بقلم: سليم عثمان
كاتب وصحافي سوداني مقيم فى قطر
زرت السودان برفقة أسرتي ، بعد غياب قسري دام عامين كاملين،ولم أغادره شتاء عام  1999 الا مجبرا لأرافق زوجتي التى تم اختيارها حينذاك من قبل وزارة التربية والتعليم القطرية معلمة لمادة الرياضيات فى مدارسها،وحتى ذلك الوقت ما كان يخطر ببالي أنني سأبارح السودان شبرا واحدا لكن قدر الله وما شاء فعل ،كان وضعي فى مهنة البحث عن المتاعب ميسورا والحال مستورا ولله الحمد والمنة،المهم حزمت حقائبي ولحقت بحرمي المصون، رغم أني لست عضوا فى الجمعية التى أنشأها ،صديقنا العزيز الدكتور ،عبد الرحمن محمد على المحامي ،وأسماها جمعية (الرجال البخافو من نساوينهم) وكنت أتصور أنني لن أمكث هناك سوى بضعة أعوام نجمع شيئا مما أفاء الله علينا من رزق طيب ،وكل عام نقول سوف نعود العام القادم وهكذا بقينا فى دوحة الخير حتى يومنا هذا،ولعلنا نبقي مرغمين فيها لسنوات  بعدد أصابع اليد الواحدة إن قدر لنا الله ذلك بحكم أن أبنتنا الكبري التحقت بالجامعة هنا ولا سبيل لتركها والعودة،والخوف فى أن يلحق بها بقية أخوتها فنمكث أعواما مديدة، فالغربة وإن أعطتك مالا ونعمة فهي تأخذ منك نضارة الشباب وتوق النفس وحنينها الى مسقط راسك والوطن الذى تربيت فوق ترابه واستنشقت عبيره وغباره ،تحرمك من كثير من الطقوس التى كنت تمارسها مع الأصحاب والأهل ،تحرمك من دفء العشيرة والأسرة الكبيرة ،تبعدك عن أماكن الفتها والفتك ،ولاتجعلك قادرا على اطلاق رايات محبتك وحنينك لبلدك فى سماوات ايامك التى تمضي سراعا حتى تقف امام المراة وقد كسى الشيب رأسك كله ولمثلي واصل الصلع زحفه حتى لتكاد الرأس تصبح جرداء قاحلة، بأختصار لا يعرف مرارة الغربة والامها الا من كابدها ولو عرف شبابنا معاناة المغتربين خاصة فى أيامنا هذه ربما لم يتمنوا الاغتراب يوما
المهم عدت الى السودان وكلي شوق الى الأهل والأصحاب ولم أمض فى الخرطوم سوى يومين فقط حيث كان لزاما علي أن أسافر الى مسقط رأسيفى قرية الزورات شمال دنقلا بالضفة الغربية،لتقديم العزاءفى أخي الأكبر عبد الله الذى انتقل الى جوار ربه قبل مغادرتي الدوحة بأيام قلائل ،أتصلت بالأخ الفاضل محمد عبد الحميد (قيله) لحجز تذكرتين لي ولزوجي،ففعل مشكورا وركبنا البص متوجهين الى دنقلا،وخلال الرحلة الى امتدت لساعات قلائل، أخذت أقارن بين سفر اليوم والأمس القريب فوجدت أن طريق امدرمان دنقلا أختصر كثيرا المسافة والزمن حيث كان الوصول الى دنقلا عبر البصات النيسان بصات عمر عبد السلام الشهيرة وغيرها يستغرق يومين كاملين عبر طريق وعرة وتلال ورمال وتربة متحركة، خاصة فى قوز ابوضلوع، والباجة والتمتام وغيرها من الأماكن التى كانت تجبر سائقي البصات للتوقف فيها بشكل اجباري لساعات ريثما تفلح جهود المساعدين بقذف الصاجات (قطع معدنية من الحديد مستطيلة حوالثلاثة امتارترمي تحت اطارات البصات حتى تتجاوز المناطق الرخوة)كان الناس حينها يحملون معهم فى كراتين ما كان يعرف بالزوادة ، شئ من اللحم والبلح والطعمية(الفلافل)وبعضهم كان يحمل طحنية ومربي وقراصة بلح،وبيض الخ كل حسب استطاعته، أما اليوم فإن الخدمة فى البصات خمس نجوم تقدم اليك وأنت جالس فى كرسيك فى البص وجبة مغلفة (كوكتيل يشبه ما يقدم فى الأعراس، وتشاهد افلام عربية وأجنبية وتستمتع الى الغناء السوداني والعربي،حتى أننى شاهدت عدة جولات من المصارعة العالمية الحرة فى البص الذى سافرنا فيه الى دنقلا وهى من الرياضات المحببة الي رغم ما فيها من عنف وقسوة ودماء،ولأن وقت سفرنا كان فى رمضان فقد راعي السائق مشاعرنا وقدم لنا محاضرات قيمة لشيوخ أفاضل كان من بينهم الشيخ الرحل محمد سيد أحمد رحمه الله وهذه ثقافة جيدة ومطلوبة،السفر اليوم الى الشمالية أصبح سهلا فبوسع المرء أن يسافر بسيارته