بقلم: سليم عثمان
كاتب وصحافي سوداني مقيم فى قطر
حتى لاننسى، مات قرابة مائة  صبي وطفل مشرد ،قضاء وقدرا، فى الخرطوم ، إثر تناولهم لمواد سامة، هكذا برأت شرطتنا ساحتها من مصيبة موتهم و، وبالتالي ليس هناك  متهم تسجل الكارثة فى مواجهته ، و ما علينا الإ أن نترحم عليهم سائلين المولي أن يتغمدهم براسع رحمته ،وأن يبدلهم دارا خيرا من تلك ،التى كانوا غرباء فيها ، يأكلون من فضلات بقايا الناس فى القمامة، نعم قضية موت هذا العدد المهول من الأنفس السودانية البريئة ينبغي أن لا يغلق  أبدا ،وينبغي أن نسلط الضوء عليها وعلى غيرها من الأمور، التى تتسبب فى موت الناس، بطرق تراجيدية ولذلك نكتب مرة أخرى حول قضية التشرد، علنا نساهم مع الاخرين فى إيجاد حلول لها .
التشرد  هذه الظاهرة الحديثة التى  أفرزها التقدم الصناعي ،و ما رافقه من تحولات إجتماعية، وتمركز الناس  في المدن الكبرى ونشوء أحياء عشوائية وبيئات غير سليمة، نتيجة  حروب ونزوح و أزمات اقتصادية، كالبطالة وانخفاض الدخل مما جعل الدول المتقدمة تستيقظ  مبكرا على ظاهرة التشرد وتعمل على  معالجتها بكافة الوسائل، فمشكلة المجتمعات الإسلامية ومنها مجتمعنا السوداني  تبدو أكثر خطورة، لكونها ما زالت تنظر للمشرَّد بلامسؤولية، ولا وعي أو إدراك لخطورته ،على نفسه وعلى المجتمع، وبدون تفهم لأوضاعه.وخير مثال على عدم تفهمهنا لابعاد هذه الظاهرة ما حاق بهذا العدد الكبير من الانفس السودانية البريئة أزهقت أرواحها.
والطفل المشرد لا تكفي في حقه عبارات ، مهمل أو مهمش أو غير سوي أو غير متكيف، لأن وضعه في الواقع أخطر من ذلك بكثير. فهو يشكل في البداية خطرا على نفسه ومستقبله، وعندما يزداد إتقانه للجنوح والإجرام، يتحول إلى خطر على المجتمع ككل. ومعلوم أن التشرد يرافقه عادة التمرد على الضوابط الاجتماعية والقانونية. وهو يقترن في الأذهان بالتسول وتعاطي المخدرات ،والانحراف وتعلُّم وسائل الإجرام المحترَف.
وفى دراسة أعدها د/ رجاء ناجي بعنوان(الأطفال المهمشون) نشرتها الأيسيسكو أوضح الباحث : إن التشرد قد يكون من نتائج النزوح أيضا،  وقال : إن النزوح أو الهجرة قد يكون داخليا، إنطلاقا من نقطة معينة، في إتجاه نقطة أخرى بحثا عن الاستقرار و الطمأنينة ،و مصدر الرزق، وقد يكون من دولة لأخرى. وأسبابه مختلفة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية( وفى السودان نجد مئات الالاف قد نزحو من المناطق الملتهبة، الى المدن خاصة العاصمة الخرطوموكثيرون منهم دخلوا ميدان التشرد بعد أن انفصلوا تماما عن أسرهم).
