نداء السيد الصادق المهدي بالحب في السياسة يفصح عن نظرة تسبر غور الواقع المكفهر . خطابنا السياسي ينضح بالتعالي ، الإزدراء و الكره كما يفيض بالشكايا والهجاء . على قدر التوغل في العنف والدم والممارسات الشرسة طوال ربع القرن الأخير يعج الخطاب العام بالفحش والشتم والقول الفظ . ربما من كياسة الداعي توجيه النداء في الفضاء العام دون رسم عنوان محدد . تلك كياسة يمكن فهمها لكنما يستعصي هضمها . أبسط قناعات المؤمنين" بالمحبة في الله" تطبع الناس بدين ملوكهم .القابضون على زمام الأمور قبضوا على خناقنا حتى تيبست عاطفتنا السياسية ؛ فئة حاكمة تحجرت مشاعرها في نعيم الهناء بينما كتلة صماء تبلد إحساسها في جحيم الشقاء . تجسيد مجسم لفرضية لينين " الدولة أداة قمع لصالح الطبقة الحاكمة "
أصحاب المشروع الحضاري هم من أفرغ خطابنا السياسي من ديباجته المهذبة . هم من هبط به إلى الدرك الأسفل من الخلق والأخلاق. لذلك تذهب مصطلحات من شاكلة" الحوار الوطني"، الوفاق والتوافق أدراج الرياح . لعل حنينا ساق الإمام إلى عهد طبع رجال ذوو ارومات كريمات خطابنا السياسي بالفحولة والجزالة والبلاغة والحكمة . خطباء أو كتاب يتنافسون على استعراض مخزونهم من الرؤى والمعرفة والثقافة . حتى حين يخرج البعض عن النص يستقصد المرح اكثر مما يستهدف الأذى . لذلك لاتزال جملة من الأقوال الهازئة الساخرة عالقة في الذاكرة يعاد إستردادها في مناسبات متباينة بين الجد والهزر. تلك حقبة مشربة بالبساطة حتى في مناورات ساستها ومكايداتهم . على نقيض ذلك يبدو حاليا الإستثناء عن طفح الإسفاف وغلظة الخبث ندرة .
مالم يطرأ تحول على خطاب الدولة لن يبلغ نداء الإمام غاياته المرتجاة .تلك خلاصة حتمية ليس فقط لأن الدولة هي المسوؤل الأول عن الهبوط بديباجة الخطاب العام ، بل لأنها هي كذلك تحتكر منابره . ذلك مسار حضاري بالفعل يبدأ حفره بإعتزارعلى نسق نقدعلني ينم عن إرادة واعية . تلك فضيلة تبدو عصية على أركان نظام سقط إلى سفح الظلم والطغيان مترهلا بالفساد . لعل الإمام يستعيد معي قول محمد أحمد محجوب " الحكم يحتاج إلى معرفة ونزاهة ومتانة في الخلق " لا أدري ماذا يقول المحجوب – عطر الله ثراه - فيما لورأى حالنا وهو الكاتب في ميزانه السياسي وقتئذ لدينا "أزمة في ديمقراطيتنا ؛ أزمة أخلاقية ، أزمة في العلاقات الإنسانية "
ربما أصبح الإمام أكثر واقعية لو صدح بنداء ملح لرفع الحظر عن الأدمغة . تلك دعوة تتزامن مع التضخم المفتعل في بورصة الحمل الكاذب بإنفراج في الأزمة الإقتصادية المستحكمة . كما أنها نظرة أسبر غورا للواقع الكالح .لامتسع للحب في صيف اليأس الطويل مع زمرة المفتونين بالجاه ،المال العام ، متاع الإمتيازات وشهوة السلطان . عند هؤلاء يتصاعد إيقاع الجبر والإكراه مع استشراء مظاهر الجبروت والترهيب . الحب لا يزدهر في موسم الكساد الإقتصادي .
هؤلاء لم يدركوا أولوية رفع الحظر عن الأدمغة بغية كسر دائرة الأزمات حول النظام ،الشعب والوطن . رفع الحظر الأميركي عن التحويلات المصرفية لن يعالج إختلال فادح في موازنة المنتج والمستورد. من شأن إعادة إطلاق الحوار المتكافئ فقط فتح إقنية الجدل المثمر في ميادين التنمية المتعددة . الكبت السياسي كما الإقصاء المقننان يعطلان حرية الإجتهاد الخلاق على الصعيد الوطني برمته . كما قال روجيه غارودي " الثقافة أولا والتنمية ثانيا " . كل تقدم إقتصادي يفصح بالضرورة عن نمو في عقلية الشعب وفكره. لدينا قناعة مطلقة بضرور تلازم الحرية والتقدم إذ لا سبيل لإنجاز الثاني في غياب الأولى.
مفصل أزمتنا مع هؤلاء أنهم لم يرهبونا فقط بقدسية النصوص الرثة بل في فرض خطابهم نصا مقدسا . خلافنا ليس على المقدس بل نحن ضد أفكارهم عن التقديس .تحت ظل الإعتصام بالحق الإلهي إستغرق أصحاب السلطة في الغلظة ، الشدة حد الأستبداد . مع استشراء الخوف والكراهية أمست تأرخة العهد مبنية على رصد الأخطار ، الخطايا ، الفضائح والجرائم . هكذا لم يعد في الإمكان إيجاد متسع للحب المعلن . بلى الحب عاطفة إنسانية لكن من غير الإنساني تحريض الضحية على حب الجلاد . من خلال هذا المنظور نحن أمام خيارين .



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.