الخاصة ويصل فى زمن قياسي،لكن الملاحظة الأولي حول الطريق تتمثل فى ضيقه فبالكاد تمر فيه سيارتين كل فى اتجاه ومستقبلا سوف يتسبب التجاوز الخاطئ وغير المحسوب فى كوارث مميتة مما يستدعي توسعته قليلا ،الملاحظة الثانية أن قهوة أم الحسن الشهيرة التى سميت بأسم سيدة مسنةلم يعد لها أثر ولا تقف البصات فى المحطات القليلة المنثورة على الطريق الا نادرا بل لا يحتاج الناس الى التوقف أصلا لقصر المسافة وأختصار الزمن،لكن على حكومتي الشمالية والخرطوم الاهتمام بالشارع من حيث بناء محطات وقود واستراحات على الطريق،وعلى شركات الإتصالات تقوية الارسال التلفوني،حيث لاحظت ضعفا وانقطاعا كاملا فى بعض اجزاء الطريق ، ومن الملاحظات السارة وجود  اكثر من سارة اسعاف على الطريق تتبع عائلة النفيدي جزاهم الله خيرا فوجود الاسعاف ضروري فى طريق طويل كهذا.وشخصيا لم استمتع بالرحلة وتاقت نفسي الى ذكريات طريق وسفر الأمس لا أدري لماذأ
غلاء المعيشة:
من الأشياء التى لمستها ولاحظتها بنفسي أن غول الأسعار أفترس الأسواق وجعل جيوب الناس خاوية على خيوطها،وفى الولاية الشمالية التى أحياها الطريق قليلا وأنار قراها كهرباء السد تقع مدن وقري الولاية فريسة لغول الاسعار،فالولاية التى يفترض انها ولاية زراعية تبدو جرداء قاحلة فكأنما الناس هجروا مزارعهم ،بعد أن أعيتهم طرق الزراعة التقليدية وحتى المشاريع الكبيرة التى كان من المفترض ان تستفيد من الكهرباء وتزرع بها مساحات واسعة لا تزال تبحث عن الجازولين الذى اصبحت اسعاره فى غير متناول ايدي اصحاب هذه المشاريع مما يتطلب من والي الشمالية السيد فتحي خليل لمضاعفة جهوده والتحرك مع الجهات المختصة بالكهرباء فى الولاية لسرعة ادخال تلك المشاريع ضمن خطة كهربة المشاريع،اما الحديث عن ارتفاع اسعار السلع الغذائية جميعها فهو حديث يوجع القلب وأخشي إن استمر الحال أن لاتستطيع السواد الأعظم من الأسر السودانية الحصول على متطلبات وجبة واحدة فى اليوم ،ورغم أن أوجاع السودان أكثر من أن تحصي بعد انفصال الجنوب، حيث نزر الحربفى جنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق ،وحيث تناقص الموارد الإقتصادية الا ان توفير لقمة العيش الكريم للمواطن البسيط ينبغي ان تكون أولوية قصوي للحكومة المركزية وحكومات الولايات،ولعله من المناسب أن نذكر رئيسنا سعادة المشير عمر حسن أحمد البشير بمقولة حكيمة قالها الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز(أنثروا القمح على رؤوس الجبال لكي لا يقال جاع طير فى بلاد المسلمين ) فكيف يكون حالنا وحكومتنا الإتحادية وحكومة الولاية الشمالية تركت شعار توطين القمح فى الشمالية الامر الذى يجعلنا نتساءل هل بامكان حكومة هذا حالها أن تنثر القمح على رؤوس الجبال للطير حتى لا يجوع وهى ليست قادرة على توفير القمح ولا الذرة لمواطنيها،إن البشر فى السودان سوف يشكون الرئيس واعوانه عند الله إن جاعوا وأحسب أن كثيرين منهم قد جاعوا أو فى طريقهم الى مصيدة الجوع الذى لن يرحمهم ،الأسواق فى السودان ليس لها ضابط ولا رقيب الكل لديه تسعيرته الخاصة والكل يتحدث عن ارتفاع سعر الدولار ويربطه بذياده سعر بضاعته ولو كان بصلا،والكل يحدثك عن تحرير الأسعار والمواطن المسكين ينظر الى السلع فى الأسواق وفى البقالات والدكاكين وعيونه دامعة وقد يأتي يوم لن يكون بإمكان المواطنين الا التقاط صور تذكارية بجانب السلع الاساسية والضرورية ناهيك عن سلع الكماليات، نعم كل شئ متوفر فى الأسواق المحلية لكن القدرة الشرائية قلت بصورة كبيرة لدي المواطنين،ولا شك أن مرد ذلك السياسات الاقتصادية غير الحكيمة للحكومة وما لم تنتبه الحكومة الى بطون مواطنيها التى أصبحت خاوية كخزينتها بعد انفصال الجنوب فلتنتظر ثورة عارمة تجتثها من جذورها .