واضاف د/ رجاء فى دراسته بأن المثال التقليدي للأسباب الاقتصادية ـ الاجتماعية، الهجرة من القرى في اتجاه المدن، وهي الظاهرة التي لا تسلم منها نقطة في العالم، إنما خطرها يزداد حدة في الدول النامية، عنه في الدول المتقدمة. ومن المعلوم أن الطفل يعاني أكثر من غيره،عند تغيير محيطه الاجتماعي،ثم يتحدث عن العامل السياسي فى الموضوع بقوله: إن  العوامل السياسية تتلخص عادة في الحروب و التطاحنات الداخلية، أو المتعددة الأطراف، ولن نحتاج لتمحيص كبير كي نستخلص أن الحروب والنعرات العرقية، التي عرفها العالم في السنوات الأخيرة كان معظمها بالجنوب، وجزء كبير منها بالدول الإسلامية أو بها أطراف مسلمة. ويكفي التمثيل بقضية فلسطين، جنوب لبنان، أزمة الجزائر، الصومال، أفغانستان، البوسنة والهرسك، أزمة ألبانيا، أزمة إقليم كشمير الهندي، إقليم كاراباخ... إلى جانب حرب الخليج التي ما زالت آثارها باديةً للعيان(وفى السودان شهدت اجزاء عديدة منه حروبا ،كما فى مناطق الجنوب ودارفور والشرق مما القى بظلال سالبة على حياة المواطنين فى تلك المناطق جعلتهم يفرون لمناطق أكثر امنا خاصة العاصمة القومية) وقد نقلت لنا وسائل الإعلام صورا مفجعة عن نزوح ملايين الأبرياء من الأطفال والعاجزين، بحثا عن الأمن أو وسيلة للعيش. ناهيك عما خلفته وتخلفه من الأيتام والمشردين والمعاقين... .
وفي جميع الحالات وأيا كان سبب الهجرة، أو النزوح الجماعي، فالذي يدفع  أكبر الثمن هو الطفل، يدفعه على شكل اقتلاع له من وسطه المألوف، وحرمان من الاستقرار ، وحَمْله نحو اللا تكيف مع الثقافة الجديدة، ويؤديه أيضا في صورة حرمان ،من القوت والاستقرار، ومن الدراسة،ثم يتحدث الباحث  عن الأطفال الممزقون عائليا بقوله: إن  تمزق العلاقات الأسرية، قد يكون نتيجة وفاة أحد الأبوين، أو كليهما، أو نتيجة انفصام الزوجية بسبب طلاق، أو بسبب الهجر والإيلاء، أو استحكام الخلاف بين الزوجين، وفي جميع الحالات فالظروف المعيشية تتحول غالبا إلى جحيم، تذوب فيه علاقات المودة، والتعاطف والتكامل والاستقرار، التي من أجلها شُرِّع الزواج، وبالتالي فحياة الطفل التي ميزتها الطبيعية بالبراءة والصفاء، تتحول إلى عذاب، إلى حرمان من أبسط الحقوق، لتنتهي رحلة العذاب هذه عادة إلى أزمات نفسية واجتماعية، ومعلوم أن نسب الطلاق والانفصال والخلافات آخذة في التفاقم ،في المجتمعات الإسلامية، نظرا للتحولات الاجتماعية ـ الاقتصادية، وما يرافقها من صراع بين الثقافات، صراع يزداد حدة في الزيجات المختلطة، والطفل في الماضي كان يجد السند والدعم لدى أفراد أسرته ولدى المحسنين، في المجتمع، أما مع تعقد الحياة الاجتماعية ،وضَنك العيش، وتغلب الحياة المادية ،على الحياة الروحية، فأضحى الطفل الممزق عائليا، لا يجد له من ملاذ ،سوى الشارع، يحتضنه، يتكفل به ليتعلم في ثناياه كل السلوكات الخطيرة،والمهدِّدة لطفولته البريئة ، ولمستقبله، والمهدِّدة للمجتمع، عندما ينتقل الطفل من براءة الطفولة ،إلى الجنوح والتشرد، ثم يتحدث معد الدراسة عن الاطفال فاقدي السند أو الوالديه بقوله: هذه الظاهرة ليست جديدة، إنما الجديد فيها تفاحشها المهول ببعض المجتمعات الإسلامية. فأسبابها التقليدية ما زالت قائمة، وإنضافت لها أسباب أخرى حديثة، مردُّها الانفتـاح اللامحدود الذي يصل أحيانا حد الانحلال، وتزايد جرائم العرض والاغتصاب... وزاد الأمر حدة مع الأزمات الاقتصادية وتفاحش المادية، عندما اضطرت عديد من الفتيات لبيع أعراضهن إما لكسب لقمة العيش أو للبحث عن الثراء والرفاهية( وظاهرة الأطفال فاقدي السند فى السودان مستفحلة، وتستقبل دور الرعاية كالمايقوما وغيرها العشرات كل شهر مما يؤكد تفاقم الظاهرةبشكل يدعو ليس للقلق فحسب بل الخوف أيضا، وقد كتبنا عنها من قبل فى هذه الصحيفة ودعونا لأن تعمل الحكومة والمجتمع لعلاجها جذريا بمعالجة مسبباتها المتمثلة بالدرجة الأولي فى الفقر، وابتعاد الناس عن الدين وقيمه)
