وفى حضرة جلالك يطيب الجلوس ،(كنت نسيج وحدك هرما شامخا قمة جبلا أشما،عبقريا ساحرا،وكانت الحانك تشبهك فى بهائها والحروف التى طالما تغنيت بها  مجنحة وأنيقة ، كنت مدرسة بل جامعة فى الألحان ، كنت أنت الوطن والسماء التى بدت لنا،والان تستعصم بالبعد عنا يا اعز الناس ،هاأنت تسلم روحك الطيبة لمن حباك بهذه الموهبة الاستثنائية،وهذا الصوت الملائكي المدهش،بعدما واصلت الليل بالصباح ، تعطر أوقاتنا كلها،تحت المطر ,سط الرياح،وحينما تعب منك جناج ، وأصبحت تعيش (بكلية واحدة)لم تقعد بل زدت فى سرعتك ،حتى لا يفتقدك محبوك،وعشاق فنك الأصيل،وهاأنت ترتاح فى ضل الدليب ، بل فى ظلال جنة الفردوس ،إن شاء الله مع (النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين وحسنأولئك رفيقا) وبعد أن وارى خلق كثير من الناس جثمانك الطاهر بالأمس فى الخرطوم  لن تفوت بلاد طالما أحببتهالكنك حتما ستلقى فيها النيل كعهده دوما بك يلمع فى الظلام، زي سيف مجوهر بالنجوم من غير نظام،وستنتظرك هناك على ضفة النيل ألف حبيبة وحبيبة، ومعهن كل حوريات السودان،لتحيهن وتقول لهن للمرة الأخيرة ربما  سلام،وتعيد سلام ،على نيل بلادنا، وشباب بلادنا ، ونخيل بلادنا سلام، وليوشحنك بمناديل حرير، ويتوشحن بالسواد،وفاء وحبا لك.
لن نقول كما أعتاد الناس أن يقولوا دائما حين يفقدون عزيزا اللهم أغفر له بقدر ما قدم، بل نطلب لك رحمة واسعة لا تحدها حدود، فأنت مهما قدمت فإن الذي قدمته  يظل معدودا ومحدودا (300 عمل غنائي،88 عمل وطني الخ)نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته ،ويغفر لك ما قدمت وما أخرت ،وما اسررت وما أعلنت وما ربك أعلم به منا، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة ،وينقيك من ذنوبك، كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، وأن يباعد بينك والنار كما باعد بين المغرب والمشرق وأن يطرح البركة فى  ابناءك وأسرتك الصغيرة وكل اسرتك الكبيرة(أهل السودان )وأن يجمعنا بك وكل المسلمين فى مستقر رحمته وفى الفردوس الأعلي وليس ذلك على الله ببعيد أو مستحيل.