لك الله يا وطني فحينما تتباعد المسافات بيننا وبينك تنبعث من ارواحنا المعذبة أشواق كثيرة، لها رائحة أعواد الصندل حين احتراقها ،عشت اياما جميلة فى مناسبة عائلية أنستني بعض الشئ اوجاع الغلابي والفقراء والمساكين فى السودان المناسبة كانت زواج شقيق المدام الباشمهندس صابر ميرغني على كريمة البروفسير ساتي التجاني الاستاذه (ساره)حيث رسمها صابرعينا مفتوحة على المدىسفرا منسوجا من حكايا المتعبين من اهل السودان تحدث اشباح الضياء فى ذلك العرس صاهرت أمبده الرياض، والطائف، فكان الفرح المرتجى الذى انتظرته الحاجة ست النساء ابراهيم لاخر عنقودها،كان عرسا بسيطا فى طقوسه،ولكنني من خلاله وبعين الناقد رصدت جملة ملاحظات،الخصها فى أن الزواج اليوم فى السودان فوق طاقة معظم الشباب العاديين،حيث أن أجرة صالة عادية وأنيقة يتطلب منك ما بين 5الى 10ملايين جنيه بالقديم،اما العشاء فهو الاخر يكلف مبلغا يقارب ذلك الرقم ثم الفنان الذى لا بد أن يصدح بصوته فى ليلة الحناء وفى ليلة الزفاف ،وبعضهم يسلي الناس بفرقة الكيتةالتى لا يتجاوز افرادهاثلاثة أشخاص ولا أدري كم دفع منذر إبن أخت العروس فى بضع ساعات أمضوها بين ظهرانينا يقدمون مقطوعات موسيقية رائعة لا تقل عن تلك التى يقدمها الموسقار حافظ عبد الرحمن بفلوته وفرقته فى صالات راقية،ما يقدمه العروس من ملابس وعطوروحاجيات مختلفة منها الذهب، الذى غلا ثمنه هذه الأيام عالميا أمر ليس فى مقدور السواد الأعظم من شباب السودان،فعريسنا الباشمهندس صابر شاب مثابر ولم يتزوج الا بعد أن غزت رأسهشعيرات بيضاء زادته وقارا على وقار وصبرا على صبر،فهو مثال للشباب المجد المثابرتخرج مهندسا زراعيا فى جامعة الجزيرة بمرتبة الشرف الأولي وحصل على ماجستيرفى الزراعة من جامعة الخرطوم واخر من ذات الجامعة فى الادارة لكن رغم ذلك كله لم تستوعبه كليات الزراعة ولا وزارات وأدارات وأقسام الزراعة المختلفة فى بلد يفترض أنه زراعي ويحتفي بالزراعيين، فاذا تمكن الباشمهندس صابر بقدراته ومؤهلاته وجهوده من الالتحاق بإحدي المنظمات الغربية العاملة فى السودان فإن كثيرين من رصفاءه مايزالون يبحثون عن وظائف فى القطاعين العام والخاص، فلا يحالفهم الحظ ،ويستغرب المرء كيف لا تكون للحكومة الاتحادية وحكومات الولايات خاصة وزارات الزراعة استراتيجيات وخطط لاستيعاب الخريجيين من  كليات الزراعة ؟الا يعني ذلك ان الحكومة لا تعير الزراعة أدني اهتمام حتى بعد ذهاب 80% من بترول السودان لأخواننا فى دولة جنوب السودان؟فحكومات لا تهتم بالزراعة والمختصين بها لا ينبغي أن ننتظر منها أن تيسر أمر الزواج لهم،ويشفق المرء على شباب السودان كثيرا كونهم يعجزون عن الزواج لارتفاع تكاليفه ، من أين لهم الحصول على قطع الأرض لبناء عش الزوجية وإن منحتهم الحكومة ضمن خطط الأسكان فمن أين لهم المال لتشييدها؟بل من أين لهم بدفع المهر وتأجير صالة العرس والعشاء حتى لو اقاموا العرس فى أرض فضاء،وقد ذهبت بنفسي الى  السوق الشعبي فى امدرمان لشراء بعض مستلزمات حفل اقامته والدة العريس فى بيتها فرأيت العجب العجاب ،نظرنا الى حبيبات الطماطم المغسولة بالماء فمضينا وقفنا عند البطاطس فأشترينا جوالا مرغمين ثم أشترينا بضعة صفائح من الفلفل والخيار والجزروالاسود وغيرها من مستلزمات الوجبة الضرورية مثل البهارات وغيرها فكان ما دفعناه فلكيا بكل المقاييس اما الدجاج فبلغ الكيلو الواحد منه 22 جنيها فقط ولم نشتر سوى بضعا وستون حبة زنة كيلو نصف فلكم ان تتخيلوا هل بامكان كل احد من شبابنا ان يتزوج ،هل يتبقي شئ من المال فى جيب العريس ليقضي شهر عسل من بضعة أيام فى فندق متواضع فى اطراف الخرطوم؟