وبديهي أن الإسلام يعتبر الزواج، المجال الشرعي للتناسل. ويلحق بالزواج الإقرار بالبنوة، كوسيلة لإلحاق النسب، إذا توفرت شروطه، و لم يكذِّبه عقلٌ أو عادة، سنبين لذلك فكل طفل وُلد خارج هذا الإطار، يُعدُّ غير شرعي. وإذا كان أول حق للطفل هو الحق في الانتساب لأسرة، فالطفل غير الشرعي، يأتي للدنيا محروما حتى من هذا الحق، محروما من أبٍ شرعي ،يمنحه نسبه، ومن العائل، وربما أيضا من الحاضن، فعادة ترك هؤلاء الأطفال بالأماكن العامة، أو المستشفيات معروف لدى الجميع بما يغنينا عن الإثبات.
إنما النتيجة الحتمية، مهما أختلفت الظروف، أن الطفل غير الشرعي ينمو عادة عاجزا عن التكيف مع المجتمع، بسبب ما يعانيه من أزمات نفسية ،اجتماعية ،ومادية، وأزمات تنعكس على حقه في التعليم والاستقرار، وفي النهاية قد لا يجد له من مأوى، سوى الشارع، يتعلم فيه كيف يتمرد على المجتمع، فيترجَم كل ذلك إلى سلوك منافٍ ،للقيم المتعارَف عليها، ويلتحق بآلاف الأطفال، الذين تجمعهم ظروف واحدة، هي الإهمال، من طرف مجتمعه
إن التهميش والتشرد تزيد وتيرتهما في ظروف الحرب بسبب تعطل الدراسة،  وتعطل المؤسسات الاجتماعية التي تحتضن عادة الأطفال، ( ما أكثر حروبنا فى السودان)وبسبب افتراق الأطفال عن أوليائهم، هكذا وفجأة يجد الآلاف منهم، بما فيهم المتمدرسون، أنفسهم في الشوارع يواجهون فيها بمفردهم كل أصناف مخاطر التهميش والانحراف والتمرد.
وقد أثبتت الأبحاث، أن شبكات عديدة ومختلفة الأهداف، تنشط إبان الحروب، فتستغل الأطفال بوحشية في مجالات كثيرة، جلها مشين وغير أخلاقي. وهذه الشبكات  تنتقي عينات الأطفال من بين المهمشين الذين يقضون معظم أوقاتهم بالشوارع بسبب الابتعاد عن أسرهم... أو وجودهم في الملاجئ، فتختطفهم ،وترغمهم على الالتحاق بالمعسكرات. كما يتعرضون لكل أنواع الاستغلال، ويجبرون على القيام بالأعمال الشاقة والخضوع للممارسات غير الأخلاقية الشائنة الشاذة، وفى السودان تسبب الحروب الكثيرة والفقر فى تهتك نسيج المجتمع السوداني كثيرا ومن المؤسف أنه في ظل شريعة رحيمة بالصغار، يُحرَم أطفال الطلاق من أبسط حقوقهم. فيُبطَل بذلك، ليس مفعول القوانين فحسب وإنما أيضا، أحكام شرعية تدعو بإلحاح للالتزام بالنفقة وتنهى عن حرمان من تحت الكفالة من القوت حتى اعتُبِر الحرمان من النفقة من أكثر الآثام( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول) وأحكام أخرى تجعل من الحضانة والرعاية ،وحسن التربية والتعليم ،واجبات لا يتخلص منها المرء إلا إذا قام بها على أحسن وجه  ويضيف معد دراسة الأطفال المهمشين بأن أكثر الجرائم المقترفة من طرف الأطفال تكون الغاية منها سدُّ الرمق. وإن الزجَّ بهم في السجن مع الكبار لا يفعل أكثر من تسهيل تعلُّمهم الجريمة وتقنياتها، واحترافها. لذلك يبدو جد مستعجل إعادةُ النظر في التدابير الزجريه والوقائية. وغير خاف أن مؤسسات إعادة التأهيل تعاني من عراقيل كثيرة، الشيء الذي يمنعها من القيام بالدور المنتظر منها. وهنا أيضا لا ضير من طلب مساعدة القطاع غير الحكومي للنهوض بها.