ربما يقول البعض ويردد ما قاله رسولنا الكريم(أكثرهن بركة أقلهن مؤونة)لكن كم من الامهات فى السودان ترضي بأن يتزوج أحد الشباب بنتها بخاتم من فضة أو اية من القران كما فعل بعض الصحابة؟ بل كم منهن تقبل عرسا لا يقام فى صالة ولا يجلب له فنان وذهب وعشاء او غداء؟بل كم منهن لا تشترط شقة او بيتاأو نصف دستة من الثياب والملابس وكما من العطورات الغالية؟وحتى لو فعلن فإن الشباب لن يقبل فى السودان الا أن يقلد طقوس الزواج الباذخة والمكلفة والنتيجة كم مهول من العانسين والعانسات وحينها ليس علينا سوى انتظار مزيد من تهتك النسيج الاجتماعي لمجتمعنا،حيث تكثر الاخدان شباب يصاحب شابات دون رباط شرعي ويكثر الزنا والخنا والخنوع،مسئوليات الدولة فى حل مشكلات الزواج وتيسيره للشباب من الجنسين كبيرةومسئوليات اولياء الأمور فى محاربة الترف والبذخ فى الاعراس أكبر.
الى والي الخرطوم مع أطيب التحايا
الى والى الخرطوم  السيد عبد الرحمن الخضر،شكرا لكم ولسلفكم على شق وبناء جسور عديدة فى العاصمة اراحت الناس كثيرا، ليتك تجد حلا ناجعا للزحمة المرورية الخانقة قرب داخليات الطب وموقف المواصلات الحالي وليتك تهتم بأمر النظافة فخلال شهر كامل لم أر فى الحارة 13 أمبده حيث أسكن سيارة النظافة سوى مرة واحدة ،ليتك تلغي الأسواق الشعبية أو تنظمها، فالأوساخ والقاذورات هى عنوانها، ليتك تستفيد من الشباب والطلاب فى تشجير مناطق العاصمة ،اذا لا يعقل أن تحاصرنا مياه الانهار وفرعي النيل فنجد مناطق جرداء ولا أدري لم أصبحت بعض الحدائق كحدائق رجب ابريل والهلتون وحتى المسكينة حديقة حبيبي مفلس أرضا بورا بلقعا،ليتك تقل ايدي جباة المحليات ، ليتك تخفف عن أولياء التلاميذ والطلاب بعض رهقهم مع رسوم المدارس،ليت سلطان الولاية تقوم بحملات من أجل تنظيم الأسواق وضبط الأسعار فيها ،حيث يفهم البعض سياسة التحرير بأنه تعني ذبح المواطن من الوريد الى الوريد،ليتك تكون المدافع الأول عن حلمنا فى رؤية ما يسمي بالمدينة الرياضية، ليتك تقوم بجولات سرية ليلية لتفقد بعض الاسر المتعففة والمسكينة والفقيرة فى أطراف عاصمتنا ، اعلم أنك لاتقصر لكن عليك المزيد من الجهد، سيما وانني سمعت ان البعض يرشحونك لخلافة رئيسنا فقدم بين يدي هذا الترشيح ما يجعل السن الفقراء والمساكين يلهج بالثناء والشكر لك،ولا تنسي  فئة المشردين الذين يملأون شوارع الخرطوم ،  ودور فاقدي السند ،بسن المزيد  من السياسات والبرامج ما يقلل عددهم وعدد  الشحاذين،من الأطفال والنساء وكبار السن ، أوقف المحسوبية فى التوظيف، حرك عجلة الأنتاج فى الولاية بما يضمن حياة طيبة لمواطنيك، متعك الله بالعافية سعادة الأخ الوالي ، هذا بعض من مطالبنا وليس كلها ،وكلي ثقة فى أنكم تعلمونها وتعملون فيها وكل عام وأنتم بخير.


Saleem Osman <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>