بل حتى لو قامت مراكز إعادة التربية والتأهيل بواجباتها على أحسن وجه، فلا يمكن إدماج الحدث، إذا لم توفر له وسائل للعيش تغنيه عن الارتزاق من الجريمة. لذلك يلزم توفير مناصب الشغل للأحداث ذوي الأسبقية، بعد مغادرتهم مؤسسات إعادة التربية والتأهيل، وتتبع حالاتهم والأخذ بيدهم إلى أن يجتازوا مرحلة الخطر، ومساعدتهم على العثور على الشغل. فقد ثبت بالدليل أنه إذا انحرف الحدث وأودع السجن أو الإصلاحية، ثم أعيد لنفس وسطه، دون أن يدمج فيه، فإنه لا يلبث أن يتمرد على المجتمع الذي رفضه وظلمه. فيتعذر عليه التكيف مع نواميسه، ثم يتحول إلى محترف للجريمة لا ينفع معه علاج. ويخلص الباحث الى جملة من التوصيات نلخصها فى التالي:
أولا: تشجيع البحث في ميدان الطفولة: وذلك بهدف استجلاء مشاكلها وإحصاء عينات الأطفال المحرومين، والمهمشين والمنحرفين وعدد المنتسبين لكل فئة، حسب عوامل التهميش، من أجل إيجاد الحلول المناسبة المجدية لكل عينة... فبدون أرقام دقيقة و إحصاءات حقيقية تضمحل كل الجهود و يصعب التنسيق بين مختلف الميادين. ونوجه الدعوة إلى مراكز البحث العلمي، لأن تتعامل مع الإحصاءات والدقة في صياغتها، حتى لا يظل البحث، نظريا وخياليا بعيداً عن الواقع والحقيقة.
ثانيا: اتقاء الانحراف: هنالك وسائل وقائية كثيرة تنفع في تجنيب الشباب الانجذاب نحو الجنوح. منها دعم برامج التربية والتعليم بمواضيع تـثني عن الانحراف وتبين عواقبه، لكن بأسلوب علمي محبَّب؛ ومنها إقامة دُور للشباب والرياضة وتوسيع الموجود منها، ونشرها في الأحياء التي يتعرض أطفالها أكثر للانحراف، لمساعدتهم على اجتياز المراحل الصعبة من المراهقة.
ثالثا: حل مشاكل اللاجئين ونضيف اليها ( النازحين ) وذلك باستجلاء أسباب النزوح و اللجوء واستئصالها. وهي في الواقع أسباب سياسية أكثر منها، أسباب أخرى وحلُّها بيد المسؤولين  والدول التي يجب أن تلجأ إلى الوسائل السلمية لفض النزاعات، ومنح اللاجئين فرص العودة إلى أسرهم وأوطانهم.
أسماء الإنسان من مولده حتى موته :
للإنسان أسماء تلازمه في كل طور من أطوار حياته،
فهو جنين قبل أن يولد،
وصبي إذا ولد،
وغلام إذا فطم،
ويافع إذا بلغ سبع سنين،
وحزور إذا بلغ عشرا،
وقمد إذا بلغ خمس عشرة سنة،
وعنطنط إذا بلغ خمسا وعشرين سنة،
وصمل إذا بلغ ثلاثين سنة،
وكهل إذا بلغ أربعين سنة،
وشيخ إذا بلغ خمسين سنة،
وهم إذا بلغ ثمانين سنة،
وفان إذا بلغ تسعين سنة.
(مصنف العسقلاني)

Saleem Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]